جمرات الشوق

جمرات الشوق

- قصص -

                                                        حسن إبراهيم الناصر

جمرات الشوق

ريح بحرية تستفيق قبل الفجر, تنفلت منها تخرج من ضيقها, نسائم الصباح ترشق رذاذ الموج, تقذف بقايا السفن الراحلة على الشاطئ , تمشي عارية القدمين فوق الرمل المبلل, تخطف نظراتها, أسراب النوارس تمد أجنحتها كسحابة بيضاء فوق المالح تغوص تبحث عن غذائها وتعود للطيران, خلعت ملابسها بتأنٍ, انسلت تحت الموج غسلت نعاسها, كأنها تتخلص من أشياء تقلقها, تتوقد بداخلها كجمر, لم يعرف النوم طريقه إلى عينيها, بهدوء ضغطت زر آلة التسجيل / عبد الحليم

: رميت الورد طفيت الشمع… يا حبيبي آه والغنوة الحلوة ملاها الدمع… يا حبيبي؟ / راحت تتحدى الموج, تارة تغوص تحته, وتارة تعلوه تلف جسدها وتنساب معه, ترف فوقها أسراب النوارس كأنها تحتفل معها, أو تشاركها أحزانها, جمرات تتوقد في صدرها, على راحتيها, تحت جفنيها, تشعل ذاكرتها, جمعت شعرها الطويل تحت نظارتها الشمسية, قطرات مالحة تدغدغ أنوثتها, جلست بلباسها البحري تحت المظلة , قلة من المصطافين تركوا الشاليهات المنتشرة على امتداد الشاطئ الرملي الجميل, ونزلوا إلى البحر, أو راحوا يمارسون الرياضة, أخذت الريح البحرية تشتد, وبدأ الموج يعلو, والنوارس تبتعد عن المكان, عابر. أشعل الجمر في موقده من زمن وانتظارات, تأخر مجيئه ألوان شفيفة تتمايل أمام عينيها, والشمس تلوح لها بالرحيل , بضع غيمات تشكل لوحات شتى, ترسم باللازوردي شفقاً لغروب يشبه جمر ذاكراتها, كأن الأمكنة تشدها إليها والريح كشفت سرها, ليلة اختفى قمرها ساهرتها جمرات المدفأة, كومة من حطب السنديان, حولها .. حركت الجمرات, وهج النار لفح خديها , يا إلهي هل أمشي إليه ؟ في زمن لا يأمن الإنسان على روحه… قال لها: أنت تتوغلين بالبال وتتعشقين بالقلب, تنفذين إلى خيمة الضلوع, غالية يتوجك الألق, تظلين حلماً, طيفاً تحملة الريح البحرية إلى غرفتي عبر نوافذ الليل, معاً نهمس للريح أن تحرس خلوتنا.. هنا مشينا , البحر يفرش لنا زرقته, والغروب يمنحنا لونه, كنا نستقبل صيادي السمك , نرتل أغانيهم , آخر الساهرين يأتي مع نجمة الصبح, قذفتنا الأيام كبقايا السفن التي تعبر المرفأ, ومزقت الغربة ألفتنا, كل في طريق! باتت وحدها تسهر نجمة الصبح, وحدها تستيقظ الشمس, تسمع أغاني الصيادين, وحده يمضي الغروب حزيناً , افترشَ الصقيع سريرها والليل أغرق ستائر نوافذها بلونه, معك كانت الأشياء أجمل, كل شيء ينفرها, مدت يدها أخذت قطعة حطب دفعتها إلى الموقد, حركت الجمرات , سمعت أنين الشرفة, شعرت بلزوجة الطين في فمها , لم تستطع متابعة الغناء مع ” عبد الحليم ” كيف تخلعه من قلبها… تخرجه من ذاكرتها! في مطعم يطلّ على البحر” مزدحم ” بالناس تجمعهم الألفة.

صعدا معاً درجات حجرية, كلّ شئ فيه يعيش في الماضي , أثاثه, كراسيه من القش, مدفأة قديمة, الجدران تزينت بلوحات لفنانين كبار, بعض الأواني النحاسية.. منقوشة بكتابات وحكم أو آيات قرآنية, إلى جانب تمثال لعاشقين جلسا فوق كرسيين من القش, أمامهما طبق من النحاس رسم عليه غزالان.. وصياد يراقبهما, اقترب نادل قصير القامة ابتسم بلطف, طلبا فنجانين من القهوة وأركيلتين وتنباكاً عجمياً , شعرا بدفء المكان, تركت يدها في يده, موسيقى أنعشت روحيهما ” من أجل عينيك عشقت الهوى” الريح الخريفية تعصف بالمكان, قطرات مطر تضرب زجاج النافذة , التفتت إليه كأنها تحتويه في عينيها : أتحب أم كلثوم؟ في بعض المناسبات, شعرت ببرد الخريف, بعيداً عن الذاكرة سألت نفسها أين تمضي بهذا الحزن الذي تحول بداخلها إلى أغنية يومية؟

الروح موزعة والجمرات تلسع صدرها, تلاحقها كوابيس الليل, وجع لا يحتمل , هذه شرفتك باتت غريبة عن القمر, ونسائم البحر.

الأشياء من حولها باهتة, والغروب كئيب , تتجرع آلامها بخشوع, القهوة بلا طعم,  وأنت على سفر بين الخريف والشتاء, ترفل الأماسي في ثوب حداد طويل, تعيش الغربة, باتت لقاءاتنا كحبات رمل شتّتتها ريح الخريف, تجتاحها حيرة من شوق وجمر, وحدها عرفت ماذا يعني الصمت, وحيدة على شرفة الليل, تراقب انفلات القمر من خلف غيوم الخريف , تنتظر صباحات بلون الرماد, أنت هناك: كيف تطيب لك الأغاني ؟ بقايا جمر في المدفأة, تساءلت: كيف لا يَتعِب الموج البحر… ولا يؤذي الجمر المدفأة؟ وأنت لا يتعبك الرحيل؟ مضيت بعيداً, استطابت الليالي أحزانها, وألفت النوارس وحدتها , والريح الخريفية تتوالى, والذاكرة لا تهدأ أنت من أنكر ذاكرته وطوته الأيام , وجعلتني أراقب السفن التي تقف في المرفأ, لأجل بحار يأتي من ذاكرة, أو تقذفه ريح الخريف على رصيف الميناء , يتوغل الوجع بداخلي , تتأجج جمرات الشوق, يدخل الطيف, تتلقاه الشرفة , يصافحه الغروب, تعرفت عليه النوارس… يحتويه الليل يصير ماضٍ…هكذا ترحل الأشياء؟ تلقيني ككتاب مللت قراءته,وغاب جسدك في جوف الطائرة … بلا وطن تعيش, اختصرت كل شيء في جوازسفر‍‍!! شهقة عذاب , ودمع , تناقلتك الغربة من تعب إلى تعب, وغبت في ليل مدن لا تعرف الراحة, تهرب من شيء , يعيش فيك, السنديان يضرب جذوره بالأرض يمتد عالياً, تمضي تلفك الغربة, والريح قلعت اسمك من دفاترها, بدلت لغتك ولون عينيك, ولون شعرك, غيرت أحذيتك, وجواربك , وحين تهبط من حولك ليالي الغربة, تشعر بالعزلة, تمدّ إليك السفن العائدة أشرعتها, تأبى أن تعود, تصبح كتاباً تطويك الذاكرة, يبتلعك الليل, كان انتظاراً بطعم السفرجل!

تراقب صباحات الطراقات, خيالات تموج مع الغباش, ثمة منعطفات, تتأرجح الصور بين الصحو والغفوة, تلك الطريق الترابية تعرف وقع خطواته, هو؟ خياله..حذاؤه… حقيبته, لم تشعر بلهفة إليه… تعودت غيابه, انغمس الجمر في صقيع روحها وانطفأت لهفة الشوق , صارت تخبو شجرة الزيتون تحت شرفتها وحشة الليل تسكن عينيها, انتهى الزمن الذي تتحدث عنه ذاكراتها, أغلقت النوافذ المطلة على البحر, أطفأت الأنوار, أشعلت شمعتين من زمن بعيد, مدّت جسدها إلى جانب مدفأة الحطب , وراحت تقلب جمرات الشوق؟..

طرطوس/2002/

ÞÞ

 

أحلام ُ ندى

هكذا كعادتِها كلّ يومٍ تنتظرُ شمسَ الصّباحاتِ, تغتسلُ بقطرات النّدى على الشَّرفةِ الشّماليةِ مع فنجان قهوتِها , حدّقتْ إلى لون القهوة التي تشبهُ سمرتَها , وهي خارجة من ثوبِ ميلادِها, نغنغات طفولتها الأولى تملأُ زوايا البيتِ الحجري القديمِ, على هذهِ الشّرفة ِ قررتْ أن تشقّ طريقَها بعيداً عن ملاعبِ طفولتِها وذكرياتِ مراهقتِها … كلّ شيء هنا يذكّرُها بالماضي.

قالتْ لنفسها: هنا جلسْنا وعلى شجرةِ الجوزِ كتْبنا أسماءَنا , وحكينا عن أوجاعِنا, هناك تبادْلنا باقاتِ الوردِ, لمستْ خدّها , لم تزلْ آثارُ قبلتهِ برغم مرورِ الزّمنِ…. ياه… رشفتْ قهوتَها الباردةَ.

شعرتْ أنّ الدّنيا قذفتْها لتواجهَ العاصفةَ خارجةً من فيضِ الصّبا إلى عذاباتِ الدّنيا, تذكرَتْ طفولتَها هناك في الجهةِ المقابلةِ للشّرفة طريقُ المدرسة ترافقُها حقيبتُها التي خاطَتْها أمّها من قماشِ ( قنبازِ) جدّها الحريري..  ظلَّ عشقُها لتلكِ الألوان يرافقُها إلى صباها وخزَها سؤالٌ موجعٌ ؟ كيفَ تتركُ هذه الأمكنةَ سهولاً وتلالاً تموجُ بالخضرةِ, آثار طفولتِها محفورةٌ تحتِ شجرةِ التّفاحِ وبينَ أوراقِ التّينِ, وحكايا قطفِ الدّخانِ البلدي, مازالتْ دمعاتُ عشقِها الأولى تروي الدّاليةَ الكبيرةَ التي عربشتْ أغصانُها على جدارِ البيتِ وظللَ فيؤها العلّية , كلّ حبةٍ عنبٍ تروي حكايتَها , عادِ السّؤالُ من جديدٍ … ماذا تفعلُ في المدينةِ … وهل تنسى..؟ أرادتْ أن تهربَ من ألمٍ مفجعٍ, دفعتْ سعادتَها للآخرينَ… إنّها تشبهُ غيمةً محمّلةً بالمطر …. كانَ عليها أن تروي يباسَ أنثى أخرى… فتحتْ ذراعيها انهمرتِ القطراتُ فوقَ اليباسِ, انتعشت الأنثى, انتظرتْ ولادتها لامسته سمعتْ صرخاتِه , دغدغت شفتيهِ, أخذتْهُ إلى صدرِها ما زالتْ تحنّ إليهِ هو الغافي في حضن امرأةٍ لا تشبهُها, وقفتْ على الشّرفةِ تطلَّعت إلى المدى البعيدِ, يجبُ أن يطويهِ النّسيانُ….سهولٌ تعشقت مع رمل للشّاطئ, زيتونٌ تعبقَ على جنباتهِ رائحةُ البخور, لكلّ شجرةٍ على هذا الوسع حكايا مع عاشقينَ… أو متلهفينِ للقاءٍ .. عليها أن تتخذ قرارَها قبلَ أن يضغط عليها الحلمُ .. ركضتْ فوقَ جراحِها… مشتْ على الجمر . انفلتتْ من أوجاعهِا امرأةٌ أخرى, لا يعنيها ما يجري حولَها… شدّتْ يدَها على مقبضِ الحقيبةِ… عليها أن تلحقَ بالحافلةِ دمعاتُها تعلّقتْ على خدي أمّها, شمّتْ عرقَ صدرِها , لهُ طعمُ النّعناع ورائحةُ الأرضِ, ندى جبينَها بللَ وريقاتِ الدّاليةِ , الأرضُ الرّطبةُ يابنيتي أكثرُ حناناً ورأفة على النّسغِ , قبلّتْ يدها ضمتْها إلى صدرها من جديدٍ , قرأتْ لها آيةَ الكرسي وأدعيةً حفظتها منذُ زمنٍ , حدقتْ في اتساعِ البيتِ, كلّ زاويةٍ لها ذكرى تخدشُ داخلَها , توقفتْ عندَ الدّاليةِ الكبيرةِ… يا للعناقيد … انفرطتِ الحباتُ .. تدحرجتْ على الأرضِ انداحت كسنين عمرها- كم زرعتْ مبكراً أصصاً من وردٍ ودموعٍ على شرفة البيتِ الشّماليةِ حيث تقضي وقتَها مع أحلامِها تسبحُ عبرَ فضاءٍ رحبٍ مفتوحٍ, سهولٌ ممتدةٌ ووديانٌ من ذكريات, مساحاتٌ من أوجاعِ المراهقةِ دفعتْها لأن تركبِ الحافلَةَ بصمتٍ وتودّع أحبتَها بصمتٍ… المدينةُ كبيرةٌ , لا أحدَ يعرفُ عن الآخر أي شيء كلّ يجري وراءَ لقمةِ عيشهِ, عليها أن تحتفظَ بذاكرتِها وحدها, رطوبةُ ” البولمانِ” خدّرت جسدَها النّحيفِ, ياه كانتْ ليلةً قلقةً وثقيلة, لم يعرفِ النّومُ طريقهُ إلى عينيها , أطبقتْ جفنيها على حلمٍ يلاحقها… عشراتُ الأسئلةِ تواجهُ ندى, في بدء خطواتِ الغربةِ, المدينةُ بعيدةٌ ومشاكلها أكبرُ… المهمُ أن أبتعدَ عن مسرحِ الذّاكرةِ, كلّ شيء ضاعَ في لحظةٍ … فتحتْ يديها بهاتينِ اليدينِ قدّمتُ أحلامي لأنثى منحتُها ورودي وذكرياتي.. و قدّم لها مرافقُ الحافلةِ كأس ماءٍ .. انتبهتْ…عفواً تناولتهُ دفعةً واحدةً لا شيء يروي عطشَها… استغرقتْ في نومٍ لم تعهدهُ من قبلُ…

غفوةٌ هاربةٌ من زمنٍ تواجهها أسئلتهُ المحرجةُ, صعدتْ إلى غرفةٍ بلا نافذة بابٌ مفتوحٌ على ضيقِ غرفةٍ جوّها حارٌ وخانقٌ…  انغمتْ وأحسّتْ أنّ ثقلاً يضاف فوق تعبِها, أخذتْ ترتبُ حاجياتِها , راحتْ تفتشُ في أوراقِها الخاصةِ بعضُ الصور القديمة للنّاس الذين عايشتهُم زمناً… رحلُوا بلا وداعٍ … توغلتْ في ذاكرةٍ من وجعٍ وحنينٍ, نقيقُ ضفادع… ألقتْ تعبَها على وسادةٍ وفراشٍ من صمتٍ, حاولتْ أن تنامَ, اللعنةُ على الضّفادعِ ونقيقَها … بالغتْ في توقعاتِها كان الصّباح حاراً … أشعةُ الشّمسِ الحارقةُ خدشتْ أنوثتَها الرّقيقةَ, هنا لا تستطيع إعطاء الحرّيةِ لجسدِها … الفضاءاتُ مغلقةٌ, عيونٌ جارحةٌ وأوامرُ المنعِ مقيتةٌ, تسلّمتْ أوراق عملِها … خطواتُها في عالمِ الوظيفةِ بائسةٌ كحالتِها, سألتْ نفسَها مراتٍ عديدةً … كيف تتأقلمُ مع حياتِها الجديدةِ في مدينةٍ لا صلةَ تشدٌّها إليها…؟

جففت دموعَها , إنّها وحيدةٌ نتقاذفُهما الحياةُ , قدرُها يشبهُ الأواني المحطمةَ , بدأ ينمو في داخلِها شعورُ توجسٍ وخيبةٍ ومرارةٍ, جاءَ المساءُ باهتاً, بضعُ غيماتٍ داكنةٍ تشكّلت حول القمرِ, أخذتْ تراقبُ انفلاتَهُ منها… تعرفتْ إليه أوّلَ مرّة بين مجموعةٍ من أشخاصٍ مختلفينَ, لكنّه وحدهُ شدّها رغمَ تعلّقها برجلٍ لا يشبههُ, شعرتْ بميلٍ غريبٍ أنعشَ أوردتَها المتيبسةَ , نحو هذا الرّجلِ المتعالي قالتْ لنفسِها: ذلكَ منذُ النّظرةِ الأولى.

كانت حفلةُ شاي بمناسبة عامّةٍ, غلبَ عليها جوُّ النّكتةِ المبتذلةِ والهزلِ السّاخرِ, تنهدتْ بعمقٍ نسيتْ يدها بينَ يديهِ , عفواً كأنّها تعرِفُه من قبل… عيناها تراقبانهِ عن بعدٍ بتحفظٍ, قهقهاتٌ وهمساتٌ جانبيةٌ… لكنه ظلَّ صامتاً يرقبُ تبدلاتِ ملامحِهم, ضجيج ُ تبادلِ الأنخابِ نفّره كانَ لهُ طابعاً استثنائي كحضورهِ… أمطرَ يباسُ جسدِها بعذوبتهِ وتحليلهِ للأشياء أخرجها من صمتِها … أنعشِ روحَِها , يالهُ من رجلٍ, عضتْ على شفتِها السّفلى كلُّ ما فيهِ يشدّها إليه.. تمنتْ أن تأخذهُ بعيداً عن أعينهم, تمنحهُ ذاتَها تفرشُ لهُ أوجاعَها, تقصّ عليهِ حكايتَها, لو عرفته من قبل… لمدّتْ لهُ عمرَها… سنينٌ عديدةٌ تفصلٌ بينها وبينهُ, غريبةٌ هي الأقدارُ … تأتي بها هاربةً من رجلٍ منحتهُ عمَرها… ثم غادرَها مع أنثى أخرى….

يواجه الإنسان أقداراً ليسِ لهُ فيها يدٌ … وتحدثُ معهُ أشياءٌ لا يتوقعُ حدوثَها … هاهي تميل إلى رجلٍ لا يمكنُ أن تمتلكهُ.

أدهشَها عالمُ الوظيفةِ, لم تجدْ فسحةً لضيقِها ,انغلقتْ أبواب عالمِها وهي تمنحُ عطفَها للعابرينَ, ما بهِ هذا الرّجلُ يتركُها للقدرِ من جديدٍ, لم تكنْ تُظهرُ غيرتَها عليهِ, ولمْ تعرفْ تلكَ الغيرةَ التي تسكنُ داخلهُ ( تجاربُه في الحياةِ غنيةٌ ) سارا وحيدينِ رغمَ ازدحامِ الشّارعِ, لم يشعرا بأحدٍ, قصّتْ عليهِ جزءاً من حكايَتِها , وأخفتِ الكثيرَ ابتسمَ لها بنفسٍ طويلٍ … تكلّمي بحرّيةٍ: الأشياءُ التي نكتُمها تؤرّقُنا تجعلُنا بعيدينَ عن الواقعِ… تبقينا مغلفينَ بآهاتِنا وأحزاننا علينا أن تعيشَ المرحلة التي نحياها… ثم علينا مراقبةُ ما تدفعهُ الأقدارُ لنجدَ طريقاً يوصلُنا إلى شاطئ الأمانِ, قالتْ في نفسِها : إنّهُ يعلمُ ما أردتُ قولَهُ ولم أقلْهُ!! تعلّقتْ به أكثر…رجلٌ طيبٌ كلماتُهُ فيضُ ماءِ أنعشَ روحَها, أيقظ غفلَتها , إنّهُ يحيطُها برعايةٍ لم تعهدْها من قبلُ… انكسرتْ أسئلَتها… حضورُه يجعلُها تلتزمُ الصّمتَ, كأنّها تعيشهُ حتى في أحلامِها , لم تعتدْ حبسَ عواطِفها, ولا ترتيبَ نفسِها, انغمستْ في متاهاتِ الحياةِ, والآخرونَ تبيعهمْ هواها ثم تجعلُهم يعيشونَ لحظاتِ دفع الثّمنِ, تمشي بهم فوقَ جمرِ النّدمِ , تهيمُ بهم على حافةِ النّهرِ وتمنعُ ماءَها عنهم… ظمأٌٌ موحشٌ رافقَ سنواتِ عمرِها.

أمامَ هذا الرّجلِ تحبسُ عواطفَها وتطوي جرأَتَها, وتخفي نضوجَها الأنثوي المبكرِ تتلعثم بكلماتٍ كندى الصّباحاتِ, إنهُ يحتوي أوجاعَها, أدخلتهُ في حيرةٍ من أمرهِ, ثمّةَ جسدٌ مريض ملقى على مشرحةِ الحياةِ بلا دفء ولا مشاعر حاولَ احتواءَ وجعِها, هي لا تدري أنّها تدفعُ الثّمنَ, تميلُ مع أي نسمةٍ طارئةٍ. تسابقُ زمنَ نضوجِ أنوثتها, كانَ الحلمُ أكبرَ من الواقعِ… تمنياتها أحلامُ مساءاتٍ صافيةٍ تعبرُ مساراتها شمسٌ ساطعةٌ , وزقزقاتُ عصافيرِ الدّوري, فتحتْ نافذةً مطلّةً على ذاكرةٍ من وجعٍ وشوقٍ إلى فضاءاتٍ بعيدةٍ, أحسّتْ أنّ الأيامَ والسّنينَ في هذهِ المدينةِ ضاعتْ من عمرِها وزادتْ في معاناتِها. شيءٌ ما شدّها للماضي بكلّ ما فيهِ من وجعٍ إلى السّفوحِ و التّلالِ إلى الشّرفةِ الشّماليةِ للبيتِ الحجري القديم, بكتْ يوماً أنّها غيّرتْ قناعاتِها , وبكتْ أياماً لمن أتاحتْ لهم فرصةَ مشاهدةِ ذاكرتِها, والآن تخافُ أن تبكي دهراً على حالِها , تذكرتْ ما قالهُ لها : ” علينا أن نغلقَ ذاكرِتنا ونخفي مشاعَرنا عن أعينِ العابرين…” تملكتْها حيرةٌ ووخزٌ داخلي يومها..

ماذا يقصدُ هذا المتعالي؟  بالعابرينَ أرادتْ أن تسألَهُ, فكّرت جيداً لقد حاولَ كثيراً أن ينقذَ حطامَها, أن يشاركَها آلامَها , أن يمسحَ دمعاتٍ سخيةً عن خديها, كانتْ تنفرُ من عطفهِ وتشتاقهُ بنفسِ اللّحظةِ, تريدهُ تابعاً يعرفُ عنها كلّ شيء, ولا يتدخلُ في حياتِها. أمامهُ ينطوي تمرّدها, يجعلُها ترتجفُ كأنهُ يقرأُ أَسرارَها … ولو … عليهِِ أن يقبَلها كما هي, ما هذا الدّوارُ اللعينُ ؟ تريدُ أن تقولَ لهُ كلّ شيء دفعةً واحدةً, يمنعهُما حياؤُها , كيفَ تفتحُ له عمرَها؟ تريدهُ أن يقرأَها ثم فجأةً تخفي عنهُ ما تتمناهُ , سألت نفسَها بقوةٍ ماذا تريدُ هي منهُ؟ وضعتْ رأسَها المتعبَ على وسادتِها , سرحتْ مع أفكارِها, شدّتْ غطاءَ السّرير ثم أبعدتهُ هدوءً أقلقها, ارتعشتْ خربشاتٌ على نوافذِ الذّاكرةِ, أوراقُ النّارنجِ…

ابتسمتْ ياه . منذ زمنٍ بعيد لم تبتسمْ هي … هل نرحلُ ونتركُ كلّ شيء … أم تنتظرُ قدراً آخرَ .. كانَ صباحاً ندّياً تناولتْ وعاءَ الماءِ, وراحتْ تسقي نباتاتٍ طرّيةً وتوزّعُ الأصيص على جانبي مدخلِ البيتِ, هذه النباتاتُ تشارِكها حياتَها وترعاها حتى تكبرَ , افترتْ شفتاها عن ابتسامةٍ حزينةٍ بصوت ذي بحة خاصة, راحتْ تغني مع فيروز, قطفتْ حبقةً خبأتها في صدرِها . اعتادت كل صباح أن تقدّمُها إليهِ ( هديتني وردة خبيتا بكتابي … زرعتا عالمخدة…) يالفيروز !! تشبهُ الصّباحاتِ والياسمينِ والحبقَ ولها طعمُ الهيلِ , هو لايحبُّ المرأةَ ” المزركشةَ”

كانَ يقولُ : جمالُ المرأةِ في روحِها . كلّ الأفكارِ السّيئةِ تراكمتْ في رأسِها, لم تجدْ مبرراً لوجودِها قالَ لها: لا تزالينَ شابةً … انظري حولَكِ جيداً.. افتحي عينيكِ لتري الدّنيا أكثرَ جمالاً … لا تخافي, مدَّي خطواتكِ, ثقي بنفسكِ… لا تنظري للماضي… اخلعي ثوبَ الحزنِ, لملمي دمعاتِكِ, خبئيها لزمنٍ يأتي فرحاً, عرفتْ أنهُ يريد إخراجَها من ضياعِها

عليكِ أن تكوني امرأةً واحدةً … بعاطفةٍ وقلبٍ ومشاعرَ أضاء لها قنديلاً… قالَ لها قبلَ أن يودّعها: كوني امرأةً قويّةً تختزنُ الماضي كحلمٍ … ولا تأسفي عليهِ يا ندى

دمشق 2001

ÞÞ

 

وحيدا … يمشي

وحيداً يعيش يمضي يومه بين البيت والحديقة, يمدّ خطواته في الشوارع المزدحمة يحدّق في ملامح المارة كمن يفقد غالياً, تراه أحياناً يقف بقرب شارات المرور يراقب الصبية الصغار, وهم يتراكضون مندفعين إلى السيارات الواقفة غير آبهين بحياتهم الفتية. المهم أن يصل أحدهم قبل الآخر , تنفرج أساريره فرحاً بالزّبون, هزّ رأسه بأسى يا لهؤلاء الصبية, إنهم يبيعون كل شيء, خاصة للغرباء عن المدينة, مظهرهم يبدو كالشحاذين, تابع سيره باتجاه الجسر الكبير, هاله ما يراه,  أكوام من الأجساد البشرية تفترش الأرصفة تحت الجسر بانتظار أي صاحب عمل ينهضون مسرعين يلتفون حوله كل يعرض خدماته, حفريات , تمديد مجار, عناية بحدائق المنازل, أي شيء , المهم أن يعودوا آخر النهار إلى بيوتهم يحملون ما يسدّ رمق عيالهم ويلبي بعض ” ضروريات الحياة ” كان كل يوم يستغرق وقتا طويلا قبل أن يصل إلى الحديقة , يجلس على مقعده المعتاد قرب البحرة الصغيرة يشعل لفافة تبغ, يبدأ يومه بمطالعة الصحف اليومية, أحس بالملل…

الصور نفسها تتكرر كلّ صباح, كأن من يكتبون لا يواكبون الأحداث اليومية, أو أن أقلامهم تعرف ما هو مطلوب منها بشكل آلي فلا تكتب أكثر ولا أقل مما هو مطلوب, مدّ يده إلى جيب سترته الداخلية  أخرج أوراقاً قديمة ركز نظارته الطبية على عينيه , وراح يقرأها بتمعن, هذه الأوراق تستجره إلى التاريخ كم من الأحداث التي حشرت فيه تتعب ذاكرته , تعيده لأيام زمان حيث الصوت لا يتسع لـه الفضاء , والشارع لا يتسع للمتظاهرين , يعلون أكتاف بعضهم, والرايات عالية تخفق فوق الهامات, تنهد بحرقة إيه يا أبا ياسر: مشوار الحياة طويل وأنت وحيد, تطول الليالي فيك تتوه بين الحكايات التي أغفلها الوراقون فكتبوا تاريخاً يستند إلى حضارة وأمجاد… وقصور وحدائق وجوار, تساءل كم من الأزمنة عبرت فوقها؟ أخذ نفساً من لفافة التبغ, حرق جمرها شفتيه, ألقى بها على الأرض . داسها بحذائه, أحس بألم في عينيه دعكهما, كأن فيهما رمل طوى الأوراق وأعادها إلى جيبه , خلع النظارة , مسحها بطرف قميصه ثم أعادها إلى علبتها, الوقت ظهر الشمس تلفح وجهه لملم أشياءه بقامته المنحنية, سار باتجاه البيت محاولا أن يخرج من تلك الدوائر التي يحبس فكره فيها, ألقى الأوراق فوق الطاولة بقرف. جلس على كرسي خشبي بمواجهة رفوف الكتب, تأملها مليا, قرأ بعض العناوين . شعر بألم في رأسه. وضع إبهاميه فوق صدغيه . ضغط بشدة. استمر الألم , ضغط أكثر.أحس بدوار, أراد أن يمشي اختل توازنه, أسند ظهره إلى الجدار الرطب, راحت الصور المعلقة عليه تلف من حولـه/ تشي غيفارا بلحيته وقامته المديدة/ وتلك الصورة تركض على الجدار , طفل صغير تختزنه رسوم” ناجي العلي”  في عينيه بريق جرأة لا يهدأ وموج من الحزن بلا نهاية/ حنظلة/  راح يلتقط الأوراق التي كَتَبَ عليها قصائد , وأشعاراً, وأغاني يمزقها ويدوسها بقدميه العاريتين , دعك عينيه . خيالات تتقدم نحوه قال لنفسه : ربما القلق والتعب وراء ذلك؟ خرجت الصور من ملامحها . تقدمت أكثر, غيفارا تخلى عن لحيته… عن وقاره!! حنظلة خرج من ظله , وراح يشرب كأساً من الدم ويغني ويرقص… حدق به جيداً , أصابع قدميه داميتان . صرخ بوجه الرجل غاضباً , من أين جاء كلّ هؤلاء الغرباء؟  كيف تغلغلوا تحت عيوننا؟ أحس أبو ياسر بقشعريرة تسري في أوصاله ينبت الخوف من خلايا جسده بما يشبه الوشم , انفلتت عاصفة تحمل رمل الفيافي . خلعت الأبواب , حطمت النوافذ , تكومت تحت قدميه جمراً, تعبر من خلفها قوافل جمال ودواب تنوء بحملها, تمور, توابل , عطور حرير , يحرسها عبيد  مسلحون بالعصي يسوقون أمامهم الوراقين وحفظة الشعر إلى بلاط الولاة, سقط على الأرض . لم يدر كم من الوقت مرّ عليه مشلوحاً على بلاط الغرفة, أخرج منديلاً , مسح عرق جبهته. يا إلهي ماذا أصابني ؟! حدق أمامه, رف خشبي ينحني تحت ثقل مجلدات يعلوها الغبار , أتاه الصوت من جديد , حاول أن ينهض . خانته قوته. ظلّ ممدداً على الأرض, يُحكى أن الوراقين اجتمعوا في كوخ بعيد عن المدينة تحيط به غابة وصخور وأنهار وسواقٍ تختفي فيها وحوش مدربة وكتائب من العسس تبرق نصال سيوفهم وزعت الأوامر على الكتبة… يُحكي أن خلافاً حاداً وقع بين الولاة والعامة , وأن كل من يخالف الولاة يُلقى تحت جنح الليل في وادي الوحوش, فلا يسمع إلا صدى صوته ثم استغاثته , ينظر الكتبة إلى وجوه بعضهم ويتابعون كتابة التاريخ بماء الذهب!! أتاه الصوت من جديد , احذر لم يصغ للصوت, اقترب من الصور المعلقة جمعها فوق بعضها, أشعل النار فيها, لم يعد يشعر بالبرد , الصوت ثانية احذر . شلت يمينك أيها المستهتر , تابع بلا تردد يريد أن يتخلص من كل شيء خوفاً من اتهامه بمسميات” عالمية” جاءه الصوت احذر ثالثة قدماك فوق الجمر, يا إلهي : خرج من المجلد الأول ما يشبه الصنم, ارتجف الرجل, ارتعدت ساقاه . مد يده إلى كأس الماء. تناوله دفعة واحدة, شفتاه تشتعلان بكلام لم يقله, عيناه تلوبان بكل اتجاه قرر أن يتخلص من هذه المجلدات , راح يلقيها في النار واحداً , واحداً, لا يريد أي شيء يشدّه للماضي جاءه الصوت : اقرأ ما بين / اللات  وهبل/ تختبئ لعنة التاريخ. يندلق سواد حبر الوراقين فوق الحقيقة, تنبت شوكاً , أقلاماً وقوافل تنبت من رحم الصحراء لا تشبه الجمال, لها عجلات من حديد يقودها رجال يرتدون ملابس غريبة… ملامحهم لا تشبه أهل البادية.. عيونهم زرقاء.. لا نفهم لغتهم راحوا يتسللون إلى المنطقة اللزجة من الدماغ يتلفون خلايا الذاكرة, سقطت لفافة التبغ من يده رائحة حريق … دخان ينطلق كسحابة سوداء عبر النافذة , تجمع عدد كبير من الناس تحت النافذة سيارات كبيرة تطلق صفيراً حاداً يحذر الناس من الاقتراب , ثمة امرأة تركض عارية القدمين , اخترقت الحصار, حذرها مسؤول الإطفاء , لم تعره انتباهها , اندفعت بجسدها حطمت الباب, صرخت يا إلهي! كان لم يزل واقفاً يحترق بصمت, وعيناه تلوبان بكل اتجاه, لم تعد تدري أتضحك أم تبكي؟  تصرخ بصوتها الأبح, راحت تبكي بحرقة وهي تمزق ثيابه, أخذته إلى صدرها شبه العاري, شمت رائحة احتراق الجسد , سحبته إلى الخارج بقوة, تجمع الناس حولها. اتهمها بعضهم بكسر الوصايا. امرأة مكشوفة الرأس, نهداها نافران… تلتصق برجل” غير محرم” تبادله العناق على مرأى من الناس!! اندفع بعض الشباب والصبايا يصفقون لهما باحترام, ثم أحنوا رؤوسهم بصمت, اشتعل غضب مسؤول الإطفاء , تقدم رجل ترك لحيته بلا اهتمام قال غاضبا: ” إلى جهنم” أشار على مسؤول الإطفاء أن يترك النار تلتهم جسديهما , اندفع الشباب , شكلوا حاجزاً بينهما , ألقوا فوقهما غطاء كبيراً, تابع الرجل الملتحي طريقه شاتما ” الدنيا آخر زمن” بينما مسؤول الإطفاء لم يزل يحذر الناس عبر بوقه الكبير , ممنوع الاقتراب , إنهما يشكلان خطراً عاما؟!.

 

“على جانبي الطريق، قطرات المطر تمسح ضفائر الزيتون وامرأة تكتب عشقها”

 

امرأةٌ غالبها الشّوقُ

حاصرَها الخريفُ بفجرٍ عاصفٍ بعد ليلةٍ ماطرةٍ، بدت لها لن تنتهي. أحسّت بضيقِ الفضاءات من حولها، غيمٌ داكنٌ يسدُّ منافذ الضّوء، امرأةٌ غالبها شوقُها لمن تحبُّ، راحتْ تكتبُ في الليالي الباردةِ.. رسائلَ بلا عناوينَ… حاولتْ استنهاض بقاياها التّعبة، داهمتها خيوطُ الفجرِ الفضيّةُ المتسلّلةُ عبر أواخر السّواد. وخزَ الصقيع أصابع قدميها… أسرعت إلى موقد الحطب، رتبت القطع الصغيرة على شكل هرمٍ… تأففتْ. أعوادُ الثقاب رطبةٌ… ها!! أخيراً اشتعل أحدها.. النّار أشعرتها بالدّفءِ، انعكسَ ضوء اللّهب على مرآتها القديمة.. بان شحوبُ وجهها… توضحت تجاعيدهُ المقلقةُ.

العاصفة تدور بدويها المخيف حول البيت الطّيني، حفيف الأغصان على جدار الغرفة، وتساقط الورق على الأرض المبللة… جعلها تعدُّ سنوات عمرها بمساعدة أوراق تقويمٍ قديمٍ.

وقفت أمام النّافذة المطلّة على وادٍ وسفوحٍ وأشجارٍ تتلوى تحت ضغط الرّيح. دروبٌ ضيقةٌ على جنباتها بيوتٌ حجريةٌ وطينيةٌ تهدّمت بعض جوانبها بفعل الرّيح والمطر، تغطيها أعشابٌ خضراء على امتداد السّطوح التّرابية، أزقةٌ تتعرج تصفرُ فيها الرّيح، مدَّتْ نظراتِها إلى الجهة المقابلة حيث الطّرقات الإسفلتية على بيوتٍ ذات شرفاتٍ عاليةٍ من قرميدٍ وحجارة كبيرةٍ بيضاء وأسوارٍ تحيط فيها حدائقُ جميلةٌ يعملُ فيها حراسٌ ملامحهم غريبةٌ

حاولت أن تهرب بأحلامها من الوحدة… خوفٌ وحيرةٌ افترشا داخلها، تخيلتْ أنها تقفُ على شاطئ رملي وحينَ أدركت أنّها وحيدةٌ أخذت تلوِّحُ للسّفن التي احتوت ناسها، تذكرتْ أنّها تحملُ رسائلها، أخرجتْها وراحت تلقيها على الموج راقبت انسيابها مع الماءِ المالح إلى المدى البعيد بعينين دامعتين..!!

“رسالة أولى”

هل تعطشُ لصوتي؟.. لقد ظمأَتْ إليك ولقفتكَ بدمعاتٍ فاضتْ أيها الغائبُ الحاضرُ في داخلي… لقد بحّ صوتي وأنا أناديك… أنادي لا أحد يسمعُ صوتي إلاّ صدى الوديانِ وأشجارٌ حفرَ الصبّا عليها حروفُ اسمينا… يبدو أنَّ الصدى سبقني إليكَ وسبقتكَ إليّ عواصفُ الخريفِ لتشلحني عاريةً كشجرةٍ… لا شيء يدفئُ صقيع أيامي، علبُ الدّواء الفارغةُ تكومت في زوايا غرفتي وحول سرير نومي، أتعبني هذا الانتظارُ المقيتُ وطوتني السّنوات الموجعة ما بين التجاعيد وأشواك العنوسة، غريبةٌ عن كلِّ الملامحِ التي تطالعني في الصّباحاتِ الماطرةِ، الخريفُ يجرّدني من دفئي وملابسي… أشعرُ أنَّ أنفاسكَ تهيمُ حولي، أتقلبُ على جمراتٍ من وجعٍ وخوفٍ… إلى متى…؟

تطلُّ عبرَ خيوطِ الشّمسِ… أوّلُ الخطواتِ أغانيكَ على شفاهِ الفجرِ… قرأتك بلهفةٍ وشوقٍ، خانتني ذاكرتي يوم استسلمتُ لسحر عينيكَ ورحت تمسّدُ خصلات شعري الليلي وتدخلُ عالمي… رأيتك تستريح بين ضفاف صدري، تعيش بأشيائي الحميمة، حذرتكَ من لهفتي إليك… أشعلتَ لفافاتِ تبغكَ البلدي فوقَ وجهي.. لم تأبهْ لبحّةِ صوتي.. أنينٌ يشبهُ هسيسَ احتراقِ قشّ القمحِ ومخلفاتِ البيادرِ.

خريفُ يغري امرأةً تجاوزتها السّنواتُ لأن ترتدي أجمل ملابسها.. تسعى للقياكَ، غريبةٌ شخصتْ إليها كلُّ العيونِ، كنتُ عائدةً إليك من حلمٍ نسجتهُ ذاكرتي لأنكَ المستحيلُ الممكن ودروبك مبهمةٌ أمشي إليك.. تتوهُ خطواتي أذكر أنّ بعض القناديل كانت هنا.. أيضاً تنبهني الذّاكرةُ.. لقد سرقوا قناديل الليل… ليعيشَ اللَّصوص بأمانٍ.. صورٌ شتى تتراكضُ خلفَ الطّيفِ راياتٌ سود أكاليلُ من غارٍ وبياضٍ يبدو أني دخلتُ عمرَ التّخريف مبكراً أو أنني أقلقتُ الذّاكرة من جديدٍ بتخيلاتي وأوهامي.. عشقتُ البحرَ… أرمي إليه رسائلي علّها تصلُ إليك أيها الحالم بمدنٍ تشبه بياضَ الفجرِ… وعيني امرأةٍ خارجةٍ من خوابي النّبيذِ المعتّقِ… أذكرُ أنّك قلت لي يوماً إنّ حلماً مربكاً وأنتَ تقفُ خلفَ نافذةِ البيت القديم… كانتِ السّماءُ تجودُ بكلِّ مطرها على الأرض… رأيت امرأةً لها جمالها الخاص تخرج من فنجان القهوة ترتدي ورق الزّيتون مغسولة بعطرِ الهيل تقدّمُ لكَ قهوة الصّباح أسرعت أنتَ لتأخذها إلى صدرِكَ، كان الهواء وبعضُ الفناجين التي تحطمتْ وارتطامُ قدميكَ بخشبِ الطّاولةِ… أذكرُ أنَّ كفيك كانتا مدميتينِ سكبتَ فوقها لتراً من العرقِ ولففتها بشالِ أمّك الحريري… يا له من حلمٍ ركضت خلفه عمراً كاملاً… صقيعٌ قاسٍ يخيّم في سريري ها أنا أخربشُ بعضاً مني على أوراقي أرميها للموج… أشعرُ أنّ العمر يتسربُ من بين أصابعي، فخاراتُ النبيذ ما زالت رفيقتي، لم ألتقيكَ ولم تضمّكَ عيناي ولم تعصر بيديكَ أوجاعي… أشعرُ أني أعرفك منذ أمطرتِ السّماءُ أوّلَ مرّةٍ ومنذ تفجرت ينابيع الدّم في جسدي، ومنذ دوّتْ صرختي في بيتنا القديم ومنذ جرحت يديّ وأنا أركشُ بين شجيرات الزّيتون، ومنذ كتبت اسمي أوّل مرَّةٍ على ورقٍ في مدرسة قريتنا القديمة… كنتُ أراكَ على الصّفحات وبين الورق وتحت ملابسي وعطري كنت أنت أشياء خلوتي المحببة…

أخذت الأوراق من جديدٍ وضَعَتْها في ظرفٍ أنيقٍ سكبتْ عليها قبلاتها ثم ألقتها إلى البحر تقاذفها الموجُ بعيداً… عيناها تراقبانِ بأسى اللون اللازوردي.

 

“رسالةٌ ثانيةٌ من وجعٍ”

الرّيح تلفُّ أغصان الزّيتونِ، تلك الشّجيراتُ الصغيرةُ تنحني، تقبّلُ الأرض ثم تنتصب من جديدٍ، شغلها المنظر عن نفسها، هنالك تحت رّفِ الصّخور تختبئ الطّيور من العاصفة… حمامتان تتناغمان بأغنيةِ غزلٍ داخل البرج الطّيني وخلف النّافذة: عيناها تراقبان الطّرقات التي تحمله إليها.

توقفتْ لحظةً… “أخافُ العاصفةَ.. والمطر.. أتذكرُ كم مشينا تحتَ المطرِ كنتَ تقولُ: دعينا نغتسلْ بماءِ السّماءِ لنكونَ أكثر طهراً”.

إنّها تعشق الخريفَ تتمرد على الشّاطئ وحيدةً تلقي ملابسها وهمومها تغتسل بملوحة الماء البارد… شعرت بلذةٍ جعلت جسدها الطّري يرتعش تشكّلت حبيباتٌ صغيرةٌ فوق جلدها الأسمر، شوقها حررها من البرد، بقدميها العاريتين راحت تلقي رسائلها فوق الموج.. ارتدت ملابسها على عجلٍ، رجلٌ طاعنٌ في السّنِ، يحملُ شبكةَ صيدٍ قديمةً.. وزوادة… قبيلَ الفجر يدبُّ بخطواتِهِ الثقيلة على رمل الشّاطئ.. أعدّ قارباً صغيراً ومهترئاً.

فرش شباكه وراح يدندن بأغنيةٍ عن البحر والصّيد (عندك بحرية يا ريس حلوة وشرقية يا ريس).. شيء ما دفعها لأن تقترب منه.. خذني معكَ يا عم.. حدّق فيها.. تعوَّذ من الشيطان.. من أينَ أتيتِ أنت..؟ إنس أم جن ابتسمتْ له… وسرحَ مع أغنيته (ريحة أراضينا يا ريس عم بتنادينا يا ريس)

كانت الشّمسُ تحاول تمزيق الغيوم لترسل أشعتها على الأرض، أدار وجهه باتجاه اتساع الماء.. “طوتْ فضولها وعادتْ إلى الصخرةِ تجرُّ خيبتها، كادتْ تحققُ حلمها بأن تَمتطيَ القاربَ إلى عرضِ البحرِ… غابَ الصياد خلف الموجِ.. تنهدَتْ، عصفتِ الرّيحُ من جديدٍ بالنّافذةِ.. بعثرتْ أوراقها، رذاذُ المطر جعل وجهها أكثر نضارة من قبل… جلستْ بقربِ الموقدِ… إنهُ وجعُ الانتظار!!

-كلامٌ-

الشّمسُ تلملمُ بقايا ألوانها ينغمسُ شفقها الوردي مع زرقةِ البحرِ يشكّلانِ لوحةً عجيبةً من صنع الطّبيعة، وقفتْ تودّعُ رحيل الشّمس وغياب رسائلها مع الموج. القمرُ الفضيُّ يهرب من خلف غيماتٍ بيضاء يطلُّ بهيئته ناشراً ضياءَهُ على السّفوح والقمم، ينتشي الزّيتونُ، وتخرجُ الطّيورُ بتغاريدها لحناً شجياً، راحتْ تجمعُ بعض زهور أحواض الزّريعةِ… باقةٌ لك.. باقةٌ للموجِ.. باقةٌ للرّجلِ الطّاعن في السّنِ.. باقةٌ لبياضِ المدن المشتهاةِ.. رسمتْ على الأوراقِ أشياءً مبهمةً بلا ألوانٍ تشبه صخب الموج… مطرُ السّماءِ.. بزوغُ الفجرِ.. الرّيحُ تعصفُ بالنّافذة من جديدٍ… يرتعش جسدُها تلتصق بالموقد القديم.

 

-حالةٌ داخليةٌ-

ليلٌ طويلٌ يضغطُ بهوائه الرّطب على صدرها تركت السّرير.. فتحت النّافذة المطلّة على البحر.. أضواءٌ تبتعد وأضواءٌ تقترب من الشَّاطئ وحلمُها ينطوي خجلاً على وسادةٍ من قلقٍ وذاكرةٍ لا تتوقفُ عن استجرار الأحلامِ.. وخزتها معدتها تذكرت أنها لم تتناول الطّعام طوال اليوم، بعضُ الصّحون ما زالت على مائدة الطّعام زيتونٌ، شنكليشٌ، زعترٌ، أعدتْ إبريقَ الزّوفا شرابها المفضّلِ، تناولت رغيف خبزٍ توقفتِ اللقمة مرارةُ حلقِها جعلتها بحالةِ إقياءٍ، ما الذي يجري ويدورُ حولَها؟ ما هذهِ العاصفة؟ تركتْ طاولةَ الطّعامِ، وقفت على الشّرفةِ ترقبُ الأضواء التي تبتعدُ والأضواء التي تقترب من الشّاطئ، أغلقتِ النّافذة، مدّت ساقيها تحتَ الغطاء… تستقبلُ عاماً جديداً… بأحلامٍ جديدةٍ…

دمشق 1/1/2002

ÞÞ

 

“يغسل الحزن القلوب الطاهرة بندى الصباحات، نكتب صفحات من كتاب العمر، تطل أنت مع خيوط الفجر بهياً.. إلى إبراهيم والدي؟.

 

قبل خيوط الفجر

مع بياض الفجر نهض من فراشه نشيطاً ناسياً تعبَ الأمس شمر عن ساعديه، غسل وجهه بالماء البارد، بدأ تلاوة تراتيل الفجر.. عبر شقوق الباب الخشبي، لفحته نسائم الصباحات الرطبة ارتدى بدلة العمل، وأخذ يعدّ أدوات الجرار استعداداً للذهاب إلى حراثة الأرض، تنهد بعمق كأنه يكشف صدره… يا له من زمن دارت به الذاكرة، شريط بدأ مع خطواته الأولى في عالم الطفولة وراء المحراث الخشبي /والبغلين القويين/ وسوط خاله أبي سالم يجلد شقاء طفولته… كان عليه أن يرتقي إلى عالم الرجولة مبكراً… العائلة مسؤولية يا خال.. ردد خاله، الأرض وحدها تثبت أنك رجل قادر على تحمل المسؤولية!! ازداد تعلقه بالأرض وشوقه إلى عالم الرجولة… مما دفعه لأن يعمل بصمت، ليتعلم فنون الفلاحة، قال خاله: انتبه يا ابن أختي: جمع عدداً من الحجارة ذات الحجم المتوسط، لملم أطراف عباءته، وضعها فوق بعضها على شكل عامود صغير في أول الأرض.. مد خطواته إلى آخر الخطوط الحمراء وأقام عاموداً من الحجارة أيضاً.. وقف بمواجهته، أشار إليه… اسمع: هي على استقامة واحدة.. عندما تحدد مسارك بهذه الدقة تصبح فلاحاً… ابتسم، ورجلاً أيضاً، ضحك وهز رأسه ياله من زمن، كل هذا ولم يكن قد تجاوز الرابعة عشرة من عمره، تلمس شقوق يده، حمد الله، صعد إلى الجرار الحديث، وضع المفتاح بتأن، أداره ورغم ضجيجه ودخانه… كان محبباً إليه.. يشبهه بصوت الناي، توكل على الله، واندفع بالطريق المؤدية إلى الحقل، يدندن بمطلع قصيدة صوفية “يا بارقاً لاح من أكناف كوفاني هيجت لي فرط أشواقي وأحزاني” بصوته بحة يسكنها الحزن، كان رغم انشغاله بالأرض والمحراث شديد التعلق بالشعر.. والفلسفة والتاريخ، حبه للأرض جعله يعمل بلا أي ملل كم ردد أمام أولاده: أنا عندما أتوقف عن العمل يا أولاد.. أموت!!.

ها هو الآن وحيد، كما بدأ خطواته الأولى، تلفه زوجته بدفئها يضمهم بيت مبني من الحجارة والطين، يذكر جيداً كيف تعاون مع أهل القرية على بنائه… تنهد، لقد تغير كل شيء، لا أحد يساعد أحداً هذه الأيام، /حتى العمل بالأجرة بات يتم بعد أن ينام الضمير/ كل يلهث خلف المادة.. تذكر بيتاً من الشعر ما زالت ذاكرته تختزنه: “ولا تحسبن المال خلّد أهلَهُ… فمن ذا الذي أضحى بمال مخلداً المهم الأولاد كل راح وراء عمله بعد أن تزوجوا.. شعر بغصة في حَلْقِهِ، ووخزة مؤلمة بصدره، لقد باع قطعة كبيرة من الأرض من أجل تأمين بيت صغير لكل واحد منهم يعيش فيه.. تمتم “الحمد لله” وتابع عمله.

عشقت عيناه الفجر، كما عشقت يداه التربة التي يفرشها حول جذع شجرات الفستق، والزيتون، مد خطواته فوق الخطوط الحمراء الرطبة شعر بالراحة، لقد تحققت بعض أحلامه الصغيرة “بدأت الشمس ترسل أشعتها الذهبية لتنشر دفئها على الحقول.. والناس، بخار ينطلق من أغصان الشجر.. تفقد الأشجار واحدة، واحدة، كان يرعاها، كما يرعى أبناءه، هذه بحاجة إلى الدواء.. وتلك بحاجة إلى قصقصة بعض الأغصان الصغيرة، وبعضها بحاجة إلى قليل من التربة حولها، انغمس بعمله غير مبال بما يدور حوله، ومر الوقت سريعاً، شعر بالجوع والتعب، جلس تحت ظل شجرة الفستق، مد ساقيه.. الشمس تدفئ صقيع عظامه، غالب النعاس جفنيه، طوته أحلام الذاكرة.. يوم وصل إليه بلاغ/ الجمعية الفلاحية/ بوجوب ذهابه إلى معمل الجرارات في حلب لدفع المبلغ المطلوب حتى يستلم جراره الحديث… لم تتسع الدنيا لفرحته، شعر بشيء أكبر من الفرح، كان الدمع ساخناً… مسحه عن خديه قبل أن تراه فطوم.. لقد تجاوز الستين من عمره، وهو يعمل عند الآخرين بأجرة لم تكن تكفيه مع عائلته.

تذكر عمله أيضاً في مؤسسة حكومية، في ورشة بناء معلم طيان، حوالي خمسة عشر عاماً، لكنهم سرحوه من الخدمة بسبب كبر سنه دون معاش، عاد ليزرع أرضه بالفستق والزيتون، بعد أن خفت الأمطار وأصبحت زراعة القمح غير مجدية.. حتى ولا الشعير، لقد اعتمدت القرية على زراعة الكرمة والأشجار المثمرة أطلق عليه المشروع الأخضر للريف الشمالي، إيه كل شيء قد تغير، الآن يملك جراراً حديثاً، وأرضه تموج بأشجار الفستق والزيتون…” حمد الله رفع يديه إلى السماء اللهم اشملنا برحمتك يا رب” الملك يومئذ لله/ نادى زوجته: /هاتي صرة المصاري/ عدّ المبلغ أكثر من مرةٍ، عليه أن يتأكد قبل أن يودع عياله، دخل الغرفة تناول /القرآن الكريم/ قبله قرأ آية الكرسي، ثم سورة يوسف /قبله وأعاده إلى الرف الخشبي، توكل على الله يا رجل، ودّع الجميع بعينين تفيضان حباً ودمعاً.

تململ فوق التربة أحس بالرطوبة، يا إلهي يبدو أن النعاس أخذني.. نهض مسرعاً، عليه أن يعود قبل أن تغرب الشمس، وتضعف رؤيته، أعاد شريط الذاكرة. لم يكن يشعر بألم مفاصله، ولم يزر عيادة طبيب إلا للضرورة، كان دائماً يحسب حساب تبدلات الزمن على جسده، فلا يدع التعب يتملك منه، عندما يشعر به، يترك العمل.. يتمدد على الأرض حتى يستريح، فيتابع عمله، لامست يداه أوراق الأغصان، سرح خياله، راحت تحضره ملامح أولاده، ثم تغيب تمتم/ المال والبنون، زينة الحياة الدنيا. /لملم أدوات الزراعة، وضعها في صندوق الجرار، صعد بهدوء، أدار مفتاح التشغيل وتابع تراتيله” من صدى الذاكرة:

هات الأحاديث عن جرعاء كاظمة… فلي فؤاد بهاتيك الربا عاني” استلم طريق القرية، راح صوت الجرار يعانق صوته الشجي وعيناه تراقبان بيوت القرية تحت الأضواء الشحيحة.

حماه /عام 2000/

 

-أيام لا تنسى-

السماء متلبدة بالغيوم الداكنة النجوم تختفي تارة، وتظهر تارة، ليل البادية بارد في فصل الخريف، من خلف الغيوم يظهر القمر ثم يختفي، يشق صمت الليل أذان الفجر، نهضت فطوم ارتدت ثوبها الطويل، جلست أمام وعاء الماء النحاسي، غسلت يديها ووجهها، بسملت ثم بدأت بأسماء الله الحسنى “لامست خده بلطف هيا يا بني: قبل أن يسبقنا الآخرون، المراعي بعيدة؛ تململ في فراشه الدافئ، تابعت: علينا أن نجمع بقايا قش القمح… فتح عينيه، الفجر في أوله يا أمي: “عين أمك دعنا نصل قبل أن تسبقنا أم منهل وابنتاها” أنهضت شقاءها مدت خطواتها، ظهرها ينوء بثقل السنين لزمن أتعب صباها وترك تجاعيده على وجهها النضر، نظرة حزن تنكسر في عينيها الخضراوين، أحس أنهما وحيدان في بادية من الفقر لا شيء حولهما إلا صفير الريح الصباحية، وعواء كلاب المراعي، ارتدى جلابيته، قالت بحزن: سأشتري لك جلابية جديدة إن شاء الله/ بدت الجلابية وقد غزتها رقع لا تتشابه ألوانها الكالحة وضع على ظهر الدابة “الخرج” وحملها أدوات العمل، وقربة الماء و /صرة الطعام المكونة من خبز التنور والتمر واللبن/ رنين جرس “المرياع” وثغاء الغنم جعلهما يسرعان باتجاه الحقول الواسعة.. هيا يا بني: خطوات على دروب ترابية بأقدام شبه عارية، لزمن شبه عار، بياض الفجر جعل الرؤية أفضل، بدد شعوره بالخوف وجود بعض الفلاحين المنتشرين في الحقول مع أغنامهم، راحت أمه تجمع /القش/ وهي تدندن بأغنية حزينة كأنها تحدث نفسها: /والرمل ما ينعجن.. والشوك ما ينداس.. والسر ما ينعطى إلا لناس وناس/ أوف تخرج مجروحة ملفوفة بالدمع والحسرة على سنين العمر الشقية، تجري على ضفاف العمر دمعات لؤلؤية، تبلع مرارة ريقها المعجون بالغبار، تلوكه وتبصقه كأنها تخرج وجعها، ترتاح مع الأغاني وينشرح صدرها، بينما راح يشاغب بطفولته خلف طيور المرعى، نادته: خذ “الربوعة” واجمع روث الغنم، الشتاء قادم، كان كلما جمع كمية كبيرة من الروث وضعها في كيس يحملها على ظهره ثم يفرشها في ساحة ترابية بجانب /القبب/ بناء مخروطي مبني من الطين والحجارة، يترك لها فتحة من الأعلى ليتم إغلاقها بعد أن تمتلئ، حتى يأتي الشتاء، أيام كانت المواقد.. والتنور، تلك الأيام التي لا تنسى تظل محفورة بالذاكرة، كانت فطوم تعد الطعام على الموقدة بقدر النحاس الكبير، اقترب منها تناول أرغفة الخبز وراح يلقيها فوق الطعام يبللها بالبندورة والباذنجان يلفها ببعضها ويمضغها بشهية، تضحك فطوم: على هذه الحالة سأبقي التنور حامياً لأخبز من جديد /الشمس بددت بقايا الليل بأشعتها، شعر بالدفء، وارتاح باله القلق من أي حركة بين أكوام القش، انتهت فطوم وجمعت أدوات العمل وأصبح حمل القش جاهزاً، بينما أم منهل لم تزل مع ابنتيها يجمعان القش فطوم لا ترضى أن تترك رفيقة عمرها دون أن تقدم لها المساعدة.. هيا يا بني أهلاً “فطيم” أسعد الله صباحكم ما شاء الله دائماً تسبقين الجميع ابتسمت وتابعت لمّ القش وترتيبه معهم، أنهت فطوم ربط حزمة القش الكبيرة وبدأت محاولة رفعها على رأسها تغوص قامتها تحت الحمل الثقيل ولم تعد تستطيع الرؤية… يمشي أمامها، تمشي هي على وقع قدميه على الطريق، كان العرق ينفر من جبهتها وينساب على رقبتها وصدرها وهي تخفي خصلات شعرها الأبيض تحت غطاء صوفي، خالطه شعور بالشفقة على والدته، تنهدت بعمق وأخذت تقص عليه حكايا الزمن كيف ينبت الفقر ويتحول إلى مرض يهدد حياة الناس، يبدو أن الشقاء كتب علينا يا بني: لذلك عليك أن تتابع تعليمك/ العلم وحده يخلصك من هذا العذاب/ كلمات ظلت معلقة بالبال ومزروعة بالذاكرة يرددها الحلم ليستعيد زمنه من ذلك الومض الذي لا ينطفئ في استراحة الطريق، جلسا بصمت فرشا صرة الطعام، لقمات شهية بعد تعب نهار طويل، كان عليها أن تصل إلى البيت لتقوم بواجبها كزوجة تنتظر صاحب البيت ليعود من عمله الشاق طوال اليوم فيجد الماء ساخناً وثيابه النظيفة جاهزة، والطعام يعدّ على مهل فوق جمر الموقدة المناسبات والأعياد وحدها تجعل فطوم تتفرغ لنفسها تغتسل صباح العيد تبدل ملابسها تسرح شعرها بمشط من العظم الأبيض، تزهر أنوثتها تنفض التعب عن جسدها، هكذا تدحرجه الذاكرة إلى تلك الأيام التي لا تنسى.. يلفه الصمت وهو يستعيد أدق التفاصيل يتوكأ على الجراح القديمة بحثاً عن الألفة والكلمة الطيبة، يلتقط الحروف الحية من الذاكرة يشعلها شموعاً، يصنع احتفالاً ينمو الأمل في داخله، تضيق عليه المدن يصرخ، يأخذ الصدى صوته ينفلت من الوجع إلى الحلم، يخطف لحظات الفرح، ينكسر الحزن في عينيه، يداهمه شعور بالغربة، يتوغل في الخيال، مدن تصفر فيها الريح، تضيع ذاكرتها.. نوافذ مفتوحة لعفاريت الليل، عواء ذئاب، يحفر الخوف نقوشه على الجدران الرطبة، تصفر الريح في الشوارع الإسفلتية… تنفر خطواته، طرقات القرية لم تعد تشبه الأمس، بيوت من الإسمنت الأسود، لا صوت ثغاء غنم، ولا جرس المرياع، ولا أغاني الحزن يمتد ضباب صباحي ثقيل يلف الأمكنة والناس، ملامحهم لم تعد تشبه ملامح أيام زمان، أبواب مغلقة صوت موسيقى راقصة.. ونحيب خلف أسوار ونباح كلاب غريبة لم تعد القرية تشبه نفسها.. انتهى زمن الحكايا والسهرات فوق مصاطب الطين، واختفى خبز التنور والتين اليابس ومواقد الحطب، ذاكرة مقفلة وصمت مطبق أمام شاشة التلفاز كأنه السحر.. أراد أن يخرج من زمن البوح واللحظة المشتهاة: تناول القلم وراح يكتب:

لا صدى لصوته إلا صفير الريح تعصف بالنافذة المفتوحة يتسلل منها ضوء القمر باهتاً.. يحنو إلى سهول وتلال ما زالت تحضن طفولته المشاغبة، يردد الصدى صوت فطوم: والرمل ما ينعجن.. والشوك ما ينداس.. والسر ما ينعطى، يا عمي إلا لناس وناس؟..

حماه- معان /1973/

ÞÞ

 

-عيدُ الأم-

مساءٌ رمادي يمتدُّ أوسعَ من الذّاكرة، معلقاً تنهيدات الرّوح، وتفيق الأسئلة وقفتْ خلف النّافذة، أطلّت على الشّارع المقفرِ، إلا من مواء القطط، ونباح الكلاب، أخافها صمتُ الليل، وهزها سواده الموجع.. لا قمر.. ولا نجوم إنّهُ إنذارٌ بالمطر، لفّتْ نحافةَ جسدها بشالها الصّوفي العتيق، تأكّدت من وجود الأغطية الصّوفية فوق أجساد أطفالها، مسحت دمعةً عن خديها… “يا حسرتي ناموا جياعاً”. سنينٌ وهي تنتظرُ أن يدقّ الفرحُ بابَ بيتهم.. تستيقظُ في عمق الليل على حلمٍ يراودُها، أن يعودَ زوجها… يفتح الباب خلسةً، يمدُّ خطواتهُ إليها، يأخذها إلى حضنه، تشتمُّ رائحته، تفرشُ له جسدها، تلملم سجادة الصلاة من تحت قدميه… توزّع على أطفالها الحلوى الصبّاحية قبل ذهابهم إلى المدرسة!!

قطراتُ مطرٍ تساقطت على وجهها، أيقظتها من حلمٍ ما زال يسكنها، يداعبُ وحدتها!! داهمتها أسئلةٌ موجعةٌ، غداً عيدُ الأم.. آهٍ يا صغاري.. أسرعتْ إلى خزانتها الخشبيّة، فتحت الباب بهدوءٍ.. صرير مفاصلها الصّدئة أقلق نوم الأطفال، تناولت علبةً قديمةً، كانت تضعُ فيها بعض حاجياتها.. صورٌ ورسائلٌ قديمةٌ، تناولتْ خاتمَ زواجها، هذا ما بقي لها بعد رحيلِ زوجها، غداً تذهب إلى السّوق تبيعه وتوزّعُ على أولادها ثمنه ارتاحت للفكرة، شعرتْ بارتخاء جسدها.. انتبهت لصوت أذان الفجر… اقتربت من الأطفال بلطفٍ… أحنت قامتها، قبّلتْ جبهة كلّ واحدٍ منهم… حاولتْ أن تطرد القلق من داخلها… أطفأتِ الشّمعة، غافلتْ ذاكرتها وراحتْ تغط في نومٍ هادئ بانتظار الصّباح.

“صباحاً”

دقّتْ السّاعة السّادسةُ صباحاً، غسلتْ وجهها، وأخذتْ تعدُّ فطور الصّباح، وضعت اللفات الصّغيرة في أكياس نايلون، ووضعتها في حقائب الأطفال، كانتْ ابنتها ريما ذات العشرة أعوامٍ تراقبها… شيءٌ ما أيقظ طفولتها من حلمٍ مقلقٍ، أرادت أن تستنجدَ بأمِّها.. وجدتها تفتشُ في درجِ خزانتها القديمةِ، وشاهدتها وهي تأخذ خاتم زواجها تلفّه بدمعاتها السّاخنةِ… فكرتْ البنت الصغيرة وأرادت أن تراقبَ ما يحدث إلى نهايته.

بعد أن غادرَ الأطفال، أخذت الأم شالها الصّوفي وضعتهُ فوق رأسها، ومدّتْ خطواتها التّعبة إلى محلِّ بيع الذّهب، بيدين ترتجفان عشقاً للخاتم، دفعتهُ إلى صاحب المحلّ، وقبضتْ ثمنه وعيناها معلقتان عليه.. كادت أن تتراجع، أصواتُ أولادها تطنُّ في أذنيها.. ماما.. ماذا سنهديك بعد غدٍ عيدُ الأم؟ كانتْ ريما تراقبُ كلّ ما يحدثُ بدموعِ طفولتها البريئةِ.. تركتْ أمها وأسرعتْ… تتوسل إلى بوابِ المدرسة أن يدخلها، لقد تأخرتُ بسبب مرضها… لكنّهُ أصرَّ أن يذهبَ بها إلى مديرةِ المدرسة أخذتها إلى حضنها.. مسحتْ دمعاتِها… شكرتِ الرّجلَ وصرفته أجلستها أمامها على الكرسي، وطلبتْ من الطّفلة أن تقصَّ عليها سبب التّأخيرِ!!

استمعتْ إليها بلهفةٍ وصمتٍ… ربتتْ على كتفها لا عليكِ يا بنتي… عادت ريما إلى البيت، وآثارُ الحزن تقطنُ وجهها.. اجتمعتْ مع أخوتها وقصّتْ عليهم حكايتَها.. واتفقوا على سرّ بينهم…

-مساءً-

مساءً قامتِ الأمّ بعد العشاء، ووزعت على الجميع ثمن الخاتم بالتّساوي.. ولم يعرف النّومُ طريقهُ إلى عينيها تلك الليلة، تخيّلت أنّها ترتدي قميص نومها الزّهري، وكان هو يرتدي بجامته الرّمادية، أخذها إلى صدره تعانقا طويلاً، أطفأتْ أنوار الغرفة، شدّها إليه، غاصا في الحبّ، مدّت يدَها لتأخذهُ، سقطتْ علبةُ الدّواءِ فوقَ بلاط الغرفة…

نهضتْ مذعورةً.. يا إلهي إنّهُ كابوسٌ، تمتمتْ بأدعيةٍ وهي ترتجفُ حدّقت بالأطفال النيّام… وعادتْ إلى سريرها من جديد تنتظرُ الصباح.

-صباحَ العيدِ-

في الصّباح اجتمع الأولاد، وذهبوا إلى محلّ بائع الذّهب، وشرحوا له الحكاية.. ابتسم بلطفٍ.. وقدّم لهم الخاتم بعد أن أعادوا لهُ المبلغ ابتسم من جديدٍ.. لكنَّ المبلغ ناقصٌ مئتا ليرةٍ يا أحبائي.. ربتَ على كتفي ريما.. وقالَ صاحبُ المحلّ: المبلغُ هديّةُ مني لقاءَ محبتكم لأمكم.

فرِحَ الأطفالُ بعد أن وضع الرّجلَ الخاتم في علبةٍ جميلةٍ ولفّها بورقٍ جميلٍ، في المساء اجتمعَ الأطفالُ حول قالب الحلوى الذي أعدته الأمُ… وصاحوا بصوتٍ واحدٍ.. “كلّ عام وأنت بخيرٍ يا أمي”.

وقدّموا لها الهدية، فتحت العلبة بقلبٍ يرتجفُ… شهقت يا إلهي إنّهُ الخاتم نفسهُ، أخذتهمْ إلى حضنها تحت ضغطِ نهرٍ من الدّمعِ وطيفُ من غمامِ المحبةِ لا ينتهي..!!

ÞÞ

 

امرأة ونغنغات طفل

الليل يدخل في بوتقة الصّمت، يرتدي لونه، يخيم بثقل على المكان، ثمة امرأة تعجن اللون بأصابعها، تشكله كائنات تنبض بأحاسيسها، تعيش الحزن، امرأة غيرت عناوينها، بعد أن شحذت الغربة داخلها، واقتحم القلق ذاكرتها، تريد أن تقول شيئاً.. ثم تمتنع!…

امرأة امتهنتها الغربة، ولازمتها حقيبة السفر، شهق الفجر لها..

كصباحات وردة أيقظتها الشمس.. بخفة مدت خطواتها إلى المطبخ أعدت قهوتها، وقفت أمام المرآة، بدا وجهها منكمشاً، رسم الزمن عليه آثاراً لا تمحى، أطلت من النافذة على مدى يتسع، يئن تحت ضباب رمادي ضاق على صدرها.. تخيلت للحظة أن البيوت من حولها خاوية، والأشجار يابسة.. والنجوم فارقت بريقها، واختلطت الأشياء.. من حولها ليل بلا قمر… ولا أضواء، تناولت كأس الماء، دفعته إلى حلقها.. غصت ببقايا الكأس!.. أسندت ظهرها على النافذة، استسلمت للصمت، فكرت قليلاً كيف تخرج من هذا الضيق؟.. أخذت وعاء الماء وراحت ترش فوق أصيص الحبق آه.. هنا بقايا عطره.. تحت الياسمينة آثار شقاء يديه، تذكر كان يصنع لها عقداً منه.. ويقدمه لها، مع ابتسامة عذبة، عادت لتقف أمام المرآة من جديد، ما فعله الزمن؟!.. ضغط ثقيل على صدرها.. أرادت أن تلجأ إلى الذاكرة.. خذلتها.

وحيدة، والليل يحيط بغرفتها المنعزلة عن غرف البيت الباقية، ضوء باهت، تموت الألوان من حوله، بعض الفراشات الصغيرة ذات طنين مزعج، تشعل سيجارة، تمج منها نفساً قصيراً، وضعتها على زاوية النافذة.. ووقفت تراقب احتراقها البطيء، ليل.. وغربة.. ونافذة لا تطل إلا على الصمت.

على مهل راحت تعيد تفاصيل ما جرى لها، باغتتها فكرة أن تنبش في الذاكرة المكتوبة، أخرجت من خزانتها دفتراً نفضت عنه غبار الزمن، فتحت الباب المؤدي إلى الشرفة، قلبت أوراقاً.. صوراً قرأت.. حتى سال دمع عينيها، شعرت بالتعب، وضعت يديها فوق بعضها بحيث تداخلت أصابعها مع بعضها، وضغطت على صدرها الناهد، قشعريرة اجتاحت جسدها.. أحست بألم ذكرها بما كان لها من ليال حميمة، رتلت كلمات أغنية تعشقها، من حنجرة فيروز.. يا جبل لبعيد خلفك.. حبايبنا.. حفرت الكلمات في داخلها، كهذه الصور التي ذكرتها بشبابها، حاولت إعادة الشريط من الذاكرة.. داهمتها حالة عصبية، ورافقها توتر، قذفت الفنجان.. راقبت تحطمه على بلاط الغرفة، قالت لنفسها.. هكذا يتحطم داخلها وتتهشم روحها حتى وصلت إلى هذا الفراغ، الليل يلفها بسواده.. ملل.. تجرحها أسئلتها؟.. من يوقف هذا الضجيج.. من يحاول إلغاء ذاكرتها، راحت تحدث الشرفات.. افتحي صدرك للريح الجديدة.. سرب حمام عبر فوقها، راقبت الفراخ الصغيرة، وهي ترف تحت جناح أمها.. أثارت غريزتها للأمومة.. آه.. يا له من زمن، كم حلمت أن تضم إلى صدرها طفل.. ترضعه حنانها ودفئها، تمنحه محبتها، مسحت عن خدها دمعها، لقد كسر الرجل الذي أحبته حلمها، حين واجهته يوماً بأنها تتمنى أن يكون لها طفلٌ يشبهه، غادرها.. ولم يعد.. كل ما في البيت يذكرها فيه، هنا في هذه الغرفة ارتدت له قميص نومها الأبيض.. وربطت خصرها بشالها الحريري.. أشغل هو شريط عبد الحليم/ والشعر الغجري المجنون يسافر في كل الدنيا../، وراح يلف شعرها على يديه ويردد كلمات الأغنية بمرح شيء ما تحرك داخلها، أحست أنها بحاجة إليه أخذته إلى حضنها شدته بقوة حتى أدهشته، سألها بتعجب ما بك همست إليه بتحبب، أريد طفلاً، تركها تجر خيبتها، ارتدى ملابسه على عجل، ولم يعد.. دارت حول نفسها كما دارت بها الدنيا، امرأة تلفها الوحدة، وتعصف في وجهها الريح، بالأمس كانت النظرات تتعلق بها، وكلمات الغزل.. وهي تبدي تعالياً لن تكرر تجربة حبيبها، أخذت شالها القديم، تفجرت أوجاعها دفعة واحدة.. شوقاً.. عشقاً.. وأغاني، ما زال صوت عبد الحليم يهيم من حولها، تطويها الغربة خلف ضباب السنين الرمادية، تعيش على هامش الحياة، أشعلت شمعة، انتظرته.. يأتي ليشاركها عيد ميلادها.. شمعة واحدة.. ترمز إلى سنين عمرها، أربعين عاماً من الوجع والأسئلة؟.. غادرت القطارات ألقها الروحي، وضاقت الدنيا بخطواتها التعبة!! طويلة ليالي الشتاء.. تبحث عن دفء يلملم جسدها النحيل، تنبت أوجاع الغربة من حولها، وهي تصغي بروحها إلى نغنغات طفل.. تأخذه إلى روحها، تفرش له باقي عمرها.. أخذت ريشة الألوان وراحت ترسم، عينيه.. ابتسامته.. شعره.. واحتارت كيف ترسم نغنغاته؟!.. تركت اللوحة، أشعلت سيجارة أخذت نفساً عميقاً وقفت أمام اللوحة، أطلقت زفيراً.. ودخاناً.. ووجعاً.. كانت تهوى الألوان المفرحة، ما الذي يدفعها للألوان العاتمة، تدافعت أفكارها ماذا ترسم لقدميه الصغيرتين.. اختارت ألوان سترته.. سرواله.

تفاصيل تنبت شوكاً ينتشر على جسدها التعب، دفعتها لأن تغادر غرفتها بحثاً عن وجه طفل يعيش في ذاكرتها!!..

ÞÞ

 

-مساء الامتحان-

يبدو أن الشتاء متأخر هذا العام، قالت الأم وهي تعد إبريق الزوفا وأن الصيف امتدت شهوره لتحتوي الخريف معها؟ داهم الناس شعور بالخوف من مواجهة ندرة الماء، ها هو فصل الخريف ودع ولم يبلل أيلول الأرض تابعت: ولا حتى كانون؟ راحت المدينة تعيش القلق، كأن السماء أقفلت أبوابها بوجه استسقاء/ أهل الأرض غير مبالية بما قد يحدث، تناقل الناس بلهفة ما تعانيه المدينة إذا استمر/ انقطاع الماء عن الناس فترات طويلة/ في بداية شهر كانون الثاني/ راحت تتشكل بضع غيمات سوداء فوق المدينة، ما لبثت أن تحولت إلى زخات متقطعة من المطر الغزير، بلل قلوب الناس المتلهفين لرؤيته قبل أن يبلل الأرض راحت الشمس تظهر من بين الغيمات خجلة كأنها تودع نهاراتها الملتهبة ليبدأ الشتاء، بعد الظهر رحلت الغيوم السوداء، وأخذت تتشكل غيمات بيضاء وتتكاثف، ما إن حل المساء حتى بدأت نتف الثلج تزين قمة قاسيون ومن ثم بيوت المدينة، وشوارعها المزدحمة؟ تجمع الصغار حول المدفأة، وانطلق الناس يتبادلون كرات الثلج، كما يتبادلون التهاني بفرح، وارتفعت أصوات الأذان وأجراس النواقيس ترتل دعاءها شكراً //لله// قطع التيار الكهربائي، وتحول المساء الامتحاني إلى قلق، وفوضى وانتظار /النور/ تأفف الصغار/ متسائلين عن سر قطع التيار أيام الامتحانات؟ /قرأت الأم آية الكرسي: وقالت: إنه خير يعم على الناس.. وزعت الشموع على زوايا الغرفة الرطبة، أخرجت /ضوء الكاز نظفته جيداً أشعلت الفتيل، ووضعته على طاولة ولدها الكبير… احتج بقية الأولاد؟ ضحكت بحب.. إنه في الجامعة.. ومتى أصبحتم مثله سأهتم بكم أكثر منه.. ضحك الجميع مؤيدين أمهم معك حق، قالت والمحبة تشع من عينيها: أصبحت الزوفا جاهزة وزعت الكؤوس على الجميع، شعر بضيق.. كأن الأوكسجين بدأ يخف من الغرفة؟ فتح الباب قليلاً.. دخل تيار بارد.. كاد أن يطفئ الشموع، صرخ الصغير: ماما.. ماما؟ إنه المطر.. وماذا يعني ذلك أعرف أنها تمطر،.. وتابعت عملها، ضحك الصغير: نعم يا أمي تعرفين إنها تمطر خارج الغرفة؟ ولا تعرفين أنها تمطر داخلها؟ أسرعت الأم إلى إحضار بعض الأواني البلاستيكية، وقامت بتوزيعها على أماكن تسلل المطر من خلال سقف الغرفة، المشيدة من الخشب والطين، تململ، بمكانه.. مدّ يده إلى /كيس التبغ/ لف سيجارة على مهله، أراد أن يشعلها.. قالت الصغيرة: بابا الدخان مضر بالصحة، حدق في وجهها وتلك الوجوه التي تلتف حول الشموع والمدفأة.. ابتسم لها، وترك لفافة التبغ جانباً؟ منظر الشموع.. وضوء الكاز، دفعه للكتابة وهو الذي يعشقها، فاجأته زوجته بفنجان القهوة.. رائحة الهيل أنعشت داخله التعب والقلق؟ قال لها والمحبة تشع من عينيه: هذا أوان القهوة فعلاً.. وشكرها لاهتمامها، خيم الصمت في الغرفة، إلا من همهمة الصغار وهم يتبادلون أدوات الهندسة أو أقلام التلوين، سمع طقطقة الصفحات؟ كان الجميع يبحثون عن أجوبة قد تكون صالحة للأسئلة الامتحانية في الصباح؟ بينما هو يتابع تساقط قطرات المطر فوق الأواني البلاستيكية…؟

دمشق 7/1/2002

ÞÞ

 

مواعيد مؤجلة

المساء ينشر سواده، يمتد يكحل الشوارع، أضواء شحيحة في الزوايا تعبر من تحتها أشباح ليل، وقع أقدام ثقيلة تخترق الصمت تستبيح الشرفات، شيء ما يضغط على المساءات، تغلق نوافذها، خيمة من سواد تلون الشجر بلون الليل، غابت الأسماء المحفورة على جذوعها، الأرصفة حول النهر بدت خالية، إلا من الذين أخرجهم الضجر والشوق، يعبرون من خلف عيون لا تنام ترصد خطواتهم، إلى الصقيع. تنعقد أياديهم في بياض بعضها، تغطي الأشجار والليل أسرارهم، تبوح صدورهم بما تخفي من لوعة وعشق… حرارة الكلمات تحيطهم بالدفء، يمنحون ضفاف النهر المهجور لوناً شتائياً، يرفون على جانبي النهر كأسراب الحمام، “همست له: ما رأيك أن نشرب الشاي في ذلك المقهى “تأففت وهي تضع يدها على أنفها.. ونتخلص من رائحة العفونة!! مشيا بصمت على حافة النهر.. سحرته بسمة ارتسمت على شفتيها، شدها إليه، إنك تشبهين /لوحة الجوكندا/ ابتسمت.. إنك تجيد الغزل، المقهى مزدحم بالوجوه ذات الملامح المختلفة، بعضها موحشة، وبعضها غاضبة قلقة، وبعضها يقهقه لا شيء يشده؟

خليط من الدنيا، تمنى أن يسمع حكاياتهم، لوح للنادل، اقترب.. شاي لو سمحت، خرجت الكلمات منها معاً، ابتسمت، حزينة تلك اللحظات التي لا يستطيع الإنسان أن يعبر فيها عن مشاعره، حدقت به ملياً ما بك؟ بتنهيدة وعتب قال: شيء ما يكاد يطبق على صدري… ليلة أمس لم أعرف النوم، حاولت القيام بأي شيء له قيمة.. دون جدوى، يجتاحني شعور بالوحدة والضياع، كنت بحاجة لمن أكلمه، يأخذني من صمتي، أصرخ بوجهه… أبكي بين يديه!!

لم أجد إلا الورق.. والحبر، والكلمات النافرة، حاولت أن أرحل في فضاءاتها خارجاً من عالم يسكنه الوجع والمواعيد المؤجلة.. التفت إليها، إلى متى مواعيدنا تؤجل.. نخاف أن نلتقي، يعيش فينا الوهم، كيف نؤمن حياتنا الجديدة، كيف نملك بيتاً، كم عدد الأولاد الذين سنتفق على مجيئهم؟! هذا إذا حصلنا على موافقة الأهل على الزواج؟ صفير قطار المساء أعاده من وحشة الذاكرة. قدّم لها فنجان الشاي، قدمت بدورها له فنجانه.. ابتسما، تابع كلامه: في الليل يشدني الشوق إليك، أذكر إنك تعشقين الكلمات التي أكتبها لك.. أمضي إلى الورق والحبر.. تدخلين ذاكرة الخيال والحلم، العشق صحوة الفكر، أحاول أن أستعين بالألوان، أرسم! لا شيء يشبهك، تتحولين طيفاً يخرجني من أحزاني، مع فناجين قهوتي وأوراقي وحبري أمضي حتى الفجر.. أعود إلى قهوتي وأوراقي.. أكتب لك، تحملني الأحلام بعيداً، أتخيل بيتاً يفرشه الحب، أطفالاً يلعبون بمرح.. وأنت من حولهم توزعين الابتسامات على الجميع، أخذت يده شدتها إلى صدرها، أحس بدقات قلبها… لو أن أحلامنا تصبح حقيقة، نعيش كما نحب… نقول أوجاعنا دفعة واحدة… لن يتخلص الإنسان من وجع لا يحكيه لأحد ما؟ اقتربت من أذنه، عندما أكون معك لا أشعر بالخوف “تكسره طلتك… أتعرف!!! عندما أراك اشعر إن كل خلايا جسدي تمشي إليك!؟ لا تتركني وحدي، أنت تشعرني بأنوثتي.. معك أشعر إني امرأة أكثر نضجاً من صديقاتي، تركا المقهى، مشيا بجوف الليل بحذر، يرتعشان لأقل حركة تصدر، شدهما ما رأياه على حافة النهر!! أنساهما ما بهما من ضيق، ثمة امرأة تضم إليها رجلاً، تسرح بياض شعره… تلتهب شفتاها بالقبلات كأنها تحتويه، حدقت فيه، أتدري؟ إنهما لا يشعران بالبرد… ابتسم، ضمّها إلى صدره، قالت: هنا لا أشعر بالبرد.. ضمها إلى صدره من جديد وراح يغني لها “والشعر الغجري المجنون يسافر في كل الدنيا؟!… في ذلك الليل والريح غاضبة، خرجا من عالم الخوف والصقيع/ والمواعيد المؤجلة..

دمشق/ 2000/

ÞÞ

 

سهرة رأس السنة

تلفظك المدن بلا عنوان وتحتويك نهاراتها المتعبة تتناقلك إلى غربتها الموحشة، يلفك النسيان في الليالي الماطرة، تعيش زمنك موزعاً بين الورق والقلم.. ورائحة التبغ، إلى جانبك وعاء فخاري تنتشر منه رائحة البخور، ثمة زجاجة وبقايا خمر، ورائحة شواء تعم الأمكنة، مطر تدق قطراته الناعمة زجاج النافذة، وأنت تبحث عن الدفء.. وعن الكلمات، واللغة لا تعيرك اهتمامها؟ الليلة تودع عاماً… وتستقبل عاماً يضاف إلى خزينة عمرك، تزيد انحناء قامتك.. ويفرش البياض لونه على شعر رأسك ولحيتك تظل تحنّ لحياة يملأها الأمل؟ تندلق الأسئلة بوجهك، كم من المقاهي عرفتك؟ وحفظ ناسها ملامحك؟ وكم عدد الأقلام التي جفّ حبرها بين أصابعك؟ وكم من الكتب تجمع حولك بلا ترتيب؟ فوق رفوف خشبية صنعتها من بقايا صناديق الفاكهة والخضار؟

أعرف أن جارك صاحب البقالية /أبا عبدو/ أعطاها لك بلا مقابل نظراً لمعرفته بأحوالك… وتراكم ثمن الحاجيات التي يأخذها أهل بيتك؟ بانتظار أن تبيع كتابك الأخير/ أثقلت عليك الدنيا، وأنت تبتسم للصغار وهم يحيلون الرفوف والكتب، إلى بعض ألعابهم، كنت في كل مرة.. تعيد ترتيبها.. تضحك منهم ومن تلك الرفوف.

الليل يعمّ المدينة ورائحة الشواء تعمّ؟ وأصوات الموسيقى الصاخبة تملأ الفضاءات… يقف الصغار أمامك إنها رأس السنة يا أبي تقف الكلمات في فمك.. وتغصّ عيناك بالدمع، تهيم ذاكرتك ماذا تقول؟ هل تقول إن هذه السهرات تقليد جديد لم يكن متوارثاً في قريتك البعيدة، عن حياة المدن؟ وإنها وافدة من ثقافة الغرب؟ لكن كلّ هذا الكلام لن يقنع أحداً؟ كل الدنيا تحتفل في هذا اليوم، بصمت ثقيل تومئ برأسك للصغار موافقاً… تدبّ الحركة بالبيت.. تسرع زوجتك إلى منقل الفحم تشعله… ويسرع أحمد إلى بائع الفروج أبي هيثم يحضر اثنين على عجل، والبنات يسرعن إلى تحضير /التبولة والفتوش/ ابتسمت الزوجة.. ماذا تكتب؟ وقبل أن تجيبها، تتابع: تكتب وتكتب وأنت لا تتغير أحوالك؟ تحدق في عينيها.. المهم أني أكتب.. وبعض ما أكتبه ينشر في الصحف والمجلات الدورية… وهذا شيء يسعدني جداً؟ تناول الكأس بقايا خمر في أسفل الزجاجة.. أدارت شذى آلة التسجيل، وراحت تزين الغرفة بأنواع البالونات، وأوراق الزينة، وكذلك بعض لوحات كانت قد رسمتها لهذه المناسبة… كانت اللوحات تمثل أحلامها الصغيرة، فبدت رائعة، قرأت في عينيها رغبة بالفرح… وشاهدت أملاً يشع بالضياء والمستقبل؟ تحلّق الصغار حول المائدة توسعت ابتساماتهم لمساء الفرح الذي راح ينمو في هذه الليلة.. نسيت الكتب.. والرفوف التي تحطمت تحت ثقلها… شعرت بحرارة الخمر تتوقد داخلك.. وأنت تكتب قصة، أو حكاية من حكاياتك.. وتستعد لإرسالها في الصباح إلى الصفحة الثقافية… تحتوي زوجتك بنظرات فيها لهفة وشوق وتفاؤل بالعام الجديد؟..

دمشق 31/12/2001

ÞÞ

 

الحزن الندي

بخطواته المتثاقلة، يقطع المسافة بين غرفته والحديقة كل يوم، تضيق عليه جدرانها العفنة، تقلقه خيالات تتحرك من حولـه، لم يجد لها تفسيراً منطقياً، صدره لم يعد يحتمل.. كاد ينفجر! تمنى أن يلتقي بأحد ما، ليفضي له بما يعانيه، راح يمشي عاقداً يديه خلف ظهره.. تنحني قامته تحت ثقل سنوات العمر، تدور الأرض والشوارع، والبيوت، تلف بك الدنيا، وأنت وحدك.. بريق يلوح له من بعيد، يمشي إليه، توجعت قدماه.. واهترأ حذاؤه، شيء ما يضيق على صدره، حشرجة بطعم العلقم، يسعل بشدة، يا إلهي ما هذا الجفاف؟ وحشة الليل تحولت شوكاً أدمى جسده، بانتظار بياض الفجر، تطول فيه سنوات الانتظار، عاوده ألم رأسه.. يا لهذا الرأس إنه يجمع أوجاع الدنيا، أمام مرآة صدئة، أوحشه بياض شعره تمتم: لا عليك

حاول التخفيف عن نفسه.. وراء تلك الأبواب المغلقة الكثير من الحكايات، فكر قليلاً، كيف يمضي ليلته، يشعر إنها تمتد بلا نهاية! حدث نفسه أن يذهب إلى الخمارة في الحي القديم، تلك التي اصطحبه إليها صديقه جوزيف، قبل أن تطويه الغربة، بحثاً عن عمل أفضل… استبعد الفكرة، لا.. لا.. الحديقة أكبر وهواؤها أنظف، ابتسم ساخراً.. بكل ما فيها من بقايا الزوار، وما يحيط فيها من دخان السيارات العابرة! فوق كرسي بجانب ملاعب الأطفال ترك لجسده حريته فوق مقعد خشبي، عاودته الخيالات الغريبة، أطفال، وضحكات وامرأة تجمع أشياءها، تغلق الباب خلفها بقوة، ما زال صداه يضج في رأسه.. كأنه الآن؟ العيشة معك لم تعد تطاق، أنت لا تمشي مع الدنيا، وحدك تظل، تتحدث عن أشياء لم تعد موجودة.. كأنه يقلب صفحات كتاب، راح يقلب ماضيه، شيء ما يوجعه، تلمس، أذنه، فرك عينيه، مد يده، دعك مفاصله.. آه. كل شيء يلمسه يزيد في وجعه، سمع بحة ناي من خلف الشجيرات، مشى إليها، توقف بخشوع أمام شاب يعزف على الناي كل آلامه.. جلس على الأرض بهدوء وراح يراقب حركات أصابعه فوق ثقوب الناي، ثيابه رثة وعيناه حائرتان.. كمن يبحث عن شيء ضائع..

ونغماته حزينة تشدك إليها، جلس صامتاً وحتى لا يشعر به نسي نفسه.. نسي ما كان يضايقه، غفت عيناه، نهض الصباح، تركه مشلوحاً على إسفلت الحديقة.. نَهَرَهُ الحارس، نهض متثاقلاً، بادره الحارس: “حضرتك حولت الحديقة لفندق يا أخونا؟!!. جمع بقايا قوته، ومدّ خطواته، دون أن يعير الحارس أي التفاتة، المهم تمكن من النوم، وفي الغرفة على طاولة خشبية قديمة، وجد مجموعة رسائل، أعاد قراءتها، دعوات لحضور أمسيات ثقافية، أو حفلة خطبة، تركها على الطاولة بلا أي اهتمام، أعدّ قهوته الصباحية، تناول أوراقاً وصوراً قديمة، طالعته صورتها.. هي وحدها كانت تشده إلى الدنيا.. يقوى بها على ما يواجهه، تساءل ما الذي بدلها!!

هناك من تسلل إلى حياتها.. وجعلها تنفر منه، قرأ ما كتبته تحت صورتها (قدر أن تختبئ الكلمات، وأن تنبت الذكرى على ضفاف الياسمين والبنفسج.. تحملني إليك أبداً لهفة انتظار وشوق، مهما صدتني أوهام الدنيا عنك.. ستبقى أنت حبيبي). ظلت الكلمات وحدها تعاني من عفن الرطوبة واصفرار الورق.. وركبت هي طائرة الغربة تلهث خلف المال والرفاهية وأحلامها الوردية، وظل له الصدى، والصورة، والكلمات، والوحدة، أعوام تمضي والحزن ما زال ندياً… تتوالى عليه، مواسم البرد، ويلفه يباس الخريف.. تناول قهوته الباردة.. بهدوءٍ أخرج أوراقاً جديدة، ترك صورتها أمامه وراح يكتب!!..

دمشق 3/1/2002

ÞÞ

 

-حلم خريفي-

الريح الباردة تعصف بثوب الليل، مواء قطط تخربش في حاوية القمامة، حركاتها العشوائية تعبث بصمت الليل، تنهض من السرير، تفتح النافذة، شعورها أنها وحيدة مع ذكرياتها يدفعها إلى طرقات موحلة، عيناها تراقبان قمراً يعبر اتساع السماء، ترصدان حركة النجوم، تسترق النوافذ نظراتها إليه، تحني الأشجار قاماتها لجلال ضوئها… عبر نافذة مفتوحة على صمت الليل.. تنساب موسيقا هادئة، تشبه أنيناً خارجاً من صدر جريح، تعبر نافذتها، تخيم فوق المدينة النائمة، ثمة رائحة عفنة تنبعث من زوايا الشارع الخلفي؟ ونهر تمشي إليه القمامة.. تستباح على جانبيه جمالية أشجار الصفصاف والحور. حاولت أن تجمع صوراً من ذاكرتها، وهي تضرب بأصابعها أوتار العود.. اللحن يخترق صمت المكان، شيء من الجنون عشقها للموسيقى.. ارتشفت بقايا الكأس.. شعرت بمرارة، حاولت أن يطيعها اللحن الذي تريده، نفرت الأوتار منها، تركت العود.. مشت على بلاط الغرفة عارية القدمين، أمام المرآة راحت تخلع ملابسها قطعة، قطعة؟ كأنها تحرر نفسها من قيود تضيق عليها، عادت إلى العود، تختزن في صدرها شجناً ونحيباً… ينتشر صوتها مع اللحن… والكلمات، يكتسي ألواناً، وصوراً.. كأنها تأتي من عالم آخر، لا شيء يستطيع محو ملامحه من ذاكرتها؟ صورته تسكنها، تعيش في لحنها، في أوتار عودها، عطره تعشش في ملابسها تمشي معها أينما اتجهت خطواتها؟ شعرت بيباس أصابعها على الأوتار، يخرج اللحن غليظاً، قذفت بالعود فوق السرير، دفعتها أنوثتها لأن تبكي حالها؟ على رؤوس أصابعها مشت إلى النافذة، أطلت برأسها، نجمة الصبح تظهر من خلف الغيوم.. شعرت بقشعريرة تجتاحها، تخيلت أنها تطير إليه تسكب له خمر انتظاراتها تسقيه وجع زمانها.. تسمعه آخر ألحانها… تنساب نغمات صوتها، تشده إليها تعيد إليه ذاكرته، انتفض من خلف مكتبه الواسع.. تجاهلها، أنكر صوتها، وضع أصابعه في أذنيه احتجاجاً على ألحانها؟ ضغط على جرس استدعاء الحرس، صرخ بوجههم بوحشية… هيا أخرجوا هذه السيدة من مكتبي، عضت على شفتها السفلى.. كاد الدم ينفر منها، الآن لم يعد يعرفها.. أخافه تغير ملامح وجهها.. لم يعد صوتها يطرب ليله.. حين كانت سهراته تمتد حتى الفجر.. حيث الموسيقى تركض بأحلامهما… تنفلت من قيد الزمن وأعين الناس، تهيم روحاهما إلى عالم النشوة يتعانقان بلهفة العشق!! قال لها يوماً: أنت لي مهما كانت الفوارق بيننا، ولن يبدل موقفي الزمن. خاف أن تعيده إلى ماضيه البائس… بعد أن حلق إلى الفضاءات المطلقة بجناحين، لا يملكهما حتى وصل لما هو فيه من عز وجاه… شعرت بالذل، والحراس يحدقون بعريها، ابتسم.. مد يده حاول أن يستميلها إليه، شعرت أن أنياباً تنبت في فمه.. وتحولت أظافره إلى مخالب وصوته صار عواء خلصت يديها من الحراس وضربت على الطاولة.. تحطم الزجاج، وسال الدم من يدها فوق أوراقه، صرخت؛ مزق صوتها سكون الليل.. نسيتني.. نسيتِ كؤوسي، وصوتي، وأوتار عودي؟! مزقت أوراقاً، وصوراً وذكريات، قذفتها بوجهه، دفعت بالحارسين، ركضت.. تواجه صقيع الليل، صفعها هواء الشارع الملوث.. صاحت كل شيء صار ملوثاً؟ على ضفاف نهر تجري فيه بقايا ماء… ألقت فيه الخاتم الفضي/ سمعت صوتاً من زمن ماض إنه لك رباط مقدس.. حتى أتمكن من أن أقدم لك الذهب/ اللعنة عليه.. حين ملك الذهب رمى بي أنا؟! ركضت بلا اتجاه.. أقسمت أنها ستكسر أصابعها.. ولن تعود إلى العود.. وستمزق أثواب الرقص… وتحطم زجاجات الخمر؟ ولن تسمع صوتها لأحد بعد الآن… تعثرت قدمها بحافة الرصيف… صرخت من الألم… حاولت أن تنهض خانتها قوتها، وجدت جسدها ملقى فوق بلاط الغرفة البارد.. تلمست مكان الألم آثار دم على جبهتها أعادها من رحيل الخيال؟ ضحكت.. ثم ضحكت.. زحفت على ركبتيها، تمسكت بكرسي خشبي.. أطلت من النافذة.. رذاذ مطر ناعم، فتحت راحتيها.. تجمعت بضع قطرات.. غسلت أثار الدم عن جبهتها، تركت النافذة.. جلست خلف طاولتها.. دارت بنظراتها في أرجاء الغرفة، لم تزل الأشياء مكانها… كان العود معلقاً بمسمار صدئ.. أوتاره متقطعة.. خاتمها الفضي على الطاولة، بعض الأوراق الممزقة على بلاط الغرفة؟ تناولت آخر رشفة في كأس الأمس.. عادت إلى سريرها تبحث عن الدفء.. وتواصل حلمها الخريفي…؟

خريف/ 2002/

ÞÞ

 

ذكرى

كان عليه أن ينتظر، الصبر يجعل الرجل أكثر جلداً، تصقله الحياة في أتونها، كان ساجدة تتكلم مع صديقتها هدى والألم يعصر قلبها تتدحرج على خديها دمعة لؤلؤية في طريق عودتهما من زيارة سعيد في السجن، قالت هدى: أنت أقرب الناس إليه، كان عليك أن تفهميه طبيعة الحياة هنا تختلف عن القرية، كلّ الطيبة التي يملكها ضيعتها حماقته، هزت برأسها -حاولت والله حاولت- دون فائدة، إنه عنيد يا هدى: قد لا تصدقين ذلك الرأس الذي افترش البياض مفرقه.. كم هو حاسم في موقف قرره، عندما شاهد المدير، تحول إلى بركان انفجر بوجهه “تصوري أن المدير ظهر عاجزاً عن الرد” أمام التهم التي وجهها إليه سعيد، حاصره بالأسئلة قائلاً: تظنّ أنّ المديرية/ مزرعة والديك/ تزوّر مع جماعتك عقود المناقصات وأرباحها تصرف على موائد القمار!! تابع: تدفنون رؤوسكم في الرمل كالنعام.. إذا كنت تظن أننا نجهل أعمالك فأنت واهم، سعيد يختزن حزناً ويملك قلباً مفعماً بمحبة الناس “لم يحصد إلا المرارة، عشرات الموظفين التفوا حول المدير، منعوه أن يصل إليه أنت تعرفين أنه ولي نعمتهم” لا أحد يدري من أخبر الشرطة حضروا سريعاً، لو شاهدت ملامحه لعرفت أي رجل بجسمه النحيل، وهدوئه تحول إلى بركان، كأن الجميع تحولوا إلى أقزام، نظر بوجه رئيس المخفر قال متهكماً: طبعاً حتى تصبح الأمور قانونيةً “بحاجة لأمثالك” لم يحتمل رئيس المخفر الإهانة، صفعه بقوة على وجهه، رأيت في عينيه نظرات مارد إقامته امتدت كشجرة سرو شامخة، شعرت عندها أن هذا الفتى النحيل قادر على رميهم جميعاً تحت قدميه، احتوتها هدى في صدرها.. اهدئي أرجوك لا بدّ أن نجد حلاً، تذكرت، ما رأيك أن نذهب إلى مكتب “الأستاذ سهيل: زميلنا بالجامعة” يقولون إن لـه مكانة كبيرة في عالم المحاماة، بعد أن تزوج من “صبا” تلك الفتاة المدللة ألا تذكرينها، كانت تأتي إلى الجامعة بسيارات مختلفة تشخص الأبصار إليها كلما أطلت تبدأ جولة من الهمس حولها. إلا أن سهيل كان أكثرهم حظاً.. رسم حولها دائرة ضيقة حتى انبهرت بتصرفاته، تعلقت به، وجعلته ينال رضى والديها، بذكائه دخل إلى عالم والدها التجاري، فتحت له أبواباً مغلقة خيّم عليهما الصمت، سمعتا وقع خطواتهما على الإسفلت، قالت ساجدة بأسى: ليتني ما عرفته، قاطعتها هدى: هل أنت نادمة أذكر جيداً كيف أدهش الجميع باهتمامه بك، كنت كمن فاز بالجائزة، الدنيا لا تتسع لفرحتك، لا أدري يا هدى: أشعر أني منقسمة على نفسي، أعترف أنّ حبه يتعشق روحي أحببتُ تواضعه، رجل يملك مواصفات فريدة، في زمن/ تلهث فيه الناس خلف المظاهر الكاذبة/ لكن ضغط الأهل، والناس، وهذه الظروف القاهرة، حوّلت حياتي إلى مرارة قبل أن (يدخل السجن) لم يكونوا موافقين عليه /كونه من قرية بعيدة ولا يملك سوى راتبه وكرامته، ما بالك عندما يسمعون الآن سيقولون ترضين لنفسك زوجاً خريج سجون! هذا إذا لم يدبر لي المدير حجة تؤثر على عملي، تنهدت بحرقة، قالت هدى: أنا متأكدة أنهم سيدبرون له تهمة كبيرة، حتى يتخلصوا منه نهائياً، تابعت: يجب أن نقف معه يا ساجدة: وإلا بماذا نختلف عن الآخرين، وصلتا إلى مكتب الأستاذ سهيل: جو المكتب بارد، موسيقى هادئة، بعض المراجعين ينتظرون دورهم، انتظرتا حتى جاء دورهما استأذنت لهما السكرتيرة بالدخول رحب الأستاذ بهما، أهلاً نور المكتب.. استغربنا لم يعرفهم، اقتربت هدى ألم تعرفنا أستاذ؟ قال: عفواً أنا أقابل عدداً كبيراً من المراجعين يومياً، لن نطيل عليك.. ذكرتاه بالجامعة، وسعيد، اندهش نهض من خلف الطاولة رحب بهما من جديد، نادى على السكرتيرة طلب القهوة لهما، روت ساجدة الحكاية من أولها حتى زيارتهما إلى السجن، كانت تتكلم ودموعها على خديها، طمئنها لا عليك سنجد حلاً، تابع: أعرف أصدقاء مهمين قادرين على تقديم أي خدمة أطلبها منهم، تلك الأروقة بحاجة لمن يعرف دروبها جيداً وإلا تتزلق خطواته إلى أسفل فيسقط في الهاوية.. فكر قليلاً، رفع سماعة الهاتف ضرب رقماً، آلو أنا المحامي سهيل: أريد السيد أبا المجد، بعد تبادل التحيات والمجاملات المعهودة، قصّ عليه الحكاية، بدا متأثراً بجواب الرجل تغيرت ملامحه! غير معقول لا، طبعاً كنت أعرفه أيام الجامعة /يا سيدي/؟ لا، لم يكن له نشاط يعارض آراء الحكومة!! ولم أشاهده يمشي مع أشخاص غير مرغوب بهم، لا أبداً بعد الجامعة لم ألتقِ به.. ربما أنت على حق! الموضوع تحت أمر سيادتك تقرر.. كما تشاء، لا لن أكرر الطلب! أغلق السماعة، خيم صمت ثقيل، اخترقته ساجدة: أرجوك أستاذ قل لنا ما الأمر /الحقيقة زميلكم متهم بنشاط لا يرضي الحكومة الموقرة!/ قاطعناه معاً: أنت تعرف سهيل، يسكنه عشق الوطن، وهموم الناس الطيبين /يمقت الظلم، يسعى إلى العدالة الاجتماعية، يقلق ليله إذا شاهد أحداً يمارس نفوذه بتعالٍ وظلم على الآخرين، قلبه يتسع لكامل الوطن لناسه لبحره ورمله وشجره، إنه يفيض محبة على الناس، ما عرف الكره يوماً، صدره مفتوح لرياح الجهات الأربعة، قاطعهما الأستاذ، قائلاً: الحكي يريح الأعصاب صحيح، لكن ليس كل شيء نستطيع أن نحكيه؟!، شعرت بمرارة في حلقها تناولت كأس الماء دفعة واحدة، سأشرح لكما الموضوع، هناك أشياء نظنّ أننا نعلمها، وهي عصية على الفهم مجهولة بالنسبة لنا تابع: .. أنت وأنا نعرف شيئاً، وهم يعرفون كل شيء، أرجوكما لا أريد وجع رأس أتمنى أن تفهماني، مع السلامة، نهضتا تجرجران خيبتهما بالأستاذ سهيل يلفهما الحزن، بقايا من ضوء وشعاع من أمل ما زال سعيد يعايشهما في زنزانته الرطبة، ثلاث سنوات يقرأ ما كتب على جدران الغرفة ويعيد قراءتها كل مطلع شمس.. لا يرى جديداً! أخرج قلّما حصل عليه من سجانه لقاء علبة تبغ، راح يكتب على الهامش الباقي من جدران السجن: ينبت الأمل مع إطلالة الفجر، توقف عن الكتابة تذكر ساجدة تنهد بألم شعر بضيق تحول إلى تساؤل مقيت لعدم زيارتها، كان يظن أنها لن تنقطع عن زيارته بصحبة رفيقتها هدى تلك الفتاة الرائعة في وفائها للجميع. كان يكرر الكلام يشغل نفسه عن الآخرين في السجن يداري وجعه، يخترع الأعذار تارة لزملائه بالعمل، وتارة لساجدة وهدى موحياً لنفسه أن الحياة قاسية ولكل شخص ظروفه، يتمسك بالغد وهذا الغد طال انتظاره، وتارة يؤنب نفسه: مالي أنا وللمدينة وناسها ولماذا أواجه المدير وجماعته، معقول لم يكن المسؤولون عارفين ما يحدث بالمؤسسة! كان عليّ أن أبقى حيث دوت صرختي الأولى هناك في بيتنا الطيني أتفيأ بظلّ السنديانة، لا أحد يريد أن يعرف أو يرى، كل يغمض عينيه عما يجري، أوجعت الرطوبة مفاصله، وخرشت السعلة رئتيه، شحب لونه ونما شارباه، سنوات سرقت من عمره!! أشعة الشمس تحاول أن تبدد بقايا الضباب الذي يلفّ جدران السجن! كان الصباح بارداً، يلف السجن وصوت السجان استباح صمت المكان، قائمة أسماء الذين سيطلق سراحهم هذا اليوم ارتعش جسده، لفحته أشعة الشمس المتسللة من خلف غيمات تدفعها الريح باتجاه الغرب! لم يجد أحداً بانتظاره، أحس أن شيئاً آخر بداخله يتهشم، اشترى علبة تبغ، أشعل لفافة نفخ الدخان في الهواء، داهمه شعور مفاجئ ماذا يبقيه في هذه المدينة؟ حاول أن يتحرر من هذه الفكرة، ظلّ مشدوداً إليها، سمع صوتاً يعرفه، هدى: تيار مسّ ذاكرته بدأ يشعره بالأسى على زمنه، تقدمت منه هنأته بالسلامة قرأ في عينيها ما كان يخشاه، هذه الحقيبة لك، أمانة من ساجدة تابعت: فرضوا علينا أن نقاطعك.. أنت لا تدري كم من الفرضيات انهالت علينا لأجلك، قاومت ساجدة أهلها والناس، والزمن وفي النهاية أسلمت جسدها لهم، لكن روحها لك أنت تابعت كلاهما وهي تغالب دموعها قبل أن ترحل تركت لك هذه المحفظة، ابتسم والأمل يفتت داخله أنت يا هدى كنت خير صديقة لنا، حدق بوجهها أشكر لك وقوفك معي ووفاءك لها، كلّ ما في المحفظة من حقك أنت أن تحتفظي بها. أنا لا أريد شيئاً يشدني إلى الماضي.

ÞÞ

 

الخيبة

قبل أن تغرب الشمس، ويبدأ الليل يحتوي بلونه الأمكنة، أرادت أن تلقي نظرة على السفوح المفروشة بالزيتون. يا الله تلك الحبال الممتدة ينتشر عليها الدخان تشكل لوحات جمالية بين الأشجار الباسقة، شعرت أن طفولتها لم تزل تركض وترسم مشاغبات صبيانية ليركض بها الزمن، تحت ظلال الأشجار ترن ضحكاتها كأنها سلسبيل من الفرح لا ينتهي تتدفق ربيعاً، زمن يختزن ذاكرتها بألوانه وحكاياه. هدير محرك السيارة يخترق صمت المكان، الطريق شبه مقفرة إلا من بعض الفلاحين العائدين من حقولهم يحضنون أحلامهم بغلاّت الزيتون والتين يترنمون بأغان تشبههم، أول ما لاحت لها البيوت الطينية بينما السيارة تنحدر بحذر عابرة القمة إلى السفوح، جعلتها تعود بذاكرتها إلى الماضي، طلبت من السائق أن يتوقف، هنا لو سمحت: أرجو أن تنتظرني بعض الوقت،ترجلت من السيارة مدت خطواتها كأنها تمشي على ماضيها، اخترقت غابة الصنوبر والسنديان المحيطة /بمقام العجمي ذلك الضريح الضارب بالقدم يسوره بناء حجري تعلوه مئذنة صغيرة، يلفه قماش أخضر وتفوح من حوله رائحة البخور، تعلوه لوحة رخامية نقش عليها تاريخ بناء المقام، واسم صاحب الضريح القادم من سنجار/ رائحة البخور أنعشت داخلها التعب، تنشقتها بعمق كأنها تداوي بعطره جراحها، تناولت منديلاً حريرياً تحتفظ فيه منذ غادرت القرية، لفت شعرها به قرأت آية الكرسي: ومقطعاً من سورة مريم: تركت جبهتها فوق القماش الأخضر قبلت الضريح، بدموع سخية راحت تبوح بحزنها، قبل أن تغادر المقام وضعت مبلغاً من المال في الصندوق، وقفت أمام شجرة كبيرة، كم من الناس حفروا أسماءهم على جذعها.. راحت تقرأ: مريم+علي، حسن وفاطمة.. فارس وسناء حفرا الاسمين على شكل قلب، لم تستطع أن تحبس دموعها تركتها تغسل وجعها، بأسى وحيرة أسندت ظهرها إلى جذع الشجرة، سرحت بخيالها بعيداً.. لن تنسى ذلك اليوم حين تلقت نتيجة نجاحها في الشهادة الثانوية مع فارس، ركضا معاً باتجاه مقام العجمي، يؤديان نذراً بأن يصعدا إليه فوق التلة بقدميهما العاريتين، ويشعلان مجمرة البخور، ويدوران بها حول الضريح سبع مرات! تذكر تماماً كيف ركض فارس خلفها محاولاً إمساكها بجدائلها الشقراء، أسرعت هي تستنجد بالعجمي.. توقف فارس عندها قرأت في عينيه حرائق ونظرات مبهمة لم تستطع فهمها!! لكنها لن تنساها يوماً، قالت: فارس ضع يدك فوق المقام.. هنا على القماش الأخضر، أقسم بأنك لن تغدر بي.. ولن تكون لأنثى غيري.. حدق بوجهها مستنكراً ما تقوله، مدّ يده إلى الضريح أحس بقشعريرة تسري بجسده كأنه دلق عليه ماءً بارداً.. أقسم فارس وعادا إلى القرية ليلتف حولهما أهلهما مهنئين ومباركين وكيف أن أمها وزعت الحلوى على الأطفال جميعاً، يا له من زمن! هاهي تترك فارساً تائهاً في المدينة بعد أن تعرف إلى ناس مهمين وراح يحقق طموحاته الكبيرة مهما يكن الثمن والنتائج، /مدعياً أن الحياة بحاجة لدبلوماسية خاصة من أجل العيش/ بهذا تمكن من الوصول إلى منصب مهم، تنهدت يبدو أنهم أفرغوا الطيبة من داخله، وزرعوا شخصاً آخر لا تعرفه، لم تكن تتوقع أن تعيش معه على هامش الحياة، وإنه تزوجها ليتخلص من عقدة الذنب تجاه عهد أقسم عليه!! ويغطي حياته الماجنة بليالي السهر والنساء وطاولات القمار.. كانت كلما حاولت الاقتراب من حياته، حاول أن يوهمها أن وقته مكرس للعمل وأن منصبه الكبير لا يسمح له بالحياة العائلية الهانئة، وأن سفراته المتعددة إلى الخارج هي جزء من مهام تقع على عاتقه ينفذها كما يؤمر بها، وتلك المشاريع مع تجار كبار والاجتماعات التي تستمر حتى الفجر، اكتشفت أن كل ذلك ما هو إلا وهماً كبيراً تعيشه، وأنه يمارس طقوس زمنه الرمادي من خلف ستار أسود بدم بارد لا يهمه عذابها أو عذاب الناس الذين يدوس عليهم وعلى حقوقهم من أجل الوصول إلى غايته هو والمتعاملون معه!؟ حاولت مراراً أن تذكره بالماضي، وبقسمه على مقام العجمي: كان يبتسم بخبث ثم يضحك بصوت مرتفع، هاأنت معي يا سناء ألا يكفي، ترد عليه بدمع وألم: معك وكيف؟ أسئلة ظلت تخافها وتقاوم ضغطها سنوات سبعة حتى ضاق بها الحال وأصابها الملل، قررت أن تواجه الواقع لملمت أوجاعها وخجلها لتعود إلى ملاعب طفولتها، هنا بيت أهلها بعد أن تركت له كل شيء. حمدت الله أنها لم ترزق أولاداً منه وإلا فكانت المصيبة أكبر، أعادها من شرودها ضحكات صبية تركض ويركض خلفها شاب بعمر الورد، يتسابقان إلى شجرة الأسماء قال الشاب: أنا سأكتب اسمك أولاً وأنت تكتبين اسمي.. نظرت إليهما بعينين تفيضان دمعاً ومشت.. يا إلهي تأخرت على السائق أسرعت خطواتها، اعتذرت بأدب من السائق: نظر في عينيها تمتم “إن لله في خلقه شؤون”، جلست بالمقعد وراحت تستعد لمواجهة أسئلة أهلها، هم الذين عارضوا زواجها من فارس ماذا تقول لهم؟ يومها لم تسمع إلا نداء قلبها.. أتقول إن الرجل الذي أحبته وعشقت فيه شهامته.. قد مات؟ وإنها وجدت نفسها تبيع جسدها لرجل لا تعرفه ولا تستطيع أن تستمر معه بقية حياتها وإنها عائدة تجر خيبتها، نظرت إلى الشمس وهي تغطس بالمالح، وبقايا لون الشفق كانت تريد أن تحتوي ذلك الغروب وتلك السفوح التي تحضن المقام تفتش عن أيامها وضحكاتها وأحلامها؟.

ÞÞ

 

العائد من الغربة

راحا يتوغلان تحت ظلال الأشجار صامتين، يمشيان بخفة فوق بساط مفروش بأوراق الشجر.. وبقايا الأعشاب يشع الحب من عيونهما وميضاً وشوقاً، كانا يتبادلان النظرات.. ويراقبان عصافير الدوري كيف ترف فوق الأغصان.. زقزقتها تحولت إلى لحن شجيّ، غرقاً في معرفة تفاصيلها، تداعب صغارها تارة.. وتتبادل الطعام تارة أخرى معها، كانا صغاراً تتطاير أوراق الخريف من حولهما، ينضغط العشب تحت قدميهما العاريتين.. حاولا الانفلات من ضيق يكاد يخنق حلمهما باللقاءات الحميمة، طرقات غابية متعرجة.. رائحة التين الشهية، كانت تفتش له عن أزهار البنفسج، قدّم لها ثمرة التين هامساً، إنها شهية كشهد العسل.. ضحكت بغنج قبلاتك أشهى منها يا شادي، خذني إليك.

.. أشعر بالبرد ابتسم بمكر: برد نيسان يغري العشاق يا صفاء، همست بجرأة طالما بحثت عنها، خلعت خجلها، مدت إليه يدها. قبلني أيها المتواري خلف قيود الوصايا.. لا تترك البرد يتسرب إلى جسدي انفلت من عادتك المقيتة.. دفنت رأسها في صدره، كان غير مصدق.

.. نزع الخوف عن شفتيه، تمرد على الوخز الداخلي.. بعينين تفيضان عشقاً وشوقاً أخذها بين يديه، فرش لها بيتاً صغيراً يتسع لحبهما.. فرشت له عمرها وأحلامها.. ورضت بما لديه، لكنه في اللحظة التي أراد بها أن يقفز فوق زمانه، دفعته أحلامه لأن يتوه في ازدحام المدن، توقع أن يحقق طموحاته الكبيرة، تاهت خطواته في الفراغ وانتظار ما يأتي به المستقبل! غرق في دوامة الأسئلة؟ وظلت ذاكرته تدور في مدارات الغربة كل يوم يواجه موت حلم من أحلامه.

.. يرسم.. يخطط.. يجد نفسه ساعياً وراء ما يؤمن له طعامه اليومي!! كلما اشتد الضيق من حوله يلجأ للذاكرة: قال لها: عيناك الصافيتان تبوحان بما تخفيه عني.. ظلت يده معلقة في يدها.. صدرك غابة للعشق.. ابتسمت وراحت تغني “بكتب اسمك يا حبيبي على الحور العتيق../ موانئ أبحر إليها.. محطات عبر بقطاراتها إلى المجهول.. لم يحقق شيئاً! غريب تهجره الشواطئ.. تضيق به الأمكنة!! يغادره الدفء.. يتغلغل الصقيع إلى نقي عظامه، يرتشف قهوته في الأمسيات وحيداً! فشل أن يكون رجلاً ناجحاً! تلك المدن التي بادلها العشق، أوجعته بنكرانها له.. وموت أحلامه.. بينما فتحت صدرها ومخازن نعمها للآخرين! أغدقت عليهم بالحياة الناعمة.

..شعر بغصة في حلقه.. تظل عارياً إلا مما يستر عورتك! تذكر يوماً تناول /حزمة/ من سنابل القمح، فركها براحتيه شم رائحتها خبأها تحت وسادته، ما زال أينما رحل يحتفظ بها تحت وسادته، ينهض داخله فوق سفوح ينتشر فوقها الزعتر، تفيض المحبة ألقاً وحنيناً وتنتشر رائحة البخور، طيور النورس ترف فوق شواطئها المبللة بالندى، يسراه فوق قلبه التعب، شعر بوخز مفاجئ.. حاول أن يخرج من ذاكرة الماضي! انحرفت السيارة عن الطريق التي أتعبت قدميه طويلاً! توقف أمام حافة صخرية تشرف على واد عميق.. يا إلهي: /لولا لطف الله.. لكانت نهايتي في أسفل الوادي/ نظر إلى الأفق.. ثم إلى السهول التي تمتد حتى تلامس رمل الشاطئ.. توغلت نظراته إلى غابة من السنديان، والصنوبر، والريحان.. هناك؟ زرعا شجرتين صغيرتين واحدة “تين” والثانية “رمان” الطريق نفسها لم تتغير تعاريجها بالرغم من لونها الأسود!! هاهي بيوت القرية الطينية ما زالت تتهادى على سفح جبل ترتفع فيه أشجار الزيتون.. بانتظار فجر الشمس! آه.. يهرب الزمن من بين أصابعه.. تاهت قدماه في عالم الغربة، ولم يحقق طموحاته التي هجر قريته من أجلها /أوقف السيارة جانباً.. ترجل منها، خلع نظارته الطبية، حدق بالأفق من جديد.. بقايا ضباب صباحي يلف السفوح.. والزيتون يتبخر من قلب الوادي.. يتطلع إلى القمة، حيث كان الفضاء لا يتسع لأحلامه، لم تزل ذاكرته تحفظ تفاصيل الأمكنة.. تنهد بعمق أحس بجرح عميق ينزُّ في صدره! حاول أن يصرخ.. ليردد الصدى صوته. لكنه تساءل لمن يريد أن يُسمعه! تناول شريط كاسيت، كان يحتفظ به.. يسمعه كلما شده الشوق إلى قريته، وأهله.. وصفاء.. ياه.. صفاء” هزّ رأسه يا له من زمن لا يرحم كأن أوتار العود تدق في قلبه.. انساب الصوت.

شفتك يا جفلة عالبيدر طالعا../ عيونك يا حلوي الشمس الساطعة/ تحركت السيارة باتجاه القرية منحدرة من فوق السفوح.. كأنها تمشي على زمنه الذي مضى، تتقاذفه تفاصيل الغربة والأسئلة، يا ترى هل تعرفه صفاء عندما تراه، هل تسامحه؟ ويا ترى ماذا يقول لها:

فاضت الدموع من عينيه وغصت الكلمات في حلقه.. ماذا يقول لأهله، كيف يشرح لهم أسباب عودته، صحيح كان يكتب لهم في المناسبات

.. لكنه لم يكن يشرح كل ما يجري له.. كلما اقتربت السيارة من بيوت القرية أحس بتسرع دقات قلبه، ضغط بيده على جرس الباب، سمع حركة بطيئة.. وقع خطواتها.. وقفت أمامه.. يا إلهي لم تزل أجمل ما رأت عيناه.. حتى في عالم الغربة/ تجاوزت المسافة إليه.. توقف الكلام على شفتيها.. غصت بالدمع.. شادي.. دارت بها الذاكرة: أنا وشادي غنينا سوى.. احتواها بحضنه.. قبل رأسها.. قبلت جبهته.. شدته إلى صدرها شمت رائحته أنفرتها بالبدء.. تجاوزت العتاب.. والأسئلة، غالبت وجعها: لن أدعك ترحل مرة ثانية أيها الجاحد.. أدخلته غرفة نومها ما زالت تحافظ على الأثاث نفسه.. فرشت له ما بقي من عمرها.. دفن رأسه بصدرها: وراح يحكي لها عن عذاب الغربة الموحش.. مسحت دموعه.. مسح دموعها، توقفا عن الكلام الموجع، غاصاً بطراوة الغطاء.. يحلمان بصباح أجمل!!.

طرطوس / 2002

ÞÞ

 

-مساءات-

الوقت موزع بين اليقظة والحلم، تمسكه قبضة الليل، تدفعه إلى بوابات المنفى، طرقات موحلة، وأقدام تعبه، تمشي إلى الخوف يلتصق بها وحل الطرقات، ليل وغربة، تطويه الذاكرة، يحاول أن ينسى، كيف جاء إلى هذه المدينة؟ تسكنه الأشياء الغامضة كل ما يدور حوله يشعره بالريبة، لم يشعر يوماً أن أحداً بحاجة إليه أو أنه يعمل شيئاً مفيداً، تسير حياته برتابة وملل مقيتين، حتى سعاد: التي تعلق بها قلبه، وتعرف عليها من خلال عمله، باتت كأي شيء عادي في حياته، لا تشعره بجديد؟ كلما التقيا يتحدثان عن مشاكل العمل وعن زملائهم بالعمل، كان يمشي بالشارع ذهاباً وإياباً، بانتظار سعاد: اقتربت منه ترسم على وجهها ابتسامة عريضة، عفواً للتأخير، أنت تعلم زحمة المواصلات، تركت برودة يديها في راحتيه.. ومضيا في شارع يزدحم بالناس، همست له.. ما بك؟ دائماً تعيش متشائماً.. ألا تعني لك الحياة شيئاً، أحنى رأسه قليلاً، وقال: لا أدري لماذا لا أستطيع التلون بألوان هذا الزمن، قالت بغنج: تعامل مع الواقع كما هو، دعنا نعش اللحظة الممنوحة لنا إذا كانت فرحاً، نفرح، وإذا كانت حزناً.. مسكت بيده يا سيدي /لاحقين على الحزن/؟ فجأة كاد أن يسقط على الأرض.

..شدته من يديه، كانوا.. مجموعة من الأطفال يركضون بكل الاتجاهات.. هرباً من /عناصر الجمارك/ تتساقط من تحت ملابسهم، أنواع من الدخان المهرب؟ سمعا صراخ امرأة تركض خلف طفلها/ لن تدخل البيت قبل أن تبيع ما معك من دخان /مسح الصغير دموعه، بقايا الغبار والدموع شكلت لوحة على خدي الصغير، اقتربا منه.. توقف عن البكاء.. حدق بهما؟/ أقسم بالله.. أنا لا أحب هذا العمل/ لكن أمي لا تريدني أن أذهب إلى المدرسة.. تقول إن سعيد بن جارتها أم خلدون /جمعيته خمسة آلاف ليرة/ شهق بالبكاء من جديد أنا لا أريد أن أترك المدرسة، جلس إلى جانبه على الرصيف، ما اسمك؟ سمير يا عم، طيب يا سمير.. لماذا لا يتدخل والدك؟ غصت الدموع في عيني الصغير وأخفض رأسه بين ساقيه.. والدي تعيش أنت يا عم، مات منذ ثلاث سنوات..وأعيش مع أمي وأخوتي الستة في حي تنقصه الخدمات الصحية؟ ارتبك نظر في عيني.. سعاد، هزت كتفيها/ هل عندك حل؟/ قطب حاجبيه: تصوري أن تواجهي مشكلة بهذا النوع ولا تجدين ما تقدمينه.. وضع يده فوق رأس الصغير، اسمع يا سمير: الحقيقة أتمنى أن أقدم لك أي مساعدة.. هذا رقم هاتفي، وعنوان البيت: ناوله ورقة صغيره، يمكنك الاتصال بأي وقت تشاء.. المهم لا تغضب من تصرفات أمك.. قد تكون مجبرة.. الظروف لا ترحم عليها واجبات تجاه أشقائك، وأنت الكبير؟ لكن إياك أن تترك المدرسة، مهما يكن.. وكما قلت لك، أنا جاهز للمساعدة بأي وقت تشاء؟ شعر الصغير بالراحة.. نهض وراح يركض باتجاه شارة المرور؟ نظرت في عينيه، تريد أن تحل مشاكل الناس، لا أحد يستطيع ذلك، أذكر قولاً للإمام علي: كرم الله وجهه /إرضاء الناس غاية لا تدرك/؟ معك حق، لكن أنا لا أشعر بكوني إنساناً إلا من خلال ما أقدمه للآخرين، نسيا همومهما، تشكلت بضع غيمات سوداء فوق المدينة، ما هي إلا لحظات حتى بدأت تمطر، مطراً ناعماً، تمسكت بيده، أنا أحب المشي تحت مطر /نيسان/ مشيا وقد بلل المطر ثيابهما.. قالت بفرح: انظر هناك في زاوية الشارع يقف بائع الفول.. أسرعا إليه.. ابتسم بلطف مرحباً بهما: فول بلدي.. قدم لكل واحد صحن صغير ورش فوقه بهارات الكمون وعصر الليمون فوق مرقة الفول، ابتسمت: لا عليك سنساعد، سمير: بكل الوسائل، سألها كيف؟ أنت تشتري له الكتب، وتعلمه دروس الرياضيات.. أنت تعلم إنني لا أحب الرياضيات؟ وأنا أشتري له بدلة المدرسة والحقيبة وأساعده في باقي المواد، ونحاول إقناع أمه، أن المادة، ليست كل شيء في الحياة؟ ونقدم إليها مساعدة شهرية، على حسب الإمكانية المتاحة، ضحكا معاً وشعرا براحة للفكرة، وراحا يأكلان الفول بشهية، ويبتسمان، أخيراً وجدا ما يحلمان بتحقيقه؟.

دمشق 2001

ÞÞ

 

سيدتا مجتمع

يستعد مرافق الحافلة لإغلاق الباب بعد أن تفقد عدد المسافرين، أشار إليه مراقب السفر أن يتريث قليلاً، في هذه الأثناء وصلت سيدتان الأولى تدفع قامتها القصيرة، معتزة بما ترتدي من حلي وزينة، وعلى عينيها نظارة سوداء عريضة، تتمايل من سمنتها، بدت عليها النعمة المستحدثة.. تمشي خلفها امرأة أنيقة المظهر، يسكن في عينيها حزن عميق، باسقة القامة شعرها أشقر طويل، تدب خطواتها على حياء.

كانت الأولى: ذات القامة القصيرة قد قص شعرها على شكل دائري، خلعت نظارتها السوداء، عيناها صغيرتان، تركت على كتفيها سترة خمرية ناعمة، جلست إلى جانبها المرأة التي ترافقها، تشبه الوصيفات، أغلق باب الحافلة، عبر آلة التسجيل انساب صوت فيروز رقيقاً كنسمة الفجر أراح أعصابنا المتعبة، واعتكف كل إلى جاره في المقعد، يحدثه أو إلى صحيفة كان يحملها، قالت الوصيفة: سيدتي الحمد لله وصلنا في الوقت المناسب، لكن يا سيدتي لماذا لم نسافر بالسيارة؟ حدقت فيها بغضب ألم تشاهدي ماذا حصل معنا.. هذه /البولمانات/ أكثر أماناً من سياقة سيدك أبي السعد، مع شريكه أبي فادي، مدت يديها /شوفي كيف عم ترجف/ كدنا ندهس الرجل.. شفتي كيف طارت عربته في الهواء.. كل قطعة وحدها، يا ساتر، كانت السيارة انقلبت، كأنه أعمى، ضحكت السيدة: ولا الفول كيف اندلق في الشارع، لولا سيدك أبا السعد، تفاداه واندفع باتجاه الرصيف، حاولت الوصيفة أن تبدي أسفها لأنهم تركوا الرجل العجوز مرمياً في الطريق دون إسعافه؟ زجرتها! يبدو أن الإنسان مهما تحضر يحنّ لأصله، كتمت الوصيفة غيظها وكأنها تذكر سيدتها، منذ طفولتها في القرية، تركض عارية القدمين وراء أمها، التي فارقت الحياة دون أن تنعم بما وصلت إليه ابنتها، تذكر جيداً حال والدها /كان يعمل عند الناس أجيراً/ وفي آخر النهار يحصل على قوت عياله، لولا أن قريبها أبا السعد أراد أن تكون له زوجة من قريته، بعد أن عاش في المدينة سنوات طويلة، ظناً منه أنه يحمي سمعته، كادت المرأة تنفجر وتضرب بما تعلمه بوجه سيدتها، لكنها أومأت برأسها معك حق سيدتي، الحق على العجوز.. كان عليه أن ينتبه، المهم وصلنا بخير، أرادت الوصيفة، أن تستعطف سيدتها، وتفتح معها حواراً ينسيها غضبها منها، قالت مندهشة: “ياي” خاتم جديد لم أرَ مثيله من قبل، ابتسمت لها بغنج وهي تنهض قامتها، علها تساويها في المقعد؟ إنه من الماس الحقيقي.. هدية أبو فادي بعيد ميلادي، كان عائداً من /باريس/ بعد أن سهل له أبو السعد صفقة تجارية رابحة لصالح شركة كبرى، وراحت تعد هدايا ميلادها.. هذه الأساور من أبي كريم صاحب محل /مجوهرات/ وهذا الطوق، من أبي خالد، وهذا الحذاء /مدت قصر ساقيها/ من إيطاليا بمناسبة فوز أبي زهير، بمناقصة استيراد لحوم، و..، والوصيفة تحدق بتشققات يديها رغم مرور أعوام على وجودها في بيت ستها أم السعد، ما زال الحزن يعيش معها، تشفق على الناس وتحب لهم الخير، عكس ستها التي تعالت على واقعها، وراحت تقلد الكبار خارجة من عالم إلى عالم!! وكأنها ضحكت في سرّها ويلاه لو سمعتني، يمكن أن تقتلني! أو على الأقل تدبر لي أي تهمة وترميني في السجن!

هؤلاء لا يرحمون من يقع بين أيديهم، أصغيت لها بصمت بينما كانت تروي لي وأنا أستمع مندهشاً، بعد أن حاولت أن أخفف عنها وقد رأيت دموعاً على خديها، وهي تجلس في استراحة البولمان وراحت ذاكرتي تحصي كم رأت سواعد وأساور، الآن عرفت سر تكاثرها، في زمن ينهش الوجع، والجوع، ناساً لا أحد يعترف بوجودهم، كما يقال تكملة عدد!، وكم رأيت سواعد تلفحها الشمس، تبحث عن لقمة تسد الرمق!! تابعت المرأة كلامها وأنا أستمع باستغراب، نظرت بوجهي قالت: أليس المنافقون في الدرك الأسفل من النار /ارتكبت ولم أعد أعرف ماذا أقول لها؟! كنت أحاول إحصاء، عدد الأقدام التي تنتعل /أحذية غالية الثمن/ والتي تنتعل أحذية تسترها /وتلك التي تمشي على الإسفلت عارية؟ وكم من الذين تنطبق عليهم الآية الكريمة /ابتسمت للمرأة، المهم أن يحافظ الإنسان على إنسانيته في زمن تتبدل الأشياء بسرعة!!

مسحت دموعها، نهضت تجر حزنها تمشي خلف سيدتها وتومئ برأسها موافقة لما تقوله؟!..

دمشق / 2001

ÞÞ

 

إحالة إلى المعاش

أبواب الدنيا تنغلق بوجهه تلفحه ريح شتوية تخترق عظامه الهشة أمضى عمره وراء طاولة من حديد وكرسي من الخيزران يضع تحته قطعة وسادة بقياس، محشوة ببقايا الأقمشة، صنعتها زوجته وقدمتها إليه بعد أن زادت شكواه من ألم ظهره، بقامته الطويلة وشعره الأبيض وابتسامته العريضة كان يمضي يومه بين الأرشيف والديوان، حتى أصبح يعرف كل صغيرة وكبيرة في المؤسسة والفروع التابعة لها يمضي يومه بين سجلات تحيط فيه من كل جانب.. الكثير منها اهترأت أطرافها، وتمزقت بعض أوراقها.

.. يذكر جيداً كم اعتمد عليه حضرة المدير في قضايا مهمة محدثاً زائريه عنه: أبا محمد دماغ المؤسسة /يبدو أن الزمن غافله، بينما كان يفتح البريد العام اندهش إنه اسمه مرفقاً بجدول الذين وصلوا إلى السن القانوني ويجب إحالتهم إلى المعاش؟ تمتم كل إحساسي في الصباح أن هناك شيئاً سوف يحدث اليوم!؟

ارتبك. شعر بقشعريرة تسري في أنحاء جسده، تغيرت ملامحه، جلس على كرسيه، وراح يحدّق بموظفي المكتب، أم شادي مشغولة دائماً بمشاكل زوجها وأولادها.. وتحضير الطعام، الأستاذ أمجد عازب لا شيء يهمه إلا كيف يقضي سهراته مع أصحابه، أو كيف يقدم خدمة لأحد مستثمري المؤسسة، ينال لقاء ذلك ما يؤمن له حياة مريحة؟! الآنسة رجاء هز رأسه معجباً بها وبجمالها! لم تتجاوز العشرين من عمرها تم تعيينها على جهاز //الكمبيوتر/ حديثاً، معهم حق لم يعد له عمل.. ما كان يحتاج لأسابيع حتى يتم تدوينه في السجلات.. تستطيع إنهاءه بساعة، هز رأسه من جديد، شيء ما بداخله يختلج كلما نظر إليها أو حتى ذكر اسمها، معقول أن يفكر بها.. حدث نفسه /أعوذ بالله من الشيطان الرجيم/ البنت بعمر بناتي؟! اقتربت منه تمشي على مهل.. يا إلهي إنها تشبه إشراقة الشمس في صباحات الربيع، عم أبا حسين: كان يمقت كلمة /عم/ لكنه أجابها بهمس يا عيون عمو أبو حسين.. ابتسمت قائلة: عن إذنك أنا بحاجة إلى إجازة ساعية، أراد أن يطيل الحديث معها..

لماذا؟ قالت بغنج أنت بمقام الوالد.. انتفض ماذا؟ تذكر كتاب إحالته إلى المعاش.. وجدول سنوات الخدمة، أعادته من شروده! أنا على موعد مع خطيبي عمو أبا حسين.. ماذا؟ قرأ على وجهها ملامح الدهشة من موقفه وكثرة أسئلته!؟ لا.. لا.. أبداً معك حق وقع على ورقة الإجازة، تناول كتاب الوزارة ومدّ خطواته الثقيلة باتجاه مكتب المدير العام..

دمشق / 2002

ÞÞ

 

صباحات مقهى

ثلج ممزوج بالمطر، ألبس المدينة حلتها الشتوية، وأزاح عن كاهلها ثقل الجفاف، شهور لم تمطر السماء، الأرض تشققت، والنهر الوحيد الذي يخترق المدينة وكان مصدراً لجمالها جفّ.. وامتلأ قمامة /وبقايا الصرف الصحي/ راح يراقب ازدحام الناس من خلف زجاج المقهى، أومأ للنادل الذي ابتسم له بلطف. أمر أستاذ نارجيلة وفنجان قهوة.. ساده لو سمحت، أدار نظراته على الطاولات.. هناك قرب الزاوية تجلس فتاة تفرد شعرها الأشقر على كتفيها، بدت كأنها تطير من الفرح، تفرش أوراقها فوق الطاولة تحاور بشغف أديباً دفعه تقاعده لأن يمضي يومه في هذا المقهى، يبدو أن لديها ما تقوله له، يتركها تشرح بإسهاب، وعيناه تسرحان.. في وجهها.. تغرقان في عينيها.. تناول بعض الأوراق منها، ابتسامتها واسعة.. استرخت تجاعيد وجهه.. حاول أن يعبر من زمانه إليها.. هاله عدد السنين المتراكمة بينهما!! خلع نظارته العادية، وضع على عينيه نظارة سميكة //عفواً تلك للرؤية.. وهذه للقراءة// أخرج قلماً أنيقاً.. تملّى من وجهها وراح يملأ الهوامش بعبارات كان عليها أن تستدركها، أراه، تارة يخلع النظارة يهيم بندى صباها.. يهمس لها بكلمات تفرحها، ثم يعود للكتابة، قدم النادل الأنيق فنجاني القهوة.. ونارجيلة الأديب.

نتف الثلج تعلق على زجاج المقهى، لفترات ما تلبس أن تذوب.. تجري كالدموع على الرخام! رفع النظارة قدم لها الأوراق.. جاهزة للطباعة، بدا عليها الارتباك! شكرته بلطف.. قدمت له وردة حمراء.. أخذها بانبهار، أتمنى أن يعيدني الزمن أربعين عاماً.. ضحكت.. ثم ضحكت كانت تضحك من قلبها، أحسّ بالخيبة، عفواً أنا لا أقصد أستاذ: لكن تصورت /شكلي بعد أربعين عاماً.. /طمأنها، لكنها تركت جرحاً بداخله لن يندمل!!.

في تلك اللحظة، فتح باب المقهى.. دخلت فتاة في مقتبل العمر، نفضت عن سواد شعرها بياض الثلج، جالت بنظراتها على الطاولات.. لم تجد ضالتها.. اختارت طاولة جانبية.. أخرجت بعض الصحف، والأوراق.. نظرت إلى ساعة يدها! قارنتها بالساعة المعلقة على جدار المقهى!! اقترب النادل ابتسمت له /أنا أنتظر ضيفاً/ قدم كأس الماء وانصرف يتمتم بمطلع أغنية لم أستطع أن أحفظ منها شيئاً!! لم يمضِ وقت طويل.. دخل المقهى رجل أبيض الشعر.. يحني قامته قليلاً، نفض نتف الثلج عن معطفه الأسود، تغيرت ملامح وجهها، غاب القلق وارتسم الفرح، نهضت مرحبة به: أهلاً أستاذ عادل.. وضع يدها بين يديه.. عفواً للتأخير.. إنها المواصلات.. ضحكت والثلج أستاذ لا تنسَ، جلسا.. أشار للنادل.. يبدو أن الأديب كان معروفاً من قبل العاملين في المقهى جيداً.. قدم النادل النارجيلة والقهوة للأديب، أمر يا آنسة: شاي لو سمحت، تهامسا ببعض الكلمات غير المفهومة؟ أخرجت من محفظتها دفتراً أنيقاً بشريط ذهبي ناولته إليه.. أخرج من جيب معطفه نظارته.. بحث عن قلم.. كأنها قرأت أفكاره.. ناولته قلما أنيقاً.. ابتسمت أرجو أن يظل ذكرى.. تمعن في تقاسيم وجهها وراح يكتب على هامش الصفحات.. ما كان يجب أن يكتبه؟!.

دمشق / 2002

ÞÞ

 

أذهلته المفاجأة

مقعد الدراسة واحد.. المعلم ذو الشعر الأشيب والقامة المديدة، واحد،.. كان يركز اهتمامه في شرح قواعد اللغة وتقويم وقائع التاريخ المنسي كم طوت صفحاته أحداثاً كبيرة دفنها تحت غباره الزمني، انتفض أحد التلاميذ مقاطعاً الأستاذ!! أنت تبحث عن غايات شخصية، تابع الطالب: يجب أن لا ندخل الغايات الشخصية في قضايا التاريخ الهامة، وإلا اعتبر تزويراً كأنك تكذب الواقع أو ترفض ما دونه السلف؟! قطب حاجبيه ثم أفرد أوراقاً يحملها معه وراح يشرح لنا عن الوراقين الذين يكتبون ما يملى عليهم، الأحداث الحقيقية لم تزل مدفونة في طيات الكتب التي اصطحبها /المستشرقون/ معهم، شعر بدوار.. تمسك بالمقعد خوف السقوط! نفر العرق من جبهته، عليه أن يسند قامته كالرمح.. هؤلاء الطلبة يتمسكون بما يسمعونه، بل ويعتبرونه /مقدساً/ لا يمس.. راح يشرح بإسهاب.. ينتقي أوراقاً، ثم يضع بالقلم الأحمر خطوطاً عريضة مؤكداً على صحة انتمائها التاريخي، كان يجهد نفسه!! محاولاً رفع السوية التربوية والفكرية للتلاميذ “أنتم يا أبنائي مستقبل الوطن وعليكم تقع مسؤولية كبيرة، لذلك يجب أن يكون لديكم دافع للتثقيف الذاتي، والبحث المعرفي، ليست كل النصوص تحتمي بقاموس القداسة! هناك الكثير مما يجب بحثه وتنقيته، إذا غاب عنكم الوعي، ماذا يبقى؟ أوصيكم ألاَّ تدعوا الجهل يسيطر على تفكيركم /العقلاني/ كلمات نسجتها الذاكرة.. وأصبحت تراتيل يومية تبدأ مع إطلالة الصباح، كان أستاذاً رائعاً.. لا يهادن، ولا يرضى أن يمرر درساً حتى يشبعه بحثاً.. ومناقشة؟ كثيراً ما وجه التأنيب المستمر للتلميذ “غازي الطلة” وأمثاله.. وأعاد عليهم شرحه المستفيض حتى كدنا نسمع لهاث صدره التعب، وكثيراً أيضاً ما جعل القاعة تصفق معه للتلميذ “حيان الحسين” أمثالك يحتذى بهم ومرت السنوات وشمعته عصفت فيها الرياح، سنين تدحرجت على مسارات الدنيا أمضى شبابه بين طيات الكتب، وخلف مقاعد الدرس، كم أشير إليه.. أنه قام بتبديل نظارته الطبية مرات عديدة، عيناه تلتهمان الصفحات بلا ملل، كبر أكثر من زمنه، سنوات العمل، تشبه محطات الرحيل.. قطار العمر لم يتوقف.. تابع سيره إلى محطات علمية جديدة.. وتابع حيان الحسين تحصيله العلمي.

على مقاعد الجامعة أحس بخسارة زميله “غازي” وافتقده أيضاً.. يوم فرح التخرج.. ثم لم يلتق به أثناء “خدمة العلم” لم ينسَ عذابه حتى استطاع تأمين عمل على أساس الشهادة الثانوية بانتظار مسابقة التعيين الجامعي، في غرفه محشورة بثلاث طاولات حديدية، وموظفين اقتربوا من سن المعاش، كان عليه أن يعمل من أجل لقمة العيش، وفي تلك الغرفة التي تطل على شارع مزدحم بالباعة القادمين من الريف، كل ينادي على بضاعته أمضى يومه الأول، كان يحتسي كأس الشاي صباحاً، شعر بحركة في ممر الإدارة غير طبيعية.. انتصبت القامات وانحنت للقادم!.

وخزه زميله ماجد.. إنه المدير العام يا رجل “قف، أفرد قامتك، أظهر احترامك، رمقه بنظرة تأنيب.. ليكن المدير العام.. نحن نعمل واجبنا، عليه أن يحيينا لأننا لم نترك العمل، أنت غير طبيعي.. يا رجل أقول لك إنه المدير العام.

فتح عينيه جيداً.. رفع النظارة السميكة، غير مصدق ما تراه عيناه هذا معقول؟

إنه هو بشحمه ولحمه.. “غازي الطلة” همس إلى زميله ماجد.. ماذا يفعل هذا الرجل..؟ نهره بقوة.. اصمت.. “إنه المدير العام، غاص في قامته، لقد أذهلته المفاجأة؟! شعر بضيق شيء ما وخز صدره بقوة! حبس دمعه.. انسحب بهدوء يتعثر في خطواته؟..

ÞÞ

 

مسارات

أول الخطوات خارج مسارات القرية، تفاصيل تتكئ على مشاغبات طفولة يلفها الحزن، ويخيم عليها ضباب الفقر في مجتمع زراعي تنغلق مواسمه على مساحات للقمح والشعير وبعض حقول الكرمة حيث حبات العنب تختزن ألوان الشمس الصباحية على الزنود السمر ممزوجة بالملوحة والتعب، تندرج قصص وأغاني الميجنا والعتابا وتراتيل شفاه تشققت لكثرة ما رددت صلوات الفجر، ووجوه ارتسم عليها ذلك الزمن بقساوة ونضوج مبكر وأدوات بدائية تشق بطن الأرض، تقلب التربة لتتمتع بأشعة الشمس تختزل الزمن بحكايا حول مصطبات طينية يلتف حولها الرجال والنساء أيام الربيع والصيف، وتستمر الحكايا عن الذين رحلوا مبكراً أو الذين ودعوا الأمكنة تناقلتهم محطات الغربة وقطارات الشمال العابرة إلى الجنوب، اختصرت الدنيا ماضيهم بهالة من المغريات، أفرغت داخلهم من كل طيبة ومحبة، وحولتهم إلى أفاعٍ توزع السموم على الماضي وراحوا يلهثون وراء سلسلة من إرهاصات الزمن المرّ وأشواك تدمي جراحاً مكشوفة على اتساع الألم والجوع، فلم يعد شيء يشبع شهوتهم للحياة والمال متنكرين لأي صلة بأناس يعيشون الحلم وأفئدة تستنشق طهر الهواء والأرض، تقاوم عيشة الأقدار.

خطوات لم تكن في الهواء، رسمت دوائر من صمت لعالم الطفولة يلهث على مقاعد الدرس، يتحمل برد الشتاء وحرّ الصيف، ودروب تفترش الحصى والتراب، وأقدام تدوس بأحذية مهترئة، أزقة تضيق بوحل الشتاء وسنين تدحرجت على أرصفة أكلت منها (النعال).

نمت أفكاره في فضاء لا يتسع للذاكرة حيث سهول قريته (معان) تخوم تتداخل مع البادية الواسعة، مراعي الأغنام والحيوانات التي ترافق ترحال البداوة في فصول السنة، تغفو قريته بين سنابل القمح ورائحة البخور يوقظ أهلها أذان الفجر الندي، وصياح الديكة، ينهض الفلاحون في تلك الأرض التي تعلم منها أن الكتاب وطن والأرض انتماء، تنقله تفاصيل عشقه إلى المدينة وانغلاق مجتمعهها إلى متابعة تعليمه الأول، ضجيج وازدحام سيارات لم يكن يعرف عنها إلا قرقعة العربات ووقع حوافر الخيل وراء محراث الفلاحة، تغوص قدماه شبه العاريتين بوحل الطرقات الترابية من وصايا والده (اسمع يا بني لقد أهلكنا التعب، عليك أن تتعلم).

سحب الجلابية بان زنده الأسمر، ضغط عليه، اقترب، ارتجف بين يديه، أترى هذا الشريان، سأبيع دمه من أجل أن تتابع تعليمك يا بني أغمض عينيه، مسارات كواها الوجع، حاول أن يخرج منها وحيداً في غرفته الصغيرة في حي (الجراجمة) الواقع على تلّة تطلّ على ضفاف العاصي وعنين النواعير صورة للجمال الذي يسكن خياله واحتفظت به ذكرته.

الشارع المرصوف بالحجارة البازلتية المؤدي إلى مدرسته، كان يقطعه ماشياً، يتوقف عند تفاصيل الشوارع، وبناء الجامع الكبير وأشجار السرو والحور والجوز على ضفاف العاصي، أدهشه قيام أطفال بعمر الورد للغوص من ارتفاعات كبيرة في مياه النهر، أراد أن يصطحب رفيقه هادي إلى السينما، يعرض فلم لعبد الحليم (معبود الجماهير) ضرب على الجرس، أطلت رنا بوجهها الحنطي وصدرها الشهي ترتدي قميص نوم شفاف.. أهلا أحمد.. قدمت له كرسياً من القش، جلس مرتبكاً، دارت عيناه في الغرفة المرتبة، بعض الكتب المدرسية، بدلة هادي ليست مكانها.. ابتسمت رنا: إنه في اجتماع الطلبة كما تعلم.. أحس بالوخز.. لقد نسي ذلك أم تقصد النسيان، زاد ارتباكه وتابعت: كما تعلم غداً مسيرة طلابية في المدينة، وهادي عضو في لجنة التنظيم الطلابي، أراد أن يذهب، وقفت في طريقه لامست كتفه شعر بحرارة اجتاحت جسده، ما رأيك بكأس شاي مع النعناع.. إنه شرابي المحبب نادتها (الحجة) صاحبة المنزل “مين عندك يا خالتي رنا..).

لا أحد غريب يا حجة، إنه ابن قريتنا أحمد.. أنت تعرفينه.. تمتمت الحجة بشتائم وبدا عليها التذمر.. أنتم القرويون لا يهمكم إذا كان الرجل موجوداً أو غير موجود!! انحبس الدم في عروقه وتوردت خداه خجلاً.. أراد الاعتذار.. لا عليك لقد تعودنا على ملاحظاتها.. إلا أنها طيبة القلب، رائحة النعناع جعلته يجلس بتحفظ، حدقت في الساعة: لن يتأخر هادي..

تناولت شريطاً وضعته في آلة التسجيل، ضغطت على زر التشغيل انسابت نغمات عذبة (زي الهوى يا حبيبي. زي الهوى) عبد الحليم وشاي النعناع، لاحقت نظراته خطواتها فنسي ما أتى من أجله ازدحمت الأفكار في رأسه، صراع داخلي ما بين الوصايا وهذا الجمال المشتهى، شعر أن جدران الغرفة تضيق أكثر.. ما بك.. وهل صحيح ما تتناقله صديقاتي عنك.. ابتسم بحذر ماذا؟ أنك في مناقشاتك العامة تتحدث بطلاقة وفكر ثاقب، عندما تتكلم الكلّ يستمع إليك معجباً!! بينما ترتبك أمام الفتيات يا صديقي.. ليس تماماً يا رنا..

الحقيقة كان لرنا مكانة عنده، إنه يشتهي نضوجها المبكر، لكنه لم يملك الجرأة مثلها للبوح.. أخجلته، انحنت شعرها الأسود على كتفه، قبلته بحرارة، شعر برعشة باردة تجتاحه، وقع كأس الشاي من يده ضحكت بغنج.. لم يدرِ لماذا داهمه الخوف تساءل هل سببه الحجة؟ أو حفاظاً على صداقته مع هادي؟.. الحقيقة خوفاً من جرأة رنا وتحديها لرجولته، سمع طقطقات القفل.. إنه هادي قالت بمكر: كنت سأعطيك درساً في غرام الصبايا أيها الجاهل، وصل هادي مبللاً، المطر غزير والرياح شديدة في الخارج.. اقترب من المدفأة.. تصافحا.. (لكن يا عم ناس بتشرب الشاي مع النعناع وناس في الشوارع) غمزته بعينيها السوداوين لاحظ هادي خجله، وعبد الحليم أيضاً، جلسة شاعرية، حدق بأحمد.. أكيد أعطتك الحجة درساً في أدب الدخول إلى البيت وتابع ضاحكاً: هي لا تدري عن مجتمع القرية شيئاً، أحس أحمد أنه في دائرة الاتهام، حاول أن يغير الحديث، هات حدثنا عن اجتماعكم “هادي شاب يتقد حماساً، وجهه الأسمر يطفح بالابتسامة، جسده ممتلئ، عيناه العسليتان تنبئان عن صفات رجولية مبكرة” كان أحمد يردد أمامه: إنك تشبه السياسيين الكبار.. يبتسم هادي متجاهلاً إطراءه بتواضع وخفة.

قال هادي: يا سيدي غداً ستنطلق مسيرة كبيرة بمناسبة رحيل الزعيم العربي عبد الناصر (رحمه الله) والطلبة البعثيون مشاركون في المسيرة وأنت؟ قال أحمد: أنا لا أحب الازدحام، حدق به هادي..

هل هذا هروب..؟ سمه ما شئت، تابع هادي: غالبية الطلاب لهم انتماءات سياسية.. وأنت كما نعلم محسوب على المطالبين بالوحدة وتيارها القومي والعدالة، ونحن أقرب الأحزاب إلى هذه الأفكار.

قال أحمد: أشعر أن أصواتنا تضيع في الهواء، تعصف فيها الريح مجرد دوي في فضاء واسع، يبدو لي أننا مجرد مرددين لشعارات فضفاضة. لا نعلم عنها شيئاً، نردد كما نؤمر، ولا تتسع المدينة للناس.. أي شيء يدفعنا للشارع.. غضب هادي: وارتفعت نبرات صوته: الالتزام مطلوب يا أحمد.. وعليك تحديد موقفك..

أراد أحمد أن يشرح وجهة نظره، إنه يحب الناس، ويعشق وطنه، ويتمنى لكل إنسان تحقيق أمنياته، لكنه يمقت الأوامر يشعر أنه مجرد آلة بلا مشاعر أو عاطفة.

في الصباح ازدحمت شوارع مدينة حماه بالمتظاهرين وارتفعت صور عبد الناصر، وراحت أصوات الأحزاب المشاركة كل ينادي على شعاراته الرنانة.. هتافات تعالت وشقت سماء المدينة، اختنق عنين النواعير، أقدام كبيرة تدوس الصغيرة لا أحد ينتظر، وقف يراقب انفلات الناس على شكل جماعات كبيرة، من بعثيين، واشتراكيين وناصريين وأحزاب دينية التف الطلبة حول هادي.. بح صوته، أراد أن تكون مسيرة الطلاب مثالية، ابتسم أحمد: هادي يعطي نموذجاً مثالياً للآخرين من خلال تصرفاته، لا يترك فرصة إلا ويثبت أن عمل الإنسان يعطي الصورة الحية والناصعة عن واقعه ومبادئه، هز رأسه معجباً بهادي.. هادي رجل بكل معنى الكلمة، يلتزم بما يقوله ويؤمن فيه بلا تردد!! وتابع خطواته بعيداً، كانت رنا تنتظره تحت أشجار الحور في الحديقة العامة.

ما رأيك أن نذهب إلى الغرفة.. هادي لن يأتي حتى تنتهي المسيرة ابتسمت بمكر و(الحجة) اليوم في زيارة بناتها في حي (البياض) شدته من يده، وانطلقا يرفرف فوقهما فرح الشباب، فتحت الخزانة الخشبية، خلعت بدلت المدرسة، ارتدت قميصاً قطنياً أبيض وتنورة سوداء قصيرة، ابتسمت بينما هو يخفض رأسه بين قدميه، شعر بحرارة قوية رغم رطوبة الغرفة، أخرجت زجاجة خمر معتقة سكبت كأسين.. أنت تعرفين أنا لا أشرب، ضحكت بغنج:

اشرب ستنتعش، رمقته بنظرات عاتبة فيها شغف وشوق كان عليها أن تثبت أنوثتها لتعلن لرفيقاتها انتصارها على تحفظ أحمد وجهت إليه سؤالاً ملحاً ومباشراً، لماذا تهرب مني؟ ولم تدعه يجيب غصّ بكلمة أراد قولها.. حرقه الشراب.. تابعت: (خجلك يجعلك طفلاً بثياب رجل) اشرب إنه يفتح الذاكرة ويجعلك أكثر حرية.. (حرية).. كم ظلمت هذه الكلمة؟

لا تحول لقاءنا إلى سياسة كعادتك، الحرية التي أعنيها تخصنا ولا تخص السياسة، حرر نفسك من الكبت أولاً قبل أن تطالب بحرية الناس، وإلا كيف نبدأ؟ أراد أن يشرح لها معنى الحرية، اقتربت بشفتيها أغلقت فمه، توقد في عينيها بريق شهواني اقتحم خجله وارتعش جسده، عندما سرى الشراب في شرايينه أحس بحرقة حتى آخر أمعائه، حاول أن يتخلص من خوفه، ضمته إلى صدرها واجتاحته بقبلاتها، أخذها في حضنه لامس شفتيها، جمر طالما خاف أن ينكوي فيه انتفض، كان الخوف يسكته والوصايا تحولت إلى شوك يدمي يديه، تذرع بحجة نسيانه موعداً مع أقاربه القادمين من القرية، ولا يعرفون طريق غرفته، إنهم ينتظرونني في الشارع يا رنا دفعته بعنف، وصفعته على خده بقوة، إنك تهرب مني ومن شوقي إليها أيها الغافل، تحجرت الكلمات على شفتيه.. الكثيرون يتمنون لقائي وأنت جاحد، دائماً تفلسف الأمور تشتهي الشيء وترفضه، انتصب بقامته، عيناه حائرتان تاهت الكلمات على شفتيه، صرخت بوجهه، وراحت تحل أزرار قميصها معلنة عن عريها أمام عينيه، كان عليها أن تجرحه، أن تستفز رجولته المكبوتة خلف الوصايا، تابعت بتحدٍ لكني سأنتصر عليك.. أغلق الباب خلفه، تلمس آثار الصفعة على خده الطري، لسعه هواء الشارع البارد، تفاصيل رافقت غربته الطويلة في العاصمة، زمن من وجع تناقلته أحلام مكسورة، لكنه لم ينسَ أول الخطوات خارج مسار قريته التي لم تزل تنام على الحكايات وتستيقظ على صياح الديكة، انكسرت أحلام رنا، لفتها خطيئتها، تركت المدينة إلى العاصمة، نسيها الكثيرون وتجاهلها من تعلقوا في هواها، وراحوا يتبرؤون منها علانية مدعين طهر روحانيتهم يخفون عفونتهم النتنة خلف نصل السكاكين المشتاقة للدم، شريط انداح من ذاكرة الماضي البعيد عبر أمام عينيه بسرعة أصابته الدهشة.. يا إلهي.. رنا..؟ معقول هذه المرأة ذات الجسد المتهدل، والوجه خربته التجاعيد، تدب بخطوات متهالكة باتجاه مشفى الحروق.. تساءل بريبة عن شعرها الأسود الطويل أما هذه شعرها قصير وقد غزاه البياض –صفراء اللون. خطواتها ثقيلة.. اقترب منها ليتأكد.. إنها هي رنا..

ما زال بريقاً خافتاً في سواد عينيها الغائرتين.. يبدو أن الحياة هزمتها تحسس آثار الصفعة على خده.. نغمات صوتها المرح تطن في أذنيه اقترب أكثر.. تسمرت قدماها، توهان في عينيها.. أنت!! يا لسخرية القدر فاضت عيناها بالدمع، أخذها إلى صدره، تركها تبكي طويلاً، وراحت تقص عليه حكايتها، تأسف لحالها.. مدّ يده إلى جيبه أخرج مبلغاً من المال، حدقت فيه، شهقت بالكلمات والدمع.. أقبلها لأنك أحمد.. الصديق الذي لا ينسى، قدم لها رقم هاتفه، إذا احتجت أي شيء اتصلي يا رنا، ودعته وفي صدرها غصة، وقف يراقب خطواتها وهي تبتعد، ثم تلتفت إليه، لا شيء إلا صدى أصوات، ووقع خطوات تائهة في مسارات الحياة.

6/ 1998

ÞÞ

 

شريط من الذاكرة

عبر اتساع النافذة وشريطها الصدئ وزجاجها المهشم، تجرأت أشعة شمس الصباح على وجه هادي، تقلب في سريره، لم تكن زوجته تتوقع أن يظلّ نائماً إلى هذه الساعة! فرك عينيه، حدق بالساعة إنها السابعة والربع!! كانت ليلة ثقيلة، داهمه فيها القلق وأنكرت عيناه النوم، كانت نورا تعد وجبة الفطور اليومية /زيتون، شنكليش، والخبز/. حدثت نفسها: الشتاء على الأبواب ونحن لا نملك ما ندخره لبرده القارس، تابعت حديثها لنفسها؟: لم أكن أظن أن هادي بارد إلى هذا الحد؟ استغربت! كان يتقد حماساً أيام الجامعة.. كانوا في الشلة يلقبونه /الشعلة/ دائم الحركة والسؤال؟ توقف أمام سرير أحمد، برقة لامس خديه شفتاه كانتا تحتفظان بابتسامة رائعة، شغفت قلبه، أمام المرآة راح يرتب شعره وقد افترشه البياض! قال لها صباح الخير: كأني لم أشم رائحة القهوة!! الفطور أولاً يا حبيبي: قال في سره.. الله يستر ماذا؟ وراء كلامها.. جلسا حول الفطور خيّم صمت ثقيل، حتى سمعا مضغ الطعام، أرادت أن تكسر حاجز الصمت بينهما! ناولته ورقة دونت عليها ما تحتاجه، اليوم أول الشهر؟ قطب حاجبيه، وقفت اللقمة في حلقه تناول كأس الشاي، شعر بمرارة في حلقه، هزّ برأسه، طيب حاجيات البيت عرفناها.. /وما هذا، قميص، بنطال، روب نوم/ شو القصة.. لا يكون موزعين جائزة على الراتب وأنا /مو دريان/ غداً بداية الخريف وأنت تعرف إنني أحب زيارة أهلي بهذا الموعد، /شو رأيك/ أسافر هذا العام ببنطال الجنز /الله وكيلك حفظوا كل ما أملك من لباس، لا تستغرب يا هادي: ألا تذكر ما قلت لك: لم نكن جاهزين للزواج، دعني أكمل دراستي.. ثم أحصل على وظيفة، وبعدها نرتب حياتنا على مهلنا، كانت حماقة.. يا هادي، خلعت نظارتها الطبية عن عينيها، عنادك كان السبب، ضربت بيدها على الطاولة له الخشبية.. لا أصدق أن وراء عقلية المثقف.. هادي المصطفى رجلاً يتكئ على امرأة تؤدي خدمات البيت.. وآخر الليل تمنحه جسدها! كأن ما تعلمته لا يعني له شيئاً.. حدق في وجهها غير مصدق ما يسمعه!! قرأت في عينيه تمرداً متقداً؟ إنك تجرحين كرامتي بقسوة يا نورا.. قاطعته: أرجوك لا تدخل العقل بالعاطفة، فكر جيداً تجد أنني على حق، أنت أخطأت وعليك تحمل نتائج أخطائك، ترك فنجان القهوة أنفرته رائحة الهيل المحببة إليه، أغلق الباب خلفه دون أن يتكلم، الهواء الساخن أشعل ذاكرته.. معها الحق.. كانت حماقة! إذاً كيف يكون الحب.. وحكايات /مغامرات الحب/ هل هي قصص من نسج خيال فقط؟ في الإدارة.. الموظفون منكبون على سجلات سميكة تشققت بعض صفحاتها، اخترق صف المراجعين حتى وصل إلى طاولته، أكداس من مصنفات، وورق وأقلام.. إلى جانبه، أم هاني تعد إبريق الشاي وزعت لفافات الجبن على موظفي المكتب بالترتيب اليومي؟.. نظر إلى المراجعين.. ثم إلى أم هاني ولفافات الجبن.. والكراسي الفارغة! ضجيج خانق، وأصوات تضغط على أذنيه، همست أم وداد: وهي مديرة المكتب، إلى الأستاذ جابر: يبدو الأستاذ هادي يعاني من شيء يثقل عليه؟ تصور لم يلقِ علينا تحية الصباح!! جلس على كرسي الخيزران تناول أوراقاً وضعها على الطاولة.. شعر أنه غير قادر على العمل.. حدث نفسه: /شو عما يصير معنا.. ما الذي يجري؟/ أحد.. ما يفهمني هذه التغيرات.. هل هو /وباء/ داهم الناس فجأة؟ أم هناك هرموناً جديداً.. ينتج بشراً مختلفون عن أهل زمان؟. كل على عجلة من أمره.. وماذا بعد؟ راح يحدث نفسه.. قالت أم وداد: إذا كنت مرهقاً أستاذ هادي: نحن نكمل العمل، تابعت: يمكنك أن ترتاح بالبيت ولا يهمك.. دخل عامل البوفيه أبو خالد، قدم له ظرفاً.. تفضل أستاذ راتبك.. وظل واقفاً.. الحساب، وكم يا أبا خالد.. /مائة وخمس وعشرون ليرة/ ثمن شاي وقهوة، دفعها إليه، تناول ورقة مطبوعة، طلب إجازة.. قدمها إلى مديرة المكتب، وانسحب بهدوء.. في الطريق ذهب إلى السوق اشترى بعض ما طلبته زوجته، وتابع سيره إلى موقف السرفيس، دفع جسده النحيل بعد أن تلقى عدداً من النعرات القاسية، قال بحدة: على أساس منعوا المقاعد الجانبية؟ لم يجلس جيداً حتى سمع صراخ السائق: إذا ما عجبك.. وبتهكم /يا بيك يمكن تأخذ تكسي/ أراد أن يرد عليه.. انتبه لوجود صورة كبيرة، كانت لا تشبه السائق لكنها بنظارات سوداء وإلى جانبه سيارة سوداء كبيرة يبدو إنها سيارة رسمية/ كتم غيظه.. حشر ضعف جسده في المقعد الخلفي بعد أن شدته امرأة عجوز.. تعال اقعد بجانبي يا خالتي: قال في سرّه: هذا الوجه ليس غريباً عني، نظرت العجوز كأنها تقرأ وجهه.. ألست الأستاذ: هادي.. الله يا أستاذ: والله زمان!! وراحت أسئلتها تنهمر عليه؟ كيف حالك.. هل تزوجت؟ هل صار عندك أولاد؟ ضحك هادي: هو الذي نسي لون الفرح.. وخاصمه الضحك، ربت على كتفها يا الله.. الخالة أم جاسم، دحرجته الذاكرة، يوم كان معلماً في الريف، بعيداً عن المدينة.. لقد عرفها جيداً.. سألها؟ /شو أخبار جاسم؟ خرج من السجن وصار/ بني آدم مثل الناس/؟ لاه يا أستاذ.. الله يسامحك لا تخطئ بحق جاسم.. عيون أمه؟ اليوم رجل زمانه، مضافة، وزوار، وأصحاب حاجة و.. لم يقوَ على الكلام: داهمه شريط من الذاكرة.. كان جاسم يركض عاري القدمين.. وتركض خلفه القرية كلها.. أطفال، ونساء.. ورجال.. لم يترك أحداً إلا أذاه؟ أو قام بتخريب أرضه المزروعة بالخضار!! ثيابه ممزقة.. تفوح منه رائحة العفونة.. شعره أجعد لم يعرف الحلاقة منذ زمن بعيد!! تذكر يوم حضر إلى المدرسة والد طفلة صغيرة حاول جاسم أن يعتدي عليها!! وقدم شكوى ضده موقعة من رئيس مخفر الشرطة؟ تطلب طرد جاسم من المدرسة نهائياً! ويذكر هذه العجوز.. كيف عفرت وجهها وشعرها بالتراب.. وهي ترجو مدير المدرسة.. ورئيس المخفر.. أن يعفيا عنه /كرامة لها/ قال المدير: الأمور طلعت من يدنا يا خاله وعليه أن يسلم نفسه للأخ رئيس المخفر؟ وإلا اعتبر فاراً من العدالة! تابعت العجوز كلامها: عيون خالتك تشوف جاسم.. مضافته لا تنطفئ نارها.. ولا تخلو من وجوه الخير.. قهوته المرة لا تنزل عن جمر المواقد، بعد أن أخرجته من السجن بكفالة وبمساعدة من مختار القرية /الله يرحمه/ ترك القرية ونزل إلى المدينة يعمل مع أولاد البلد في سوق الهال.. تعرف على رجل له مكانته الكبيرة؟ كان يساعده في تأمين طلبات بيته.. طلب منه يوماً أن يعمل عنده كحارس ليلي، وأثبت جاسم أنه أمين، ورجل يعتمد عليه في المهمات الخاصة؟ أخذه إلى حمام السوق.. واشترى له ثياباً جديدة ودربه على معاملة الناس بشكل لائق، أسند إليه عمل المكتب.. أنظر تلك الصورة الكبيرة إلى جانب السيارة.. هناك عرفها هادي تذكرها جيداً، تساءل؟ معقول هذا جاسم؟! وحياتك يا أستاذ: نار مضافته لا تنطفئ!! كما قلت لك.. هامت ذاكرته، لم يعد يسمع ما تقوله، معها حق نورا: الأسرة بحاجة لرجل يتحمل المسؤولية.. مدّ يده إلى حقيبة جلدية، راح يخرج أوراقاً ممهورة بالخاتم الرسمي، أخذ يمزقها.. تطايرت القصاصات.. انتبه السائق /العمى شو حضرتك مفكر السرفيس حاوية.. وعامل/ حالو أستاذ قد الدنيا! /كانت العجوز لم تزل تعدد أملاك جاسم.. في المدينة.. وفي القرية تحكي عن قصره.. ومضافته.. ونار قهوته التي لا تنطفئ!! الرزق في السماء يا خالتي.. أحس بضيق يجثم على صدره.. فك أزرار قميصه؟ شهقات متتالية، شعر أنه لا يستطيع التنفس.. تغير لون وجهه تخايل أمام عينيه صورة نورا.. وطفله أحمد، سجلات العمل.. طابور المراجعين، أم هاني.. أبو خالد، أفواه تأكل.. بلا شبع! تعددت الصور، حاول أن يصرخ.. تاه صوته منه، خانته قوته، نظرت العجوز إليه مندهشة.. صاحت عين خالتك يا حمود: حول السرفيس إلى المشفى.. الرجل يحتضر؟

حماه 1980

ÞÞ

 

الوظيفة

عندما حزمت حقيبة سفرها إلى الريف الشمالي حيث تم تعيينها مدرسة، تساءلت كيف تزف الخبر إلى مازن، جلسا حول الطاولة، أحست أن كل العيون تحدق فيهما! أفردت أوراقها فوق الطاولة، تناول الأوراق بدأ يقرأ، ابتسم ثمّ قطب حاجبيه، تغيرت ملامحه، ترك الورق بلا عناية وماذا بعد؟ الصبر، ننتظر عاماً آخر، ونعلن زواجنا بعدها يحق لي العودة إلى المدينة، فرك يديه لكن أهلي لن يقبلوا بهذا أبداً، عليك أن تقنعهم وتابعت إذا كنت تحبني وتتمسك بي حقاً؟ حاول أن يشغل نفسه بأمر آخر نظر من خلال زجاج المقهى، الناس تكاد تخرج من ثيابها من شدة الحر، اقترب النادل مبتسماً، طلب لنفسها شاياً بالنعناع، وأنت؟ شاي أيضاً، نظرت في عينيه ملياً يا إلهي هناك ما يخفيه عنها صحيح لم يقله، لكنها قرأته: غادرت سناء المدينة إلى مدرستها الجديدة، عالم آخر بعيد عن المدينة، عليها أن تتكيف مع حياتها في الريف حيث تنعدم تقريباً الخدمات الصحية والترفيهية، كان حلمها أن تكون مدرسة تحقق حلمها، كما تنبت الأزهار، ينبت الشوك، تؤرقها الأسئلة كيف توفق بين عشقها للتعليم، ومازن الذين يضغط عليها لترك التعليم والعودة إلى المدينة، قالت له: الوظيفة عالم صعب لا أريده، أنا أعشق التعليم يا مازن أوجعتها الأسئلة وأرقها سهر الكتابة، لم عليها كأنثى أن تدفعه الثمن دائماً؟ ثمن حبها لمازن، مقابل تعلقها بالتعليم، مقارنة وجدت نفسها تعيشها يومياً بينما زميلاتها يتمتعن بالحياة الجديدة/ والناس الطيبون هنا عاداتهم في استقبال المعلمات يحافظون عليهن كأهلهن وأكثر/ إلا سناء: عاشت المرارة لم تشعر بهناء الحياة كأنها ممزقة بين خطيبها، والتعليم حتى أصبح جسدها هزيلاً، وليلها قلقاً، تأتيها رسائله مليئة بالتهديد المبطن يشرح لها معاناته مع أهله كيف يضغطون عليه من أجل أن يتزوج من بنت الجيران، بينما هي: تفرش له الحب، الشوق والأمل/ شعرت مكبوتة بداخلها، أنين وهذيان حمى، فتحت عينيها لتجد نفسها في المشفى ابتسم الطبيب: الحمد لله على سلامتك، أمها وأخوتها يلتفون حول السرير، ماذا هناك ولماذا أنا هنا؟ قبلتها أمها: سلامتك بالدنيا يا سناء قال الطبيب: لقد أصبت بدوار بعدها نقلوك إلى هنا تبين بعدها أن لديك بحصة بالمرارة المهم حمداً لله على سلامتك يا آنسة: همست لأمها أين مازن؟ قالت مرتبكة: هذه طاقة الورد من سمر: وتلك من ناديا وهذه من العائلة كلها، و: إذاً لم يسأل عني مازن، أمسكت بيد أمها ألم يسمع أنني في المشفى؟ دمعة رقيقة انفلتت من عيني الأم، فكري بنفسك لكل منا مشاغله يا بنتي، حاولت مراراً أن تمنع نفسها من الاتصال معه، دون جدوى بأصابع مرتجفة راحت تضرب الأرقام ترفع السماعة وتغلقها، اللعنة على التردد، الأشياء من حولها لم تتغير، الشارع المزدحم بالناس والباعة الجوالين، سور الحديقة المحطم، عامل التنظيفات أبو مجدي ما زال يقرع الجرس كل يوم لفافة التبغ في فمه تغير لونها بين شفتيه، حدثت نفسها: كان عليه على الأقل أن يتصل كي يطمئن على حالتي، أسئلة كثيرة ومريرة راحت تنبت في داخلها، مرت الأيام، تحيط فيها علب الدواء وبعض الصحف أو الكتب مرمية حولها بلا ترتيب، قرأت بعض العناوين/ شرق المتوسط أو الآن هنا؟ غاصت بين الصفحات، ماذا يريد عبد الرحمن منيف؟ لا شيء يتغير كما إنه لا شيء يشابه الواقع، وقفت أمام النافذة تعلقت نظراتها بالنجوم تخيلت ضباباً كثيفاً يغطي المدينة تخرج هي بثوبها الأبيض بيدها ممسحة كبيرة، تمسح السواد… بيدها الثانية محبرة تدلق اللون الأبيض، رنين الهاتف أعادها من شرودها، أسرعت للهاتف بقدمين عاريتين شعرت بصقيع البلاط، لا شيء إلا الصدى والطنين، معقول كل هذا الرنين مجرد تخيل! سحبت كرسياً، جلست بجانب الهاتف بأصابعها المرتعشة أدارت قرص الهاتف، صوت امرأة لم تسمعه من قبل، عفواً أريد التكلم مع مازن، من حضرتك؟ أنا سناء: وأنت “زوجته” شعرت بدوار، تحول الصوت إلى طنين، ركضت أمها حملتها إلى السرير، فتحت عينيها بنظرة انكسار، تصوري تكلمت مع زوجته يا أمي: أخذتها إلى صدرها لا عليك اهتمي بصحتك يا بنيتي “الزواج نصيب”.

كان صباحاً بارداً نهضت من السرير مدت خطواتها ببطء ووقفت أمام المرآة لم تشعر بسنوات عمرها كما تشعر بها الآن، مازن الحلم المؤجل: سرقتها الذاكرة قال لها قبل أن تودعه: البعد جفاء يا سناء وأنا لا أستطيع مخالفة أهلي كل الوقت، ابتسمت له: لن أنساك كن بانتظاري… رنين الهاتف أخافها: ألو يا إلهي إنه صوته هل كانت تحلم؟ كل ما جرى لها خيال، مازن: استيقظ الزمن بداخلها صباح الخير: الحمد لله على سلامتك يا سناء أعتذر لم أستطع زيارتك في المشفى، إذاً لم تكن تحلم هي الحقيقة أراد أن يشرح لها كل شيء، قاطعته مندفعة كخارجة من قيد اخترقت زمن الصمت، لقد أرهقني الرحيل وأرقني البعد، أتوق إلى حلمي أن أكون معلمة عندما تحقق الحلم أردت أنت أن تكسره بهروبك من مواجهة أهلك بالحقيقة، تركت العادات تصلبك تسرق منك أحلامك، كن مطمئناً لن تنكسر أحلامي!.

ÞÞ

 

أحلام صغيرة

اتجهت العيون إليه وهو يدخل إلى عالم الوظيفة، أشار عليه رئيس الديوان أبو ماجد أن يكون أكثر جرأة في مقابلة الآخرين أستاذ منير: الخجل هنا لا يفيد/ تابع: كن مرناً مع المراجعين، ولا تتخلّ عن شخصيتك، المهم هذه طاولتك، وهؤلاء زملاؤك بالمكتب… مدام مديحة أم زهير: الأستاذ كامل، الأستاذ عبد الله: الآنسة هالة… ألقى بحقيبته الجلدية فوق الطاولة، وعيناه ظلتا معلقتين على /هالة/ شيئاً ما شده إليها، لهفة وشوق تندفعان كموج في عينيها، على خديها تسكن مسحة حزن، راح يقلب صفحات سجل كبير، همست أم زهير إلى الأستاذ عبد الله: ناقص المكتب موظفين… امتعض منير… وشعر بالحرج، اقتربت منه الآنسة هالة: لا عليك هي هكذا، كلما حضر إلى المكتب موظف جديد تخاف منه؟ تظن أنه سيفضي بسرها للمدير العام؟ فهي تحول المكتب إلى مطبخ متنقل منذ الصباح أو تحضر واجبات أولادها وتطلب من الأستاذ عبد الله أن يساعدها في حلّها، التفتت إليها أم زهير: عفواً أنا لا أسمح لك بذلك… لكن هالة شعرت أن شيئاً حقيقياً بدأ ينمو بداخلها ويشدها إلى منير، هكذا ودّع منير فضاءات بلدته البعيدة، طامحاً بتحقيق أحلامه، أن يكون محامياً ناجحاً في المدينة… كان عليه أن يتدرب في مكتب محامٍ كبير بعد عمله اليومي… ويرسل مبلغاً من المال إلى أخوته في القرية كي يتابعوا دراستهم؟ يا له من زمن سنوات طويلة… طوته الغربة، أخذته الوظيفة من نفسه، هالة تكبر أمام عينيه؟ وترفض كل من يتقدم لخطبتها… تحلم أن يأتي اليوم الذي يتقدم لها… منير: ومنير تشده مسؤولياته نحو أخوته أكثر… لقد أصبح رئيس الديوان بعد أن أحيل أبو ماجد إلى المعاش، وهالة تنتظر، تذكر تمتم ما قاله لها يوماً: أنت رائعة يا هالة: كانت هذه الكلمة تكفيها لأن تحلم… وتعلق أحلامها عليه… إلى أن جاء تاجر إلى المكتب… يريد إنهاء معاملته أعجب بهالة… على الكرسي وراح يحكي عن أملاكه… وعن معاملاته الكثيرة… وإنه بحاجة لمن يدير له مكتبه بعد أن تزوجت مديرة المكتب السابقة… ولم تعد تقوم بعملها بشكل جيد؟ تمنعت هالة في بادئ الأمر… ثم راحت تقبل منه بعض الهدايا بحجة “حلوان إنهاء المعاملات”… وراح يتردد إلى المكتب كلما حانت له الفرصة… ومنير مشغول عنها بطموحاته… وتأملاته لحياة أفضل؟ أخيراً تقدم التاجر أبو سعيد لخطبة هالة… وفعلاً أبدت موافقتها الأولية… ألقت تحية الصباح كأنها أول مرة تدخل المكتب…

ارتسمت فوق وجنتيها علامة فرح… وراحت توزع بطاقات الدعوة إلى حفلة /العرس/ تناول منير الدعوة متسائلاً؟ لمن… فاجأته هالة: أنا يا أستاذ منير؟ أحسّ برعشة في يديه… غصت الكلمات في حلقه؟ أنت، نعم راح يقلب الأوراق فوق الطاولة… ودون أن ينظر في وجهها، لكنه تجاوز الستين من عمره… يا هالة… حدقت في وجهه أنظر في وجهي يا منير!! هل تريد مني أن أنتظر العمر كله؟ ها أنا تجاوزت الثلاثين والذي أنتظره أغمض عينيه عن الحياة… غارقاً في طموحاته… وتابعت بتهكم: يا حضرة رئيس الديوان… وإلا أنت تنتظر أكثر من رئيس ديوان؟! أخفى عواطفه أراد أن يقول لها: إنه متعلق فيها من أول يوم دخل فيه المكتب!! وإنه كان ينتظر أن يتخرج شقيقه من الجامعة هذا العام… ليتفرغ لنفسه؟ حدث نفسه: نصيب… يبدو أن ما يقوله الكبار واقعاً في موضوع الزواج؟ جلس على الكرسي… فتح بطاقة الدعوة /يتشرف السيد ممدوح الحافظ الملقب بأبي سعيد… والآنسة هالة المحمود؟ بدعوتكم إلى حفلة عرسهما يوم الخميس… الساعة السادسة مساء؟ طوى البطاقة دسها في المصنف… وضع رأسه بين كفيه وراح يستعيد ذاكرته، صحيح لم يحقق أحلامه كمحامٍ ناجح لكن استطاع أن يعلم أخوته وهاهو شقيقه الصغير يتخرج آخر العام من كلية الاقتصاد، والمبلغ الذي كان يجمعه من أجل الزواج بعد أن يترك الوظيفة، ويحصل على تعويضاته… وإحالته إلى المعاش، سيفتح مكتب محاماة في قريته، علّه يحقق بعضاً من أحلامه الصغيرة؟!

ÞÞ

 

قلق

استيقظ مبكراً شعر بألم في جميع أعضاء جسده، مدّ يديه إلى الأمام ثم ضمها إلى صدره، دخل الحمام… غسل وجهه، فرك عينيه، بقايا احمرار بهما، بحث عن نظارته الطبية، تذكر أنه تركها أمس من أجل تبديل العدسات درجة إضافية… حلق لحيته، بدل ثياب نومه… دخل المطبخ أعد قهوته، حدق بالساعة إنها السابعة والربع موعد ذهابه إلى العمل، ارتدى معطفه وبخطوات سريعة سار تحت المطر الغزير… هاهي الحافلة التي تقله لعمله يومياً، ألقى تحية الصباح، جلس في مقعده اليومي، من سنين الجميع يعرف أنه يحبّ الجلوس آخر مقعد… مسح الزجاج وراح يراقب ازدحام المرور… سيارات وسرافيس… آليات من كل نوع، تكاد تضرب بعضها… فرامل ثم صراخ رجل بللته سيارة مسرعة بالوحل والماء؟ في الإدارة، وقّع على سجلّ الموظفين… جلس خلف طاولته الحديدية فوق كرسي من الخيزران، بحركة لا شعورية، فتح صحيفة الصباح، أقلقته الأخبار… مقابلات مع مسؤولين… إعلانات عن مواد غذائية… صور لأطفال يقبضون على الحجر… تسيل الدماء فوق جباههم أقدامهم العارية تمزق الصمت… تهدّ السكينة، تنبئ بعاصفة شبيهة بهذه الريح؟ اختلط دم الأطفال مع تراب الأرض والمطر كأنه سمع صراخ الأمهات… يمتزج مع الزغاريد؟ قشعريرة ودموع وألم… طوى الصحيفة دسها بجيب معطفه، نسي أن يوقع على سجل الموظفين!! ونسي أن يحضر نظارته، حاول أن يتذكر هل تناول فطوره؟ لم يتمكن؟… مدّ خطواته تحت المطر الغزير في الشوارع المزدحمة.

بعد سنوات،

اختلطت عليه الأمور، تغيرت نظرته للأشياء التي تدور حوله، أحزانه ظلت كما هي! تبدلت ملامحه، انتشرت التجاعيد تحت عينيه… تضخم أنفه، وصبغ البياض لحيته وشاربيه، كم رسم خططاً، وتوقع أحداثاً؟ لكنها بقيت بذاكرته وحده، ورغم السنين لم يستطع أن يتخلص من أحلامه الصغيرة… راح يتردد على الأماكن القديمة، وحيداً يمشي، غريباً يعيش الأولاد كل يبحث عن مستقبله، في حياتهم خارج البيت… زوجته مشغولة بآخر موضات صباغة الشعر، يضحك بسخرية منها ألم تتعبي؟ تنظر إليه ما زلت أخاف عليك من أعين النساء… يستمر بضحكه ويتابع خطواته إلى الحديقة العامة، يجلس بجانب البحرة الصغيرة يراقب عناق بطتين تآلفتا أشعل لفافة تبغ سحب نفساً بعمق… نفحه بالهواء، نهض مستاء مما يحدث له… فكر قليلاً عليه أن يجد من يتكلم معه قبل أن يفقد عقله…

دمشق / 1/ 1/ 2002

ÞÞ

 

أوراق الخريف

كان صباحاً شتائياً مثقلاً بالضباب، السّماء رمادية داكنة تنذر بالمطر، تركت فنجان قهوتها الصباحية. فتحت النافذة رغم البرد الشديد، راحت تمشي فوق بلاط الغرفة عارية القدمين، كأنها تعاقب نفسها! بينما عبد الحليم يبحر في فنجانه المقلوب مع الشعر الغجري المسافر عبر اتجاهات الدنيا تلفحه ريح الندم تارة، وتارة يتأوه من نار الشوق… يبحث بين نغمات الألحان عن الدفء لجسده المثقل بألم المرض القاتل، تناولت زجاجة ملونة سكبت عصيراً خمري اللون… لوّن شفتيك المشتعلة، تذوقت طعمه الحلو… فرشت تحت قدميها بساطاً مصنوعاً من بقايا الأقمشة، وهي تردد مع عبد الحليم، راحت تكتب: أنت وحدك كنت تغريني بالزجاجات الملونة، معاً نعيش الفرح في فصل الخريف… كانت الطريق تحت أقدامنا مفروشة بأوراق الأشجار، وكأن الأشجار كانت تبكيها ونحن نركض فوقها بلا ملل، وحين تعثرت أخذتني بين ذراعيك تمنيت أن يطول بنا الزمن… أذكر أنك سحبتني من يدي وتوغلنا في الغابة أكثر حيث الأشجار الكثيفة، لم نشعر ببرودة الخريف ونحن نشرب السائل الخمري… شعرت بأنفاسك تحيط بي كنت أحس أننا وحيدان في غابة لم يكتشفها أحد قبلنا، راحت أصابعك تتوغل في شعري، وتسافر مع رائحة الهيل من فنجاني المقلوب، في اللحظة التي غرقت شفتاي بين شفتيك… هزني أزيز الرصاص! ثم عواء ردده الوادي، ارتعش جسدي، سقطت على الأرض، وأنت استغرقت بالضحك، ولم تعد تقوى على مساعدتي كي أنهض… قلت: إنه الصياد الملتحي الذي شاهدناه صباحاً، يبدو أنه وجد الذئب، كنت أمسح دموعي وأنت تنفض عني بقايا الأوراق… تسللت أصابعك تحت القميص… ابتسمت بمكر، كأنك لم تكن تقصد ذلك… همست في أذني: ما أجمل الخريف! “شفتاك كهذا الشراب خمريتان”

شعرت أني بحاجة إليك؟!. تركت القلم والكأس، وعادت إلى فنجانها المقلوب تبحر إلى ذكرياتها، اشتد البرد، أغلقت النافذة، وضعت على كتفيها شالاً صوفياً، وتابعت الكتابة: ها أنا يحاصرني صقيع الغربة، تقلقني أحلام مزعجة، حاولت أن أكتبها… ربما أستريح “كما تعلم البوح يريح الأعصاب” أشعر أني وحيدة تطاردني الريح، كأني أسمع صفيرها الحاد يطن في أذني، وأنا عارية تحت وابل من المطر الغزير… أركض بلا اتجاه أفتش عن بوابات مغلقة، وعن بيوت مهجورة، ينتفض جسدي من الخوف كفرخ حمام راح يرقص ألماً، والسكين تحزّ عنقه!! حاولت أن أرى الأشياء حولي، لم أتمكن السواد يلف الأمكنة… والصمت مطبق يخترقه صفير الريح تضرب بالأبواب الخشبية المحطمة، في تلك الليلة الظلماء الخارجة من حمى الذاكرة… شعرت بيد خفية تولد من السواد… تمتد إلى رأسي… راحت تقص خصلات شعري رأيتها تحلق مع الريح وهج البرق! ثم رأيت اليد تخرج من بين أصابعها مشرطاً يشبه مشرط طبيب الجراحة… وراحت تحز بجلدة رأسي… حاولت أن أصرخ تاه صوتي… تحجر لساني… وأطبقت شفتاي كأنهما التصقتا بسائل لزج! شعرت أن حنجرتي تكاد تنفجر، وتلك اليد ذات الأصابع الغليظة ما زالت تعبث في خلايا دماغي… أتلفت خلايا ذاكرتي… ثم خلايا النطق… والرؤيا، كنت أسمع ضجيج الرعد، وجلجلة البرق ولا أرى شيئاً! جمعت بقايا قوتي، حاولت أن أفلت من بين تلك الأصابع الطويلة، تعلّقت “مخالبها” بجلدي صرخت من شدة الألم… وعندما قفزت بالهواء… تخلصت شفتاي من المادة اللاصقة… خرج الصوت قوياً… وجسدي يتلوى من شدة الوجع على بلاط الغرفة، تصور ضحكت ثم بكيت طويلاً… الغربة موت من نوع آخر! حاولت أن أنهض لم أستطع… زحفت باتجاه الطاولة، كانت الكأس محطمة… والزجاجة فارغة، وفنجان القهوة بارداً، والقلم والأوراق بللهما المطر المتساقط عبر شقوق الباب الخشبي، تناولت كتاباً، قلبت أوراقه إلى صفحة كنت قد علّمتها بقطفة حبق… قرأت:

شهية كالورد

كرائحة الأوطان على ثياب المسافرين

وأنا أسرح شعري كل صباح

وأهرع كالعاشق في موعده الأول. 

الانتظار.

الانتظار… الثورة التي تيبست

قدماي بانتظارها؟.

أغلقتُ الكتاب، رميته فوق الطاولة… سال حبره امتزج مع قطرات المطر، ومع حبر كلماتي التي كتبتها إليك، “حين تضيق الأمكنة علينا أن نهرع إلى أحلامنا” ضغطت زر آلة التسجيل رجع عبد الحليم يسافر مع الشعر الغجري المجنون، في تلك الليلة، وأنا أرتجف من البرد، أخرجت الزجاجة الملونة التي أهديتني إياها قبل سفري… لا أدري لماذا داهمني شعور بأنك قادم؟!…

Þ

“الكلمات: للشاعر الكبير محمد الماغوط.

دمشق 1/1/ 2003

ÞÞ

 

أحلام اليقظة

ممر طويل يؤدي إلى حارة ضيقة يربطها بالمدينة شارع موحل، أكوام القمامة تتراكم في كلّ زاوية أو حفرة أحدثتها الأمطار، بخطواته الرشيقة كان يقطع كل صباح الطريق من بيته إلى ورشة إصلاح السيارات في الشارع العام يجلس على الرصيف المقابل للبناء الحجري العالي، يخرج قطعة من الكرتون يخبئها في كيس من النايلون يفرشها على الرصيف، ثم يخرج قطعة قماش مبللة بالماء ويبدأ تنظيف قدميه وحذائه من الوحل العالق بهما، هزّ برأسه متسائلاً متى نتخلص من هذا الوحل؟ كان يحدث نفسه، ويحلم بشوارع وأرصفة وحي نظيف، وعيناه تراقبان الشرفة العالية، كان يأتي قبل موعد بدء العمل في الورشة بعد أن ينتهي من تنظيف حذائه وقدميه، يجلس على حافة الرصيف غير مبال بمن حوله /يعيش أحلام اليقظة/ التي كثيراً ما سمع من زملائه عنها، يطيل النظر، حيث تخرج فتاة شعرها أسود طويل، ترتدي قميصاً قطنياً ترك مساحة من صدرها شبه عارية، تؤدي تمارين رياضية وهي تضبط حركة ساقيها مع نغمات موسيقى أجنبية، كان يمضي وقتاً طويلاً يراقب حركاتها نسي نفسه أنه في الشارع وأن المارة راحوا يشيرون نحوه كأنه يعاني من “جنون” يحدّث نفسه: الناس لها الظاهر، كلّ يشعر أنه على صواب… والباقي على خطأ، نهض نفض مؤخرته انتعل حذاءه بعد أن أصبح يلمع، أعاد الكرتونة وقطعة القماش إلى الكيس، أسرع خطاه باتجاه الورشة دفعه خياله لأن يحلم أنه صار عنده ورشة كبيرة /أكبر من ورشة المعلم فواز/ وأصبح عنده زبائن كثيرون ولم يعد يعرف من أين تنهال عليه /المصاري/ وتوسعت معارفه، اشترى عمارة كبيرة وسيارة حديثة، في صباح ربيعي جميل تحت المطر الناعم كان يقود سيارته، توقف أمام بيتها ترجل من السيارة يرتدي بدلة جديدة وربطة عنق وحذاء ذي لمعة براقة، دق الجرس فتح له الباب رجل أسمر ذو شاربين كبيرين، أومئ له بالدخول جلس على أريكة ضخمة قدمت الخادمة كأس العصير، تناوله دفعة واحدة، حدق فيه الرجل! ابتسم رحب به قائلاً: لم نتعرف؟ ارتبك عفواً يا عم أنا أملك ورشة كبيرة لتصليح السيارات وعمارة تشبه هذه العمارة. الحقيقة لي الشرف أن أطلب يد المحروسة بنت حضرتك زوجة، اتسعت عينا الرجل تنحنح لفّ ساقيه فوق بعضهما وقال: عفواً يا أخ أنا رئيس الخدم في المنزل، وصاحب البيت مسافر، ماذا؟ أطلت بقامتها الممشوقة وخصرها النحيل، فاجأها وجوده شهقت وأخفت ضحكتها! قال لنفسه: يا لهاتان العينان، خضرتهما تشبه الربيع، نهض مدّ يده ليصافحها تزحلقت قدماه في حفرة تركتها إحدى ورش الصيانة صرخ بألم تحطم جسده، مسح جبهته آثار دم على أصابعه يا إلهي يبدو أنني كنت أحلم وأنا أمشي!! أسند شقاءه على جدار قذر، لم يعد يعرف ماذا يفعل، يبكي أم يضحك على نفسه؟ على مهل راح يجر قدميه باتجاه الورشة.

دمشق 11/ 2002.

ÞÞ

 

المحتوى

الاهداء. 5

جمرات الشوق. 7

أحلام ُ ندى. 13

وحيدا … يمشي. 22

امرأةٌ غالبها الشّوقُ. 29

قبل خيوط الفجر 39

-أيام لا تنسى-. 44

-عيدُ الأم-. 49

امرأة ونغنغات طفل 54

-مساء الامتحان-. 59

مواعيد مؤجلة 62

سهرة رأس السنة 66

الحزن الندي. 69

-حلم خريفي-. 73

ذكرى. 77

الخيبة 84

العائد من الغربة 89

-مساءات-. 94

سيدتا مجتمع. 98

إحالة في المعاش.. 102

صباحات مقهى. 105

أذهلته المفاجأة 108

مسارات. 112

شريط من الذاكرة 122

الوظيفة 129

أحلام صغيرة 134

قلق. 138

أوراق الخريف. 141

أحلام اليقظة 146

rr

 

الكاتب: حسن إبراهيم الناصر

محافظة حماه قرية “معان” /1957/

صدر للكاتب مجموعتان قصصيتان

 

الأولى: “لا مكان يتسع للحب” صادرة عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق /2001/

الثانية: “أيام بلا أوراق” /2001/

وهذه المجموعة الثالثة.

                         قام بالجمع: محمد رامي عبد الرحممن محمد الشيخ

                                                                         الله ولي التوفيق

       في الحياة لايوجد شيء كامل فالكمال وحده لله عز وجل انفرد به واتصف

Posted in Uncategorized | أضف تعليقا

حمى آنو شاكر مجيد سيفو

حمى آنو شاكر مجيد سيفو شعر 2004 سبعة الواح عراقية الى الاخ والصديق الشاعر يونان هوزايا – لوح الخلق الاول – في البدء خلق الله المياه ونفخ من انفاسه في ابجديتها فانبثقت الانهار من شفاه الخليقة ** – اللوح الثاني – وحينما الخلق والخلائق والتراب والهواء والنار من حصة الارض خلق الله العراق قبل كل الخلق فكان من حصة السماء فانبثق الحرف الاول كانت اصابع الرب تصوغ جسد الكلام والماء والهواء وحينها نبت للعراق لسان من مجموعة الاوتار الصوتية للسماء وراح منتشياً ينشر على العالمين ابجدية الكلام ورسالة الماء ** – اللوح الثالث – تسألني الخلائق والخليقة والشهداء لماذا تحب العراق ؟ هكذا ، لان عمره الكوني يوصل سرة الارض بسرة السماء – اللوح الرابع – كلما تذكرت لعلعة القنابل والصواريخ تكاثرت تجاعيد جبيني وازدحمت التقاويم بها لكنني لي اباء يكوون التجاعيد بمكواة حنانهم ومناديل العمر الازرق وسنابل الذهب ** – اللوح الخامس – الى الاخ العزيزالكاتب المبدع بطرس هرمز روح العراق نبتت في يافوخاتنا روح العراق نبتت في يافوخة السماء وفي كعكة الالهة في ذكرى اعيادها السنوية ، الارضية والسماوية روح العراق نبتت في دمي ، فازدهرت روحي وضجت دمائي ولهذا جئت لأذكر : بـ (أدد) والرعد وابوته ، يقيم مسلة الارضين وبـ (سين) والقمر وابنائه الذهبيين ينثرون ايامي على حبال الذهب وبـ (أنكي) وجلال المياه وذاكرتها وطفولاتها واعيادها المطلة من جرن عماذي وبـ (آنو) والسماء وكعكتها الربانية لذكرى عيد ميلادي الاربعين وبـ (آشور) وجمر الكتابة وروح الحرف وقيافتها وخضرتها امام باب الشمس وبوابة نركال وباب الحياة امام قامة العالمين وبـ (عشتار) وجلنار احلامها المباركة وذهب جسدها وسط قافلة الرماد والفحم ووسط فحولة تموز هكذا ، ولهكذا لوح اتيت ومعي دجلة يكنس طرود الطوفان ويوقظ غرقاه واشهد ان خاتمي الملائكي كان يشهق في بنصر السماء ويطرد من حدقيتها ورق النسيان ** – اللوح السادس – 7- جسر الشهداء ما ان وطأت قدماي جسر الشهداء تلقفني حشدهم فالتحمت بهم قبلوني قبلتهم فاهتز الجسر صعد الماء الى قوائمه انقذفنا الى النهر ، اغتسلنا حامت فوق رؤوسنا مئات الحمامات البيض حملتنا الى السماوات ، طرنا ، رقصنا استعرنا منها اضالعها وعدنا الى الجسر نشيده بأضلعنا ** – اللوح السابع – الى الصديق الطيب صباح مجيد زكريا سبعة شهداء شقوا اكفانهم وفتحوا باب المقبرة وارتقوا سلالم ارواحهم وحطوا فوق جمجمة القمر والتحفوا السماء * الخبز في السماء والخبز في المطابخ وفي عرق الامهات والامهات في رقيم العجين والعجين يشهق في افواه التنانير والكعكة السماوية ترسل نبضها للعجين والامهات والامهات يصغن اجسادهن من نبض الكعكة وما زال (آب) يطبخ الاجساد لذكرى شاهقة – كل ذكرى رغيف وقبض جمر – – كل ذكرى كوكب وروح ونهر – سبعة شهداء تناسلوا من عيون ومن دموع امهاتهم وما زال آب يرسل لهم من معجناته طيوراً ويشوي ضلوع الهواء والتراب والماء وانا وامي نرسل لهم البخورا ونذكر الخلق برائحة الشواء سبعة شهداء هبطوا من عين السماء وصلوا الى اهداب الارض الاول وصل الى ساحة التحرير فعانق نصب الحرية والثاني كان يقرأ قصيدة العراق لابطال هذا النصب والثالث كان يحمل معه كعكة سماوية ليقيم حفلاً في عيد ميلاده والرابع دخل مدرسة بلاط الشهداء ليحكي عن رحلته من الارض الى السماء ومن السماء الى الارض والخامس دخل مستشفى الرحمة ليتبرع بكل دمه والسادس كان مولعاً بركضة الماراثون حيث وصل الى قاعة (متحف الشهداء) في بخديدا (قره قوش) وهناك استقبله اصدقاؤه الشهداء وراحوا جميعهم يرتلون ترتيلة الحياة والسابع استقل نبض العراق وروحه وعاد الى السماء ** – نهار اسود – صبح اخضر غزير الديكة في ساعة رحيلك في اللحظة السوداء اياها وحينما كنت اعصر قميص الشمس كان ينز عتمة فتسود كفاي وترسل عيناي دمعاً اسود في الصبح اياه كنت اجمع حولي حشود الديكة لم تكن الديكة اياها التي انبأتني بدمعة بطرس وحزن يعقوب كنت اعصر قميص هذا الصبح والديكة ترسل صياحاً فتمتلئ اذناي بالانين والطنين ويهتز باب المقبرة لكنيسة مار كوركيس ويخرج موتاي اليقظيين حاملين بطاقات ميلادهم واراك ترسل عيناك دمعاً ملائكياً نتعانق ، فتهتز قبة الكنيسة وترتجف الصلبان واذاك تضيء كفاي بشمس القيامة ويجف نهر الدمع ويطلع صبح اخضر من جبينك ويطلع صبح ازرق من عينيك غزير الديكة صياحهم يدلني لخطيئة بطرس ** عــقارات سيمر تاريخ لتأثيث بيان الحياة حين ندخل جثثنا بتوابيتها ونشرق في ظلام الهواء اذ ذاك ترتبنا الانقاض في هيئتها ونحن نرتب الانقاض في هيئاتنا الرسمية. ** وننتقل بين دمعة القلم وتاريخ دمعة الماضي ونغطس في طرود الكلام نقرع موجة ثانية تحلب سماواتها الكلمات اذرعنا في حصاد الخرس تجمعنا في اقفاصها كلما شاءت تتساقط منها البروج والغيم والملائكة والابدية. ** ايتها المثلثات القريبة احفظي لي الجذر التكعيبي لصديقتي حواء الوردة ترقد وتستيقظ في شفاه آشور وباستطاعتها ان تقيس انحراف النجوم اصطحب تمثالي الى عقارات جسدي وكلانا يتقطر ضحايا وبيانات مرمرية ضمي عقارات جسدي الى سجلات التسجيل العقاري لجسدك ،،، انا من (0000) يا 0000 !!! – ثمة تذكار لتصفية الحساب – 00 وارى الى بومة في خجل الوقت وندم الفاخته انكسرت عصا الظلام في سابوع الصاغة وهم يذهبون صلعة الايام رسى القارب في نهر حسابك الجاري فتصببت اعناق خلائقك غياباً تعلقت الدقائق الغليظة في ظهر التقويم الورقة الاخيرة من الالبوم تستنسخ كآبتك في موشور آلبومه فسد الملح نمنا بلا اقنوم ارسلت النجوم ابواقاً من ذهب لذكرى واحدة يصهل في ربيعها الاطفال ها نحن ننتظر شفتين لتصدر حرائق حلوى الذكرى وبقية الحساب من مصرف الدم. – لمرآة عيد الجسد ، انحني – يزفون الحدائق الى مصحات الطيور يطل الهواء بقبعة الغيم وجنازة المطر اهزجي ايتها الحنطة يا قلعة الحياة الازلية يا شوق تنانير امهاتنا تفقس الذاكرات مرايانا وتلطخنا بالخراب وربما بالغربة تسرق الحمامات صباحاتنا من عيونهن بريدنا نحن / ذكريات ناقصة وشقاء سعاة وحزن رسائل وكآبات طرود ولهكذا اشطف موزائيك الورقة بالدمع وارسل البياض من عيني فراشة وحيدة واجر الافق الى مكتبتي النحاسية وربما الى مصحات ذاك العماء تبتلع المرايا وجوهنا / وعماؤنا يتناقص في لمعانها كوكب واحد معلق باعناقنا يشيد لنا عناقاً ابدياً قرب مائدة الصعود ويفخر لنا سبورات النور والازل فتسيل المعاني السعيدة من مياهنا السعيدة وينحني الهواء لظلال الوقت ونمر دائخين بالتذكارات نمر بعيد الجسد دائخين بالحلوى وبربيع فاتنات ينشدن ليلة الذهب. – شهوة الفخاخ – الابواب تتآمر على غيابنا والطبيعة تصرف نقوش الحديد ونحن ندلق من فم القمر نرص بلاغة الظلام ** هذه الذكريات اقسى من شمس الكركدن عطر (مارينا) يؤجل شمسه بيان المسك يؤجر فاتورة الرائحة لخدي واصابعي في حقيبة الكركدن تننظر دفع الحساب ** … وهم ثمار من يهطلون من سورة الغياب ثمة ورقة فائضة في جدول التعازيم تلك الساعة التي تشبهني علقت لساني في سقف فمها بدلاً من عقرب الدقائق ايتها الرسومات في كراسة العقل اطل عليك بالذبائح وشهوة فخاخ زرقاء اقبض على عيني ليل هارب من ملصقات النهار لي سماوات سعيدة يرفرف في ربيعها الفحم ويرهق ربيعي سخام طيورها السود يا لهذا الدم الموقر والمفخخ بالجنازات ويا لذراعي الخضراء التي رست فوق قارب راهب يقطع الطريق على الموت والثلج والتنانين ترك منديله فوق تابوت شاهق هو جسد ما ، قمح آخر ** – كتاب مردوخ – الى الصديق الفنان التشكيلي المبدع ماهر حربي مر بقطوف واواتك ومياه ميماتك (ومميات) صغيراتك وان شئت ، علق نوتات ممرضتك فوق شفتيك وطرز شفتيها بنمنمك واسرق نوتات تغريدها ودعها تتذهن وتدهن وتدلك ظهر الحياة بزيت نخلتك من اجل قائمة حقيرة لأيام زرق تناسلت من قاف الغسق الى قاف الشفق مر بنمنم مردوخ ومطر اخته السنوي وتجند بحياة الثريد ” ليس احتفاءاً به او بعيده الخمسين ” فقط لأجل لحظة ترج العالمين برنين نوتات عشتاروت وقبل ان تطفئ عين الميم بماء العين الابيض لملائكتك تعال الى موسيقى لمطر الرب وسدنة شجرة الزبيب ومروج الراء وموسيقاها حين يلثغ بها احفادك أولئك الذين تساقطو من ميم القمر واعطني ” عينه اليمنى ” لمع لهم مآساتهم خذها وعلقها في ارنبة اذنك اليمنى واعقد لمصائرها القران بميم السماء او (بمن السما) خذ الحياة الى مرجلك ومياهك زوجةً والعسل الى لهيب الجسد جسدك الوحيد واقطف حبات الزبيب من شجرة الحليب وطف بالعالمين لمع لك مسلات لا تخطر على بال بابل والتهم نمنم مردوخ وماسات عشتار. – امجاد حبة الخردل – حبة الخروع تموع في الكبد وحبة الخردل تبتكر الابد لو حشرتها بين خرز ظهرك ستنقل الجبال من قارة الى اخرى بماذا تقول هذا المجد ؟ هل ستضمه الى امجادك ام تقتنع بمقاضاة امراء يسطعون في برجك ؟ اولئك الطالعين من ورقة الحظ ليانصيب الحياة او من مخدع هذه البطيخة حبة الخردل تفوه في الرماد وتكنس تاريخه من مسلاتها نقوشها تلك التجاعيد التي تنازلت عن ابجديتها لجبيني لسعير شفاه تبوق في ذهب الكلام ظلت تنزف في ذكرى امجادها والاعياد التي تساقطت زهرتها في فم يسوع حبة الخردل تتعطش وتجوع لتربة بريئة ولأصابع ياقوتة تشجر اعراسها بين وقتين وتشهق امام راية الضوء. – قوس قزح يدخل سيرة الغياب – كأن الذي كنته انت كنا جميعاً في لحظة انطفاء الشمس معلقين على حبال الغروب وقطيع مصابيح يبحث عن لغته الثالثة والاخرون يمضغون لغاتهم تدفعهم العتمات الى العتبات وتتكوم الايام السود في انفاس الروزنامة الجديدة وتتكدس فيها الآف الالسنة لامطار عاقلة وورودها الجنائزية التي ازهرت طرداً للغياب ومن امام منصة الرب جمعت اقواس قزحية لرحيلك كنت تضمها في عيد الفضة وتأخذ منا ذهب الايام خذ ما شئت من بريد الذكرى خذ حدبات مقابر وارسل لها مقصات للزهر اجمع موسيقى قداديس السنة الكبيسة الى متحف الضيم والحيف ومعلقات الاسى خذ قوس قزح ملائكتي من ياقة السماء اترى الى قوس قزحي يسحل اسمالي الى ماكنة لـ (مرتا) ولساني يلبط في رولتها او لم تعلم بأن قوس قزحك مر من امام منصة الرب وانا كنت احدق في كعب اخيل سأقيم مع قوس قزحك في الفردوس لئلا تتحدب سيرة الورد وتهرش احلامي ادخل لحافي موكولاً بالحزن وافتح في تقويم الالفين نهاراً لغياب تظل تتذكره امي الى ابد الابدين. -ضوء العائلة الاولى – الى تاريخ لاسمي يسعى الورد وتشهق الشمس ش / ألف / كاف / راء خذي هذه الاغصان من شجرة لعائلة الشمس الى مرجل لـ ( رولان بارت ) وخذي معها ثلاث حبات من السكر ستحصلين على ضوء يؤرخ اسمي وحدائقه الارضية ويبني اربعة متاحف لعلئلة الحرف خذي هذه العائلة الكاملة بكل اغصانها الى مرجل لـ ( غولد مان ) مع خيط صغير لأحمر الشفاه / شفاهك واجمعيها / خضي المرجل جيداً ستحصلين على تاريخ يذهب اسمي ومن نثار الذهب ودمعه ستولد حديقة العائلة قربي عائلات الحروف كلها ش . م . س من جوع ابجدية الشفاه انقذيها من عطش ومن ظمأ ابدي خذيها الى مرجل لـ ( جاك دريدا وميشيل فوكو ) لا تدعي دريدا يفكك اضلاع الشجرة ودعي فوكو يلطخ جذوعها بزيت صلعته اسمي القدوس / وفوق كل هذا ما زال الرماد يتكاثر وانا المع والمع تعالي اسجري تنورك خذي اضلاعي وعظامي حطباً سترين كيف تتقطع اضلاعي اضواءاً وعظامي تتكسر انجماً جربي ان تجلسي يوماً في مطر هذه العائلة سترين كيف تغرقين بالنور وتنبت في صدرك سبعون شامة واكثر من ثديين ستجدين ثلاث خطاطات لهيئتي ستحصلين على شمس تحمل ثديين وترضع الظلام فتموع العتمة على حجر كان يحفظ تاريخ اسمائنا جربي ان تجلسي في لسان الفجر سترين الشمس تشرق من شفق اللسان الى اين اقود كل هذه الفرائس وانا حديقة مفخخة بالشك والنحل والزهر وانا شمس مفخخة بحدائق هاربة من آبائها اقود شمس الاباء الى نهار هارب من قمصلة الليل الى ليل يتيم يؤرخ فيه حملك الكاذب وما زال الرماد يتكاثر شمس تتورم براطمها في حديقة بلا اباء يتزاحم فيها الشوك والعليق ويشتبك الورد بالريح كي تلدي ابناءاً يكشطون هيأة الرماد من رحم تنورك ياه ! انك لا تحبين هذي المواليد لكنك ما زلت تذهبين سيمياء تنورك بحروفها والشمس تحسدك على هذه الصياغات والقمر يشهق امامها والورد يشم عطره ويطلب الحليب صياغتك تبعث في مطري قوس قزحك ووسط مطرك يلبط قوس قزحي وفي مرجلك تحشرين قوس قزح الجسد وتزجين زينتك ووحامك في مرجلي فتنبت لك اسماء اخرى ويشهق ورد اخر طوبى لهذي المواليد انك تحبينها طوبى لكل مواليدك في سيرة الضوء المهذب. – احزان الِولْد وكآبة البطيخ – ………. ومثل امه ما زال يقايض احزان العالم بالدمع ويجفف احزانها بنثار ذهب عينيه ويضج المرجل بصورة الاب وقداسه وهدير الولد ويدمعون ويدمع البصل وينهمر الدمع من عينيك لذكرى اسى وآس وحمى الولد للطبيخ وما زال المرجل يرسل قوائم الزقوم ويشخر ويدمع ويفور الطبيخ وتهرق ايام الاب والولد والبطيخ والدمع ويدمعون كلهم في ذكرى شاسعة للتقاويم يفقه الدمع والزقوم تجاعيدها وتأخذين تجاعيدي الى مرجل كدود فيحزن اللبلاب حينما يجف لعاب البطيخ في ذكرى الظلام ويكتئب في اهواء الغبار الاحفاد يسيلون من عين لمزرعة يذكيها القمر ويشرقون بالدمع على البرية ولا مناص من ان يرفع رايته امام شاشة الظلام ويعلي ( علي بابا ) قدح النارنج ويرسل قهقهات مع هدير نيافة جاره ( شربت زبيب الكهرمانة ) ليطيح الولد بقامة الظلام وشاشات نبت فيها الزقوم ليشربوا احزانهم الرصاصية في مأتم الوردة الرصاصية …. ومثل امه / ما زال يقايض المآتم بالدمع وما زال يشخر المرجل لذكرى تفقهها تجاعيدي. – اووووووووووه !!! – الى / الراحلين زهير وسمير المستشفيات تربي نزلاؤها على الرقاد الحياة تربي مخلوقاتها على المكوث في الملح الكتابة تربي حاملي مشاعلها على المكوث في الزيت المقابر تربي نزلاءها على القيامة او المكوث في الورد والموسيقى لهذا ارى موتاي كل مساء يطلعون من مساكنهم ينفخون في ناياتهم ويفترشون عشب حدائق اعمارهم ويشهقون في تقاويم العدم السجون تربي نزلاءها على المكوث في مرجل الزمن ونزلاؤها ينقبون في حيطانها الغابات تربي مخلوقاتها على تطعيم ورقة الخلود بعرق الجبين الحدائق تذكي ازهارها الساعة تذكي عقاربها على قيافة الوقت اووووه !!! ساعتي ابتلعت السنتها معصمي يموت حينما تنعس عقارب ساعتي اووووه !! عيناي مغمضتان شفتاي ملطختان بالعسل حلقي ضاج بالرماد والعسل وحينما صرخت على نزلاء الكتابة ومخلوقات الوقت انفلقت عقارب ساعتي واندلق العسل من حلقي ولم يخرج الرماد نبت في حلقي ستة وعشرون عقرباً من عقارب ساعتي ستة وعشرون خطاً وحينها تدفقت ” الآوووف ” من شجرة الواوات كانت قامة هذه الشجرة مفصلة على قامتي جارت … اوووووووووه !! فضجت الزاي والسين وتعانقتا عند فم الحياة واقترفنا عند شفتي الموت لم يندلق العقرب اندلق العسل حسبت الواوات حشوداً مشيت اربي قدمي على رصيف مهمل اقذف كرة الوقت بعيداً لتسيل الاخطاء من ياقة شجرتي ومعطفي دحست اصابعي في جيبه وحينما عدت لاحصيها / ادركت بأني : كنت نسيت نيافة الوسطى بين اسناني وابهامي لا تزال على زنبرك الساعة !!!. – طرد من مطحنة – ……….. ولانك لم تحدق في لمعانه كانت اعين الجوع تحدق في مطحنة عاطلة وبكسرة ضوء تتعشى لتوهم كل تلك العتمات هكذا كانت تتعطل اصابعك في لمعان الالية من مرج الثريد منذ متى اصبحت تكنس شراهة اولئك من لمعانه ودسامته وتصفر في صافرة الشياطين وتبوق في فم البوق لتسرق نحاسه وهم يقشرون لوعة سدنة الطحين ؟؟ منذ متى كنت تحتفي بنمرته وتتعلثم امام بهائه واهوائه ؟ ويسيل لعاب الصيف من غيمة كذوب منذ متى اصبحت ترسل شهواتك في طرد لبريد التخمة وتوهم الجياع ؟ ……. ولأنك لم تحدق فيه كانت اعياده تتناقص في البوم الفقراء. – ملحق الادعية- الى امي يتامى يلتمون حول تمثال تثرثر حوله الريح والتمثال يثرثر مكوثه الطويل الشاق واحياناً يثرثر احزان اليتامى قلت كنت اجمع خرابي في صرة حمامة وادعيتي في خرق سدنة القمح وامي تجمع خرقي في صرة ادعيتها لتكشط الظلام عن تكشيرة الحنطة في قوس العائلة اصغ فهناك من يدبج الحلم بالأضابير والاخاديد بالقراءة وبقهوة الفنجان والسنابل باللسان وما تزال اضرحة الحروب كلها مفتوحة يفقس فيها الظلام مخلوقاته ومخلوقاتها وما زال قمح العائلة يرسل حياة لها …….. وامام وصفة نفسية تريق البنت اعوامها وتطل ببطاقة الميلاد مثلما تطل العائلة ببطاقة التموين ” شبعانة ” بملحق تذكاري لشجرة العائلة اتبع ادعية سدنة التموين. – كراسة رسم راميل – اليه دائماً …… وكأن فراشة ” راميل ” تحط على كتف زهرة ابيه وتمص دمعها وشفتيها المعروقتين تحط امه فوق كتف نجمة وتطير الضوء الى مرمر لمرقد ” النبي يونس ” او ” روضة يونان ” ……. وكأن شهراً واحداً من حسابات الالفين يئن في هيكل التقويم / واطرده من ياقتي السوداء احرس وسادتي من احلام فاسدة وتطريزات ونقوش لم تطرزها اصابع امي شمورامات اصيح على اسلاك الهاتف ان انقلي كلام الورد الى الجبل وكلام التفاح الى سوق الهنود في البصرة اصيح على اسلاك الكهرباء بأنني انهيت عطلتك فالصيف آت اجمع كراسات الرسم كلها وارى ابنائي يزدحمون في اللون الازرق والاخضر والبنفسجي والاصفر والاحمر حينها شطبت على الاحمر لانه يذكرني دائماً بدمي الذي غطى الموضع الامامي في مندلي وشطبت الاصفر لانه يذكرني دائماً بالغيرة / من قيافة الازرق الذي يذكرني دائماً بأمي السماء وشالها الرباني. – ورقة البخت من برج الاسد – أأنت تحلم ؟ وبماذا تحلم ؟ بماذا ستلهج ؟ أ بوردة الام وتيجان الديكة وحبة القمح الوحيدة في صحن الصباح وثغاء اسلاك الهاتف وخوار بقرة الجيران ؟ بماذا ستلهج وتسطر نهارك الاسود وبنطاله وجيوبه المثقبة ؟ بماذا تحلم أ بالجسر العتيق وهو ينزف صدأه فوق مخلوقات النهر ام بأحزان الابدية وذكرى صدأ المياه في جرن الاجساد القديمة التي نفقت هناك ؟ اتحلم بذراع امك التي يبست ليلة الحرب وعينيها اللتين ترمدتا تحت مرصدك وهواك الذي هوى في ليلة الخفارة على المارة أم بالبرج وهو يخر ساجداً لضفائر امك أم بضفائر امك وهي تتناثر مثل فحم جبينك من سخام الطيور الثقيلة الطائرة أم بفحم ايامها الهاربة من تقويم ملكات النرجس أم بعين جارتك الحولاء وهي تدفع لذكرى زوجها الذي ضربته جارته بنظرة حسد … ؟ بماذا تحلم ؟ أ بالحلم الذي لم يجمع اشلاءه في عدسات الايام المقعرة ، في نعاسك أم برقادك الذي طال فوق جثة الصباح أم بالصباح المفخخ بعياط الديكة أم بالنرجس وهو يزاحم القرنفل في لوح المسك والياقوت وابجديات العطر ؟ بماذا تحلم ؟ ارم زهرة الروح وسط صياح الاثريين واللحوحين من امثالي ووسط تفاح الفاتنات البدينات من امثال ” باء وتاء ونون ” ولا تفرهد مياهك الحياتية قل : اني انا الرافع هاتفي النقال من اسفل الشرفة الى اعلى شرفاتهن واطرق تيجانهن على شرف ليلة الذهب ولها ثاتهن خلف جنازته ودموعهن / ودموعي في انهمار ورقة البخت وعليك ان تسرح وتمشط شعر المصباح وتدشن سيرة الضوء بأبتسامة حمل وديع هكذا قبل ان تخطفك تيجانهن وحبر الظلام وتطوي رايتك الريح قل لذريتك كل اسرار الوردة واكتب لهم من خزر ظهرك طبيخ الميراث وخذ خيط الحلم والحياة والحياكة الاولى لأوقاتك واحلم بما شئت وكما شئت وفرهد احلامك في الريح. – حمى مطبخ الجنون – الى الصديق الشاعر والكاتب خضير ميري لحمى اولئك وهؤلاء من الحيف واللائي من تعب الحف ومن الضيم والضنك وسعير خرائط القهوة في فنجان البخت ولهيب التأليف في فرن الكتابة ولوعة البلبل في القفص وفي فمه حبة البرغل لحمى دمعتي الوحيدة التي سقطت على خدي الايمن وشطبت منه قبلاتك الخمسين وحفرت فيه اخدوداً لذكرى بئر ماء ” امكربيل ” لأيامي النحيلة التي تساقط منها الحنظل والمر واللبان والفلفل الاسود ورائحة المستكي ورغوة علك الماء وفي كل حين ادخل وارجم بكل هؤلاء وهذه القامات لحمى اجراس القلوب المجهدة التي ظلت تنبض وتدق وتقطع حلم الموت ولحمى فانوسه الملطخ بالسخام تطارد ضوءه الناحل الفراشات والبق واهداب الامهات ولوعة القابلات ونشيج الارملات يدخل ، ويخرج لحمى مطبخ الالهة وسعير رائحة البصل والثوم والبهارات وجنونها يدخل ويعطس ويعطس الضوء ويبقع صورة العائلة برذاذ المسك ويستل خيط ضوء الجنون من نول قمر العقل ونوتة ثخينة من عويل الطباخ النفطي لكنه لازال ينشد الكلام والصحو والخروج …….. ادخل الى ردهة بجرة العسل وافتح صندوق الجدة ادخل بكتاب الجنون وعصا المعلم لوتريامون افرك جبين اللغة فَوه في خرس الردهة جنون اولئك ودعهم يتدفقون الى العالم الضاج بالموسى والموسيقى ومداد رائحة البصل والثوم انقل لهم تاريخ الطبيخ ولوعة الارملات في لوحة المطبخ تعال الى زعل الخلق عليك وعلي واعقد صداقتك بورقة صفراء فرق عويل المجانين بين هديل طفولات وحمامات المستشفى لئلا يزعل منك ” خضير ميري ” الفيلسوف تعال ادخل تصيد بقوس الجن اجنحة التماثيل وبنشاب التذكار السنوي للعنيد بيكاسو بيضة السباحة في اللون خذ ترياق سلفادور دالي وسكاكر سيجموند فرويد واسرق ثديي مارلين مونرو وخبئهما في عبك حتى يتخثر فيهما الحليب ويتساقط منهما الزبيب ادخل وتقلد قوس الـ ” ECT ” وانزع عنك قميص الردهة الصفراء علم خلائقك ان تطير بأجنحتها او علمها ان تتقلد اجنحة ” لاماسو ” طر الى اديس ابابا وقد رامبو وعكازته ودعهما ( يدرجان امام راية الكلام ) لـ ( شانقبا امورو) وعد الى الفيصلية شيع كل سكرابها والق في بالوعتها حدقات مجانين هاربين من الخدمة الالزامية للحياة اخرج من بالوعات محلة ( السمقو ) واصح على مواء قططها ودعها تزورك في سنتها الكبيسة زر المطابخ قبلها وفرق خرز تعويذات الجوع فيها ، وادخلها بصدرية ممرضتك ” س ” لطخها ببياضها الناحل ودع سخام حيطانها يسيل من تقاويمها ومن ياقتك السوداء فرق عائلة البصل والثوم والبهارات وشيع رائحتها بين الف ارملاتك سترى كيف تساقط ايامهن السود وسخام المطابخ من تقاويمهن ومن اثوابهن فرق كل هذه العتمات بباقة ورد وآس تلك الشاهقة امام صورتك التذكارية تلك التي سرقتها ذات جنازة من ضريح قديسة او راهبة شيعت سندات ديرها وفرقت بياض صدريتها بين سخام اطار الصورة والحائط وقميصك الوحيد تعال ادخل امح برائحة الآس وخضرته طعنات الجثث الراقدة فوق جبال كردكو وكردمند وكارا وكلالة امح بممحاة رابيل ابجدية الاسى واخطاء رسومات الجغرافيا واحلام الصاغة وعواء الذئاب في خرائط التاريخ امح بفقاعات التايد والقاصر والزاهي و ” الكَيل ” وشامبو بوتيك السعادة لطخات سخام المطابخ من صدريتك اشطب بدمعتك الوحيدة ندبات خديك تلك التي حفرتها قطرات الزيت الطافرة من مقلاة الصيف ومخطوطة شتاء ماكر وكثير رقدت بين رعوده كنية كلكامش تعال ادخل بعصا الكلام ورايته الى يخت عيادة ترقد على الكتف الايسر للفاتنة السرجخانة ليقلدك الحكيم ( أ ) قوس الـ ” ECT ” وتحقنك الممرضة ( م ) بسيد العقار الموقر ” الموديكيت ” ويقبلك الحارس ( خ ) سيد حراسة القبلات الثخينة وتصحو / وتمشي على دقات نبض الثلاجة عشتار ويمشي خلفك الرعد والبرق واخوتهم آنو وأنليل وننليل وادد وامامك يلهث ابناؤك ابراهيمائيل وبهنامائيل وشمشو مشمائيل حاملين ازهار الشعانين التي لا تزال تشور في حركة الطائرة المعادية المغيرة على حدائق امك نينوى سيقلدك هؤلاء قلادة فوزك في امتحانات بكالوريا القمر لتهرع للطواسين بأجنحة هؤلاء الذين سالوا من عين كوكب الزهرة لتطارد خنازير الجوع وتقاويمها وتصحو من الـ ” ECT ” الى الابد وترى الى جانبك الحلاج والجنيد وبرديصان ومار افرام السرياني ومار نرسي وايثالاها وهم يطهون حدقاتهم في مقلاتك نكاية باثار الجوع وذكراه وتقاويمه السوداء وسترى الى جانبك مارينا وريجينا وماريا النورانية وهن يذرفن الدمع على صدريتك الملطخة بالسخام وعلى خدك الايمن لتلمع قبلاتهن الى الابد ** الى موتاي الذين رأيتهم يتثاءبون في نايي الى قرص الشمس في شفاه المجانين الى سلسلتي الذهبية التي اسودت في ردهة بمستشفى الشماعية ادعوك ايها العمر سقطت حبات الثوم من تقويم المطبخ فوق خدي فنبتت فيه اصابع نسوتي خرجت النسوة بأوراق الاعالة واوراق الخس من مطبخ الحقيقة والخدمة الالزامية للحياة الصيف ثقيل في امتحانات بكلوريا الجوع والعطش يتمرن على رياضة المضيفة لعطر ابطيها اترى الى هذه السكاكر والنشوق والعسل ونركيلة اوهام الاصدقاء خذ الشمس كلها لجنون شقائك خذ ترياق الرعد من جنون ادد حتى تبلغ ندباتي وتجاعيدي وعلي ان افقه في المرآة جبيني انا جرس لدرس عاطل قرص هويتي ابتلعته شظايا الموضع فتقيأت حساء الحرب / في شرفة البيت / في الطابق الثاني من ايامي كل هذا لاجل بئر لم تصلها قدماي كنت احفر في حبال دلو حسبته قماطي مكتظاً بذكريات المهد ما زلت مزدحماً به اكره الاوقات الرمادية التي تهرش قصعة الجند ونعيب الغسق ودود البلوط واحب اجنحة امي ونايها الذي يتثاءب في فم الاعمى لأنني موثق الى سلسلة ناقوس توقفت دقاته يوم الاحد. – تطريزات من صالون خياطة 2000 – …….. وحينما الضوء ضوء عينيك في اجازته السنوية كان ضوء عيني ينخل فوق جنازة الظلام ايامه ويطرز باترونك بأعمق النشرات الضوئية ويطل رأس السنة من جثة التقويم كان ضوء اصابعي يطرز نفنوفك بأبر رأسي الفضي واصابعي تغادر اشغالها الشاقة بعيداً عن بئر الكشتبان رأيت فتنة عنقك تصدح في عطلة الضوء واعياد عطور الكشمير والتيروس والريفدور تلعلع تحت ابطين هاربين من متحف الصيف كنت تسلقين الشوندر / شوندر جسدك على نار زرقاء لشطائر البطاطس والموسيقى وشخير السنة الجديدة ” 2000 ” فوق نقشات وسادتي ويسرقها الظلام فتفسد احلامي في نقوش بهلوانية كانت اصابع جنياتي نقشتها ذات ليلة صفراء تطريزك اجمل من تواقيع حكيم عائلة الطير واعني الهدهد وهو يسرق خاتم امي كان يلتقط من نقشات تطريزك من حبات طبيخك وحينها نبت منقاره في فيك صار لك منقاران ولسانان واحد لمضغ ألسنة السنة الكبيسة واخر لهرق ورد الكلام وضوء جسدك على عتمة جسدي وعلى شرشف اسود لي تبيض فيه البومة فينبت في في ظلام من تطريزاتها ويظهر عشاء البومة في فطوري وعشائي وينبت قوس قزحي في دانتيلا شرشفك وتحبلين بقوس قزح سابع من ذرية مائي واحمل عن شوندر جسدك سعير ابرتي واطرد الظلام عن نقشات الوسادة وتطريزات قميص السنة الجديدة (2000) اهكذا يسلق الشوندر على مثلث اسفل الحياة وفي عين الطباخ الحولاء ؟ اهكذا يسلق رأس السنة في مطبخ ملكات السرخس الدامعات حتى في 17/كانون 2 وتطبخ الحكمة مع شطائر نوتات شخيري وشخير نقشات الوسادة السوداء ؟ اهكذا تطرزين بالثلج ردفيك وبالدانتيلا مشارف عينيك ؟ ياه !! يتها الملكة بتاج ثلج العمر وتاج ديكي الهائج منذ فجر 17 / كانون 2 خرجت ايام الروزنامة الحائرة مع ارملات القصف والعفج من سقف اسمنتي كان يخبئ الاف الخطايا السود في تسليحه وتجاعيد حيطان شقتك الوحيدة في خريطة ملكات النرجس والبيبون والقرنفل وعلك الماء والهيل ولتطريزك هذا رياضة امي الروحية ونقشات نمنم دعائها في قداسي الجنائزي وفخاخ ومصائر ياه !! كم ، وحتام تظل فخاخك تفخخ مصائرنا في خسوف خام الحرير والبرجكسن وقامة الكلبدون والفيزون والكيبور والكمردين والجيت والجابان ..؟ ياه ! الجابان يذكرني دائماً بكفن جدي آنو وجدي تغلت بلصر والحرير والبرجسكن والكيبور يذكرونني بقيافة ياقة ” مامو ” وبلمعان شطائر بطيخة ” ت و ب و ن ” في تطريزات اللائي اهرقت فضة ايامي من تقويم الـ ” 2000 ” وما يزال دجلة يطبخ مخلوقاته في حفلة لقهوة عرافته وسط شتاء مقبوض عليه ومغشوش اصابته السماء بعين الحسد والامساك اهكذا ايتها التغريدة من تقويم ملائكتي يفصح نوتات موسيقى شخيرك المفخخ بنقشات وسادتي ؟ اهكذا دعوت كل عائلات النسيج الانثوي من الانكورا والهمايون والكيمونو والدايولين الى عظامي التي صعقتها اسفار الجوع ومشارطه الى لساني الذي جف ريقه ونضب في فتوحاته عبر ممالك لتطريزاتك لم اقل ” روناك ” بعد ولا ” سربوهوي ” قلت شما فامتلأ جبيني بالتجاعيد وامتلأ خداي بحب الشباب اذن خذي من رأسي الفضي خيوطاً جديدة لتطريزاتك وطرزي تقويمي الألفين بفضة لسانك ياه !! كم يبدو تطريزك ماسياً وفجائعياً !؟ ايتها الشرفة الشوندرية من مملكة الجسد من اين لتطريزك كل هذه الفخاخ وشطائر البطيخ والبطاطس والموسيقى ليلة رأس السنة …؟ طيري بكل هذه الشطائر الى جمناستيك الليل والنهار خذي مهفاتك الى شراشف الصيف الغزير بدموعه اللزجة خذي اطلس نعاسك الى البيتونة واسهري على قوس قزحك كبرت بدلتك الامبراطورية في اطلس الفاتنات وتطريزاتهن خذي اربعين شتاءاً الى مطبخ آب ليكوي تجاعيدك الاربعين خذي مشط ” مامو ” كي تسحل خلفك ضفائرك الاربعين خذي اربعين شعرة فضية من شعرات رأسي واجعلي لك منها مشطاً لعيد ميلاد شعرك الاربعيني ودعي ضفائرك تطول وتحفظ في مكتبة الضوء العائلي لتشهق عائلة الضوء وتضج رائحة البطيخ وأعني طبيخ تطريزاتك لوسادة وبدلة رأس السنة الجديدة …. ورأيت اربعين ثريات في طبيخك واربعين جنية في تطريزاتك ونقشات الوسادة ترطب حلمي السنوي / كنت اشهق في ياقة تلك السنة نبتت في رأسها قباب من اللحم لم يحفظ لدود بوهيمي تطريزك بالفضي وفاءاً لشعري الفضي النبيل وتطريزك بالاسود خيانة لرأس السنة طرزي اذن روزنامتنا بقوس قزح ثدييك طرزي بدلة رأس السنة بأقواس قزح الطفولة من ” نوران وميديان ولاتا وبارا وماريل وكوكي وننو وادونيس ولارسا ” ودعي الثريات ، ثريات الروح والجسد الى غرفة نومك والى خزانة الملابس لتخرج بالشفق والبنفسج والارجواني وكريستال الحياة دعي الخزانة تثرثر عطر ثدييك ورائحة بدلتك الإمبراطورية خذي طرود عائلة الحرير كلها الى شرشفك الذي نبتت فيه عيناي ، والذي كنت دائماً ارش فيه حب الشباب وحبات التفاح وماء السماء خذي كل تلك الفخاخ الى مرجل الشتاء خذي الدانتيلا الى فتائل اللمبة التعبانة ودعي ريشتي تفوز في مباراة تطريزاتك يتساقط منها رنين اشباح كانوا يرقدون في نقشات وسادة السنة الكبيسة دعيني اطرز بالذهب دانتيلا متحف الشفاه وابوق في فم الثريا من نوتات شخيري خذي الة التسجيل بعيداً عن هذا الشخير نامي ودعي ثدييك. – كلنا نتغرغر بالتراب ونجوع الى عيون القديسيين – الى الصديق الشاعر السوري عبد النور الهنداوي ……… ياه !!! الاشجار التي نسجنا من اغصانها ضفائر لـ ” نوارة ” تمضي الى امكنتها حيث ذهب الزمان ونثار صداقتنا وطاعة الصاغة لأصابع نوارة وطاعة النور لـ ” عبد النور ” ……. من أين لي ان اكون واسعاً والعالم من حولي اضيق من ثقب ابرة ؟ هكذا دائماً تضيق علي الحيطان بتغاريد بلابلها وصاج ابوابها لكنني حينما اجوع اكل من الدملوك وازيل الصدأ والثقوب فياكلني التراب واشع منه وبه تقطنين في لحظة وارى عينيك زقورتين لا يصلهما الغبار دائماً كانت حسراتي تصطدم بحائط الباب الخارجي وبأنين وغصات حناجر البلابل آه ! كم نزفت حساءَك يا حلقي اثر مرور الصدأ والدملوك والموسى وحشود الغصات ..؟ من ينصت لمن ؟ أأنا انصت للحائط ام الحائط ينصت لي ؟! تلك ثرثرة الاخطاء التي يغرغر بها حلقي دائماً انت تشبهين الوردة وتبتكرين تويجاً لها ولأسمك وانا ابتكر ابجدية النرجس ، نرجسك الطالع من سلال الخليقة وتعويذات المجانين ضفائرك الذهبية اطول من ايام المكوث في حديقة يتيمة حين تنحني الاغصان لها تشع عيناك تماماً مثلما يشع ابن القمر على العالمين اوووه ! نسيت حائطاً يثرثر شخابيط الورود الابتدائية وايام الاعمى ويبتلع عكازه نسيت مقبرة تثرثر ايام زهرة الموتى وتبتلع ايام الاسبوع وجدول الدروس الاسبوعي لروضة الحياة وعدت الى سريري الملطخ بصفير الجان حلمت باصابع امرأة تخرج من معطف الصبح وفجأةً كان النهار يفتح نار شمسه على صياح الديكة وعلى لحافي الاصفر …. من اجل من يا نوارة يحتفل عبد النور بالعيد السابع والاربعين لوردته ..؟ من اجل من يا نوارة يحتفل عبد النور بعطلة النور ؟ امن اجل فانوسه الناحل ومرآته الملطخة بالسخام أم لأجل الجسد الذي ابتكر ضوءه وهو في رحيله يتغرغر بالتراب ..؟ هل يطيب لك المكوث في النرجس ايها الجسد ؟ البرتقالة تشبه كوفية امك انت تمكث في البرتقال طويلاً تعال الى سراج وناقوس ومئذنة الى موسيقى تصدقها نوتاتها واصابع العازف انك تشبهني مثلما هي حبة الحنطة نبتت عيناي في ياقة قميص النهار غادرني سهر عالق في سريري وقفت في هواء الديكة الفاسد اسرق نقشات تيجانهم امص صياحهم / والتقط حدقاتهم التي لاتزال تتقادح من اجل حبة الحنطة واهمس في اذني العجوز حيث ترملت حبة الحنطة امام عباءتها السوداء من اجل من يا نوارة يحتفل عبد النور بعيد ميلاد النور المطل على اجنحة التمثال ليلة هرب الروح الى العاصي ؟ كان عسل الكتابة يسيل من شفتيه وتحلبه نوارة وترضع منه وكان يجوع ،،، وحينما يجف حلقه يعود الى التراب ويتغرغر ،،، الى تراب كان دائماً يجوع والى عيون القديسيين ويرش ماء الورد على اسرتهم ويدوخ من لعلعة نداءاتهم عند باب الفردوس هناك اذ تتجمع الداليات وتنثر عطرها ، يدوخ الموتى ، وينهضون ما زالت داليتي معلقة هناك بكل زينتها ايها الصديق الموفور الضوء لا ترم الوردة في طريق التأليف القديمة هنا تتراكم حدقاتنا وتمكث الحروف في تجاعيدنا غداً ستأتي الينا نساؤنا ونثمل بعطورهن وحين نبلغ ثمالة الجنون ننزع نجومنا ونلصقها فوق اكتافهن واحياناً فوق حلمات اثدائهن واذاك هن يطيرن الضوء منهن وتشع جباهنا بالتراب وينكسر العالم في مرايانا ويلهث خلف ظلالنا ياه! اننا ننكسر في ظلال المرايا. – حفلة للساميلين – اسعل ببراعة الياسمين طحين العمر وبكل تلك العقاقير التي تسيدت في صيدلية أدد والتي زرعتها في قماطك فنبتت مثل عصافير كراسة رسمك فوق شفتيك اسعل مثلما تسعل البالوعات كل قططها والجبال كل ثلوجها ولأجل سعالك الكوني هذا سيرسل السحاب رغوته من فم السماء الى صباح عامر بالاناشيد ولأجل سعالك الديكي سترسل امك سلال الارغفة التي خرجت للتو من فم النتور لاجل هديل ممتلئ بأمهات الحمام خذ مخ العصفور لرهج التأليف الجديد خذ اللوحة بعيداً عن حاشية الثاليل والى حصاد المراوح خذ بلاعيم الصيف واسعل انشودة الربيع في خرس الشجر المقابر تسعل توابيتها والتوابيت تسعل اكفانها والاكفان تسعل موتاها وتأتي الارملات بعتمات عباءاتهن يسعلن تاريخ العتمات والترمل ويرش القمر ضياءه عليها ابعج بعصا الملائكة جثة البرية واتبع تفاحة الخليقة والقم فم المتحف السماوي بأعمار فرائسك الصغيرة مازال المتحف يزفر ابناءه وابناؤه يزأرون في مخدع الطفولة والطفولة تسعل اخطاء سراويلها وشقاوتها والربيع يسعل خضرته والشراشف تسعل نقوشها ومازال نشيد الغبار يلهب حماسة الخريف ويبطل نبوءة الورد ……. لنسعل كلنا معاً انها حفلة للساميلين… عقارات ضاجة في صيدلية ادد 1عدوى لأخته الارض يفقه القمر رسالته ويرسل ضحاياه وحين تلتقي ضحايا السماء بضحايا الارض يصاب القمر بالعمى * 2 فقه الصمت …. واعلم مثلما تعلم الضحية التي لا تقوى على الكلام انها ليست خرساء انها تفقه صمتها امام خرس شاشة اللغو وهدير الدمع وحتى امام زئير الرصاص * 3 فقه الورد الورد يفقه عطره واناقته وسط حشود الغبار اشمه وادوخ الورد يفقه في تيهي وجنوني جنون عطره ويدوخ وسط الريح * 4 فقه الضوء الشمعة تفقه دمعتها لكائنات العتمة سعادتها في بريق دمعها وسعادة الكائنات في فقه ضوئها النحيل * 5 عيون النهار في خاتمة رحلته اليومية النهار دائماً يجر الشمس من ياقتها ويلقيها في حلق الافق هكذا اذن تسود شفاه النهار وتتكدس تجاعيد الضوء فوق جبينه ويغلق عينيه صاغراً * 6 فقه المرآة تفقه المرآة فتنتها عيناها دائماً تعقد صداقتها مع رملها حين علقوها على حائط اسود ودقوا في جبينها المسمار اخطأوا موضعه فسد الرمل فيها وحين راحت تحدق طويلاً فيها اصيبت عيناها بالحول * 7 حيرة يمشي وتمشي خلفه الاشجار يقف وتقف مثله الاشجار يجلدها بسياط خريفه وتجلده بسياط ربيعها وتشق في صدره الانهار * 8 رسالة ابداً لم تكترث الزهرة لأحد كانت طول عمرها تتفتح وترسل عطرها للعالمين * 9 اصابع جافة لم يبق شيء في الحقيبة سوى قلم يكتب سفرها الى اصابعه وحينما السفر من عينيه الى اصابعه جف حبر القلم * 10 ضيافة ناقصة الشمس والقمر كلاهما ضيفان عزيزان على قلبي لكن عتمة قلبي دائماً ترسل حراسها الى الطريق عندما رآني الضيفان غلقت عيني فأحمر جبينهما وخجلا من ضيافتي * 11 منحل النفري ….. وهل ستنعس عيناه امام موقد النفري حين يسجر عينيه انه لا زال يتلوى بين شمس المعارف الكبرى وصواعق الكتابة والاختلاف وليس له الا ان يدفن لسانه في حقة العسل من منحل النفري * 12 (…..) يا لتلك المسافة والمساحة الصماء بين فم مفتوح وسع الارض والسماوات وذراع الجوع تجر خلائقها خلفها …!! * 13صيد لابد ان انشر غسيل طفولتي على حبال خضراء كي اتصيد ايامي الاتية * 14 صفير تصفر السعادة في المستشفى مثلما يصفر حذاء ممرضة ثقبتها النيدلات من فرط امتلاء الجسد بالثقوب 15 حسد سأدق مسامير الحسد في اطار صورتك الاولى وأظل اطارد حدقتيك اللتين طارتا من زجاج الصورة حتى تفقأ عين الحاسد * 16 سهو ماكر منذ متى وعيناك تسهر واصابعك تتجول في بياض الورقة وروحك تمكر في ضوء الحدقة ؟ عيناك سهر عالق في خطوط الورقة وروحك سهو ماكر حيث لا فراشة ترفرف ولا تطلع زنبقة ….! * 17 لي .. سيعن لي الان لألقي كل شباكي وسط الريح كي اتصيد زهرة روحي ومديحي * 18 زعل يزعل منك المطر حين تجرين قطار الصيف الى مأتم زهرتك الثلجية * 19 في عيد الصعود أرشق أرشق بالماء وبنبض كتابي فالان الان قيامة غيمي ومولد احبابي * 20 قيامة النون كانت له نون وهتفنا وسطرنا بلداناً وادعية وظل هو هو الممنون وقلنا في اول الكلام وآخره عاشت دلمون ….! * 21 حسد من فرط النعاس والسهاد وحينما تركت خزانة ملابسك الاثيرية بلا نفتالين ضجت الغرفة بالازرق والاسود والاحمر وامتلأت الخزانة بعيون الحساد * 22 خراج طوبى لكل بربخ تسوره ابرتي الهائجة لأنني جمعت خراجها من خرز ظهري * 23 برنامج اشطبي تكرار تجاعيدي من مرآتك فلقد نقلتها زوجة الامبراطور عبر محطات التلفزة وعرضت مكوية في برنامج ( نعم ، لا ) * 24 حمل صادق تحبلين بالطحين وتنجبين سبعاً واربعين قمراً يقيمون لك سبعاً واربعين تمثالاً في السماء * 25 شواء اطبخي احلامي النيئات ودعيني اشم رائحة شواء ضلوعي انها حفلة ختان ماسك * 26 شهقات شاهقة الى ما أظل افرق شهقاتك وسط فخاخي وسخام الجسد وسط بياضي وقبلات الورد بين رغوة الدمع وعقوق احمر الشفاه ..؟؟ * 27 امنية غالية من اجل كل هذا البنفسج يمشطون خرائب آشوريا بزغاريد نينوى * 28 مأتم ببومة تدفن هواء المدفن الجائع وتذرو الريح انسى ربيع الموتى وأطفئ زهرة الروح في مآتمهم * 29 ثرثرة …. لا تزال شموعك بدموعها تثرثر قرب جثتي ولازال ينفخ في البوم العائلة ويطلع منه طائر الفينيق * 30 خريف آخر ……… هل سيظل أبناؤك يحدقون في فوهة مطحنة عاطلة وساقك تزج بأوقاتها في خريف عكازة !؟ * 31 رحيل مبكر ثمة قبر يهذي وسط حديقتك منذ متى رحلت ازهارك دون ذراعك وساعتك وسنك الذهبي …..؟ 32 ( ………. ) أسمك لازال يرنو الى ابجديته في ساعة خسوف قمر الاسماء أسمك لازال يجلو صدأ قمر تعلق في زنجار المحاق * 33 تأبين ولأن الشمس تنقط – دائماً- ذهبها في حدقتيك هكذا اذن عيناك ترسلان دمعاً ذهبياً في ساعة تأبين الشمس * 34 زكام لي من عطرك ما يكفي لزكام عصافيري حتى تهربين من اعشاشهم وتنامين في عشي * 35 تطريز ….. وأطرز لك قمصان العمر وأقتات على نقشاتها * 36 قمح لرغيف ازلي أنفخ قمحك في نايي لتسيل منه حياتي 37 بهاء قاس السوط يثرثر بهاء قسوته فوق اصابعه ويسيل حزن العتمة منها * 38 سراج لسراج كان ضياؤه يسيل فوق ظلامي كانت ريشته تخط رايته الابدية فوق حطامي * 39 هواء …….. ونعم لهواء الفردوس يوم تحط خلائقها بين ضلوعه مثل شموسي * 40 نجوم ……. ولدي من اللمعان حشد نقوش ونجوم لتجمل وتكوي كل تجاعيدك يا امي * 41 طرد وبوق ….. من اين آتيك ببوق يؤرخ شخيرك وشفتاي يا بستان ؟ ومن اين آتيك بطير يجمع احلامك في طرد ويحط سعيداً عند شفتيك …؟ * 42 بلع ربيع دموعي كان يؤبن جنازات احفادي الذين ابتلعتهم قنبلة عمياء … * 43 عطر …. ولدي من العطر ما يكفي لزكام اصياف لا تحصى …! * 44 أمنية الفراشة لو مرة يعيرني الورد اوراقه وعطره لعدت فراشة حارسة لأمه * 45 حراسة حصتي من امي السماء حفنة نجمات / أحرس بضوئها قبة العالمين * 46 بكاء عائلة الشمس تبكي على ابنائها الذهبيين المفقودين في غزوات الظلام * 47 دمع ذهبي ….. ولأن الشمس أم النهار هكذا تذرف كل دموعها فوق جنازته ساعة رحيله … * 48 خطأ ذهبي بدلاً من قرص الاسبرين أخطأت اصابع أمي موضع الالم فناولتني قرص الشمس * 49 اناقته اجمعك يا ربطات الاعناق الى عنقي وأجعل منك قماطاً لأرسل اناقته للعالم 50 خضرة الدمع لأن امي دائماً تحدق في مرآتي وترى تجاعيدي فيها لهذا نبتت حدقتاها فيها وارسلت دمعها الى عيني فأخضرتا وراحت تنشر خضرتهما على عماء العالمين * 51 حماقة صباحك ماكر لأن حماقة البصل دائماً تشي بأخبار المطبخ البصل يدمع وكفاك تعرقان صباحك معاق / أمطريه بالدعاء إذن * 52 فخاخ ….. من اين اتيك بربيع تمكر خضرته على حشود العصافير / وانا موثق ببوصلة شتاء لا يحصى ولا زال الشتاء يفخخ بالثلج جنازته ويطيح بسعادات خضرته وتجف العصافير فوق اغصان اشجاره ؟؟ * 53 عقارب الساعة الساعة الجدارية المعلقة في غرفة نومي سرقت نعاسي / فتساقطت عقاربها فوق وسادتي ونبتت بدلاً عنها – اجفاني فرحت انهش صوف وقطن الوسادة وابلع نقشاتها * 54 خيط عفافك وعافية دعائك وشيخوختك تشرق من حبات مسبحتك وانت لازلت تسهرين على خيطها الذي يوصل دعاءك الى السماء * 55 سعال هكذا كانت كآبة الدجاج حينما رأت العجوز ترسل سعالاً شديداً وبصاقها يتكوم مثل درهم قديم فوق اسمنت المطبخ * 56 آمين …….. وآمين لـ ( شمشو مشمائيل ) حين ترسل أمواهاً وتجترح كهرباء الايام والكلام !!! * 57 ابيض واسود يوم حطت حمامات الدار فوق ياقة سوداء لقميصي الابيض ابيضت ياقة القميص واسودت عنقي * 58 زراعة ربانية …. لأن يد الله واسعة حطت على كتفي فنبتت لهما ستة الاف جناح لأعتصم مع ملائكتي * 59 علامة فارقة وددت ان تنقلي شامة واحدة من شامات صدرك الى اصابعي او الى جبيني او الى خدي لأوهم العالم بعلامتي الفارقة الجديدة 60 وهم لم يكن معي مفتاح الملكوت لأوهم بطرس بصياح الديكة وأجمع دمعه في حقائبهم الحمر * 61 زهرتي الوحيدة كلما كانت تحط الفراشات على زهرتي كانت تزدحم بريشاتها ونقشاتها وتبطل بهاء الطواويس كلها * 62 العين والمرآة دمعتي المعتمة تكسرت في المرآة وحينما رحت احدق فيها طويلاً اصيبت المرآة بالعماء مثلما اصيبت عيناي بالحول * 63 طعام الشمس الشمس دائماً تختار طعامها بنفسها هكذا ، حين تلاحق العتمة وتلتهمها * 64 سقوب القمر دائماً يثقب قمصان الليل بأصابع اخته الشمس * 65 علاقة القمر دائماً يعيل شقيقاته خواتم السماء ويرسل كلامها الذهبي الى العالمين * 66 تيه حشد من الاصداف ضل طريقه وهو يلهث وراء جنازة النهر * 67 دوامة الدقائق الاخيرة من الساعة الاخيرة لليلة الاخيرة من عام (2000) ظلت تتكرر واشباح السنة الجديدة ترن والحائط يصغي ويرسل انينها وعقارب الساعة الاخيرة تصلب رأس السنة على الحائط 68 ذكريات من سلسلة دموعي الفضية اصوغ امطاراً لذكرياتها الطويلة ويتكدس النعاس في عيني ويزعل منهما المطر * 69 بيان الساعور اجراس الحياة دائماً تقرع وناقوس الرحيل مرة واحدة يقرع * 70 بدلتي السوداء لي اصدقاء كثيرون بعدد نجوم السماء كلما التقيتهم ببدلتي السوداء تكسرت حدقاتهم في عتمتها * 71 عطل ……. قبل ان يذبل القرنفل في شفتيك جف رضابهما مثلما جف الوقت ورائحته وتعطلت رائحة القرنفل وتورمت شفتاك * 72 لحن ….. وحينما الناي يرسل لحناً جنائزياً حسبت موتاي يرفعون تراتيل مأتمهم * 73 الصمت كلما وودت ان اكون في صمتك كتاباً انكسر ويلم اجزائي الصمت 74 انكسار سهرنا لا يكفي لضيافة ذكريتنا هكذا ننكسر في نعاسنا * 75 الحرب حينما فرقتنا الحرب قلنا السلام علينا ودخلنا فيها ودخلت فينا وراحت ترقن اعمارنا وعدنا الى بيوتاتنا اقراص هويات * 76 نبش لابد ان يفك الخرس اسارة من شفتيه وينبش في جسد الكلام * 77 اشعاع ….. ولدي من نبيذ المعنى ليثمل في سيرته الكلام وتشع من عتمة اللغة الخواتم * 78 ضوء الروح حين دخلت في / سرقت ضوء الروح وجنحت بأنفاسي طرت معك وعيناي لك في عاصفة الظلام / تضيئان قبة الجسد وعيناك في ليلة الذهب حراسي * 79 أضحية ماذا ؟ الارض كلها تجمعت في عين الافق ونحن نحن شلالات أضحية نسبح بأثوابنا في دم الغسق * 80 لدي …….. ولدي من ضوء اللغة ما يكفي للأطاحة بظلام الخرس * 81 سفر مقدس ياه ! من خجلها تموع النجوم بين شفتيك والقمر يحط على جبينك والسماء تحيي رحيلك اليها * 82 الحياة كلما كان الموت يطرق باب الحياة كنا نلتصق بسرتها ونهدهد دموعها * 83 حسابات خاصة من اجل عيون نسائنا اللائي تركن شباكهن بيننا رزمنا فخاخنا ورحلنا اليهن ساعة الحساب / وانتزعنا عيوننا وتركناها بين شباكهن * 84 أصفار الى ع . ر صفر راحات أكفنا صفر طحيننا صفر على الشمال حظنا صفر ، صفر بندول احلامنا صفر ، اصفار حتى انقطاع النفس 85 غصة بم اهتف واناديك يا حنجرتي ولساني في سقف فمي يستضيفه صمتي ….؟ * 86 رصيد ….. وهل انت رصيد قامتي أم قامة وردتي التي خرقت ناطحات العمر ..؟؟ * 87 أطلس حين كان ينفخ في بوق السحاب كان ينهمر المطر ويتجمع القطيع على كتفي البرية ويهش لوعتها بصفيره وعصاه * 88 غلطة مثمرة غلطة الارض خضراء دائماً تنزف انهاراً وتلد غابات وتبتلع عصافير الخلق وتذرف الدمع ساعة غيابها * 89 سورة المياه التي حفظنا سورة هديرها انقذتنا من الطواف حول حائط الموت * 90 رفات بيني وبين عصا المجاعة رغيف لم يجلد تاريخه وفم لجغرافيا تضم رفات مخلوقات الساعة * 91 هل قولي لي هل انت فاكهتي ام فاكهة شتائي ؟ * 92 ريافة تروف ماذا ؟ اروف اكفاني بخيوط حرير اعصاب امي واروف قميص طفلي الهارب من حقل مجاعتي وثقوب عباءة امي التي لا تزال تنخل عتمات * 93 شك اتغصين بحلوى عيد ميلادي انك تشكين بسكرها وزيتها وربما بعيون الحساد. ؟؟ 94 تغريد أأنت كنت تغردين في حفلة تتويجي ملاكأ أم البلابل كانت تغرد انك تمثلين على تغريدها وعلى غنائي السماوي * 95 مجرة اخرى حينما لم يجد الشمس في النهار نزع عينيه وعلقهما في اكرة الافق وطار الى السماوات وصاح : افتحي لي مجرتين كي ادفن اجنحتي فيهما * 96 ناقوس لي منك كعكة للرضاعة والكلام وناقوس سيظل يقرع من لحظة ميلادي وحتى رحيلي ورحيل كل الايام وورد السلام 97 غسيل أتظلين هكذا دائماً تنشرين اعوام ظمأي الى بئرك على حبل غسيل الذكريات 98 الفة ….. هكذا كنت اجمع ابنائي تحت قبة السماء لتحرسها عين الله * 99 سورة القمح أبنائي الذين لا زالوا يضجون بآية الرغيف تبيض اسنانهم حين تداهمهم مخالب الجوع ويرضعون اصابعهم ويأتلقون كنجوم في سنوات القمح * 100 كلام اخر حين يثرثر ذهب اللسان يتعلثم الصمت * 101 تعب ها انا انبئك بأن سنواتنا تعبت من الركض فوق الاسلاك الشائكة لحياتنا ووراء نيازك ايامنا وأود ان نتقاعد في اقرب مصح او اقرب معبد * 102 نسيان صديقتي الشجرة لقد تأخر بريدك هذا الصباح الصقي طوابع طرودك الجديدة على مظروف الغيمة وارسليه على عنوان دمعتي وعلقيه على جناح حمامة ئيل شكراً على بطاقة النسيان * 103 حبة ……… هكذا تمنيت ان اكون حبة تفاحة كي اجلس في فم المحاق * 104 جلي كنت دائماً اجلو فم المحاق من رنين دمعتي وصدأ حبة الرمان * 105 سهو كبير دائماً تأخذنا مرايانا الى تجاعيدها وتربكنا تجاعيدنا وندبات جباهنا امام نسائنا وسهو قيافاتنا * 106 أنواء قوس قزحك سرقته المذيعة لتكمل نشرة الانواء وقوس قزحي سرقه الجنرال ليلة الحرب ليكمل سفره الجغرافي وعمره التاريخي * 107 تاريخ ….. ما تزال اصابع قابلتي تنبت في سرتي كلما وضعت ابهامي عليها تذكرت ساعة ميلادي * 108 القبعة يكنس رماد ايامه بقبعته ويربك هيأة الهواء ويقلق قامة الريح ولا زال يجنح بذهب العمر 109 النفخ في العقار نعم ….. ونعم لكل هذي العقارات تنفخ في روزنامتي ويطلع من عطلة القلب أدد اشــارات: * نشرت معظم هذه النصوص في الصحف والمجلات العراقية والعربية ….. * كتبت نصوص المجموعة بين عامي 2000-2001 . صدر للشاعر: 1- سأقف في هوائه النظيف – مجموعة شعرية عام 1996. 2- قلائد افروديت – مجموعة شعرية عام 1997. 3- رباطات بغديدي ( بندّا دبغديدا)- مجموعة شعرية بالسريانية عام 1998. 4- لان غيرة بيتك اكلتني ( مطل دطننا دبيةوكٌ كم اظلليٌ)- مجموعة شعرية بالسريانية عام 2000. ***

Posted in Uncategorized | أضف تعليقا

وفيـق خنســه بيدر حـب

وفيـق خنســه

 

 

 

 

بيدر حـب

 

 

قصص

 

 

منشورات وزارة الثقافة ـ الهيئة العامة السورية للكتاب 2010

 


بيــدر حب

قضى محمد جمعة أربعين عاماً موظّفاً بسيطاً في دمشق. وطوال تلك الأعوام لم يشعر برغبة أكيدة في زيارة قريته. ومع ذلك كان يمرّ بها ليوم أو يومين كلّ صيف. وفي كل مرّة كان يزور مكان البيدر الذي اختفى منذ زمن بعيد.

عندما أحيل محمد جمعة على التقاعد قرّر الإقامة في مدينة اللاذقية. وبعد إقامته بشهور قليلة، تعوّد أن يشارك في مأتم أي متوفى في قريته. وفي كلّ مرة كان يمارس طقسه اللذيذ السري في زيارة مكان البيدر. كان في السادسة عشرة من عمره. وكانت وجيهة ديّوب في الرابعة عشرة. هو ابن شيخ القرية الوحيد. وهي ابنة مختار القرية. لم يعرف، ولم تعرف هي كيف تصادف دورهما معاً بحراسة البيدر ليلاً كاملاً. بعد أحاديث وأحاديث جاء وقت النوم. كان فراشه إلى جانب فراشها فوق سنابل القمح اليابسة. مد يده، ومدت يدها. رفع رأسها ودسّ ذراعه اليمنى تحته. رفعت رأسه ودسّت ذراعها اليسرى تحته. طوقها بيده اليسرى، وطوقته بيدها اليمنى. وذهبا في نوم دافئ لذيذ.

لم يلمسها فيما بعد. ولم تلمسه فيما بعد. سافر إلى دمشق بحثاً عن عمل، وبقيت في القرية. لم يتزوّج محمد جمعة، ولم يفكّر عميقاً بالزواج. لم تتزوّج وجيهة ديوّب ولم تفكّر جدياً بالزواج. كانا يلتقيان طوال أربعين عاماً مصادفة، يتبادلان التحيات والأسئلة الراجفة المترددة، ويمضي كل منهما في طريقه. في السبعين من عمره الآن يتوكأ محمد جمعة على عصا. وفي الثامنة والستين من عمرها الآن تتوكأ وجيهة ديوب على عصا. كان قد خرج من خيمة العزاء. لمحته من شبّاك غرفة العزاء؛ فخرجت. التقيا في منتصف المسافة. هي تتحدّث مع خالتها العجوز. وهو يتحدّث مع خاله العجوز. سلّمت عليه. وردّ عليها. ابتسمت. فابتسم. لوّحت بعصاها بلا هدف. فلوّح بعصاه بلا هدف. قالت له:

ـ هل تذكر البيدر وليلة البيدر؟

غصّ بالكلام، وحوّل نظراته عنها كي لا يبكي. وسألها بدوره:

ـ أما زلت تذكرين يا وجيهة؟ أجابته ضاحكة:

ـ وكيف لي أن أنسى يا محمد؟!

أدار ظهره، ومضى؛ فأدارت ظهرها ومضت.


ذاكرة من تعب

ها هو ذا رجل في الأربعين من عمره. يرتدي ثياباً أنيقة، وحذاء فاخراً، يقف أمام البنك المركزي في دمشق. نقل حقيبة يده السمسونايت من اليد اليمنى إلى اليسرى وهو يتأمل الساحة أمامه. حاول أن يتذكّر اسمها ففشل، وظن لبرهة أنه مرهق للغاية، فهو لا يعرف إلى أين سيذهب، ولا يعرف لماذا يقف في هذا المكان الذي يجهل اسمه. كما أنه لا يذكر اسم المدينة التي يقف في إحدى ساحاتها، والأغرب من ذلك كله أنه لا يتذكّر من هو! ولا يتذكّر حتى اسمه! قدّر في داخله أن له بيتاً، وربما أسرة، وأهلاً، وأصدقاء، ولكنه عجز أن يتذكّر أي اسم، أو أي عنوان، أو أي شيء آخر. بقي واقفاً حائراً لا يعرف ماذا يفعل، ولا إلى أين يتجه، وتمنى أن تكون حالة عابرة، وتمر. وتمسّك بأمله منتظراً أن يستعيد ذاكرته، ويتذكّر اسم المدينة، والساحة، واسمه، وأهله، وأصدقاءه. تعب من الوقوف فأخذ يتمشّى متمهِّلاً على الرصيف، منتظراً المعجزة، وفجأة سمع رنين جرس هاتف نقّال، واكتشف أن الجهاز في جيب سترته، فأخرجه ووضعه على أذنه قائلاً: من يبكي؟ لكنه لم يسمع رداً من أحد! فقدّر في نفسه أن شخصاً ما يعرفه، ويعرف أنه نسي اسمه يتصل به باكياً وراثياً لحاله! وهكذا تصرّف مع عشرات المرات التي رن فيها الهاتف، فقد كان يسأل مستغرباً، ومتعاطفاً من أعماقه: من يبكي؟ ولم يحدث أن سأل مرة واحدة: من المتكلّم؟ وأخيراً غضب من الجهاز، ومن رنينه، ومن المتصلين. ورماه أمامه على الرصيف ثم راح يضربه بكعب حذائه حتى تفتت إلى عشرات القطع! وبلا أي شعور بالندم أو الخسارة، تابع سيره… بلا هدف.


أذنان من رمل

تحركت القافلة من مركز الانطلاق في حلب. وكان صفوان الحمود قد جلس إلى النافذة في المقعد الثامن إلى اليمين. دار المعاون على الركاب وجمع البطاقات، ثم دار ووزّع عبوات صغيرة من المياه المعدنية، وبعدها وزّع قطع الكراميلا. كانت الساعة تتقدم بعد السابعة مساء، وصفوان يراقب الشاشة منتظراً أن يضع معاون السائق شريط الفيلم الذي سيعرضه خلال الرحلة، اعتدل في مقعده وراح يراقب الركاب في الجهة الثانية. كان رجلان يجلسان خلف السائق تماماً وامرأتان تجلسان وراءهما. لاحظ صفوان الحمود شيئاً يلفت الانتباه في الراكب قرب الممر فقد كانت أذناه أطول مما يجب، وبعد لحظات شاهده يحرك فكه الأسفل من اليمين إلى اليسار، ومع الحركة لاحظ أن أذنه اليمنى تتحرك وعند حركته إلى الجهة اليمنى تحركت أذنه اليسرى، وحين استقرّ في مكانه، وسكن، حرّك الراكب الجالس قرب الممر أذنيه معاً إلى الأمام والخلف. وفي اللحظة نفسها التفت إلى اليمين، والتقت نظراته مباشرة بنظرات صفوان الحمود، فابتسم له، ورفع يده اليمنى، وحرك أصابعها في تحيّة بلهاء، وبين الدهشة والارتباك والخجل هزّ صفوان رأسه معبراً عن ردّ التحية. بعد ذلك تشاغل بالنظر إلى النافذة. ولكن الفضول دفعه بإلحاح لمراقبة أذني الراكب. ومرّة ومرّة وأخرى رأى بأم عينه الأذنان تتحركان بتلقائية طبيعية كما يشاء صاحبها. وبعد أقل من ساعة لاحظ ما يشبه هوائي الراديو يصعد من طرفي الأذنين العلويين. عندئذ فرك عينه وقرر في داخله أنه مرهق. وربما كان بحاجة لزيارة عيادة نفسية، ولذلك صمم أن يستغني عن مشاهدة فيلم الرحلة، وأن ينام طوال الطريق.

حين وصلت الرحلة إلى محطتها الأخيرة في دمشق، كان صفوان الحمود أول النازلين ولكنه قبل أن يجتاز المحطة باتجاه الشارع كان ذاك الراكب قد حاذاه، وراح يحرك أذنيه إلى الوراء والخلف. ثم ابتسم لصفوان، ورفع يده اليمنى، وحرك أصابعها في تحية محايدة ولكنها بلهاء. وبين الدهشة والارتباك والخجل هز صفوان رأسه معبراً عن رد التحية. ومضى كل منهما في طريقه.

لم يكن صفوان يحمل حقيبة ولا أية أغراض، ومع ذلك قرر أن يركب سيارة أجرة صغيرة، وأن ينام في فندق “زهرة الشرق” في المرجة. فهو بطبعه خجول ومتردد، ولذلك لا يحتمل أن يستمر ضيفاً ليلياً على أصدقائه كلما زار دمشق. هذه المرة سيتجول قليلاً في شارع الصالحية، ويشرب القهوة في مقهى الروضة، وبعدها يحلها الحلاّل. غير أنه ما استطاع أن يطرد أذني الراكب من تفكيره. وحتى عندما انهمك في استحضار صورة حبيبته كانت أذنا الرجل تتحركان أمام عينيه. لقد أرهقه وضعه بعد خروجه من السجن. حاول أن يجد عملاً، أي عمل، لكنه عجز. وبعد شهور من سكنه مع والديه العجوزين بدأ الشعور بالخجل من نفسه يتضخم. حتى أنه قرر أن يرفض أي مبلغ منهما مهما كان صغيراً أو كبيراً، وشعر بمرارة لأن المعاهد الخاصة في حلب رفضت أن تعطيه أي ساعات بحجة أنها تريد أسماء لامعة ذات شهرة تجذب الطلاب. أما هو فقد ترك التعليم منذ خمسة عشر عاماً، ولا يعرفه أحد من الجيل الجديد. مرة اشتغل عاملاً في ورشة بناء لمدة أسبوع، ولكن جسمه النحيل خذله. ومرة توسط له أحد معارفه للعمل في ورشة بناء فلم يستطع الاستمرار. وها هو ذا أخيراً يقرر البحث عن فرصة عمل في دمشق، ولن يعود إلى حلب قبل أن يؤمن مصدراً لمصروفه اليومي على الأقل.

لم ينتبه صفوان لمرور الوقت، فهو لا يحمل ساعة أصلاً، وبعد أن دفع ثمن فنجان القهوة وهم بالنهوض إلى الفندق رأى ذلك الراكب نفسه يعبر أمامه، ويهز أذنيه إلى الأمام والخلف، ثم يبتسم ويرفع يده اليمنى ويحرك أصابعها في تحية ماكرة مغيظة، ويمضي بصورة طبيعية عبر الباب إلى الشارع.

في صباح اليوم التالي استيقظ صفوان على صوت نقرات خفيفة على باب غرفته، وعندما فتح رأى شخصاً أنيقاً في عقده الثالث كما قدر يقف أمام الباب، وبلا أسئلة قال له الرجل وهو يبتسم: أستاذ صفوان الحمود عليك أن تراجع الدائرة قبل الظهر، وأدار ظهره ومضى بلا إيضاحات ولا تحية. فرك صفوان عينيه واتجه إلى المغاسل وبلا عجلة، قضى حاجته وغسل وجهه وارتدى ملابسه، وخرج من الفندق باتجاه ساحة المرجة، ولأنه لا يتناول طعام الإفطار عادة فقد تابع سيره حتى مقهى الهافانا، نظر إلى الطاولات، فلم ير أحداً يعرفه، عندئذ تابع باتجاه الصالحية، وعلى مهل كان يتأمل واجهات المحلات ويدقق في القمصان الرجالية وأسعارها، وكلما صادفه بائع على الطريق كان يقف قربه لدقائق وكأنه يكتشف اكتشافاً جديراً بالاهتمام. اجتاحته موجة سرور عابرة حين تذكر وجه حبيبته “وداد”، زميلته في الجامعة، ورغم أنها تزوجت منذ ستة عشر عاماً بعيد سجنه بقليل، إلا أنه ما زال يحبها وأكثر من ذلك فإنه ليس غاضباً منها. ولقد أكد لنفسه مرات ومرات أن ما فعلته هو عين الصواب. لقد تدمرت حياته فما الفائدة من تدمير حياتها أيضاً؟!

وهو الآن يتمنى لو تحدث معجزة ويجدها جالسة على طاولة في الركن الداخلي من مقهى الروضة. ضحك من أحلامه ومن سذاجتها وهو يجتاز العتبة ويدخل إلى الصالة. كان صفوان الحمود يشعر بمتعة نادرة وهو يحتسي قهوته متوقعاً أن يدخل في أية لحظة أحد أصدقائه أو معارفه، ولأنه لا يملك ساعة يد لم ينتبه لمرور الوقت، فقد تعود في سني سجنه أن تكرّ الدقائق والساعات والأيام والشهور والسنوات متشابهة لا تستحق أن يبذل جهد في إحصائها.

وها هو ذا يستيقظ من نشوته الساذجة على صوت الرجل الذي نقر باب غرفته في فندق”زهرة الشرق” هذا الصباح: أستاذ صفوان قلت لك من قبل، عليك أن تراجع الدائرة اليوم قبل الظهر.

فهم صفوان بلا نقاش أن الوقت ليس في صالحه، فغادر المقهى على التو، ثم اتجه إلى الدائرة التي يحفظ الطريق إليها عن ظهر قلب.

عندما اجتاز صفوان البوابة الكبيرة استقبله شاب بثياب رسمية بحفاوة كبيرة، وقاده إلى صالة انتظار المدعوين، وغاب قليلاً ليعود إلى الغرفة رقم «17». وما إن دخل حتى تفاجأ بالراكب نفسه يجلس وراء طاولة فاخرة، تغطيها هواتف عديدة، وحاملة أقلام وبعض التحف والأوراق والصور، وعلى الفور رحب به واقفاً، وصافحه، ثم أشار له أن يسلم على السيدة التي وقفت لحظة عبوره عتبة الصالة، لقد كانت حبيبته وداد بشحمها ولحمها، شد يده على يدها مذهولاً، ولم يتساءل عن سبب وجودها هنا، والآن في وقت استدعائه. ولم يخطر على باله أية علاقة بين حضورها وحضوره، كان مستغرقاً بنشوة ملامسة يدها، وما كان ليهتم بأي شيء آخر في الدنيا كلها.

قال الراكب الذي كان يجلس أمس قرب الممر: لا وقت لدينا لنضيعه في المشاعر الرومانسية، أريد أن أعرض عليكماً معاً شريطاً مصوراً قصيراً، ثم كبس زراً، فانطفأت الأضواء، وظهرت شاشة على طول الجدار المقابل. وعلى الفور ظهر صفوان الحمود على مقعد في الحافلة التي أقلته من حلب إلى دمشق. رأى صفوان نفسه وهو يراقب أذني الراكب. ورأى خواطره الداخلية مكتوبة على شريط أسفل الشاشة. ثم رأى نفسه يذهب في النوم. وفجأة ظهرت وداد ولقطة بعد لقطة كان يعريها وحين ظهرت شامة على فخذها اليمنى شدت وداد ثوبها فوق ركبتها. وما إن وصل العرض إلى وركها اليسرى وظهرت الشامة الغريبة حتى أطرقت وداد، وانخرطت في بكاء صامت. صفوان الآن يخلع بلطف حمالة الثديين، فتبرز شامة ثالثة تحت حلمتها اليمنى تماماً. ويتوالى الشريط وهو يصور العاشق يلتهم بنعومة جسد حبيبته التي لم يشاهدها منذ ستة عشر عاماً. وعندما همد الجسدان تماماً أضيئت الغرفة، بينما كانت وداد ما زالت مطرقة، ومستسلمة لبكاء صامت. وبلا مقدمات قال صاحب الأذنين اللتين تحركتا أمس للخلف والأمام للسيدة وداد، كما سماها، إن مقابلتها انتهت، وإنها تستطيع مغادرة الغرفة على الفور.

دعا الراكب “صفوان” أن يجلس، وطلب له قهوة، وقدم له سيجاراً فاخراً، وأشعل له السيجار بنفسه، وابتسم له ثم رفع يده اليمنى، وحرك أصابعه دون أن يوحي له بأنه يلقي عليه التحية، ثم دار حول الطاولة وقال: يا سيد صفوان، يا أستاذ صفوان الدنيا تمشي وأنت واقف في مكانك منذ ولادتك، هل ترى هذه الأشرطة هنالك على الرف؟ إنها صور ملونة لكل دقيقة عشتها منذ أول نشاط تخريبي لك ضد النظام!

هل تريد أن ترى أحلامك وأوهامك ومعتقداتك مصورة؟ الأمر ليس صعباً كما تظن إننا نسجل كل شيء بالعدسة، نعم بالعدسة. كل شيء، كل شيء بالصوت والصورة. ولكن الحق عليك وليس علينا. كل ما تحلم به في متناول يدك إذا أردت. اليوم أخبرت السيدة “وداد” بأنك هنا في دمشق. فأعلنت عن رغبتها الجارفة في أن تراك. بالمناسبة هي مطلقة وبلا أولاد. وهي ترغب في الزواج منك من كل قلبها. أنا أحضرتها إلى هنا عمداً. لقد رأيتك أمس وعرفت  كم تعاني من وحدتك ومن حاجاتك للحب والجسد والعشق. حسناً أنت لا تريد أن تتكلم أبداً. نحن نعرف أنك لم تمارس نشاطاً سياسياً بعد خروجك من السجن، ولكنك أيضاً لم تخدم نفسك بالتعاون معنا. أصدقاؤك يثقون بك إلى أبعد الحدود، ويصفونك بالصادق الصامت الصلب، وهذا له ثمن كبير عندنا. نحن نقدر السيدة “وداد” للغاية، وعندما طلبت منا مساعدتك سألناها كيف تريد أن نساعدك، طلبت منا أن نلغي ملفك السياسي وأن نمنحك جواز سفر. وقالت إنها ستتكفل بالباقي. حسناً بدورنا ليس عندنا ضغينة ضدك؛ بل أكثر من ذلك، نحن مستعدون لنشطب ملفك بكامله، ومستعدون لأن نمنحك جواز سفر نظامياً؛ ولكن بشرط وحيد وبسيط هو أن تتزوج من السيدة “وداد”، وخير البر عاجله لك ولنا، واليوم قبل الغد؛ أنت مصر على الصمت. هل تريد أن تزورها؟ كيف؟ أنا أرتب اللقاء فوراً. توقف الراكب الذي يحرك أذنيه عن الكلام وعاد إلى كرسيه خلف الطاولة وكبس عدة أرقام على جهاز الهاتف وقال: سيدة “وداد” بعد قليل سيزورك السيد صفوان. سأرسله بسيارتي الخاصة لأنه لا يعرف العنوان، أنا أثق بك وأترك لك ما تبقى. أعاد الراكب الذي يحرك أذنيه السماعة إلى مكانها، ثم نهض ببطء، ومد يده إلى صفوان الحمود قائلاً: لقد انتهت مقابلتك، وتستطيع أن تغادر على الفور، وستجد سيارتي وسائقي بانتظارك أمام البوابة الكبيرة. وقبل أن يغلق صفوان الحمود الباب خلفه التفت إلى الوراء، فرأى ذلك الراكب يحرك أذنيه إلى الوراء والأمام ويصعد من طرفيهما العلويين ما يشبه الهوائي، فشعر أنه مرهق، وأن ما يراه ليس خداعاً بصرياً على الإطلاق.


امرأة على الدرج

كان عدنان أبو زيد يحب أن يتمشى في حارته “هيجاشي ماتشي”. وغالباً ما كان يقضي ساعات يتأمّل الحدائق اليابانية المنزلية. وفي مرات عديدة كان يدخل ليقف في دغل الخيزران الصغير في الحديقة التقليدية لمنزل قديم مجاور لمنزله. ولكنه بدأ يوسّع دائرة مشاويره بعد شهرين من وصوله إلى طوكيو، وراح يكتشف مدينة محطة “كيتشي جوجي” حياً بعد آخر. غير أنه افتقد إثارة الحديث مع الناس، وإثارة معرفة مشاكلهم، فقد كان يشعر بانقباض مبهم وهو يتفحص اللطف الطافي في وجوه الآخرين، والصمت الحذر الذي يقابلون به الأجانب.

كان عدنان أبو زيد يعتقد منذ شبابه الأول أن خلف كل وجه حكاية مريرة ما، وربما حكاية مرحة خفيفة. حتى أن جدته كانت تقول له ساخرة: أنت “بطين” لا تشبع من الحكايات. ثم تدعو له أن يشفيه الله من سحر الحكاية. وعندما كبر أقنع نفسه أن الإنسان حكاية دائمة، وأن الكرة الأرضية كلها حكاية، والمجرات، والكون، والشمس، والقمر، والشجرة، والحجر، والطير حكايات تبحث عن مستمع. وحين افتقد الحكاية الناطقة في حيه لجأ إلى المطاعم الشعبية، ومحطات القطار. كان يحلو له أن يشتري بطاقة دخول إلى محطة “كيتشي جوجي”، ويجلس على مقعد فارغ. يشرب القهوة ويراقب دخول الركاب، وخروجهم من أبواب القطار المكتظ. وفي مرات عديدة كان يدوّن بعض الحكايات التي يفترضها في حقيبة هذه السيدة، أو ذاك الطالب الذي يميّزه لباسه المدرسي الرسمي. ورغم ذلك لم يتمكن من إشباع فضوله للمزيد من الحكايات.

في الثالث عشر من كانون الثاني عام ألفين خرج عدنان من منزله في الحادية عشرة تماماً. ولأنه لن يذهب إلى عمله في يوم الإثنين هذا فقد قرر أن يتسكّع على هواه، وبلا أي تخطيط اتجه متمهلاً إلى محطة القطار، واشترى بطاقة، وعبر البوابة الآلية، وصعد الدرج ببطء. تلهّى قليلاً بمشاهدة واجهة مطعم “الرامن ” الصغير ودقق في أشكال الأطباق، وأسعارها. ثم أدار ظهره، وتابع نحو الدرج الأيسر ليصعد إلى رصيف القطار. لم يكن الصاعدون أمامه كثيرين، كالعادة في مثل هذا الوقت، ولم يكن ينتظر أن يتلصص على أفخاذ النساء تحت الأثواب القصيرة. كان يصعد الدرج فارغاً من أية رغبة محددة، وفجأة رأى سيدة تتعثّر، وتهوي إلى الخلف. وقبل أن تسقط بكل طولها على الدرج كان قد وصل إليها، واحتضنها بقوة. ولأنها كانت تهوي من الأعلى فقد انشمر ثوبها عن ساقيها تماماً، وظهر ستر عفافها الأبيض أمام الجميع. وبعد أن وقفت تماماً التقط الحقيبة، وأحاطها بذراعه اليمنى ممسكاً بها بيده اليسرى وقادها بهدوء إلى أقرب مقعد فارغ. ودون أن يقول كلمة اتجه إلى آلة المشروبات الساخنة، واشترى قهوة لها، وله. كانت السيدة الثلاثينية كما قدّر عمرها قد بدأت تستعيد سيطرتها على نفسها، فأخذت تشكره بأرفع صيغ الشكر باللغة اليابانية. تبادل الاثنان عبارات رسمية مهذّبة، والبطاقات الشخصية، وتواعدا على الاتصال. فكّر عدنان أبو زيد أكثر من مرة أن يتصل بها خلال شهر، لكنه كان يطرد المشروع بسرعة وارتباك. ما يذكره أنها شابة طويلة، يضفي عليها شعرها الأسود الطويل فتنة خاصة. وكثيراً ما استغرب أن يصادف يابانية بهذا الطول، وهذا الامتلاء الخفيف. وفي مرات عديدة كان يشعر بالغضب منها لأنها لم تتصل كما وعدت. ومع مرور الوقت كاد ينساها، غير أن شكل ساقيها العاريتين انحفر في خياله أقوى فأقوى. وزاره في أحلامه بلا انقطاع. تلك الساقان كانتا مشكلة بالنسبة له، وخاصة الفخذ اليسرى. أقنع عدنان نفسه أنها كانت مصادفة عابرة، وأن عليه أن ينساها تماماً، وأن يتجاهل عنوانها، ورقم هاتفها، وبريدها الإلكتروني، وحتى اسمها الجميل “ياما كاؤرو”.

بكّرت أزهار الكرز بالتفتح في ذلك الربيع، وبدأت تنشر فتنتها مع الأسبوع الأخير من آذار. كان يعرف أن كل ياباني سيزور حدائق أشجار الكرز التي تزهر ولا تثمر، وكان يعرف أن تلك الشجرة مغروسة في روح كل مواطن في تلك الجزر النائية. ولأنه أحبها على نحو عميق وغامض، قرر أن يقضي أوقات فراغه في النهار مستمتعاً بمنظر أزهار الكرز وهي تتقدّم يوماً بعد يوم. وبعد أن دار على الحدائق المشهورة في طوكيو كلها، اختار يوم الإثنين لزيارة حديقة مدينته “إنو كاشيرا كوإِن” وقد اختار موعد زيارته عن عمد في أوّل أيام الأسبوع حيث يكون الناس في أعمالهم، وتكون الحديقة أقل ازدحاماً. فهو يعرف أن الشباب خاصة يقصدونها في نهاية الأسبوع من كل أنحاء طوكيو. وفي الحادية عشرة صباحاً خرج من منزله، وقصد “إنو كاشيرا كوإِن”.

لم يهتم عدنان بالقوارب الصغيرة التي كانت تملأ البحيرة الاصطناعية، ولا بأسراب السمك الأحمر، أو الأزرق التي تتجمع على الشاطئ، وتحت الجسور منتظرة الطعام من الزائرين. فقد كان اهتمامه مركزاً على الأشجار العملاقة، وعلى تشكيلات أغصانها، وكثافة الأزهار التي تتفتح. اشترى علبة قهوة ساخنة، وراح يشربها ببطء وهو يتمشّى في الجهة اليمنى من الحديقة، وفجأة سمع اسمه بلكنة يابانية واضحة. التفت حواليه فلم ير أحداً يعرفه، وفي اللحظة التي أراد أن يتابع بها سيره، سمع اسمه مرة ثانية، كانت سيدة طويلة بجسمها الممتلئ قليلاً تجلس على مقعد خشبي، وبيدها كيس طعام للبط والحمام، ولقد توهّم للوهلة الأولى أنها تمثال يغطيه الحمام تماماً. وحين نهضت واتجهت نحوه جاهد في أن يتذكّرها، وفشل، ولكن باغتته بخلع نظّارتها، فصرخ بالعربية، وبلا إرادة منه: أنت؟

كانت تبتسم ابتسامة خجولة مثيرة. سلّمت عليه، وسألته إن كان قد تذكّرها، ثم شكرته مرّة أخرى للطفه في مساعدتها عندما هوت على درج محطة “كيتشي جوجي”. استغرب عدنان من أين جاءته تلك الردود المتقنة باللغة اليابانية، واستغرب أكثر الحرارة التي عبّر عنها. بقيا واقفين لدقائق سيطر فيها الارتباك والتردد، فحزم أمره ودعاها لمشروب في مطعم الحديقة الصغير.

كان عدنان يجاهد ليخفف من ضغط رغبته المجنونة في أن يرى ساقيها عاريتين وخاصة فخذها اليسرى، بغتة طلبت منه أن يغيرا المكان ودعته للذهاب إلى مطعم صيني. في محطة “ناكانو”؛ كان في داخله سعيداَ بدعوتها رغم أنه أظهر تكبراً في غير موضعه. سألته وهما في القطار: هل تعدني أن تساعدني؟ سأكون صريحة، لقد قررت منذ الصباح الباكر أن أشرب اليوم حتى الانطفاء وكنت على يقين أنني سأصادف صديقاً يساعدني إذا فقدت السيطرة على نفسي تماماً، فهل تعدني أن تساعدني؟ أكد لها بحرارة أنها تستطيع أن تعتمد عليه اليوم وفي أي يوم قادم، وأضاف: عندما تكونين حزينة، أو عندما تحتاجين إلى كتف ترتاحين عليها وتسندك؛ اتصلي بي، وسأكون إلى جانبك في أي وقت. عقّبت وهي تبتسم: اتفقنا، قضيا ساعتين في المطعم الصيني،أكلا البط والقريدس والخضار المسلوقة وشربا شراباً صينياً، كانت أحاديثهما عامة وجدية، تكلما عن الطعام الياباني والحياة في طوكيو والتعليم والأدب ولم يذكر أحد منهما حادثة درج المحطة. ولكن عدنان كان يدرك أنها تتحاشى عمداً الحديث عنها، ويدرك أن شيئاً في داخله يغلي، ورغبته تتأجج في أن يرى ساقيها عاريتين وخاصة فخذها اليسرى.

انتقلا معاً إلى محطة شينجوكو المحطة الأكثر شهرة في اليابان كلها بعد محطة طوكيو ومن مشرب إلى آخر ومن مطعم إلى آخر قضيا ست ساعات متواصلة، كان يتعمد أن يشرب قليلاً لكي يبقى متماسكاً لكي يساعدها إذا احتاجت، ولقد أدرك مبكراً أنها ستنطفئ عاجلاً أم آجلاً. كان وجهها يغادر صفرته الخفيفة ويكتسي حمرة فاقعة، وبدأت حركاتها تثقل وجملها تتعثر وتتقطع وعدنان يستغل كل فرصة سانحة ليلامس شعرها، ويمس فخذ ساقها اليسرى، غير أن بنطالها كان سوء حظ يلاحقه في اللحظات الحرجة.

طلبت منه أن يذهبا إلى حديقة فردّها بلطف لأن الدخول إلى الحدائق العامة ممنوع بعد الثامنة مساء، ولأنها خطرة في الليل على أية حال. وفجأة سألته هل ترغب في أن تقبلني؟ ابتسم وتردد في الإجابة، ودون أن تعطيه الوقت للكلام قالت: إذن قبلني. طبع قبلة خفيفة على شفتيها، واعتدل في كرسيه، وقال لها: علينا أن نمشى في زحام الشوارع المحيطة بالمحطة، أحاط كتفيها بيده اليمنى وأمسك بها باليسرى تماماً كما فعل معها على درج محطة عندما هوت، وبدورها وضعت كفها اليسرى فوق كفه والتحمت به. قالت بالإنكليزية: أنا أهرب دائماً وأنت الآن تهرب؟ أعرف أنك فكرت بي كما فكرت بك، وأعرف أنك ترغب في معرفة حكاية ساقي اليسرى. لم يقل شيئاً. نظرت في عينيه، وتابعت: منذ التقيتك وأنت تروغ عن رغبتك في الكلام، تريدني وتأبى أن تعلن، وأنا أيضاً الآن على الأقل، احتاج إليك، احتاج لأن أراك عارياً كما خلقك الله، فربما أجد ندبة عميقة في مكان ما من جسدك كالندبة العميقة التي رأيتها في فخذي اليسرى. في الحقيقة أرغب في أن أرى ثلاث ندبات على جسدك. في أماكن متفرقة تماماً كالتي على جسدي وإذا تحقق ما أريده سأسألك عمن فعل بك هذا؟ وأنت حر في أن تجيبني بصراحة أو أن تلفق لي حكاية كما تشاء.

قال لها مقاطعاً: ما رأيك أن تذهبي إلى بيتي؟ وعلى الفور ردت: بشرط أن تعدني ألا تغتصبني وألا تؤذيني. أنت وعدت أن تساعدني، اتفقنا؟ أجاب: اتفقنا.

عندما وصلا إلى البيت كانت كخيط صوف مبلل، ومع ذلك طالبت بأن يقدم لها مشروباً قوياً. غير أنه أعد قهوة، وصب فنجاناً لها وفنجاناً له، ثم شغل جهاز التدفئة، وجلس قبالتها تماماً. استأذنته بغتة أن تخلع بنطالها إن كان لا يزعجه الأمر فهي كانت معتادة أن تجلس مع صديقها بلا بنطال. استغل طلبها وسألها إن كان عندها صديق أم لا. فنفت بصورة قاطعة، وأضافت بغضب واضح: لماذا تسأل؟ أنت تعرف أنه لا يمكن أن يكون عندي صديق؟ عندئذ كانت قد خلعت بنطالها فصرخت وهي تشير إلى الندبة على فخذها اليسرى: انظر لقد رأيتها عندما هويت على درج محطة “كيتشي جوجي” أنا واثقة أنك رأيتها، كل الناس والحجارة والهواء، كل الدنيا رأت الندبة هذه. أنا واثقة. كل الدنيا رأت كم هي واسعة وعميقة وبشعة. وبعد ذلك تسألني ببرود هل عندك صديق؟ هل تريد أن أريك الندبتين الأخريين؟  قل لي: هل تريد؟ نعم، رجل لا يزال يعيش هنا كواني بآلة حادة؛ رجل مثلك أو مثل أبي أو صديقي، وقد يكون واحداً منكم.  ومع الكلمة الأخيرة كانت تبكي بكاء يخترقه أنين يقطع القلب. نهض عدنان وجلس إلى جانبها واحتضنها بهدوء مستغرباً أن رغبته قد انطفأت ولم تعد الساقان العاريتان تثيران فيه أية رغبة جنسية، حتى أنه لم ينتبه للون ستر عفافها الأبيض. مد يده ومسّد الندبة الواسعة العميقة غطاها براحة كفه، وبعد لحظات انحنى وقبلها بحرارة، ثم أمال رأس الفتاة على كتفه وأخذ يمسّد شعرها دون أن يلتفت لمرور الوقت، أحس بأنها قد  غفت تماماً فحملها إلى سريره وغطاها بهدوء، ورجع إلى الصالون. كان يشعر أنه فارغ، وأن عليه أن يلفق كما يشاء حكاية عن ندبة على فخذ امرأة فاتنة هوت على درج المحطة.


الطعنــة

ما إن رزق الشيخ حاكم الجاسم بمولود ذكر من زوجته الثانية حتى أصبح القوم ينادونه بأبي جاسم. كان الشيخ قد رزق منذ عشرين عاماً بابنه محمد، ولكن أمه كانت “عبدة” سوداء من عبيده الكثيرين. لم يكن الشيخ حاكم الجاسم يرضى بأن يتزوّج “ريحانة” زواجاً رسمياً، ومع ذلك فقد تبنى ابنه، وغمره بكل ما يستطيع من الحب. ولكنه فشل في إقناع وجهاء العشيرة بمكانة ابنه الوحيد. فقد كانوا يجاملونه في حضوره، ويسمونه بنوع من الحذر بالأمير. وكان يدرك أنهم يرفضون أن يرثه في إمارة العشيرة الكبيرة. ما انقطع الشيخ حاكم قط عن معاشرة “ريحانة” كزوجة، وقد أعطاها من ممتلكاته، وأعطاها، وأعطاها. ولم يترك ما يمكن أن يمنح لحبيبة إلا ومنحه لريحانة ماعدا الاعتراف بها زوجة شرعية.

في كل مناسبة كان زعماء العشيرة يقترحون على شيخهم الزواج من ابنة أحد رؤساء العشائر التي تملأ البادية. وكان يسوِّف، ويسوِّف، ويردّهم باحترام ولطف، ولكنهم في المرة الأخيرة، منذ عامين، صارحوه وجهاً لوجه: إنهم لن يقبلوا ابن الأمَةِ رئيساً للعشيرة، ولا بد من زواجه لإنجاب رئيس معترف به. سدّت المسالك كلها أمام الأمير الكبير، ولم يكن أمامه إلا أن يرضخ ويتزوّج “شمسة” ابنة رئيس العشيرة الأقرب نسباً لآل الضالع. وبعد عامين أنجبت مولوداً ذكراً منحه اسم “جاسم”. وعلى الفور أصبح أبا جاسم، ونسي الجميع أنه بقي عشرين عاماً “أبا محمد”!

يوماً بعد يوم أصبح محمد مهملاً حتى من أقرب أصدقائه. ولم ينفعه تدليل والده، والثناء على ذكائه وشجاعته ووسامته. لقد تيقّن بصورة لا لبس فيها أنه ابن الأمة الفاتنة “ريحانة”.

بعد شهور من الخيبة، والألم، والشعور بالمهانة، حزم محمد بن الشيخ حاكم الجاسم أمره وقرر أن يقتل واحداً من ثلاثة: أمّه، أو أباه، أو أخاه! كان قلقه الداخلي ينصب على الاختيار، فمرّة كان يرى أن أمه مسؤولة عن مصيره المرير، ومرّة أخرى كان يركّز غضبه وحقده على والده، ومرّة ثالثة كان يرى أن أخاه الجديد هو الشرّ بعينه.

كان على محمد أن يتحرر من الزلزال الذي حرمه الراحة والنوم وحتى الطعام. وكان يشعر أن المرارة تكبر في داخله، وتكبر. وأن الشعور بالإهانة تجاوز حدود السيطرة، ورغم أنه لم يتوصل إلى اختيار الضحية على نحو يروي عطشه للانتقام إلا أنه اختار أخاه محمداً، وقرر أن ينفِّذ ما عزم عليه بعد أن تذهب العشيرة في النوم العميق.

عندما دخل محمد إلى الخيمة الكبيرة ميّز فراش والده، وفراش زوجته، وابنها إلى جانبه. شدّ يده على خنجره المسموم واندفع كالصاعقة العاتية نحو أخيه، غير أنّه في اللحظة الأخيرة وجد نفسه يطعن والده بوحشية تكفي لقتل الناس جميعاً.


رجل من سعال

أدار خالد عزو مفتاح الباب خمس مرات، ثم علّقه في مكانه، وعندما انتبه لنفسه أدرك أنها المرة الأولى التي يقفل بابه بكل هذا الحرص، وأنه للمرة الأولى منذ خمسين عاماً يقف وحيداً في البيت الفسيح. لقد انتهت مراسيم التعزية ورجع أولاده إلى أماكن عملهم، وإقامتهم، في الحسكة، ودمشق، وحمص. مر أسبوع الحزن الثقيل عليه بسرعة. وكان يلوم نفسه وهو يشعر بنوع غريب من الغبطة المربكة وهو يراقب أحفاده يملؤون البيت بحركتهم، وصخبهم. وفي كل صباح كان حريصاً أن يستيقظ مبكراً، وأن يشارك في طعام الإفطار. كان يراقب ولديه وبنته وهم يتناولون طعامهم بصمت، فيتدخل بكلمات مشوشة مواسياً، وملحاً عليهم أن يتحملوا رحيل والدتهم، لأن الله أعطى، والله أخذ. أسبوع وهو منهمك في استقبال المعزين وتوديعهم صباح مساء. لكنه ما أحس بالتعب، فقد كانت الحركة التي تملأ البيت الفسيح تخفف عنه هول صدمته برحيل رفيقة عمره الفاضلة. خمسون عاماً لم يرفع صوته عليها، ولم ترفع صوتها عليه. كانا في كل يوم جديد يتعاملان وكأنهما في صبيحة يوم عرسهما. فلماذا تركته ورحلت؟ كيف لم تفكّر بأنه سيبقى وحيداً في البيت الفسيح؟ لا شك أنها كانت متيقنة من بقائه وحيداً وأنه لن يسكن مع أي من أولاده رغم إلحاحهم عليه. هي تعرفه، وتعرف طباعه. على الأقل تدرك مدى خجله من الآخرين، حتى من أقرب الناس إليه، فكيف له أن يسكن في بيت ابنه، وهو لا يكاد يعرف زوجته إلا في المناسبات الرسمية. ورغم أن صهره رجل طيب وكريم ويظهر له احتراماً خاصاً فإنه صهر على أي حال. انتبه خالد عزّو لنفسه، واستغرب وقفته الطويلة وراء الباب، فجرّ قدميه جرّاً نحو المطبخ، وأعد قهوته لأول مرة منذ خمسين عاماً. ثم حمل الصينية إلى الصالون الفسيح، وجلس وحيداً مع فنجانه، وسجائره، وصمت الليل.

كان نومه خفيفاً متقطعاً، فما إن يغفو قليلاً حتى تظهر له أم مصطفى في وضع جديد. مرة وهي في ثوب زفافها أمام المرآة تنتظر حركته. ومرة وهي تصلي. وأخرى وهي تلد ابنهما البكر مصطفى. ولكن ما أشعره بالخجل من نفسه أنه رآها أكثر من مرة وهو يمارس الحب معها عراة كما خلقهما الله. فجأة استيقظ مع شعاع الفجر على صوت سعال غريب. فلأول مرة يسمع ضجيجاً قوياً على هذا النحو، وفي هذا الوقت، وقدّر أن جاره في الطابق الأول قد أصيب بزكام حاد، نزل على قصباته فجرحها، وفجّر هذا الصوت الذي يشبه ما لا يعرف! حاول أن يغفو من جديد، وما كاد أن يضم زوجته، ويمد يده إلى مواضع فتنتها حتى انتفض على صوت سعال فظيع جاءه من الطابق الأول. نهض من سريره، وتوجه إلى المطبخ قبل أن يغسل وجهه، وأعد القهوة، ثم فعل كما فعل مساء أمس، جلس وحيداً في الصالون الفسيح مع فنجانه، وسجائره، وصمت الصباح. أكثر من مرة هم أن ينادي أم مصطفى لتستيقظ. لكن الصوت كان يقف في الحنجرة. فكّر في أن يستمع للأخبار، ولكنه ردع نفسه، واعتبر أنه من المخجل أن يفتح التلفزيون بعد أسبوع واحد من رحيل أم مصطفى. وشيئاً فشيئاً بدأ تفكيره يتشتت. ماذا سيفعل بعد القهوة؟ قرر بحزم أنه لن يخرج من البيت، فالبرّاد مليء بطعام يكفيه لنصف شهر على الأقل، كما إن علب السجائر التي اشترتها له أم مصطفى ما زالت تملأ أرض خزانة الملابس. وحين خطرت له صورة الثياب، نهض على الفور إلى غرفة النوم، وتفقّد ما تركته أم مصطفى. هالَهُ عدد الغيارات الداخلية، وتلمّسها قطعة قطعة، حتى أنه كان يشم السراويل واحداً واحداً، ويتأمل ألوانها المتعددة، وأشكالها، وكأنه يراها للمرة الأولى، ودون أن يقصد تداعت صور أم مصطفى وهي ترتديها، ثم وهو يخلعها عنها، ثم وهو يباشرها. خمسون عاماً من عمر الجسد تزاحمت في مخيلته نهراً من الشبق والالتحام والأصوات الحارقة، وحين تناول السروال الأخير من قعر الدرج أدرك أن عروسه كانت تلبسه في ليلة العرس! وما كاد أن يقربه من أنفه حتى سمع انفجار السعال الغريب يصعد من الطابق الأوّل. ارتعد خجلاً وانزعاجاً، ورتب الملابس بهدوء في أمكنتها، ثم عاد إلى الصالون.

انتبه أبو مصطفى إلى المنفضة، ولم يتفاجأ عندما عرف أنه دخّن خمس سجائر. فهو مدمن على التدخين قبل زواجه. وهو يتذكّر دائماً الخلافات الخفيفة العابرة مع زوجته حول رائحة نفَسه. مرّات كثيرة رجته ألا يقبلها في شفتيها لأن رائحة التبغ لا تحتمل. وفي أحايين لا يعرف عددها كان يقطع لقاءهما ويذهب لينام في الصالون، ولكن أم مصطفى كانت تراضيه، وتتفنن في إمتاعه فينسى الأمر، وترجع علاقتهما إلى الانسجام، والاحترام المتبادل. غير أنه لا يستطيع أن يطرد من ذاكرته تلك المشادة الجسدية الصامتة التي حدثت منذ ثلاثين عاماً. كان قد انتظر زوجته أربعة أيام لتتطهر من مرضها الشهري، وفي ذلك المساء ذهب إلى النوم مبكراً، ولحقت به أم مصطفى كالعادة. وما إن استلقت إلى جانبه حتى عرّاها بسرعة وعنف، وهي ترجوه أن يتمهل. بعدئذ انقض على شفتيها وهو يتمدد فوقها. همست في أذنه أن يبعد أنفاسه عن وجهها، فلم يرد، عاودت الرجاء، وأخبرته أنها تكاد تختنق، ولكنه ألح أكثر على أن يمص لسانها، عندئذ ضمت ساقيها، وأطبقت شفتيها، وانقلبت من تحته، فما كان منه إلا أن احتواها من الخلف، فشعر بلذة هائلة عندما ملأ ردفها حوضه. وبدلاً من أن يأتيها كما أمرت الشرائع، اخترقها من الخلف بلمح البصر. فصرخت صوتاً أيقظ الأولاد، وجعلهم يهرعون إلى غرفة نوم والديهما، ولكن صوت الأم طمأنهم من الداخل فعادوا إلى أسرتهم. بعد تلك الحادثة مرّ أسبوع من الصمت الفاتر، انتهى عندما قدّم أبو مصطفى لزوجته عقداً ثميناً هدية بلا مناسبة.

لا يعرف خالد عزو كم مر من الوقت وهم مستسلم لفيض من ذكريات الجنس، وحين انتبه شعر بالخجل، وأنّب نفسه، فلا يليق وهو مازال في الحداد أن يستحضر جسد زوجته الراحلة. ولكنه ما استطاع أن يهرب من حالته هذه لذلك ذهب إلى الحمام، وغسل وجهه عدة مرات، ثم دخل إلى المطبخ، وأعد قهوة جديدة، وحمل الصينية إلى الصالون الفسيح، وجلس وحيداً مع فنجانه، وسجائره، وصمته.

مع السيجارة الثالثة، انفجر صوت السعال من الطابق الأول، فارتعد أبو مصطفى، ونهض ففتح باب الشرفة، وأطل على الشارع، وتأمل المارة، كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة، ولأول مرة راح يراقب شرفات البيوت المجاورة. استغرب أنه يرى بعض السيدات ينشرن الملابس المغسولة، ولم يستطع أن يمنع نفسه من التلصص على السيقان العارية، فلعن الشيطان مراراً فكيف لرجل في السبعين أن يخون الجيرة، ويصطاد نظرات من نسوة غافلات وهن ينشرن ثياب العائلة. غير أنه انقاد رغماً عنه للبحث عن السراويل الداخلية المعلقة، عندئذ رجع إلى الصالون، وهو يشتم الشيطان الرجيم بصوت مسموع، ويستغفر الله العظيم.

فجأة رنّ جرس الهاتف. كانت ابنته حليمة على الطرف الآخر، لكم يحب هذه الابنة، لا لأنها تدللّه، وتكرمه، بل لأنها تشبه أمها في كل شيء، في الشكل والطباع، والصوت والمشية. وكم أسعده حديثها الطويل، وقبل أن يقفل الخط رجاها أن تزوره من حين إلى آخر حين تجد وقتاً. دبّ النشاط في خالد عزو، ونسي تداعياته الجارحة، وانصرف إلى إعداد فطوره البسيط. أكل بشهية، وشرب كأساً كبيرة من الحليب إكراماً لذكرى زوجته التي كانت تلح عليه دائماً بالحليب مع العسل. وبعد أن رتب المائدة، ونظفها قرر أن ينام قليلاً. ما إن تمدد أبو مصطفى في فراشه حتى هزه صوت السعال الحاد من الطابق الأول. لقد اخترقه كنصل، لكنه كزّ على أسنانه، ودعا لجاره بالشفاء العاجل، ثم غطى رأسه باللحاف، وأغمض عينيه. وما هي سوى لحظات حتى أقبلت زوجته عارية واندست إلى جانبه تحت الغطاء. مد يده إلى شيئه، وبجهد كبير ووقت طويل مارس العادة السرية، واستسلم بسرعة لنوم عميق.

في الخامسة تماماً أيقظه رنين جرس الهاتف. كان ابنه مصطفى على الطرف الثاني، امتد الحديث وتشعب، الابن يصر على أن يقيم والده معه، والوالد يجزم باستحالة الأمر، وأخيراً تم اتفاق مجاملة ينص على أن يزور الأب ابنه أسبوعاً كل شهر، وهكذا يتخلّص من وحدته، ووحشة الابتعاد عن أبنائه، ومن الغريب أنهما لم يقولا شيئاً عن السيدة الراحلة غير أن مصطفى رجا والده بحرارة أن يخفف التدخين كرمى لصحته، ولذكرى المرحومة الغالية.

بعد انتهاء المكالمة استغرب خالد عزو طلب ابنه، واستنكر أن تكون الأم قد خبّرت أولادها عن كراهيتها القوية لرائحة التبغ، فمن أين خطر له أن يرجو والده بكل هذا الإصرار أن يقلع عن التدخين؟ وقبل أن يهتدي أبو مصطفى إلى تعليل كان صوت السعال الحاد قد صعد إليه من الطابق الأوّل. بماذا يشبهه؟ إنه من الغرابة بحيث لم يسمع له مثيلاً في حياته، انفجار؟ أم صوت فرقعة إشكمان سيارة؟ أم خوار بقرة؟ إنه هذه الأصوات كلها. لم يعد الأمر محتملاً، لا بد من زيارة جاره، والحديث معه مباشرة بشأن هذا السعال الغريب.

رن أبو مصطفى جرس الطابق الأوّل عشرات المرات، ولكن الباب لم يفتح. فقدّر أن جاره يشعر بالخجل من سعاله، ولذلك هرب من مواجهته. فاضطر للعودة إلى البيت الفسيح الفارغ. وما إن جلس حتى انفجر الصوت نفسه. استغفر الله العظيم وأشعل سيجارة، وأخذ يتمشى في الصالون ذهاباً وإياباً، وحين لمح مرور السيدة في الطابق المقابل على الشرفة، خرج بدوره، وراح يمسح الشرفات المطلة بحثاً عن سيدة. بقي واقفاً حتى شعر بالتعب، فدخل وأحضر كرسياً، وقضى وقت الغروب كله على الشرفة يبحث عن سيقان عارية.

وما كاد أبو مصطفى يبلع اللقمة الأولى حتى انفجر صوت السعال. ارتجف جسمه ارتجافاً حاداً من الغضب والسخط على جاره، فقطع طعامه، واتجه إلى الهاتف، وضرب الرقم المطلوب، وانتظر حتى توقف الرنين في الطرف الثاني. ازداد غضب أبي مصطفى من جاره، فهو لا يرد على اتصاله. لا شك أنه عرف رقمه الذي ظهر على الكاشف. إذاً فهو يقصد إزعاجه حتماً وإلا لماذا لم يفتح له الباب؟ ولم يرد على اتصاله؟ لا بد من وسيلة لوضع حد لهذه المهزلة من أولها إلى آخرها.

كان عليه أن يستحم قبل أن ينام بعد فعلته في النهار، ولكنه قضى وقتاً مؤلماً وهو يعارك جسده كي يطيعه في ممارسة العادة السرية دون جدوى، كان جسد زوجته يملأ الحوض أمامه، كانت أوضاعهما معاً تملأ عينيه، ولكنه الآن عاجز. فقط لو لم ترحل! لماذا لم تنتظره ليذهبا معاً؟ ربما تنتظره الآن في الجنة! إنه واثق من اختيارها، ولن يختار غيرها. فمن أين سيجد حورية بجمالها؟ وإن وجد فمن أين سيجد عذوبة كعذوبتها؟ ومهارة كمهارتها؟ ووفاء كوفائها؟ فجأة اقتلعه صوت السعال الصاعد من الطابق الأول. فاجتاحته موجة غضب عارم، وارتدى ثيابه على عجل وهبط الدرج بهمة، وأخذ يدق على الباب بكلتا يديه، ولكن الباب استمر في عناده، ولم ينفتح، ولم يأت أي صوت من الداخل. اهتاج أبو مصطفى وراح يصرخ على جاره لكي يفتح، ثم تطوّر الصراخ إلى سباب مقذع، ولكن دون جدوى. عاد خالد عزو مرغماً إلى بيته، وذهب مباشرة إلى فراشه، وعلى الفور غرق في نوم عميق.

لا يعرف أبو مصطفى في أي ساعة بعد منتصف الليل هاجمه صوت السعال الصاعد من الطابق الأول، ما يعرفه أنه نهض، واتجه إلى المطبخ، وأخذ يد الهاون النحاسية، وبدأ يخبط بلا هوادة على البلاط ليعاقب جاره، ولكنه لم يسمع سوى صوت ضرباته. وعندما أنهكه الجهد، ارتمى على أقرب كرسي، وغرق مرة ثانية في نوم عميق.

اجتاز أبو مصطفى أسبوعاً من الرعب يطارده السعال الغريب وتجاهلُ الجار في الطابق الأول. جرّب أن يلجأ إلى الحدائق في النهار، أو إلى المقاهي، ولكنه ما إن يدخل بيته حتى يخترقه صوت السعال كنصل حاد. فكّر أن يتصل بأولاده ولكنه خجل من تفكيره، فكيف يبدو ضعيفاً إلى هذا الحد؟ ثم كيف يبدو وهو يتذمّر من سعال جار مريض؟ طرد الفكرة نهائياً، وقرر أن يجد حلاً بنفسه، ولو كلّفه الأمر ارتكاب جريمة.

كان الإرهاق من السهر، والعادة السرية الهاربة، وصوت السعال الفادح، قد جعل خالد عزو يستنجد بالنوم، أو الاستحمام، أو المزيد من القهوة والتدخين وبدأ يشعر أن وضعه يتدهور بسرعة، وأن عليه أن يضع حداً لهذه المهزلة الغريبة.

انتشله رنين الهاتف، وعندما رفع السماعة أنعشه صوت ابنته، فقد شعر به دافئاً صادقاً، ولذلك طلب منها أن تطيل الحديث قدر ما تستطيع، ومن طرفه بالغ في سؤالها عن الأولاد، وعن تفاصيل حياتها اليومية، ولأول مرة عن علاقتها بزوجها، وجيرانها، وأخوتها، وأخيراً وعدها بصورة قاطعة أن يزورها لمدة أسبوع عندما ينتهي من مشكلة صغيرة تافهة. بعد انتهاء المكالمة شعر بنشاط، وجوع، فأكل بصمت، ثم دخل إلى الحمام ليغسل وجهه قبل النوم، وبلا قصد حدّق في المرآة، راعه أن شعر لحيته قد طال، وتفاجأ بشكل عينيه وكأنه يراهما لأول مرة، أو كأنهما قد تغيرتا، فهو لم يعتد على هذا اللون الأحمر، ولا على هذا الانتفاخ الكبير تحت كل عين، ولا على الهالة السوداء التي تحيط بكل منهما. فقرر أن يحلق ذقنه قبل أن ينام، إذ كيف سيقابل طيف زوجته بهذا الوجه الكريه؟ فجأة دوّى سعال حاد طويل، وفجأة حدّق خالد عزو في المرآة مستغرباً ومرعوباً، وتأمّل نفسه للحظات، ثم انخرط في ضحك هستيري، يقطعه سعال هستيري، تتابع الضحك، واستمرّ السعال جنونياً، كاسحاً، متلاحقاً. اتكأ خالد عزو على المغسلة، ولكن السعال لم يهدأ، أحنى ظهره أكثر فأكثر، واستسلم لخدر انتشر في أعضائه كلها، كان الخدر يرافق السعال الحاد العاصف، تعاظما معاً، وتعاظما، حتى توقفا إلى الأبد في جسد خالد عزو (أبو مصطفى).


وقت من سيرة مقهى

حين وصل خليل السقّا إلى ساحة الشيخ ضاهر كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة بعد الظهر. توقّف قليلاً على الرصيف الغربي، وشدّ قامته، ثم نقل حقيبته الصغيرة إلى اليد اليسرى، ودون أن يهتم بضجيج الناس من حوله مشى بخطوات واسعة سريعة نحو مقهى هنانو. كان اهتمامه مركّزاً على الطاولة الصغيرة قرب النافذة الوحيدة في المقهى، طالما شعر بالضيق في مرّات كثيرة سابقة عندما كان يجدها مشغولة بزبائن آخرين. فجأة شعر خليل بالراحة وهو يضع حقيبته على الطاولة، ويسندها إلى الجدار. وعلى غير عادته شرد بنظره عبر النافذة، واستغرق في مراقبة الحديقة، والجدران المحيطة بها، وفكّر بالناس الذين يختبئون خلف النوافذ في هذا النهار التمّوزي الحار، حتى أن خياله عرض عليه صوراً لنساء عاريات في الحمّامات أو في الأسرّة الزوجية، وبدوره راح يحذف تفصيلاً من هنا، ويضيف لمسة من هناك ليستقيم الجسد ويأخذ الوضع الشكل الذي يرضي أهواءه الخاصة.

بعد شرود لذيذ طال أخرج خليل علبة سجائره، وأشعل واحدة، عندئذ انتبه إلى أن النادل لم يحضر له فنجان قهوته المرة. لقد تعوّد أن يسرع النادل به دون أن يطلبه، كما تعوّد أيضاً أن يغيّره بلا انقطاع كلّما فرغ. التفت إلى طاولة المعلّم فأدهشه منظرها الجميل النظيف وكأنه يراها للمرة الأولى، ولكنّ ما أثار دهشته أكثر أنه رأى الطاولات كلها جديدة، وحتى البراد في الزاوية الشمالية الشرقية، كان جديداً. نظر خليل إلى أرض المقهى، وصرخ في داخله: يا إلهي ما أروع هذا الرخام الأخضر! كل شيء كان لامعاً نظيفاً. ولكن ما استغربه خليل، ولم يفهمه أن المقهى كان خالياً من الزبائن، والعمال، والمعلم أيضاً. قلّب الأمر في ذهنه، فاهتدى إلى تفسير مؤقت وقال لنفسه: ربما ذهبوا جميعاً إلى الصلاة فجدار المقهى يلاصق تماماً الجدار الجنوبي لجامع العجان المعروف. هزّ رأسه بلا قصد، وتابع تمسيد كرسي خده الأيسر بسبابته اليسرى، تلك العادة التي اكتسبها فور سماعه نبأ إحالته على التقاعد.

مرّ الوقت بطيئاً ثقيلاً، ولم يأت أحد. شعر خليل بأنه محاصر، وأن الصمت الذي يلف المقهى غير مفهوم. وكحلٍّ بدا شاذاً وغريباً، نهض بسرعة، واتجه إلى المطبخ الصغير. شهق خليل بصوت مسموع عندما رأى كل شيء جديداً مرتّباً برّاقاً؛ الفناجين، الصحون، الأراكيل، المنقل، الأباريق، دلال القهوة، والمجلى.. ماذا حدث؟ لا شك أن صاحب المقهى اللطيف استجاب لطلباته المتكررة، وجدّد المقهى تمشّياً مع تطوّر الحياة، واحتراماً لزبائنه، أو ربما كان قد ملّ المستوى الشعبي للمكان وروّاده طوال ثمانية وخمسين عاماً.

أعدّ قهوته بنفسه، وتأنى في غليها على نار هادئة، وعاد إلى طاولته. دخّن سيجارة، وأخرى، وأخرى، ولم يأت أحد مما جعل خليل يعتقد أن المقهى مازال في مرحلة التجديد، وأنه لم يفتتح بعد، وربما سيقيم صاحبه (المعلّم) احتفالاً كبيراً غداً، أو بعد غد بمناسبة الافتتاح الجديد، وسيوزّع المشروبات الساخنة والباردة مجاناً على الحضور. عند فكرة المشروبات المجانية، ابتسم خليل بمزيج من الأسى والحنين الدافئ لذلك العجوز الأعرج. كان يأتي دائماً بعد الثانية ومعه رغيف خبز، يطلب كأس شاي بالدّين، أحياناً كان النادل يرفض طلبه، وأحياناً كان المعلّم يقدِّمها ضيافة مجانية. وفي مرّات قليلة كان خليل نفسه يتطوّع بثمنها. مرّة قال كبير العمال أبو فريد أن العجوز شحّاذ، يدور في الصباح على الأحياء البعيدة، ويأتي بعد الظهر زبوناً إلى المقهى.

نقّل خليل بصره من طاولة إلى أخرى، وكان يتوقّف عند كل واحدة. إنه يشعر بشوق حار لأصوات أولئك الشبان الذين كانوا يحتلون دائماً الطاولة المجاورة، ويتبادلون أقسى أنواع الشتائم والمفردات البذيئة. ولكنهم لا يتشاجرون أبداً، ولا يغضب أحد منهم. كان يرى الأمر مقززاً ومنفِّراً. ولكنه الآن قرب النافذة الغربية الوحيدة يفتقد صخبهم وسوقيّتهم. وما كاد بصر خليل يصل إلى الطاولة الأولى إلى يمين الباب حتى شعر بنوع من الأسى الثقيل، وتمنى من كل قلبه أن يرى إلى جانبها ذلك الرجل المتباهي. وحتى لو تكلم بصوته الأجش المقرف فلن يغضب منه. وحتى لو بصق على الأرض، ومسح بصاقه بحذائه لن يمتعض، ولن يرغب في التقيّؤ. وعلى العكس من ذلك كله سيشكره لأنه يقدّم الشاي مجاناً لتلك المتسوّلة العجوز التي لا تتوقف عن شتيمة أبويها لأنهما جاءا بها، ورمياها بلا مأوى، ولا مال، ولا أخ، ولا سند. وحين كانت تنفجر ببكاء متفجّع ممطوط وهي تعلن أن طبيبها قد أخبرها أن عليها غسل كليتيها مرّتين في الأسبوع بدل المرّة الواحدة.

لام خليل نفسه لأنه لم ير الوجه الكريم لذلك الزبون المتباهي. وقرر أن يعتذر منه في أوّل لقاء، وأن يدعوه إلى فنحان قهوة على طاولته قرب النافذة الغربية.

أين أولئك الزبائن هناك؟ كانوا يهبطون بضجيج وقح، ويتبادلون نكاتاً وقحة، ثم يجلسون لساعات، يثرثرون على الهواتف المحمولة، ويستعرضون النغمات المتنافرة لكل جهاز. أين ذلك المتعهد الخجول المتردد الذي كان يلازم هاتف المقهى، يرسل اتصالاً، أو يستقبل اتصالاً، يضرب موعداً مع ذاك، ويلغي آخر. يسدد فواتيره بكلمة، ويقبض آلاف الليرات بكلمة، كم كان خليل يتضايق من هذا السلوك، وكذلك من صوته، وحتى شكل أنفه المعقوف! ولكنه الآن يفتقده، ويودّ لو تنشقّ الأرض عنه، ليتناول سماعة الهاتف، ويمارس طقوسه اليومية.

تحمّل خليل الوضع كله، آملاً أن يأتيه تفسير مقنع في أي لحظة، ولكن ما لم يتحمله، وما لم يفهمه، هو أن القطة “ميلو” ـ كما كان يناديها دائماً ـ دخلت من النافذة، تحمل ولدها في فمها، وعبرت المقهى بأقصى سرعة، ولم ترد على ندائه، حتى أنها لم تلتفت إليه. ما لها “ميلو”؟! ما من مرة صادفها لم يدللها. كانت تستلقي إلى يساره على الكرسي المجاور، وكان يداعبها طويلاً، يحك لها رأسها، ويمسّد شعرها الأبيض الطويل، وفي كل مرة تقريباً كان يحضر لها قطعة طعام تحبها. لا بد أن في الأمر سراً. حتى “ميلو” غريبة هذا اليوم. ولكن لماذا يكبِّر المسألة، إنها قد تخون صاحبها لأهون الأسباب. ومع ذلك فقد كان سلوك “ميلو” بالنسبة له يتجاوز كل حدود الاحتمال.

فار غضبه ونهض بعصبية، واقفاً قبالة الجدار تماماً، وصرخ: لماذا لا تتكلّم أنت أيضاً؟ لماذا بدّلت جلدك؟ لماذا لا تحكي لي عن تاريخك الطويل؟ آه لو أفهم لغة الجدران، أو لغة الحجارة! ولكن ما الفائدة؟ بغتة تخيّل خليل أنه سمع صوتاً يخرج من الجدار. أصاخ السمع فتكرر الصوت. ما الذي يجري؟ ماذا أصابني؟ ما معنى ذلك كله؟ جاء الصوت هذه المرّة حازماً يأمره بأن يخرج من المقهى بلا مناقشة، ولا تردد. وكمن فقد السيطرة على حركاته هرول خارجاً. وما إن اجتاز العتبة حتى ملأت أنفه رائحة فظيعة لم يعرفها من قبل. وشعر بخدر ثقيل يجتاح جسمه. تقدّم خطوة إلى الأمام، وقبل أن يتم الثانية رأى الساحة أكواماً من الحطام، والحجارة، والأشياء المقلوبة المتكسّرة، وكان آخر ما رآه خليل السقّا سحابات من الدخان الأسود الكثيف!


الرغبـة الغامضة

لا يتذكّر سعيد خضور الآن كيف بدأ الأمر. ما يعرفه بوضوح أن هيفاء برهوم كانت ابنة جيرانهم، وكانت تكبره بسنة واحدة. وهيفاء فتاة كغيرها من بنات القرية، تربط شعرها في جديلة واحدة، وترتدي ثوباً طويلاً فوق سروال طويل. وتساعد أهلها في أعمال بسيطة تكبر معها كلما كبرت. وعندما بلغت الثامنة كان سعيد رفيقها المفضل في كل شيء، يلعبان معاً، وتساعده في دروس القراءة، ويذهبان إلى الحرشة القريبة للتسلية، أو قطف الأزهار، أو جمع العيدان اليابسة.

كان سعيد يشعر بغبطة مبهمة عندما تبتسم، وهيفاء لم تكن تضحك أبداً، غير أن وجهها كان يكتسي عذوبة نادرة عندما تبتسم، وترتسم عليه غمازتان تزيدانه براءة وملاحة.

سعيد خضّور لا يتذكر الآن كيف بدأ الأمر، وما يتذكّره أنه شعر فجأة برغبة حادة في أن يراها عارية تماماً كما خلقها الله. حاول في البداية أن يتلصص عليها وهي تستحم، ولكن ذلك كان مستحيلاً لأن الناس في القرية يغلقون أبوابهم بإحكام أثناء الاغتسال. وحاول مرة وهما يجلسان في تجويف صخرة عملاقة، مد يده إلى طرف ثوبها، ورفعه فصدّته بسرعة، ونهضت عائدة إلى البيت. لم يترك وسيلة خطرت في باله إلا وجربها، ولكنه فشل في تحقيق رغبته في أن يراها عارية كما خلقها الله!

انتهى العام الدراسي، نجح إلى الصف الثاني، ونجحت إلى الصف الثالث، وبقي سعيد رفيقها المفضّل في كل شيء، يلعبان معاً ويذهبان إلى حقول القمح، ويتشاركان في قطف السنابل الناضجة، وشيّها، وأكل حبوبها اللذيذة. وعندما بدأ موسم الحصاد كانا معاً في غاية السعادة وهما يراقبان الحصادين، وأكوام السنابل اليابسة على البيادر، وخاصة مراقبة صناعة المروج التي ستدرس القمح.

عندما جاء دور أهل هيفاء بالدرس، أعدوا مخزن التبن، وحضّروه لتخزين الموسم الجديد. وهم ككل أهالي القرية يهتمون بمؤونة الماشية في الشتاء، وخاصة مؤونة البقر، ولذلك كان الجميع يحرصون على نقل التبن عن البيدر في يوم التذرية بلا تأجيل أو تأخير.

مخزن التبن يكون عادة على طرف البيت، أو خلفه، وفي سطحه فتحة مدوّرة تكفي لصب الأكياس المنقولة عن البيدر. في ذلك اليوم طلبت هيفاء من سعيد أن يساعدها في تسوية كومة التبن، وعلى الفور قفز من الفوهة إلى الداخل، وقفزت بعده بلا تردد. وزّعا معاً الكومة في الزوايا، وقفزا فوقها، وتعاركا بمودّة، وهما ينتظران نقلة، فأخرى، وأخرى.

فجأة ثبّت سعيد نظراته في عينيها، ومسح ثوبها الطويل، ولمح تحته سروالها المزموم حول أعلى قدميها. وبصمت مدّ يده، ورفع الثوب إلى الأعلى، ولم تقاوم! خلعه عنها، ثم خلع سروالها الطويل، ولم تقاوم. وبدوره خلع ثوبه الطويل، وسرواله وهي صامتة مطرقة. مدّدها فوق التبن، وتمدد فوقها، ثم أغمض عينيه، وذهب في لذة غريبة مدوّخة.

ها هو ذا في السبعين من عمره يقف على قبرها الطري، ويتساءل: لماذا لم تغضب منه؟ لماذا لم تخبر والديها؟ أو والديه بمضايقاته المتكررة؟ بل لماذا كانت تبحث عنه إذا تأخّر في زيارتها؟ هل كانت ترغب في أن يراها عارية، وتراه عارياً؟ لقد كانا طفلين، كبرا معاً حتى نهاية مرحلة الدراسة الثانوية. وخلال تلك الفترة الطويلة لم يحدث أن حاول رؤيتها عارية، ولم تحاول. لم يذكر لها حادثة بيت التبن، ولم تذكّره بها. لم يتزوّج، ولم تتزوّج هيفا. وفي لقاءاتهما العابرة كان يسألها: لماذا لا تتزوجين يا هيفاء؟ فترد عليه ضاحكة: ولماذا لا تتزوّج يا سعيد؟ ولكنها غيّرت جوابها بعد الستين من عمرها، فقد صارت تمازحه قائلة: أنتظرك يا سعيد!

وها هو ذا سعيد خضور يقف وحيداً على قبرها الطري، يبكي بكاء صامتاً حارّاً، ويشعر بقوة أنه يرغب في أن يراها الآن وهي في القبر عارية تماماً، وأن يتمدد فوقها عارياً كما خلقه الله.


وكالة خاصة غير قابلة للعزل

تعوّد خليل هيفا أن تبدأ قيلولته في الساعة الثالثة، وأن تنتهي في الساعة الخامسة. كما تعوّد أن يضع ساعة المنبه مقابل سريره لكي يتأكد من دقة مواعيد عاداته. فبعد أن يتريض قليلاً في الفراش، يتجه إلى المطبخ المتواضع، ويعد قهوته. بعد ذلك يرجع إلى ما يسميه (الصالون الضيق الصغير)، ويبدأ التدخين بلا انقطاع حتى تنتهي السيجارة الخامسة مع الرشفة الأخيرة من الفنجان الثاني. وينهض خليل هيفا حالما يطفئ السيجارة الأخيرة، ليغسل وجهه ويديه فوق المغسلة الوحيدة أمام دورة المياه. كان يستمتع بهذه الطقوس اليومية، ويحافظ عليها بدقة تمنحه الشعور بالرضا والتميّز. ويذكر دائماً للقلة النادرة التي يقابلها من الناس أنه تعلّم أن يضبط حياته على هذه الصورة منذ خمسين عاماً. كما كان يذكر بدقة تاريخ التحاقه بمدرسة البدو في العشرين من أيلول عام 1955م. ويذكر كيف قابل أمير العشيرة، وأجاب على أسئلته الكثيرة، وفهم منه أسلوب الحياة التي سيحياها مع أبناء القبيلة. خمسة أعوام قضاها متنقلاً من بادية إلى بادية، ومن خيمة إلى خيمة، ولكنه كان دائماً مزهواً بالشهادة الثانوية التي حازها. ولذلك كان يروي للبدو قصة كفاحه الطويل مع الدراسة، وكيف كان يمشي عشرة كيلومترات إلى المدرسة في الصباح، ويقطعها في المساء عائداً إلى بيته. ولكن المجمرة التي مازالت تحيا في كيانه كله، والتي لم يتحدث لأحد عنها كانت شهلة! شهلة التي صادفها ذات غروب في (البوسطة). كان يجلس وحده إلى يمين السائق. فهو معلّم أبناء العشيرة، وضيفها الدائم. وكانت شهلة الجاسم تجلس خلفه تماماً. تحرّكت (البوسطة) غير مستعجلة في ظلام الرمال. وبلا قصد مدّ يده اليسرى على مداها فوق مسند المقعد الفارغ إلى يساره، ولدهشته أحس بكف تمسك بكفه. بصمت حارق أقامت كفه في كفها طوال الطريق. واليوم وبعد خمسين عاماً مازال يرتعد من الخوف وهو يتذكر تلك الحادثة. ماذا لو رأى أي راكب ما حدث؟ ماذا لو عرف أي رجل من أفراد القبيلة؟ أو أهلها؟ أو الأمير نفسه؟ وكما كان متأكداً وقتها فإنه متأكد الآن أنه ما كان باستطاعته أن يستردّ يده. وأنه كان مستعداً للموت مقابل تلك اللذة العابرة التي هبطت عليه بلا تخطيط، ولا توقّع.

استيقظ خليل من قيلولته، وكعادته دعك عينيه، ثم نظر إلى ساعة المنبه، فاجتاحه انقباض جارف عندما رأى العقارب قد اجتازت الخامسة بأكثر من عشرين دقيقة. ومع ذلك فقد تريّض قليلاً في فراشه، وبعدها نهض إلى المطبخ، وأعد قهوته، ثم رجع إلى الصالون الصغير الضيق، ومع الرشفة اللاذعة الأولى كان قد أشعل سيجارة، وعبّ منها نفساً عميقاً. ولدهشته شعر أنه يشرب القهوة وحيداً، وهو الذي شربها وحيداً خمسين عاماً. ابتسم وسخر من شعوره،وتابع قهوته وتدخينه. ولكن وجه شهلة الغالب أبى أن يبارح المشهد. إنه يراها دفعة واحدة عبر خمسة أعوام، خاصة وهي تركب الهودج في يوم عرسها. تلك الـ (شهلة) التي حرقت أعصابه بابتساماتها، وغنجها، وملامساتها العابرة، ومازالت تدوخه بعد خمسين عاماً. مرة واحدة رآها عارية تستحم في خيمتها ذات غروب نادر. ومرة واحدة ضمها، ورفع ثوبها، وتفاجأ أنها لا ترتدي سروالاً، وفي تلك المرة التي استمرت أقل من دقيقة كان قد غرز شيئه بين فخذيها، ودفق ماؤه كالصاعقة، بينما كانت شهلة تغرغر بالضحك، متعابثة، قائلة له بأنه بوّال! تلك كانت المرة الوحيدة التي احتضن فيها امرأة من لحم ودم، والمرة الوحيدة التي اكتوت فيها أصابعه بملامسة ورك ساخنة، والمرة الوحيدة التي مرّت أصابعه على فخذ مهلكة بحرارتها، ونعومتها. بعد تلك المرة أصبح سجيناً لأوهامه، وعاداته الخاصة.

مرّة ثانية دعك خليل عينيه، ولعن الشيطان، وتذكّر شقيقه فجأة. ومع نهاية الفنجان الأول بدأ يلوم نفسه، ويستسلم لحنين جارف لأبناء أخيه، وأخذت الأسئلة تتوالى كنافورة غزيرة، لماذا افتعل تلك القطيعة القاتلة مع أسرته؟ لماذا تغيّر بعد عودته من الجزيرة؟ لماذا لا يعرف زوجة أخيه؟ أو عدد أولاده؟ أو حتى اسم واحد منهم؟ لماذا هجر القرية هجراناً صارماً؟ لماذا انزوى في هذا البيت الصغير الضيق خمسين عاماً بعد عودته من الجزيرة؟ لماذا لم يخطف شهلة، ويفر بها إلى قريته في ريف الحفة؟ أسئلة وأسئلة أخرى تتوالد كنهر مجنون لا يكف عن الثرثرة، والقفز، والاندفاع.

وقف خليل واتجه إلى صندوق أوراقه الحميمة، وأخرج صورة شهلة، وغاب مع أوهامه، وعادته الخاصة دقائق. وحين أفاق من غيبوبة لذّته دعك عينيه، وأجال بصره في الصالون الصغير الضيق فوقعت نظراته على جهاز الهاتف! نظر إليه كمن يكتشف قارة، فهو منذ سنوات لم يمد يده إلى قرص أرقام جهاز الهاتف. إذاً لماذا لا يتصل بشهلة أو بأخيه؟ وقرر بلا تردد أن يبدأ من أسرته، وأن يتصل بشقيقه الوحيد. ضرب خليل ستة أرقام، وجاءه الصوت من الطرف الآخر. كانت جمل خليل في البداية مبعثرة، مشوشة، ولكنها استقامت شيئاً فشيئاً. بعدئذ استقرّت فأخذ يستفيض في الأسئلة عن صحة أولاد أخيه، وأسمائهم. ويعتذر عن خطأ القطيعة الجسيم، ثم بدأ الحديث يدخل في دفء الرحم، ورقة الأشواق والحب. وتوالى الكلام وتفرّع وتشعّب حتى امتد ساعات، وخليل يؤكد في كل مفصل على محبته لشقيقه، وأسفه العميق على مقاطعته. وذهبت به حرارة المكالمة للحديث عن تجربته في البلدية، وعن حبه الملتهب لشهلة التي لمس وركها العارية مرة واحدة، ودفق ماءه بين فخذيها مرة واحدة. ولكن المفاجأة التي صعقت خليلاً هي أن أخاه لامه على حياته في بيت صغير ضيق، لا شرفة له، ولا منافذ صحية، وبعد أخذ ورد فهم خليل أن شقيقه لا ينكر عليه ميراثه من أبيه. وأنه احتفظ له بشقة فسيحة في اللاذقية تحت رقم 8059/9 طوق البلد. وأنّ باستطاعة خليل أن يسجلها ساعة يشاء في الدوائر العقارية باسمه. وطالما كان خير البر عاجله فإن الصباح التالي خير موعد، وإن الساعة العاشرة صباحاً ستكون الموعد بين الشقيقين في مكتب الكاتب بالعدل ليكتب له وكالة خاصة غير قابلة للعزل بالشقة رقم 8059/9 طوق البلد. كان الليل قد تقدم سخياً حتى كاد ينتصف عندما انتهت المكالمة الفاصلة. شعر خليل بنشوة خاصة، وفكّر أن يخبر شهلة أنه أصبح يملك بيتاً فسيحاً في المدينة مقابل البحر. وأنها تستطيع أن تزوره متى شاءت، وإن كانت قد تطلقت فسيسعده الزواج منها، وأكد في مناجاته لها أنه مازال يستطيع أن يلمس وركها العارية، ويتحسس فخذيها الساخنتين، بل أكثر من ذلك يستطيع أن يدفق ماءه كما فعل في المرة الأولى. وحتى لو سخرت منه ووصمته بأنه بوّال فإنه لن يغضب منها، ولن يتوقف عن رفع ثوبها كلّما سمحت له الظروف.

في تلك الليلة كان نوم خليل متقطعاً خفيفاً، فقد احتلته صورتان متداخلتان شهلة والعقار 8059/9 طوق البلد. ومع شعاع الفجر الأول كان خليل في مطبخه الضيق الصغير يغلي قهوة الصباح. وعلى غير عادته كرع فنجاني قهوة بسرعة، واكتفى بتدخين سيجارة واحدة، بعدئذ حلق ذقنه بعناية، وغسل وجهه، وارتدى أجمل ثيابه. كان يفكّر أن عليه أن يبدو أمام شقيقه بهياً في أحسن صورة، ولم ينس قبل أن يخرج أن يأخذ معه هويته الشخصية ودفتر تقاعده، ودفتر خدمة العلم. وكل الوثائق الشخصية الرسمية، وبينما كان الموظفون الرسميون في أسرّتهم كان خليل في الشارع يوقف أوّل سيارة أجرة يصادفها، ويطلب من السائق أن يقلّه إلى بناية المحاكم أو الكاتب بالعدل. حين نزل من السيارة رفض السائق أن يأخذ منه الأجرة، وغادر دون أن يوضّح سبب مسامحته بخمس وعشرين ليرة سورية. مطّ خليل شفته السفلى واتجه نحو البناء. كانت بوّابة الدخول لا تزال مغلقة، والرصيف خالياً من المارة، فأخذ يتمشى صعوداً، ونزولاً أمام البنايات الصامتة. فجأة مرّ به بائع قهوة متجوّل، فاستوقفه، وطلب منه كأساً كبيرة بلا سكّر، وحين مد يده بعشر ليرات للبائع، ردّها البائع بلطف قائلاً إنها ضيافة. ثم تابع مشواره الصباحي تاركاً لخليل الدهشة والارتباك. استغرق خليل في احتساء قهوته، وتدخين سيجارة من سيجارة، وهو يتكئ إلى جذع شجرة الرصيف، ونسي كم مرّ من الوقت وهو يتخيّل شكل أخيه، ويرتب شكل عناقه له، وذهبت به الحالة فأخذ يفترض جازماً لون بدلته، وربطة عنقه، وتسريحة شعره، وحجم شاربه. كان خليل مستمتعاً بانتظاره، ومشاعره الحارة تجاه اللقاء الموعود، ولاحظ المبنى، فتذكّر أن محاكم المدينة كلها موجودة أمامه، وأن عليه أن يبدي احتراماً خاصاً للعدالة المتجسدة بكل هيبتها ورهبتها المشهودة. تنهد خليل، وبلا تفكير صعد الدرج، ودخل من الباب اليميني، ورمى نفسه على أوّل مقعد فارغ وصل إليه، وبعد دقائق جاء رجل طاعن في السن، وجلس إلى جانبه، ثم ألقى عليه تحية الصباح، وأخرج علبة دخانه، وقدّم له سيجارة، ولكن خليلاً ردها بلطف بحجة أنها ثقيلة عليه. ولكن الرجل الطاعن في السن ضحك ضحكة متدرجة مستغرباً الرد، فهو عجوز ومع ذلك يدخّن علبتين كل يوم، ثم بدأ يروي لخليل حكاية عن التدخين لم يفهم منها سوى الجملة الأخيرة (وبعد ذلك ذهبوا..)، وانخرط الرجل الطاعن بالسن في الضحك، وفجأة شعر خليل أن عليه أن يجامله، فهزّ رأسه استحساناً، وانخرط بدوره في الضحك. وبعد الانتهاء من الاحتفال بالحكاية سأله الرجل عن سبب حضوره المبكّر إلى المحكمة، فروى له خليل بحماس القصة كلها بعد أن حذف منها ما يتعلّق بشهلة. عندئذ شرح له الرجل أن الوكالة الخاصة تحتاج إلى براءة ذمة من المالية، وإلى بيان عقاري رسمي من الدوائر العقارية، وطلب من خليل أن يسأل الكاتب بالعدل نفسه ليتأكد من ذلك. عندئذ نهض، واتجه إلى مكتب الكاتب بالعدل، وتأكد من صحة كلام الرجل الطاعن في السن. وبناء على نصيحة هذا الجار اتجه إلى الدوائر العقارية.

دخل خليل إلى الطابق الأرضي وتفاجأ بالازدحام الخانق في الممرات. ولكنه تقدّم إلى أوّل مكتب صادفه، وسأل الموظف أن يعطيه بيان قيد عقاري بالمقسم 8059/9 طوق البلد. أشار عليه الموظف أن يصعد إلى الطابق الثالث، وهناك سيجد الموظف المختص. كان خليل يدفع نفسه دفعاً من درجة إلى أخرى غير مبال بالزحام، ودخان السجائر، وارتفاع الطابق الثالث، ورغم الجهد الذي عاناه فقد وصل، وسأل عن الموظف المختص، ووجده في مكتبه. شعر خليل بالرضا والسعادة، وأن كل شيء يسير كما يريد بلا مشاكل ولا معوقات. وتقدّم بثقة من الموظف، وحياه بأدب ورقة، ثم طلب منه بيان قيد عقاري بالمقسم 8059/9 طوق البلد. ارتبك الموظّف لكنه قدم لخليل كرسياً، وبعد أن استقرّ عليه سأله عن ورقة الطلب الرسمية لبيان القيد العقاري فأفهمه خليل أن لا خبرة له بالدوائر ولا بالطلبات، ورجاه أن يوفر عليه هذه الجهود التي لا يقوى عليها. عندئذ أخرج الموظف من درجه ورقة رسمية، وألصق عليها طوابع، ودون اسم خليل هيفا، ورقم العقار، ثم أحضر من الخزانة سجلاً سميكاً، وقلّب بعض صفحاته قبل أن يغلقه، وأخذ نفساً عميقاً وهو يقول لخليل: يا عمي، لا وجود لأي عقار في طوق البلد بهذا الرقم! انتفض خليل كمن لدغته أفعى، وأكد بجمل متلاحقة حانقة أن العقار موجود وأنه يخص والده، وأنه على موعد مع شقيقه ليكتب له وكالة خاصة غير قابلة للعزل بالعقار نفسه. هدّأه الموظف بلطف، وأجلسه على الكرسي، وسأله إن كان يحمل أوراقاً رسمية تثبت كلامه. ردّ خليل ردّاً قاطعاً، وأخرج من جيب سترته كل الوثائق الشخصية التي أحضرها معه. تناول الموظف الوثائق، وراح يقرؤها ببطء منقِّلاً نظرته بين الوثيقة ووجه خليل، وأخيراً فتح دفتر خدمة العلم، وتوقّف عند صفحة بعينها، صمت لحظات ثم قال لخليل: يا عم.. يا عم، ماذا أقول لك؟ وكيف أقول لك؟ يا عم لا يوجد عقار في المدينة بهذا الرقم أبداً.. أبداً.. أبداً، يا عم.. كيف أقول لك؟ ليس لك أي شقيق في هذا العالم.. ببساطة أنت لم تؤدِّ خدمة العلم لأنك وحيد، فماذا أقول أكثر من ذلك.. وكيف يمكن أن أساعدك.. يا عم!


حسـام وليلى

خرجت أسرة حسام من شقتها. نظرت الأم إلى باب الجيران وهي تستسلم لبكاء صامت. وحين تأمّل أبو حسام باب الجيران، أشاح بوجهه المحتقن كيلا يضعف أمام زوجته، وولده الوحيد. ثم هبط الدرج صامتاً متوتراً بينما كان حسام ينتظر بقلق أن ينفتح الباب، وتظهر ليلى. لقد كبرا معاً على الدرج، وفي الطريق إلى المدرسة، وفي الانتقال من صفّ إلى صفّ، حتى أصبحا الآن في الخامس الابتدائي، ومعاً كانا يحبان المطر والزيتون والمكدوس والقمر والبحر.

وها هو ذا ينتظر، ولا يجرؤ على قرع الجرس. وها هو ذا يرحل دون أن يلقي تحية الوداع على ليلى.

خرجت أسرة ليلى من شقتها. نظرت الأم إلى باب الجيران وهي تستسلم لبكاء صامت. وحين تأمّل أبو ليلى باب الجيران، أشاح بوجهه المحتقن كيلا يضعف أمام زوجته، وابنته الوحيدة. ثم هبط الدرج صامتاً متوتِّراً. بينما كانت ليلى تنتظر بقلق أن يفتح الباب، ويظهر حسام. لقد كبرا معاً على الدرج، وفي الطريق إلى المدرسة، وفي الانتقال من صفٍّ إلى صف، حتى أصبحا الآن في الخامس الابتدائي. وها هي ذي تنتظر، ولا تجرؤ على قرع الجرس. وها هي ذي تشدُّ حجابها الخفيف، وترحل دون أن تلقي تحية الوداع على حسام.

ويضيف الراوي: ما زال حسام ـ منذ خمسة وعشرين عاماً ـ يبحث عن وجه ليلى خلف كل حجاب يصادفه في الشارع. وما زالت ليلى تبحث عن وجه حسام من خلف حجابها في كل الشوارع التي تجتازها.

ويعلّق الراوي:

قد يلتقي حسام بليلى، وقد تلتقي ليلى بحسام. وقد لا يلتقيان. ولكنهما معاً كانا يحبان الرسم والموسيقى والحساب. ومعاً كانا يحبان المطر والزيتون والمكدوس والقمر والبحر. ومعاً كبرا على الدرج، وفي الطريق إلى المدرسة الابتدائية حتى فرّقتهما تلك العاصفة المجنونة.


الغـدد الصم

اهتدى عبد العليم حسون إلى بناية الأطباء في شارع الثامن من آذار، وعندما وقف على البوابة الكبيرة لفت انتباهه ازدحام الجدران الداخلية بلوحات أسماء الأطباء، ورغم أنه كان قد تعب قليلاً فقد قرر أن يصعد الدرج ماشياً حتى الطابق الثالث. حين دخل عبد العليم إلى غرفة الانتظار كان يجر خطاه جراً، فارتمى على أول كرسي وصل إليه إلى يسار الباب، وأغمض عينيه وهو يضمّ حقيبة يده إلى صدره، واستسلم لنوبة نعاس مفاجئة. صحا بعد لحظات على صوت الممرضة. سألته إن كانت زيارته الأولى فأكد لها بلطف أنه ليس مريضاً فقد جاء ليسأل الطبيب سؤالاً خاصاً فأكدت له أنه على وشك الوصول.

انتبه عبد العليم إلى أن غرفة الانتظار ضيقة للغاية، وحين عدّ الكراسي لاحظ وجود مريض وإلى جانبه شابة تفيض ملاحة وجاذبية، وعرف من خلال ردها على الهاتف بأنها ابنة المريض الأنيق. وحين رأى خاتم الزواج في بنصرها عبرته كآبة لم يفهم سببها، فأدار وجهه وهو يردد في داخله: لو كان لي ابنة لرافقتني اليوم إلى هذه العيادة، ولو كان لي زوجة، لاتصلت بابنتها لتطمئن علي..

طرد خواطره بقوة، وراح يتأمل الممرضة بهدوء.

لاحظ عبد العليم أن ما يظهر منها خلف المكتب أقصر من المعتاد، ولاحظ أيضاً أن أصابعها قصيرة إلى درجة أنه استغرب كيف تستطيع إمساك القلم. وما أجفله ودفعه إلى تعديل جلسته أن عينيها كانتا أصغر من حبتي عدس. ورغم ذلك كان وجهها أحمر، رخواً كحبة شوندر مسلوقة. وكانت تحيط بالوجه الضئيل خصلات من شعرها المصبوغ  بالأحمر الذهبي. تذكّر كمن يكتشف معجزة أنه تجاوز السبعين من عمره، وأن التحديق على هذه الصورة الفجة بالممرضة لا يليق بشيخوخته. فاطرق وهز رأسه قليلاً، ونزع نظّارته عن عينيه، وتلهّى بتنظيف العدستين، وحين أعادها إلى موضعها، وركّزها على أنفه اتجه مباشرة إلى ابنة المريض. كاد يشهق من المفاجأة! فقد رأى شعرها القصير قد طال وانسدل حتى وصل إلى ركبتها، ورأى في وجهها إشعاعاً باهراً يخطف البصر. فلم يستطع أن يركّز نظره، فأدار رأسه مرغماً باتجاه الممرضة وسألها إن كان الطبيب سيتأخر، وبدورها أكدت له أنه على وشك الوصول. لم يصدق عبد العليم حسون عينيه، فالممرضة الضئيلة تزداد ضآلة، فهو لا يكاد يراها وراء المكتب، وبدا له وجهها بحجم حبة حمّص مسلوقة، وحين ضيّق عينيه، ثبّت نظراته في عينيها بدت له مثل “قضيب الدبق”!

ضحك في داخله من هذا الخاطر الغريب. وأخذ يقارن بين “قضيب الدبق” والقضبان الأخرى التي عرفها عبر حياته. واستغرب كيف يمكن أن تستخدم أعواد “الريحان” لاصطياد العصافير الصغيرة الملونة. فمنذ ستين صيفاً زارهم إلى قريته “الجورة” صديق لوالده. وفي ذلك الصيف كان كرمهم في عز شبابه. يكتظّ بأشجار التوت، والتين، والبلوط، وكانت الدوالي تلتفّ على الجذوع والأغصان التفافاً حميماً فاتناً. يذكر الآن كم كانت عناقيد العنب في آب جميلة وهي تتدلّى معلقة في الهواء، ويذكر أيضاً ثمار التين المتنوِّعة من البحري، إلى الصفراوي، إلى العسيلي، إلى الخضيري. كان كرْماً جميلاً، لعن الله الشيطان. ولكن الحق على ذلك الضيف الأنيق. فهو الذي أحضر معه أكثر من مائة “قضيب دبق”. عيدان لا يتجاوز طولها نصف متر. مطلية بطبقة قوية من الدبق، وزّعها ذلك الرجل بخبرة بين أغصان أشجار الكرم. يومها لم يفهم الطفل عبد العليم حسّون ما كان يجري، كان يراقب بفضول وصمت. ومع ارتفاع الشمس في قبة السماء كانت أصوات العصافير العالقة تزداد قوّة وحدة.

عبد العليم حسّون لم يستطع أن ينسى حتى الآن منظر ذلك العصفور المعلّق من جناحه، وذلك المعلّق من ذيله، وغيرهما الكثير. طار صواب الطفل وانتابه حزن طاغ، وشعر بارتخاء مفاصله، وبعد دقائق حملوه من البستان لأن جسمه كلّه أصبح ساخناً كالبيضة المسلوقة.

بقي عبد الحليم يومين في غيبوبة شبه دائمة من الحمى الصاعقة، وعندما فتح عينيه ليرى بوضوح تفاجأ بأن ذلك الضيف الغريب يجلس إلى جانب والده في الجهة المقابلة. تنهّد وأدار وجهه، وعاد إلى غيبوبته.

حين شفي الطفل تماماً راح يفكّر بطريقة يحمي بها العصافير، فقاده عقله النشيط المصدوم إلى حل وحيد لا ثاني له، وهو إحراق الكرم بكامله، فانهمك سراً في جمع الحشائش والعيدان اليابسة، وخلال يومين كان قد وضع أكواماً منها في كل أنحاء الكرم، وفي ظهيرة اليوم الثالث غافل الجميع، وسرق علبة كبريت من المطبخ، وانطلق إلى الكرم، وراح يقدح عيدان الثقاب، ويشعل بها الأكوام اليابسة، لم يعرف أحد، ولم يقدّر أحد أن ذلك الطفل الوديع يمكن أن يحرق كرم والده الوحيد!

شعر عبد العليم بضيق في صدره، وأنه في هذه اللحظة يستنشق دخان الحريق، حتى أنّه شعر بدوار خفيف، وأن الهواء الذي يدخل إلى صدره لا يكفي. فنهض على عجل، ورمى الممرضة التي لم يرها بعبارات تفيد أنه سينتظر في الممر. في تلك اللحظة أحسّ بالندم لأنه جاء إلى عيادة طبيب غدد، وقدّر أنه ربما كان من الأفضل لو ذهب إلى عيادة طبيب صدرية. فقال مواسياً نفسه: يالله كلها عيادات، وكلهم أطباء!

وبعد دقائق قليلة، استعاد عبد العليم نشاطه، فأشعل سيجارة، وراح يعب دخانها بنهم لا يتناسب مع أعوامه السبعين. وما إن انتهى منها حتى أشعل أخرى، وحين أنهى الثانية أشعل الثالثة مباشرة، وراح يراقب السطوح التي يطل عليها الطابق الثالث، لم يصدّق أن الصحون التلفزيونية استطاعت خلال عام أن تغطي أسطحة البنايات تماماً، ولم يصدّق أن بيوتاً من التنك ما زالت قائمة في وسط المدينة. وحين رأى سيدة قدّر أنها في مثل سنّه تنكش في حاوية القمامة طار صوابه، وسيطر عليه حزن طاغ، وشعر بارتخاء مفاصله، وبعد دقائق كانت ملابسه قد تبللت بعرق غزير، فجرّ نفسه وارتمى على كرسي صادفه في الممر. مرّ وقت وهو يسترخي مستسلماً استسلاماً تاماً للهمود، وحين فتح عينيه رأى رجلاً يقف أمامه. يا إله الكون إنه ذلك الرجل الأنيق الغريب نفسه، أما زال حياً حتى الآن؟ كم من العصافير قد اصطاد خلال تلك السنوات الطويلة؟ كيف يمكن أن يستمر ذلك؟ بغتة رأى لهب الحريق، وشمّ رائحته من جديد، ما من حل سوى أن يحرق البناية، والمدينة، والعالم! وقبل أن يتمكّن من قدح عود الثقاب تلقتّه رصاصة في صدره الأيمن، وخرجت من ظهره تاركة حِرقين صغيرين من الأمام والخلف.


يوميات سائق تاكسي

أوقف خليل عبد الله أوّل سيارة صادفها، وأخذ مكانه ببطء إلى يمين السائق، ثم طلب منه أن ينقله إلى مقهى البستان في شارع بغداد. تردد السائق، واشتكى بصوت مسموع من الازدحام الذي لا يحتمل. وسأل خليلاً عن أي طريق يريد أن يأخذه. ورغم أنه استغرب سؤال السائق فقد أشار عليه أن يختار شارع التربية لأنه قصير ومباشر، فإن السائق لم يقتنع، واحتجّ بأن الحفريات في ساحة القطار تزيد الازدحام سوءاً. صحيح أن الطريق عبر دوار هارون طويل، ولكنه أقل إزعاجاً. استسلم خليل قائلاً: كما تريد. لكن السيارة الصغيرة انعطفت إلى اليسار، وأخذت مسارها في شارع التربية! كان رتل السيارات يمتد من أمام مديرية التربية على مد البصر، ولم يكن لأحد أن يقدّر بدقة متى يتحرّك، أو كم تحتاج السيارة لتجتاز مبنى نادي حطين. التفت السائق إلى زبونه، تأمله بدقة وحذر، ثم سأله عن عمله، ومن أين اشترى حقيبته السوداء الجميلة؟ كان خليل يرد بكلمات مبتورة غائمة، غير أن السائق اندفع بعبارات سريعة متدفقة عن حالة الشوارع، وكثرة السيارات الصغيرة، ومشاكل المرور، وسلطة الشرطة. فجأة حوّل كلامه على خليل نفسه، فأعلن أنه أحبه واحترمه لحظة رآه. وأنه في عمله يتمنى أحياناً أن يبقى الراكب معه طوال النهار، وأحياناً يودُّ أن ينزل فور صعوده إلى السيارة. جامله خليل بأن الركاب مثل السائقين بشر. منهم الطيب، ومنهم السيء. والحياة كانت دائماً تسير خليطاً من الأبيض والأسود. توتّر السائق فجأة وبدا عليه ضيق حاد، وأعلن بشكل مباشر فجّ أنه يخالف رأي زبونه الذي أحبه واحترمه لحظة رآه، وأردف: اسمع يا أستاذ أنا منذ عشر سنوات أدور في شوارع المدينة، وأعرف الناس وقصصهم، وأسرارهم. أنت تخدعك المظاهر. طيّب.. أمس ركبت معي صبية مهندمة، وما إن جلست في المقعد الخلفي حتى أخرجت هاتفها النقّال، وبدأت تتكلّم بصوت مسموع، قالت إنها أمس كانت تسهر في الميريديان، وأنها اليوم مدعوّة للعشاء في الشاطئ الأزرق. فجأة رنّ هاتفها، انفضحتْ، لم تكن تكلّم أحداً. أنا غضبت، وقلت لها: لماذا لم تقولي أمس أكلت سندويشة فلافل، أو صحن مسبّحة؟ لماذا تكذبين؟ ثم طردتها من السيارة دون أن آخذ منها أجرة. وقبل أن يعطي فرصة لخليل للتعليق تابع بعبارات سريعة متدفقة: منذ أسبوع طلع معي شاب. وما إن جلس حتى بدأ يحك جبينه، ثم أخرج شريطاً ووضعه في مسجلة السيارة دون أن يستأذنني، هل تعرف ماذا سجل على الشريط؟ يا سيدي موسيقى مسلسل الزير سالم. نعم  موسيقى مسلسل الزير سالم. حتى أنني ظننته “قرباطياً” من أحفاد “جساس بن مرة”، وإذا بصاحبنا ينفي كل توقعاتي، خمّن السبب؟ يا سيدي أخبرني أن حبيبته سافرت إلى الخليج بعد أن أهدته هذا الشريط البديع! وهو يحمله في جيبه أينما ذهب. حتى أنه رفض أن يسمح لي بتسجيل نسخة عنه، هل تصدق ذلك؟ أنا أحببت ذلك الشاب وأشفقت عليه، وسامحته بالأجرة!

كان خليل عبد الله يتشاغل بالنظر إلى رتل السيارات أمامه، وبالنظر إلى السائق، كان شاباً في نهاية العقد الثالث من عمره كما قدّر، يرتدي ثياباً أنيقة، وقد سرّح شعره بعناية لا تخطئها العين. ومما فاجأ خليلاً هو أنه كان وسيماً على نحو يلفت الانتباه. وفجأة سأله بجدية هادئة فيما إذا كان يعمل في دائرة حكومية أو سواها إضافة إلى عمله كسائق. توتّر السائق من جديد، وبدا عليه ضيق حاد، وتساءل بشكل مباشر فج: لماذا؟ كلّنا أبناء تسعة؟ وهل مهنة السائق مسبّة؟ وهل يوحي شكلي بأنني غير محترم؟ سارع خليل بالاعتذار، وأوضح أنه تصادف أن ركب مع سائقين يعملون مهندسين أو متقاعدين. حتى أنه صادف سائقين كانت رتبهم عالية في الجيش، وأكد بكل ما يستطيع من لطف وهدوء أن العمل نفسه شرف للإنسان، وأنه لا يفرّق بين سائق أو وزير، فالمهم الاستقامة والأخلاق.

عقّب السائق بصوت أقرب إلى الهمس: على كل حال أنا مسافر بعد أسبوع. معي فيزا إلى سويسرة، ولن أسوق سيارة أجرة حتى لو اضطررت لأن أشحذ على قارعة الطريق. لقد فسخت خطوبتي منذ يومين. خطيبتي كانت موظّفة. وكنت أوصلها بسيارتي هذه إلى مقرّ عملها، وأعود بها إلى منزلها في نهاية الدوام. ومنذ ثلاثة أيام فقط، اتصلت بي، وطلبت مني ألا أوصلها، لأنها ستذهب في سيارة زميلتها. يا سبحان الله ما أغرب المصادفات، في ذلك النهار بالذات، جاءني طلب دسم إلى بانياس، وبعد أن أوصلت الراكب قلت لنفسي: لماذا لا أتمشّى على شاطئ البحر؟ فمنذ سنوات وأنا أسمع عن جمال شاطئ بانياس دون أن أراه، هل تعرف يا أستاذ من صادفت هناك؟ أنا أقول لك: لقد وجدت خطيبتي الكريمة مع شاب لا أعرفه. وهل تعرف ماذا فعلت؟ فقط خلعت الخاتم، وقدمته لها، وطلبت منها أن تخبر أهلها أنها هي التي فسخت الخطوبة كيلا أسيء لها. بعد خمس سنوات من المماطلات، والحجج، والهدايا، كانت هذه هي النتيجة. على كل حال، أنا مسافر بعد أسبوع. معي فيزا إلى سويسرة، ولن أقود سيارة أجرة حتى لو اضطررت لأن أشحذ على قارعة الطريق. ماذا ينقصني آا؟ اليوم أخذتني صبية أحلى من الشهد، تقول للقمر قم لأقعد مكانك، أخذتني إلى بيتها، أخذتني، نعم إلى بيتها لقاء خمسمائة ليرة سورية، وكانت مخطوبة. وقبلها بأيام فتاة أخرى مخطوبة أيضاً، وغيرهما كثيرات، على كل حال معي فيزا إلى سويسرا. كان خليل يستمع مشدوهاً صامتاً وهو يتأمّل وجه السائق. وفجأة اجتاحه رعب غريب، ماذا لو قرّر أن يصدم عاموداً، أو سيارة، أو ماراً، أو أي شيء آخر؟ ماذا لو سحب عصا وضربه بها؟ ماذا لو أخرج مسدساً وأطلق الرصاص عليه؟ كان وجه السائق يفور بالغضب والاحمرار. وكانت عيناه تبدوان فارغتين، وجسمه يرتجف ارتجافاً عنيفاً مخيفاً، بينما كانت السيارة محاصرة بسيل من السيارات في سوق الخضرة. شعر خليل بأنه عاجز تماماً، ومع ذلك فقد استجمع ما تبقّى من قواه المنهارة، وقال للسائق: أنا كاتب، وأنوي أن أكتب مسلسلاً يصوِّر يوميات سائق تاكسي. وسأعرض فيه مشاكل عديدة تواجهونها أنت وزملاؤك. وقبل أن ينهي جملته الأخيرة كان السائق قد اجتاز الإشارة، ودخل في ساحة أوغاريت بسرعة هائلة، واتجه نحو فتاة تحمل حقيبة رمادية بيدها اليمنى، ومن الغريب أن الكاتب خليل عبد الله رأى خاتم خطبة في بنصرها اليمنى قبل أن تصدمها التاكسي.


أرجوحة الانتظـار

كان اليوم الثلاثاء، والشهر تشرين الثاني، والمدينة اللاذقية.

استيقظ سليم هيفا في السادسة تماماً، وعلى غير عادته أسرع في إعداد قهوته الصباحية، وفي احتسائها، وفي تدخين لفائف التبغ الخمس، ثم توجّه إلى الحمّام، وحلق شعر لحيته، وغسل وجهه، وارتدى ملابسه التي رتّبها مساء يوم الإثنين من شهر تشرين الثاني في مدينة اللاذقية.

كان يمرّ على غرفة ابنه مضر التي تتوسّط غرفتي الأب والأم. وفي كل مرة كان ينظر فيها إلى عقارب ساعته، ويقول لنفسه: مازال الوقت مبِّكراً، يمكنه أن ينام حتى السابعة والنصف، فموعدنا مع رئيس اللجنة بين الثامنة والنصف والتاسعة إلا ربعاً.

كان مضر متوتِّراً حين نهض من فراشه في الساعة السابعة والنصف، وحين توجّه إلى الحمام، وحين غسل وجهه، واحتسى كأساً كبيرة من الموز بالحليب أعدّته والدته على عجل، ولقد تبادل جملاً مبتورة مع والده، كرّر خلالها الأب أنه متأكّد من أن صديقه اتصل برئيس اللجنة، وأن ذلك الرئيس شدّد على معرفته باسم المربي القدير سليم هيفا، بل ذكر أنه قرأ بعضاً من كتبه في التربية، وأنه سعيد باستقباله غداً، وإنه لن يتركه ينتظر دقيقة واحدة.

كما أكّد رئيس اللجنة بأنه سينادي على اسمه بين الثامنة والنصف، والتاسعة إلا ربعاً.

رضخ فجر بامتعاض لتأكيدات والده، ورافقه في سيارة أجرة إلى مقرّ اللجنة جنوب المشفى الوطني. وصلا في الساعة الثامنة وعشرين دقيقة تماماً، وعلى الفور سلّما إضبارة إحالة شعبة تجنيد جبلة، وكل الفحوصات الطبية للدم، والكليتين، ومعايرة خميرة الفولين (G6PD). كان الشاب الذي استلم الإضبارة يحتلّ مدخل الباب إلى مقرّ اللجنة. ربما كان عسكرياً عاديّاً، ولكن سليم هيفا لم يستطع تحديد رتبته لأنه كان يرتدي ثياباً مدنية. كما إنه كان يبدو يافعاً، مرحاً، رغم أنه لا يوحي بأي شكل من أشكال الثقة. وشيئاً فشيئاً اكتظّ الشارع المقابل لباب مقرّ اللجنة بالشباب، وبين حين وآخر كانت تصل سيّارة فارهة لتأخذ مكانها على الرصيف، وليدخل صاحبها أو سائقها مع حقيبته إلى الداخل. وكان المشهد كلّه يتكامل بصمت وجدّية مصطنعة ووقار زائف.

وفي التاسعة تماماً فتح الباب على مصراعيه، وتدفّق الشباب إلى الباحة الداخلية الضيقة، وعن عمد عدّ سليم هيفا الشباب مستثنياً مرافقيهم حتى تجاوز العد مائة، عندئذ أحسّ بالقرف، وتوقّف عن العد، وانصرف لمراقبة أشكال الموجودين، ثم لمراقبة البناء، فرأى فجأة سيّدة تتكئ على شباك الطابق الثاني، وتقضم سندويشة، وبعد لحظات لمحته، فأدارت ظهرها واختفت. شعر سليم هيفا بالإهانة، ولكنه لم يستطع أن يحسم في سبب اختفائها، فقدر أنها خجلت من أكل رغيفها عارياً من أية إضافات، وخجل من نفسه عندما فكّر أنها قد تكون اعتبرته يتلصص عليها، ويتحرّش بها. ولكي يخرج من اضطرابه راح يراقب أغصان شجرة التين التي اجتازت الجدار، وتدلت على الساحة التي تغص بالشباب المنتظرين. ما لفت انتباه سليم هيفا ذلك الشاب الذي ادعى أنه جاء من صافيتا، أي من مسافة تزيد على مائة كيلومتر، وأن اللجنة أجّلته من الثلاثاء الماضي إلى اليوم، بعدئذ رفع الشاب صورة شعاعية، وقال لمن حوله ضاحكاً: انظروا هذه العظمة الزائدة ستمنّ عليّ بخدمة ثابتة. وقبل أن يعيدها إلى المصنف كان قد سأل أكثر من واحد عن اسمه، واسم قريته، ومنطقته. وخلال أقل من ربع ساعة كان قد تبادل الحديث مع أكثر من عشرين شاباً. وأخيراً توجّه إلى الزاوية وجلس على كرسي مكسور، وبدأ يطرح الأسئلة، والأحاجي، والنكات على الذين تحلّقوا حوله، حتى أن سليم نفسه دخل معه في ممازحات، وفي حلّ الألغاز، وفي التعليق على الزحام واللجنة والواسطة. فجأة سأل ذلك الشاب أحدهم:

ـ ماذا سقط عليك؟  والغريب ان الرجل أجاب بجدية:

ـ خيمة قرميد.

ـ ولم تمت؟

ـ لا، لماذا تستغرب؟ أمس احترقت سيارة في قريتنا، مات واحد ونجا آخر.

عندئذ التفت الشاب إلى شخص يجلس بجواره وسأله:

ـ وأنت كيف ستعفيك اللجنة؟   ردّ عليه:

ـ أنا ضربتني سيارة، وعلى إثر ذلك أجروا لي عشر عمليات جراحية في وجهي، ولكن الأهم من ذلك أن تحزر هذه الحزّورة: أجروا دراسة على جينات فيل كان وزنه ثلاثة أطنان، فأعطوه دواء فأصبح وزنه أربعة أطنان، ثم وضعوا عقداً في عنقه فأصبح وزنه خمسة أطنان، بعدئذ وضعوه في حفرة عمقها عشرون متراً، وأنت معك حبل طوله عشرة أمتار فقط، فكيف ستستطيع إخراج ذلك الفيل من تلك الحفرة؟

علا اللغط بين المجموعة، وتطايرت التعليقات، والنكات، وبعض الكلمات الجارحة، ولكن سليم هيفا لم يتدخّل، ولم يعلّق بكلمة فقد أخذ توتره خطاً صاعداً، وازداد شعوره بالارتباك والغضب حين قال ابنه مضر:

ـ يبدو أن صديقك لم يتصل برئيس اللجنة، وحتى إذا كان قد اتصل فيبدو أنك لست على باله لا أنت، ولا صديقك. كانت الساعة وقتئذ قد اجتازت العاشرة. وكان سليم هيفا قد بدأ يشعر بوخز الألم في منطقة “فتاقه” الأيسر، ولذلك سارع إلى كرسي فارغ بجانبه وجلس عليه، واكتفى بمراقبة الحشد، وسماع الأصوات المتناثرة هنا، وهناك.

لاحظ سليم أن بعضهم كان يدخل بلا دور، كما لاحظ أن الأسماء المعلنة للدخول كانت ما زالت لشبان أجّلتهم اللجنة من الأسبوع الماضي. فكّر أن يطلب من الحارس أو الشرطي العسكري تبليغ رئيس اللجنة بوجوده، ولكنه رفض الخاطر على الفور، وشعر بالإهانة والمرارة. هو المربي الذي قضى ثلاثين عاماً أمام السبورة، يهاجم الواسطة، وأصلها، وفصلها، وأشكالها، وألوانها، ينهار الآن بعد ثلاث ساعات من الانتظار؟ هو الكاتب الذي أصدر عشرين كتاباً في التربية، والموقف، والواجبات، يلجأ إلى توصية لكي يسرِّعوا دوره؟ لا، ليس سليم هيفا من يفعل ذلك! ولكن ابنه فجر أمامه.. إنه يقرأ داخله، ويخيّل إليه أنه يسخر منه عميقاً، ويسخر من صديقه لأنه يوقن بأن الفساد هو أساس كل شيء. كبت سليم عجزه، وغضبه، واكتفى بعبارات التطمين الفارغة التي كان يصبها في أذني ابنه بين فترة وأخرى. بغتة لاحظ الكاتب المربي أن العدد يتضاءل، وأن الآخرين ينصرفون في عجالة. وحين التفت إلى ساعته اندهش لأنها كانت قد تجاوزت الثانية بعد الظهر. وتأكّد أن اللجنة قد أنهت عملها لهذا اليوم، فهبّ واقفاً عن كرسيّه، وتوجّه بخطوات واسعة سريعة نحو البوّاب. وما إن وصل حتى قال له بعبارات لاهثة سريعة:

ـ اسمح يا بني، أنا لا أريد واسطة، عمري ما لجأت إلى الواسطة، ولكن من فضلك قل للسيّد العميد جهاد حنيفة رئيس اللجنة أن سليم هيفا ينتظره منذ الساعة الثامنة والنصف هنا أمام هذا الباب.

ارتسمت علامات الدهشة على وجه الحاجب، وتلعثم قليلاً، ثم سأل سليم هيفا عن أي عميد يتحدّث، وعن أي جهاد حنيفة؟ فهو منذ ستة أشهر يعمل حاجباً على الباب نفسه، ولكنه لم يسمع عن طبيب بهذا الاسم شارك بأعمال اللجنة! وتحت إلحاح سليم أخرج الرجل قائمة بأسماء أعضاء اللجنة وفرده أمامه.

قرأ سليم هيفا الورقة المفرودة أمامه، ونظر حواليه. كان وحيداً أمام الباب، لا أحد في الساحة، ولا امرأة في الشرفة، حتى ابنه فجر لم يكن موجوداً. عندئذ استدار ببطء، وخطا نحو البوابة الخارجية، وهو يقول لنفسه:

ـ ولكن صديقي أكّد لي أن العميد جهاد حنيفة، سينادي عليَّ بين الثامنة والنصف، والتاسعة إلا ربعاً.


حديقة زكي الأرسوزي

كان أحمد عابدين أمام مبنى أمانة العاصمة بدمشق عندما رأى زكي الأرسوزي على الرصيف المقابل، فشعر بغبطة مفاجئة، فالإنسان مازال حيا يرزق، ومازال بشيخوخته المبكرة يبدو وسيماً، حتى أنه شعر أن “الشابو” الذي يلبسه الأستاذ على رأسه يضفي عليه وقاراً فكرياً نادراً. أسرع أحمد عابدين باجتياز الشارع ولحق بزكي الأرسوزي، وتابع باتجاه مقهى “الهافانا” حيث تعود الأستاذ أن يجلس في حلقة محبيه، والمعجبين بشخصيته. وعندما وصل لم يجده هناك، فسأل النادل عنه بعبارات متلاحقة خائبة. ولكنّ النادل هز كتفيه، ولم يردّ بكلمة واحدة.

تصاعد غضب مفاجئ في كيان أحمد عابدين، فاتجه إلى طاولة مدير المقهى، وكرر عليه السؤال عن زكي الأرسوزي. دعاه ذلك الأربعيني للجلوس، وشرح له بهدوء أن الأرسوزي لم يحضر اليوم إلى المقهى، وأنه لن يحضر أبداً، أما إذا أراد أن يقابله فما عليه إلا أن يذهب إلى حديقة المزرعة، وهناك سيجده وحيداً يجلس على منصة عالية، ويبشر بأفكاره، ونظرياته.

غادر أحمد عابدين المقهى عدواً، حتى وصل إلى الباب الجنوبي لحديقة المزرعة، وكان أول ما شاهده حجر رخام مثبت إلى يسار البوابة، كتب عليه بالأسود:

«زكي الأرسوزي: مفكر وفيلسوف ومناضل، ولد عام 1900م، من مؤسسي عصبة العمل القومي، أصدر جريدة العروبة في أنطاكية، كان ضد فصل لواء الاسكندرون، توفي عام 1968م». مرة ثانية شعر أحمد عابدين بالغضب على الكاتب، وتساءل بمرارة عن كتابة همزة “الاسكندرون” هل هي تحت الألف، أم فوقه، وقرر أن يستفسر من الأستاذ نفسه عندما يقابله بعد قليل. بلا جهد وجد زكي الأرسوزي يجلس فعلاً على منصة، يدير ظهره لوزارة المالية، ورئاسة مجلس الوزراء، ويتجه نحو الشمال. ولكن المفاجأة أن الأستاذ لم يرد عليه تحية الضيف. كان يمد يده اليسرى بصورة متخشبة، وكذلك اليمنى. وكان يلبس حذاء أشبه بالبوط، برباطات بارزة كريهة. لم يصدق أحمد عابدين أن الشخص الذي يقابله هو زكي الأرسوزي، فهو يعرفه شخصاً قريباً إلى القلب، بأناقته، وابتسامته الدافئة، ورقيِّهِ في الحديث والمعاملة. قال في نفسه لابد أن الشخص الذي يجلس على هذا النحو ليس زكي الأرسوزي، وربما كان شخصاً ينتحل شكله ليسيء إلى سمعته، وعندما اقترب أكثر، ليدقق في الملامح البلهاء، قرأ على المنصة العبارات التالية:

” زكي الأرسوزي

أنطاكية – دمشق

1319 – 1388هـ

1901 – 1968م”

عندئذ حدث أحمد عابدين نفسه بكآبة، كيف يمكن أن يصغر زكي الأرسوزي سنة كاملة عبر عشرة أمتار؟ هذا يعني أنني صغرت عاماً كاملاً أيضاً؟ ثم لماذا لم يشر الكاتب على حجر الرخام بكلمة واحدة عن حياة زكي الأرسوزي منذ عام 1939 وحتى 1968م؟ ورغم فيض الأسئلة التي لم تعثر على جواب قرر أحمد عابدين أن يقابل زكي الأرسوزي نفسه، ليضع النقاط على الحروف العارية. وقبل أن يخرج من الحديقة سأل أحد المارة عن اتجاه باب الحديقة، فأفاده أنه غرب شرق، ولأن اللعبة أعجبته سأل عاملاً كان يجمع أوراق الأشجار التي بعثرها هواء الخريف فأخبره بإسهاب عن انحراف الشمس، ولم يؤكد أي جهة، وهكذا دخل أحمد عابدين في تسلية دامت أكثر من ثلاثين دقيقة، يسأل كل عابر سبيل عن الجهات الأربع، ويستمع إلى إجابات متناقضة من شخص إلى آخر.

خمّن أحمد عابدين أن زكي الأرسوزي يجلس في مكتبة، ولاشك أنه ينقب في أصول الأفعال العربية، وجذورها،وأصواتها، ومعانيها. وعلى الفور توجه إلى المكتبة في أول شارع “مرشد خاطر”. وبعد أقل من دقيقتين كان يقف أمام الحارس، قرب البوابة الرئيسية. وبعد التحية والسؤال أفهمه الحارس أن الدخول ممنوع، وأن عليه أن يقدم طلباً رسمياً لرؤية أي شخص في الداخل، أسرع أحمد عابدين، وكتب طلباً، ولصق عليه طابعاً بعشر ليرات سورية، وسلمه لرئيس مكتب الاستقبال. وبعد مكالمات عدة بالهاتف أفهمه الموظف أن دخوله الآن مستحيل، لأسباب إدارية. والأفضل أن يعود بعد نصف ساعة.

رضخ أحمد عابدين، وقضى الدقائق الثلاثين وهو يلتهم فطائر الزعتر، والمحمرة والجبنة من الفرن القريب من وزارة المالية، بعدها تمشى على الرصيف وهو يدخن حتى وصل إلى مدخل البنك المركزي السوري، فعاد على الرصيف نفسه إلى المكتبة في أول شارع “مرشد الخاطر”.

عندما أراد أحمد عابدين أن يجتاز الشارع كان سيل السيارات يتدفق من الشرق بسرعة جنونية، وفجأة انشدت أعصابه، وتوتر وهو يراقب شاباً في العشرين من عمره يعبر أمامه، وحين وصل ذلك الشاب إلى منتصف الشارع، وسط سيل السيارات، توقف لحظات، وانعطف عائداً، حتى حاذى أحمد عابدين فحياه برقة، وقال له: إياك أن تخبرهم بأنك تعرفني، ثم تابع سيره السريع باتجاه البنك المركزي. ورغم أنه لم يكن يشبه زكي الأرسوزي بشيء. غير أن جملته الطائشة حفزت قلقاً ملحاً في أعماق أحمد عابدين. فلقد تصور أن يكون الأستاذ في خطر، وقد يكون معتقلاً، وليس في المكتبة كما توهم، وربما لهذا السبب منعوه من الدخول، ليتشاوروا في تلفيق إجابة مدروسة ومحددة.

لا يعرف أحمد عابدين كم بقي واقفاً في مكانه يناقش المسألة، ولكن ما يعرفه أنه قرر صرف النظر عن مقابلة الأستاذ في هذا اليوم، وأن يعود إلى بيته ريثما يهتدي لطريقة سليمة للقاء بزكي الأرسوزي.

قضى أحمد عابدين نهاره متسكعاً بين “الصالحية”، و”الحمراء”، و”أبو رمانة”. دون أن يأكل شيئاً، أو يشرب شيئاً. وكان يشعل السيجارة من السيجارة  وهو يفكّر برؤيته لزكي الأرسوزي، واختفائه، وحجر الرخام، والرجل المزيف الذي يجلس على منصة في حديقة المزرعة. وبعد أن هده الإرهاق، والجوع، والعطش. اتجه إلى بيته في الروضة، مقابل وزارة الثقافة، حين أدار المفتاح بالباب، انفتح من قبل أحد ما في الداخل، وللمفاجئة الصاعقة كان زكي الأرسوزي يقف وجهاً لوجه أمام أحمد عابدين.

صرخ أحمد: أنت هنا يا أستاذ؟! كدت أموت من الخوف عليك.

ربتّ الأستاذ على كتف أحمد وأدخله إلى غرفة نومه، وطمأنه، ثم نصحه أن ينام جيداً على أن يلتقيا غداً في مقهى الهافانا. وقبل أن يخرج أضاف الأستاذ: بالمناسبة يا أحمد لماذا قدمت طلباً لمقابلتي في المكتبة؟ خذ هذا طلبك، لقد رفضه مكتب الأمن لأسباب أمنية لا أعرفها. وطلبوا مني أن أنبهك على أن تصرفات من هذا النوع يعاقب عليها القانون. وقبل أن يردّ أحمد عابدين بكلمة، كان باب الشقة قد صفق بقوة، وسمع وقع خطوات صاخبة على الدرج.


ضباب حول مقبرة

حين أعاد صافي محفوض سماعة الهاتف إلى مكانها شعر بالارتباك. ولام نفسه على برودته في الحديث مع زميله القديم ثائر زنداقي. وفكر للحظات أن يتصل به ليخبره أنه جاهز لملاقاته على الفور، وأنه سيلغي عادة النوم بعد الظهر التي أدمنها منذ ثلاثين سنة. وكعادته اكتفى بهذا القدر من اللوم والمحاسبة، واتجه إلى سريره. كان صافي محفوض يجد نفسه في اللحظات الأخيرة التي تسبق الإغفاءة. ودائماً كان يؤجل حل مشكلاته إلى تلك اللحظات نفسها، وكثيراً ما قال لأصحابه ومعارفه، أنه موجود في البرزخ بين اليقظة والنوم. وفي هذا اليوم بالذات، من شهر تشرين الأول يجد نفسه في أمس الحاجة لفك لغز اتصال زميله ثائر زنداقي. هو يذكر بوضوح أنهما درسا معاً في الصف نفسه، وفي المقعد نفسه في ثانوية أحمد مريود بالقنيطرة، وبسهولة يحدد الصفين الثاني والثالث الثانوي من عامي 1963 و1964 وبعد ذلك التاريخ لم يلتقيا أبداً. صافي محفوض لا يستطيع أن يجد أي جواب لاتصال ذلك الزميل الذي غادره منذ ثلاثين عاماً. ومما أثار حيرته أكثر أن كاشف الهاتف أظهر رقماً من مدينته نفسها. وهذا يعني أنهما معاً يسكنان في حيز جغرافي واحد، فلماذا لم يحاول ثائر زنداقي الاتصال به من قبل؟ هو يعرف أن عادات من هذا النوع تحصل في بلدان متقدمة كاليابان مثلاً، فكثيراً ما قرأ إعلانات في صحف محلية هناك عن دعوة لتلاميذ الصف الثالث الابتدائي في مدرسة كذا عام 1961 مثلاً لكي يجتمعوا في ذلك المطعم في طوكيو. أما أن يتصل به زميل غادره منذ ثلاثين عاماً فإن المسألة تحتاج إلى أكثر من سؤال، وأكثر من إجابة.

حين هبط صافي محفوض درج البناية التي يسكنها شاهد من شباك الدرج سيارة تنتظر أمام المدخل، وما إن خرج من الباب الحديدي الكبير حتى وجد نفسه يعانق زميله القديم ثائر زنداقي. ركب إلى جانبه، وتحركت السيارة. قال له ثائر إنه يريد أن يأخذه في مشوار لمدة ساعة، وعندما استفسر متلعثماً عن السبب، أضاف الزميل أنه رآه في منامه مرتين في يومين متتاليين.

ساد صمت ثقيل طوال نصف ساعة، قطعه تعليق صافي محفوض: هل لاحظت يا أستاذ ثائر أنني معك منذ نصف ساعة. ولم أسألك إلى أين سنذهب. رد صديقه بمرح: أنا مسرور للغاية لأنك لم تسأل. كانت السيارة قد اجتازت جسر جبلة باتجاه بانياس حين قال صافي: انتبه يا ثائر. لست عاقلاً فقط، بل أنا ذكي أيضاً أنت تأخذني إلى قريتك.

ابتسم ثائر، وأكد استنتاج زميله منذ ثلاثين عاماً. القرية مزرعة صغيرة معلقة على قمة تلة تشبه الجبل، وعلى مدخلها قرأ صافي محفوض اسمها مكتوباً بوضوح على شاخصة حديدية: “شير الغرام” خجل من نفسه لأنه لم يكن يعرف بوجود قرية أو مزرعة في محافظة اللاذقية بهذا الاسم. وكتم خجله في داخله، وهو يغالب صمته، وينتظر كلاماً من زميله الذي بدا مرتبكاً ومنهمكاً بقيادة سيارته المتواضعة عبر منعطفات حادة ملتوية بشكل مخيف. وأخيراً توقفت السيارة قرب سنديانة عملاقة. وعلى مسافة أمتار رأى صافي محفوض بيتاً صغيراً تكسو جدرانه حصى صغيرة بنية. وأمامه شرفة لا تتجاوز مساحتها عشرة أمتار مربعة، ولكن سنديانة أخرى عملاقة كانت تمد أغصانها لتغطي البناء بكامله. كلاهما كان مرتبكاً، وصامتاً. وما إن وصلا، حتى افتعل صافي أسئلة عن مساحة البيت والشرفة والأشجار. وكان رد ثائر قاطعاً لا يفسح مجالاً للتأويل والاجتهاد. فهو قد حافظ على البيت كما تركه له والده تماماً، وأن كل مافعله أنه زينه بنفسه بتلك الحصى البنية، حصوة، حصوة. كانت السهرة متواضعة. انضاف إليها السيد أبو أسد، صديق والد ثائر كما تبين عبر أحاديث متعرجة ومبعثرة. ومع كل اللحوم المشوية التي ملأت الطاولة لم يستطع صافي أن يكتشف معنى هذه الدعوة، ولا إلى أين سينتهي به هذا الليل الغامض. ما حرك داخله بقوة ومتعة هو أنه استمع بلا تخطيط إلى نصوص شعرية عالية لصديقه القديم. ولقد عبر بانفعال عن إعجابه الشديد بما يسمعه، حتى أنه لام صاحبه لأنه لم ينشر نصوصه في وسائل الإعلام ولم يطبعها في كتاب. في طريق العودة تدفق ثائر زنداقي بالكلام. قال كثيراً هنا، وهناك عن العمل، والمال، والملكية، والأدب. كان كنهر يصر على أن يحفر مجراه لأول مرة أمام صديقه. وفجأة انتقل للحديث عن والده. وسأل صديقه، هل تعلم أن والدي توفي بحادث سيارة في اليوم نفسه الذي توفي فيه والدك بالسكتة القلبية؟ ودون أن ينتظر جواباً: نعم كنت في الصف الثاني الإعدادي. رحل في الأول من تشرين الثاني. وفي كل عام أنتظر رحيلي في اليوم نفسه. وأنت أيضاً تؤمن أنك مهدد بالموت في الموعد نفسه. لا تقل لي إنك لا تخاف من الموت؟ لقد رأيتك في منامي ليلتين متتاليتين، وعرفت كم أنت مرعوب من تاريخ وفاة والدك. أنا أعرف الفرق بينهما. والدي كان غريباً لا يعرف ماذا يريد، ولذلك درس الأدب العربي وتخرج في الجامعة، ثم درس الأدب الإنكليزي، ثم الحقوق، ثم انتسب إلى كلية الفلسفة، ولكنه رحل قبل أن ينهي دراسته تلك. أنا لم أعرفه تماماً. كنت صغيراً. وأظن أنه غادرني مبكراً لكي لا أفهمه تماماً، وترك لي أن أكتشفه شيئاً فشيئاً. وأنت يا صافي محفوض تعاني من المشكلة نفسها فقد رأيتك في منامي ليلتين متتاليتين. لقد رحل والدك دون أن تفهمه تماماً، وترك لك أن تكتشفه شيئاً فشيئاً. ولهذا السبب، لا أريد أن أناقشك بشكل وفاة والدينا، أو في فترتي رحيلهما. أنا دعوتك لكي أحذرك. ولكي لا تذهب بك الظنون بعيداً. سأقول لك مالا تعرفه. هل تذكر أسماء أصدقائك الأربعة في الجامعة؟ لا شك أنك تذكرهم بوضوح. لقد ماتوا واحداً بعد الآخر. تماماً كما مات أصدقائي الأربعة في مرحلة دراستي الجامعية. أنت مازلت حياً حتى الآن. وأنا ما زلت حياً حتى الآن. هل سألت نفسك ذات مرة ما معنى ذلك كله؟ أنا لم أتصل بك لأخيفك، أو لأزعجك. أنا اتصلت بك لأنك تشبهني كثيراً، أو أنا أشبهك كثيراً. لقد تيقنت من الشبه بيننا منذ زمن بعيد، عندما كنا طالبين في ثانوية أحمد مريود بالقنيطرة. أنا أريد أن أنبهك. بل قل أحذرك. بعد عشرة أيام ستحل ذكرى رحيل والدك، ووالدي. فهل تعدني أن نسهر معاً، وإذا كان لابد من موتنا أن نموت معاً.


حكايات غير عابرة

1 – صنوبرة

كان يقف متكئاً على جذع صنوبرة عملاقة، وكانت تقابله متّكئة على الجذع الشقيق للصنوبرة. هو يتأمل وجهها بشغف، وهي تطرق وتركز نظرها بين قدميها. مرت دقائق طويلة لا يعرف عددها، وهي لا تعرف، خرج من صمته وسألها متلعثماً: أليس جميلاً أن يحب الإنسان؟ ردت عليه سائلة: ما رأيك أنت؟ أجاب كمن عثر على كنز: جميل جداً. قالت له: إذا لماذا تسألني؟. وقبل أن تجف الكلمة الأخيرة على شفتيها، تقدم وطبع قبلة خفيفة  على خدها. انفجرت ضاحكة، وانطلقت تجري بين أشجار الغابة الواسعة.

2 – فانـوس

كان يجلس تحت شجرة الدلب يعزف على ربابته وحيداً، صادف أن مرت على فرس والدها تحت الشجرة نفسها. توقف عن العزف وتوقفت عن السير. صمت، وصمتت. وأخيراً قالت له: أنت ماجد. أنت ابن عازف الربابة. فقال لها: وأنت مها ابنة الآغا. ابتسمت، وابتسم. عرف أنها اخترقت كل خلية فيه، وعرفت أنه صعق كل خلية فيها. بدا كل منهما واضحاً للآخر من الداخل. ولأنها تركب فرساً يعرفها أهالي المنطقة جميعاً، تجرّأت، وقالت له: انتبه أنا مريضة بالسل. وقف وردّ عليها: سوف أغار. أضافت مها: سأشعل الفانوس لك على سطح قصرنا كلما غاب القمر فردّ: سأشعل لك الفانوس على سطح كوخنا كلما غاب القمر.

كان قصرها على قمة الجبل وكان كوخه على قمة الجبل المقابل. وفي كل ليلة ظلماء كان أهالي المنطقة يشاهدون فانوساً يضيء على قمة كل جبل.

مر شهر وآخر وفصل وآخر فانوس يضيء على قمة الجبل الجنوبي وآخر يضيء على قمة الجبل الشمالي، وانقضت سنة. كان يسهر كل ليلة حتى يخفي نور الصباح ضوء فانوسه. وفي ليلة عاصفة شتوية أضاء فانوس واحد، يجلس بجانبه شاب يبكي وهو يعزف على ربابته.

3 – عشــق

قلْ لها يا إياسْ

سقطت نجمة عاشقة

و اعتراها اليباسْ.

4 – نشــوة

حدثتني الكاتبة المعروفة نجلاء صبح:

كان الوقت ضحى وكنت أقف تحت واقية موقف الباص. والسماء تمطر بغزارة نادرة في بغداد. بينما كان شارع الرشيد يزدحم بالسيارات والمارة، والريح الشرقية تعصف بكل قسوتها، قارسة تلسع الوجوه كالإبر. وشيئاً فشيئاً اكتظ المكان بالمنتظرين. فجأة أحسست بجسد يلتصق بي من الخلف. وكان أول ما وصلني الدفء، ثم رعشة صاعقة اجتاحت خلايا جسدي كلها. لم يتحرك صاحب ذلك الجسد الساخن الواقف خلفي، ولم أتحرك. لم يتكلم، ولم أتكلم. لم اعترض فازداد التصاقاً بي. كنت مستسلمة لنشوة طاغية تسيطر علي بحرارتها وغرابتها. وكان أول ما تمنيته أن يتأخر وصول الحافلة، وأنا أعرف أنها ستصل في أية لحظة. وتمنيت أن يتوقف الزمن، وأن يطول وقوفنا هكذا إلى أن أذوب تماماً.

كان ذلك قبل عشرين عاماً! وأنا أرسم لذلك الرجل كل يوم شكلاً، وأمحوه، وأشتهي دائماً، وأنا أنتظر أي حافلة، أن أحس به يلتصق بجسدي من الخلف.

عرفت فيما بعد كم خسرت لأنني لم ألتفت إلى الوراء لأحفظ شكل وجهه وشعره ويديه وقامته، وها أنا ذي مازلت منذ عشرين عاماً ارسم كل يوم شكل ذلك الرجل، وأمحوه؛ لأعيد رسمه مرة أخرى.

5 – مذاق العنب

كان يتمدد شبه عار على سريره منهمكاً بخيالات فتى في السادسة عشرة من عمره. لم تكن والدته في البيت، وكان والده مسافراً. هو لم يترك باب البيت مفتوحاً، سمعه ينغلق فظن أن والدته قد عادت من زيارتها. وسمع حركة في المطبخ ولم يتحرك، وسمع خطوات تتجه نحو غرفته المضاءة، ولم يتكلم. باغته أن يرى ابنة الجيران تدخل ومعها عنقود عنب أسود. حيّته وقالت له: أمي أرسلت لكم صحناً من العنب. وتقدمت. كانت تلبس معطفاً منزلياً خمرياً. وحين وصلت إلى السرير فكت زنار المعطف، فانكشف صدرها العامر، وشفت ثيابها عن جسد ناضج يتجاوز العشرين. أخذت حبة ووضعتها في فمه، وأردفت أخرى، وأخرى، وهو يمضغها كمن مسه خدر مسيطر. وحين لامست شفتيه سخونة حلمتها شعر بدوار، وغامت عيناه، واجتاحه شلل لا يرحم؛ ثم غاب عن الدنيا بما فيها.

كانت ابنة جيرانه، وكان عادل فضة ابن جيرانها. ومرت الأيام والشهور والسنون وهو يحاول أن يحظى بخلوة أخرى، ولكنه فشل طوال سنوات عمره الأربعين. ومع كل فصل صيف كان كلما أكل حبة عنب سوداء مضغها ببطء كمن مسه خدر مسيطر، ويشعر بدوار، وتغيم عيناه، ويجتاحه شلل لا يرحم، ثم يغيب عن الدنيا بما فيها.


فهرس

بيــدر حب. 2

ذاكرة من تعب. 3

أذنان من رمل. 4

امرأة على الدرج. 8

الطعنــة 12

رجل من سعال. 13

وقت من سيرة مقهى. 18

الرغبـة الغامضة 21

وكالة خاصة غير قابلة للعزل. 23

حسـام وليلى. 27

الغـدد الصم 28

يوميات سائق تاكسي. 30

أرجوحة الانتظـار 32

حديقة زكي الأرسوزي. 35

ضباب حول مقبرة 38

حكايات غير عابرة 40

فهرس.. 43

 

كتب للمؤلف

ـ إشارات متنافرة على وجه الحاضر ـ شعر ـ دمشق 1970

ـ لعينيك ما أشتهي أن يكون ـ شعر ـ دمشق 1978

ـ الجمر ـ شعر ـ دمشق 1984

ـ شتاء الجنون ـ شعر ـ دمشق 1993

ـ أغاني الطفولة ـ شعر للأطفال ـ دمشق 1994

ـ قصيدة هيروشيما ـ شعر ـ دمشق 2001 (صدر النص العربي     مع ترجمته للإنكليزية واليابانية في كتاب واحد).

ـ حكايات شجرة التوت ـ قصص للأطفال ـ دمشق 1979

ـ أحاديث الأقنعة ـ قصص ـ دمشق 1992

ـ أحاديث الأقبية ـ قصص ـ دمشق 1997

ـ دراسات في الشعر العربي الحديث ـ نقد أدبي ـ بيروت 1980      ط2 جامعة وهران 1981

ـ جدل الحداثة في الشعر ـ نقد أدبي ـ بيروت 1985

ـ الوقائع والمصير ـ دراسة في أدب حسن صقر ـ دمشق 1994

ـ الآفاق القصية ـ دراسة في المعلقات ـ 1997

ـ زكي الأرسوزي الأب الروحي لحزب البعث ـ طوكيو 1999          (بالإنكليزية وبالاشتراك مع د. ماهر شريف، والباحث الياباني     هيرو يوكي أؤياما. صدر عن معهد طوكيو لاقتصاديات البلدان      النامية JETRO

ـ كوايدان ـ ترجمة عن الإنكليزية 1992 (حكايات شعبية يابانية)

ـ الشخصية اليابانية ـ دراسة ـ دمشق 1994

ـ حكايات شعبية يابانية ـ ترجمة عن الإنكليزية ـ 1995

ـ أحاديث النهار ـ قصص ـ   دار الفارابي ـ بيروت  2004

Posted in Uncategorized | أضف تعليقا

المواقف والمخاطبات

كتاب المواقف موقف العز أوقفني في العز وقال لي لا يستقل به من دوني شيء، ولا يصلح من دوني لشيء، وأنا العزيز الذي لا يستطاع مجاورته، ولا ترام مداومته، أظهرت الظاهر وأنا أظهر منه فما يدركني قربه ولا يهتدي إلي وجوده، وأخفيت الباطن وأنا أخفي منه فما يقوم علي دليله ولا يصح إلي سبيله. وقال لي أنا أقرب إلى كل شيء من معرفته بنفسه فما تجاوزه إلي معرفته، ولا يعرفني أين تعرفت إليه نفسه. وقال لي لولاي ما أبصرت العيون مناظرها، ولا رجعت الأسماع بمسامعها. وقال لي لو أبديت لغة العز لخطفت الأفهام خطف المناجل، ودرست المعارف درس الرمال عصفت عليها الرياح العواصف. وقال لي لو نطق ناطق العز لصمتت نواطق كل وصف، ورجعت إلى العدم مبالغ كل حرف. وقال لي أين من أعد معارفه للقائي لو أبديت له لسان الجبروت لأنكر ما عرف، ولمار مور السماء يوم تمور موراً. وقال لي إن لم أشهدك عزي فيما أشهد أقررتك على الذل فيه، وقال لي طائفة أهل السموات وأهل الأرض في ذل الحصر، ولي عبيد لا تسعهم طبقات السماء ولا تقل أفئدتهم جوانب الأرض. أشهدت مناظر قلوبهم أنوار عزتي فما أتت على شيء إلا أحرقته، فلا لها منظر في السماء فتثبته، ولا مرجع إلى الأرض فتقر فيه. وقال لي خذ حاجتك التي تجمعك علي وإلا رددتك إليها وفرقتك عني. وقال لي مع معرفتي لا تحتاج، وما أتت معرفتي فخذ حاجتك. وقال لي تعرفي الذي أبديته لا يحتمل تعرفي الذي لم أبده. وقال لي لا أنا التعرف ولا أنا العلم، ولا أنا كالتعرف ولا أنا كالعلم. موقف القرب أوقفني في القرب وقال لي ما مني شيء أبعد من شيء ولا مني شيء أقرب من شيء إلا حكم إثباتي له في القرب والبعد. وقال لي البعد تعرفه بالقرب، والقرب تعرفه في بالوجود. وأنا الذي لا يرومه القرب، ولا ينتهي إليه الوجود. وقال لي أدنى علوم القرب أن ترى أثار نظري في كل شيء فيكون أغلب عليك من معرفتك به. وقال لي القرب الذي تعرفه في القرب الذي أعرفه كمعرفتك في معرفتي. وقال لي لا بعدي عرفت ولا قربي عرفت ولا وصفي كما وصفي عرفت. وقال لي أنا القريب لا كقرب الشيء وأنا البعيد لا كبعد الشيء من الشيء. وقال لي قربك لا هو بعدك وبعدك لا هو قربك، وأنا القريب البعيد قرباً هو البعد وبعدا هو القرب. وقال لي القرب الذي تعرفه مسافة، والبعد الذي تعرفه مسافة، وأنا القريب البعيد بلا مسافة. وقال لي أنا أقرب اللسان من نطقة إذا نطق، فمن شهدني لم يذكر ومن ذكرني لم يشهد. وقال لي الشاهد الذاكر إن لم يكن حقيقة ما شهده حجبه ما ذكر. وقال لي ما كل ذاكر شاهد وكل شاهد ذاكر. وقال لي تعرفت إليك وما عرفتني ذلك هو البعد، رآني قلبك وما رآني ذلك هو البعد. وقال لي لن تجدني ولا تجدني ذلك هو البعد، تصفني ولا تدركني ذلك هو البعد، تسمع خطابي لك من قلبك وهو مني ذلك هو البعد، تراك وأنا أقرب إليك من رؤيتك ذلك هو البعد. موقف الكبرياء أوقفني في كبريائه وقال لي أنا الظاهر الذي لا يكشفه ظهوره، وأنا الباطن الذي لا تراجع البواطن بدرك من علمه. وقال لي بدأت فخلقت الفرق فلا شيء مني ولا أنا منه، وعدت فخلقت الجمع فيه اجتمعت المتفرقات وتألفت المتباينات. وقال لي ما كل عبد يعرف لغتي فتخاطبه، ولا كل عبد يفهم ترجمتي فتحادثه. وقال لي لو جمعت قدرة كل شيء لشيء، وحزت معرفة كل شيء لشيء، وأثبت قوة كل شيء لشيء. ما حمل تعرفي بمجوه، ولا صبر على مداومتي بفقد وجده لنفسه. وقال لي الأنوار من نور ظهوري بادية والى نور ظهوري آفلة، والظلم من فوت مرامي بادية والى فوت مرامي آثبة. وقال لي الكبرياء هو العز والعز هو القرب والقرب فوت عن علم العالمين. وقال لي أرواح العارفين لا كالأرواح وأجسامهم لا كالأجسام. وقال لي أوليائي الواقفون بين يدي ثلاثة فواقف بعبادة أتعرف إليه بالكرم، واقف بعلم أتعرف إليه بالعزة ، وواقف بمعرفة إليه بالغلبة. وقال لي نطق الكرم بالوعد الجميل، ونطقت العزة بإثبات القدرة، ونطقت الغلبة بلسان القرب. وقال لي الواقفون بي واقفون في كل موقف خارجون عن كل موقف. موقف أنت معنى الكون أوقفني وقال لي أنت ثابت ومثبت فلا تنظر إلى ثبتك فمن نظرك إليك أتيت وقال لي أنظر إلى مثبتي ومثبتك تسلم لأنك تراني وتراك وإذا كنت في شيء غلبت. وقال لي متى رأيت نفسك ثبتاً أو ثابتاً ولم ترني في الرؤية مثبتاً حجبت وجهي وأسفر لك وجهك فانظر إلى ماذا بدا لك وماذا توارى عنك. وقال لي لا تنظر إلى الإبداء ولا إلى البادي فتضحك وتبكي وإذا ضحكت وبكيت فأنت منك لا مني. وقال لي إن لم تجعل كل ما أبديت وأبديه وراء ظهرك لم تفلح فإن لم تفلح لم تجتمع علي. وقال لي كن بيني وبين ما بدا ويبدو ولا تجعل بيني وبينك بدواً ولا إبداء. وقال لي الأخبار التي أنت في عموم. وقال لي أنت معنى الكون كله. وقال لي أريد أن أخبرك عني بلا أثر سواي. وقال لي ليس لي من رآني ورآه بأرائته إنما لي من رآني ورآه بأرائتي. وقال لي ليس من رآني ورآه حكم رفق به، أليس فيه شرك لا يحس به. وقال لي لا يحس به كشف فيما رآني ورآه، حجاب في الحقيقة. وقال لي الحقيقة وصف الحق، والحق أنا. وقال لي هذه عبارتي وأنت تكتب، فكيف وأنت لا تكتب. موقف قد جاء وقتي أوقفني وقال إن لم ترني لم تكن بي. وقال لي أن رأيت غيري لم ترني. وقال لي أشارتي في الشيء تمحو معنى المعنى فيه وتثبته منه لا به. وقال لي فيك ما لا ينصرف ولا يصرف. وقال لي أصمت لي الصامت منك ينطق الناطق ضرورة. وقال لي أثر نظري في كل شيء فأن خاطبته على لسانك قلبته. وقال لي أجعل ذكري وراء ظهرك وإلا رجعت إلى سواي لا حائل بينك وبينه. وقال لي قد جاء وقتي وأن لي أن أكشف عن وجهي وأظهر سبحاتي ويتصل نوري بالأفنية وما وراءها وتطلع على العيون والقلوب، وترى عدوي يحبني وترى أوليائي يحكمون، فأرفع لهم العروش ويرسلون النار قلا ترجع، وأعمر بيوت الخراب وتتزين بالزينة الحق، وترى فسطي كيف ينفى ما سواه، وأجمع الناس على اليسر فلا يفترقون ولا يذلون، فأستخرج كنزي وتحقق ما أحققتك به من خبري وعدتي وقرب طلوعي، فأني سوف أطلع وتجتمع حولي النجوم، وأجمع بين الشمس والقمر، وأدخل في كل بيت ويسلمون علي وأسلم عليهم، بذلك بأن لي المشيئة وبأذني تقوم الساعة، وأنا العزيز الرحيم. موقف البحر أوقفني في البحر فرأيت المراكب تغرق والألواح تسلم، ثم غرقت الألواح، وقال لي لا يسلم من ركب. وقال لي خاطر من ألقى نفسه ولم يركب. وقال لي هلك من ركب وما خاطر. وقال لي في المخاطرة جزء من النجاة، وجاء الموج ورفع ما تحته وساح على الساحل. وقال لي ظاهر البحر ضوء لا يبلغ، وقعرة ظلمه لا تمكن، وبينهما حيتان لا تستأمن. وقال لي لا تركب البحر فأحجبك بالآلة، ولا تلق نفسك فيه فأحجبك به. وقال لي في البحر حدود أيها يقلك. وقال لي إذا وهبت نفسك للبحر فغرقت فيه كنت كدابة من دوابه. وقال لي غششتك إن دللتك على سواي. وقال لي إن هلكت في سواي كنت لما هلكت فيه. وقال لي الدنيا لمن صرفته عنها وصرفتها عنه، والآخرة لمن أقبلت بها إليه وأقبلت به علي. موقف الرحمانية أوقفني في الرحمانية وقال لي هي وصفي وحدي. وقال لي هي ما رفع حكم الذنب والعلم والوجد. وقال لي ما بقي للخلاف أثر فرحمة، وما لم يبق له أثر فرحمانية. وقال لي قف في خلافية التعرف، فوقفت فرأيته جهلاً، ثم عرفت فرأيت الجهل في معرفته ولم أر المعرفة في الجهل به. وقال لي من أستخلفه لم أسوه على رؤيتي بشرط يجدني إن وجده ويفقدني إن فقده. وقال لي إن استخلفتك شققت لك شقاً من الرحمانية، فكنت أرحم بالمرء من نفسه، وأشهدتك مبلغ كل قائل فسبقه إلى غايته، فرآك كل أحد عنده ولم تر أحداً عندك. وقال لي إن استخلفتك جعلت غضبك من غضبي فم ترأف بذي البشرية، ولم نتعطف على الجنسية. وقال لي إذا رأيتني فاتبعني، ولو صرفت وجوه الكل عنك فاني أقبل بهم خاضعين إليك. وقال لي إذا رأيتني فأعرض عمن أعرض عنك وأقبل إليك. وقال لي إن استخلفتك أقمتك بين يدي وجعلت قيوميتي وراء ظهرك وأنا من وراء القيومية، وسلطاني عن يمينك وأنا من وراء السلطان. واختياري عن شمالك وأنا من وراء الاختيار، ونوري في عينيك وأنا من وراء النور، ولساني على لسانك وأنا من وراء اللسان، وأشهدتك أني نصبت ما نصبت وأني من وراء ما نصبت، ولم أنصب تجاهك منصباً هو سواي، فرأيتني بلا غيبة، وجرت في أحكامي بلا حجبة. وقال لي إذا أشهدتك حجتي على ما أحببت كما أشهدتك حجتي على ما كرهت فقد أذنتك بخلافتي، واصطفيتك لمقام الأمانة علي. وقال لي إذا رأيتني فانصرني، فلن يستطيع نصرتي من لم يرني. وقال لي إذا لم تقو على الحجاب عني فقد آذنتك بخلافتي. وقال لي ألبس خاتمي الذي أتيتك تختم به على كل قلب راغب بالرغبة، وكل راهب بالرهبة، فتحوز ولا تحاز، وتحصر ولا تحصر. وقال لي من غاب عني ورأى علمي فقد استخلفه على علمه، ومن رآني وعاب عن علمي فقد استخلفه على رؤيته. وقال لي من رآني ورأى علمي فهو خليفتي الذي أتيته من كل شيء سبباً. موقف الوقفة أوقفني في الوقفة وقال لي إن لم تظفر بي أليس يظفر بك سواي. وقال لي من وقف بي ألبسته الزينة، فلم ير لشيء زينة. وقال لي تطهر للوقفة وإلا نفضتك. وقال لي إن بقي عليك جاذب من السوى لم تقف. وقال لي في الوقفة ترى السوى بمبلغ السوى فإذا رأيته خرجت عنه. وقال لي الوقفة ينبوع العلم فمن وقف كان علمه تلقاء نفسه، ومن لم يقف كان علمه عند غيره. وقال لي الوقف ينطق يصمت على حكم واحد. وقال لي الوقفة نورية تعرف القيم وتطمس الخواطر. وقال لي الوقفة وراء الليل والنهار ووراء ما فيهما من الأقدار. وقال لي الوقفة نار السوى فأن أحرقته بها وإلا أحرقتك به. وقال لي دخل الواقف كل بيت فما وسعه، وشرب من كل مشرب فما روي، فأفضى إلي وأنا قراره وعندي موقفه. وقال لي إذا عرفت الوقفة لم تقبلك المعرفة، ولم يتألف بك الحدثان. وقال لي من فوض إلي في علوم الوقفة فإلى ظهره أستند، وعلى عصاه أعتمد. وقال لي إن دعوتني في الوقفة خرجت من الوقفة، وان وقفت في الوقفة خرجت من الوقفة. وقال لي ليس في الوقفة ثبت ولا محو ولا قول ولا فعل ولا علم ولا وجهل. وقال لي الوقفةمن الصمدية فمن كان بها ظاهره باطنه وباطنه ظاهره. وقال لي لا ديمومية إلا لواقف، ولا وقفة إلا لدائم. وقال لي للوقفة مطلع على كل علم وليس عليها مطلع لعلم. وقال لي من لم يقف بي أوقفه كل شيء دوني. وقال لي الواقف يرى الأواخر فلا تحكم عليه الأوائل. وقال لي الوقفة تعتق من رق الدنيا والآخرة. وقال لي الصلوة تفتخر بالواقف كما يفتخر بها السائر. وقال لي ما عرفني شيء، فأن كاد أن يعرفني فالواقف. وقال لي كاد الواقف يفارق حكم البشرية. وقال لي سقط قدر كل شيء في الوقفة فما هو منها ولا هي منه. وقال لي في الوقفة عزاء مما وقفت عنه وأنس مما فارقته. وقال لي الوقفة باب الرؤية، فمن كان بها رآني ومن رآني بها وقف، ومن لم يرني لم يقف. وقال لي الواقف يأكل النعيم ولا يأكله، ولا يشرب الابتلاء ولا يشربه. وقال لي مزجت حس الواقف بجبروت عصمتي، فنبأ عن كل شيء، فما يلائمه شيء. وقال لي لو كان قلب الواقف في السوى ما وقف، ولو كان السوى فيه ما ثبت. وقال لي الواقف علم كله حكم كله ولن بجمعها معاً إلا الواقف. وقال لي الواقف لا يصلح على العلماء ولا تصلح العلماء عليه. وقال لي الواقف يبعد بقرب العالمين، ويحتجب بعلوم العالمين. وقال لي إن وقفت بي فالسوى حرمي فلا تخرج إليه فتنحل مني. وقال لي الواقف هو المؤتمن والمؤتمن هو المختزن. وقال لي قف بي ولا تلقني بالوقفة، فلو أبديت لك ثنائي علي وعلمي الذي لا ينبغي إلا لي عادت الكونية إلى الأولية، ورجعت الأولية إلى الديمومية، فلا علمها فارقها ولا معلومها غاب عن عملها، ورأيتني فرأيت الحق لا فيه وقوف فتعرفه، ولا سير فتعبره. وقال لي الواقف يرى العلم كيف يضيع المعلوم، فلا ينقسم بموجود، ولا ينعطف بمشهود. وقال لي من لم يقف رأى المعلوم ولم ير العلم، فاحتجب باليقظة كما يحتجب بالغفلة. وقال لي الواقف لا يروقه الحسن، ولا يروعه الروع، وأنا حسبه والوقفة حده. وقال لي إن تواريت عنه في المشهود شاهد شكي ضر فقدي لا ضر الشاهد. وقال لي حار كل شيء في الواقف، وحار الواقف في الصمود. وقال لي الوقفة روح المعرفة والمعرفة روح العلم والعلم روح الحيوة. وقال لي كل واقف عارف، وما كل عارف واقف. وقال لي الواقفون أهلي، والعارفون أهل معرفتي. وقال لي أهلي الأمراء، وأهل المعارف الوزراء. وقال لي للوقفة علم ما هو الوقفة، وللمعرفة علم ما هو المعرفة. وقال لي يموت جسم الواقف ولا يموت قلبه. وقال لي دخل المدعي كل شيء فخرج عنه بالدعوى وأخبر عنه بالدخول إلا الوقفة، فما دخلها ولا أخبر عنها ولا يخبر عنها. وقال لي إن كنت في الوقفة على عمد فأحذر مكري من ذلك العمد. وقال لي الوقفة تنفى ما سواها كما ينفي العلم الجهل. وقال لي أطلب كل شيء عند الواقف تجده، وأطلب الواقف عند كل شيء لا تجده. وقال لي ترتب الصبر على كل شيء إلا على الوقفة، فأنها ترتبت عليه. وقال لي إذا نزل البلاء تخطى الواقف، ونزل على معرفة العارف وعلم العالم. وقال لي يخرج الواقف بالإئتلاف كما يخرج بالاختلاف. وقال لي الوقفة يدي الطامسة ما أتت على شيء إلا طمسته، ولا أرادها شيء إلا أحرقته. وقال لي من علم علم شيء كان علمه إيذاناً بالتعرض له. وقال لي الوقفة جواري وأنا غير الجوار. وقال لي لا يقدر العارف قدر الواقف. وقال لي الوقفة عمود المعرفة والمعرفة عمود العلم. وقال لي الوقفة لا تتعلق بسبب ولا يتعلق بها سبب. وقال لي لو صلح لي شيء صلحت الوقفة، ولو أخبر عني شيء أخبرت الوقفة. وقال لي معرفة لا وقفة فيها مرجوعها إلى الجهل. وقال لي الوقفة ريحي التي من حملته بلغ إلي، ومن لم تحمله بلغ إليه. وقال لي إنما أقول قف يا واقف أعرف يا عارف. وقال لي العلم لا يهدي إلى المعرفة والمعرفة لا تهدي إلى الوقفة والوقفة لا تهدي إلي. وقال لي العالم في الرق والعارف مكاتب والواقف حر. وقال لي الواقف فرد والعارف مزدوج. وقال لي العارف يعرف ويعرف الواقف يعرف ولا يعرف. وقال لي الواقف يرث العلم والعمل والمعرفة ولا يرثه إلا الله. وقال لي أحترق العلم في المعرفة وأحترقت المعرفة في الوقفة. وقال لي كل أحد له عدة إلا الواقف وكل ذي عدة مهزوم. وقال لي الوقفة تعين سرمدي لا ظن فيه. وقال لي العارف يشك في الواقف والواقف لا يشك في العارف. وقال لي ليس في الوقفة واقف وإلا فلا وقفة، وليس في المعرفة عارف وإلا فلا معرفة. وقال لي ما بلغت المعرفة من لا يقف، ولا نفع علم من لم يعرف. وقال لي العالم يرى علمه ولا يرى المعرفة، والعارف يرى المعرفة ولا يراني، والواقف يراني ولا يرى سواي. وقال لي الوقفة علمي الذي يجير ولا يجار عليه. وقال لي الوقفة ميثاقي على كل عارف عرفه أو جهله، فأن عرفه خرج من المعرفة إلى الوقفة، وان لم يعرفه امتزجت معرفته بحده. وقال لي الوقفة نوري الذي لا يجاوزه الظلم. وقال لي الوقفة صمود والصمود ديمومة والديمومة لا يقوم لها الحدثان. وقال لي لا يرى الحقيقة إلا الواقف. وقال لي الوقفة وراء البعد والقرب، والمعرفة في القرب، والقرب من وراء، والعلم في البعد هو حده. وقال لي العارف يرى مبلغ علمه والواقف من وراء كل مبلغ. وقال لي الواقف ينفي المعارف كما ينفي الخواطر. وقال لي لو أنفصل عن الحد شيء أنفصل الواقف. وقال لي العلم لا يحمل المعرفة أو تبدو عليه، والمعرفة لا تحمل الوقفة أو تبدو عليها. وقال لي العالم يخبر عن العلم، والعارف يخبر عن المعرفة، والوافق يخبر عني. وقال لي العالم يخبر عن الأمر والنهي وفيهما علمه، والعارف يخبر عن حقي وفيه معرفته، والواقف يخبر عني وفي وقفته. وقال لي أنا أقرب إلى كل شيء من نفسه والواقف أقرب إلي من كل شيء. وقال لي إن خرج العالم من رؤية بعدي أحترق، وان خرج العارف من رؤية قربي أحترق، وان خرج الواقف من رؤيتي أحترق. وقال لي الواقف يرى ما يرى العارف وما هو به، والعارف يرى ما يرى العالم وما هو به. وقال لي العلم حجابي والمعرفة خطابي والوقفة حضرتي. وقال لي الواقف لا يقبله الغيار ولا تزحزحه المآرب. وقال لي حكومة الواقف صمته وحكومة العارف نطقه وحكومة العالم علمه. وقال لي الوقفة وراء ما يقال، والمعرفة منتهى ما يقال. وقال لي في الوقفة تعرف كل فرق. وقال لي قلب الواقف على يدي وقلب العارف على يد المعرفة. وقال لي العارف ذو قلب والواقف ذو رب. وقال لي عبر الواقف صفة الكون فما يحكم عليه. وقال لي لا يقر الواقف على شيء ولا يقر العارف على فقد شيء. وقال لي لا يقر الواقف على الكون ولا يقر عنده كون. وقال لي كل شيء لي والذي لي مما لي الوقفة. وقال لي الوقفة نار الكون والمعرفة نور الكون. وقال لي الوقفة تراني وحدي والمعرفة تراني وتراها. وقال لي الوقفة وقفة الوقفة معرفة المعرفة علم المعرفة معرفة العلم لا معرفة ولا وقفة. وقال لي أخباري للعارفين ووجهي للواقفين. موقف الأدب أوقفني في الأدب وقال لي طلبك مني وأنت لا تراني عبادة، وطلبك مني وأنت تراني استهزاء. وقال لي إذا بلوتك فانظر بما علقتك فإن كان بالسوى فأشك إلي وان كان بي أنا فقد قرت بك الدار. وقال لي إذا رأيتني في بلاتي فاعرف حدك الذي أنت به ولا تغب فيه عن رؤيتي فأن كان نعيماً فأنعم وأن رأيته بؤساً فلا تنعم. وقال لي رأس المعرفة حفظ حالك التي لا تقسمك. وقال لي إن راعيت شيئاً من أجله أو من أجلك فما هو المعرفة ولا أنت من المعرفة. وقال لي كل ما جمعك على المعرفة فهو من المعرفة. وقال لي إن انتسبت فأنت لما انتسبت إليه لا لي، وان كنت لسبب فأنت للسبب لا لي. وقال لي خل المعرفة وراء ظهرك تخرج من النسب، ودم لي في الوقفة تخرج من السبب. وقال لي إن طلبت من سواي فأدفن معرفتك في قبر أنكر المنكرين. وقال لي إن جمعت بين السوى والمعرفة محوت المعرفة وأثبت السوى وطالبتك بمفارقته ولن تفارق ما أثبته أبداً. وقال لي المعرفة لسان الفردانية إذا نطق محا ما سواه وإذا صمت محا ما تعرف. وقال لي أنت ابن الحال التي تأكل فيها طعامك وتشرب فيها شرابك. وقال لي أليت لا أقبلك وأنت ذو سبب أو نسب. موقف العزاء أوقفني في العزاء وقال لي وقت نعمة الدوام في الجزاء بأيام الفناء في العمل. وقال لي لو كشفت لك عن وصف النعيم أذهبتك بالكشف عن الوصف وبالوصف عن النعيم، وإنما ألبستك لطفي فتحمل به لطفي، وأتوجك بعطفي فتجري به من عطفي. وقال لي اذكرني مرةً أمح بها ذكرك كل مرة. وقال لي يا من صبر على أبسط الكون لعطائي لا يسع، أبسط أمانيك لعطائي لا تبلغ. وقال لي إذا غبت فأجمع عليك المصائب، وسيأتي كل كون لتعزيتك في غيبتي فأن سمعت أجبت وان أجبت لم ترني. وقال لي لا في غيبتي عزاء، ولا في رؤيتي قضاء. وقال لي أنا اللطيف في جبارية العز، وأنا العطوف في كبرياء القهر. وقال لي إن قلت لك أنا فانتظر أخباري فلست من أهلي. وقال لي أنا الحليم وان عظمت الذنوب، وأنا القريب وان خفيت الهموم. وقال لي من رآني صمد لي ومن صمد لي لم يصلح على المواقيت. وقال لي قد تعلم علم المعرفة وحقيقتك العلم فلست من المعرفة، وقد تعلم علم الوقفة وحقيقتك المعرفة فلست من الوقفة. وقال لي حقيقتك ما لا تفارقه لا كل علم أنت مفارقه. موقف معرفة المعارف أوقفني في المعارف وقال لي هي الجهل الحقيقي من كل شيء بي. وقال صفة ذلك في رؤية قلبك وعقلك هو أن تشهد بسرك كل ملك وملكوت وكل سماء وأرض وبر وبحر وليل ونهار ونبي وملك وعلم ومعرفة وكلمات وأسماء وكل ما في ذلك وكل ما في ذلك وكل ما بين ذلك يقول ليس كمثله شيء، وترى قوله ليس كمثله شيء هو أقصى علمه ومنتهى معرفته. وقال لي إذا عرفت معرفة المعارف جعلت العلم دابة من دوابك وجعلت الكون كله طريقاً من طرقاتك. وقال لي إذا جعلت الكون طريقاً من طرقاتك لم أزد ودك منه، هل رأيت زاداً من طريق. وقال لي الزاد من المقر فإذا عرفة معرفة المعارف فمقرك عندي وزادك من مقرك لو استضفت إليك الكون لوسعهم. وقال لي لا يعبر عني إلا لسانان لسان معرفة آيته إثبات ما جاء به بلا حجة، ولسان علم أيته إثبات ما جاء به بحجة. وقال لي لمعرفة المعارف عينان تجريان عين العلم وعين الحكم، فعين العلم تنبع من الجهل الحقيقي وعين الحكم تنبع من عين ذلك العلم. فمن أغترف العلم من عين العلم أغترف العلم والحكم، ومن أغترف العلم من جريان العلم لا من عين العلم نقلته ألسنة العلوم وميلته تراجم العبارات فلم يظفر بعلم مستقر ومن لم يظفر بعلم مستقر لم يظفر بحكم. وقال لي قف في معرفة المعارف وأقم في معرفة المعارف تشهد ما أعلمته فإذا شهدته أبصرته وإذا أبصرته فرقت بين الحجة الواجبة وبين المعترضات الخاطرة فإذا فرقت ثبت وما لم تفرق لم تثبت. وقال لي من لم يغترف العلم من عين العلم لم يعلم الحقيقة ولم يكن لما علمه حكم، فحلت علومه في قوله لا في قلبه، كذلك تحل فيمن علم. وقال لي إذا ثبت فأنطق فهو فرضك. وقال لي كل معنوية ممعناة إنما معنيت لتصرف، وكل ما هية ممهاة إنما أمهيت لتخترع. وقال لي كل محلول فيه وعاء وإنما حل فيه لخلو جوفه، وكل خال موعى وإنما خلا لعجزه وإنما أوعى لفقره. وقال لي كل مشار إليه ذو جهة وكل ذي جهة مكتنف وكل مكتنف مفطون وكل مفطون متخيل وكل متخيل متجزئ وكل متجزئ وكل هواء ماس وكل ماس محسوس وكل فضاء مصادف. وقال لي أعرف سطوتي تحذر مني ومن سطوتي، وأنا الذي يجير منه ما تعرف وأنا الذي لا يحكم عليه ما بدا من علمه، كيف يجير مني تعرفي وأنا المتعرف به إن أشاء تنكرت به كما تعرفت به، وكيف يحكم علي علمي وأنا الحاكم به إن أشاء أجهلت به كما أعلمت به. وقال لي اسمع إلى معرفة المعارف كيف تقول لك سبحان من لا تعرفه المعارف وتبارك من لا تعلمه العلوم، إنما المعارف نور من أنواره وإنما العلوم كلمات من كلماته. وقال لي أسمع إلى لسان من ألسنة سطوتي، إذا تعرفت إلى عبد فدفعني عدت كأني ذو حاجة إليه يفعل ذلك مني كرم سبقى فيما أنعمت ويفعل ذلك بخل نفسه بنفسه التي أملكها عليه ولا يملكها علي، فأن دفعني عدت إليه ولا أزال أعود ولا يزال يدفعني عنه فيدفعني وهو يراني أكرم الأكرمين وأعود إليه وأنا أراه أبخل الأبخلين أصنع له عذراً إذا حضر وأبتدئه بالعفو قبل العذر حتى أقول في سره أنا ابتليتك، كل ذلك ليذهب عن رؤية ما يوحشه مني فأن أقام فيما تعرفت به إليه كنت صاحبه وكان صاحبي وأن دفعني لم أفارقه لدفعه الممتزج بجهله لكن أقول له أتدفعني وأنا ربك أما تريدني ولا تريد معرفتي فأن قال لا أدفعك قبلت منه، ولا يزال كلما يدفعني أقرره على دفعه فكلما قال لا أدفعك قبلت منه حتى إذا دفعني فقررته على دفعه فقال نعم أنا أدفعك وكذب وأصر نزعت معارفي من صدره، فعرجت إلي وارتجعت ما كان من معرفتي في قلبه حتى إذا جاء يومه جعلت المعارف التي كانت بيني وبينه ناراً أوقدها عليه بيدي فذلك الذي لا تستطيع ناره النار لأني أنتقم منه بنفسي لنفسي وذلك الذي لا تستطيع خزنتها أن تسمع بصفة من صفات عذابه ولا بنعت من نعوت نكالى به أجعل جسمه كسعة الأرض القفرة وأجعل له ألف جلد بين كل جلدين مثل سعة الأرض ثم آمر كل عذاب كان في الدنيا فيأتيه كله لعينه فيجتمع في كل جارحة منه كل عذاب كان في الدنيا بأسره لعين ذلك العذاب وعلى اختلافه في حال واحدة لسعة ما بين أقطاره وعظم ما وسعت من خلقه لنكالة ثم أمر كل عذاب كان يتوهمه أهل الدنيا أن يقع فيأتيه كله لعينه التي كانت تتوهم فيحل به العذاب المعلوم في الجلدة الأولة ويحل به العذاب الموهوم في الجلدة الثانية ثم آمر بعد ذلك طبقات النار السبعة فيحل عذاب كل طبقة في جلده من جلدة فإذا لم يبق عذاب دنيا ولا أخرة إلا حل بين كل جلدين من جلوده أبديت له عذابه الذي أتولاه بنفسي فيمن تعرفت إليه بنفسي، فدفعني حتى إذا رآه فرق لرؤيته العذاب المعلوم وفرق منه العذاب الموهوم وفرق له عذاب الطبقات السبعة فلا يزال عذاب الدنيا والآخرة يفرق أن أعذبه بالعذاب الذي أبديته فأعهد إلى العذاب أني لا أعذبه فيسكن إلى عهدي ويمضي في تعذيبه على أمري ويسألني هو أن أضعف عليه عذاب الدنيا والآخرة وأصرف عنه ما أبديته فأقول له أنا الذي قلت لك أتدفعني فقلت نعم أدفعك فذاك أخر عهده بي، ثم أخذه بالعذاب مدى علمي في مدى علمي فلا يثبت علم العالمين ولا معرفة العارفين لسماع صفته بالكلام، ولا أكون كذلك لمن تمسك بي في تعرفي وأقام عندي إلى أن أجيء بيومه إليه فذلك الذي أوتيه نعيم الدنيا كلها معلوماً وموهوماً ونعيم الآخرة كلها بجميع ما يتنعم به أهل الجنان ونعيمي الذي أتولاه بنفسي من تنعيم من أشاء ممن عرفني فتمسك بي. وقال لي سلني وقل يا رب كيف أتمسك بك حتى إذا جاء يومي لم تعذبني بعذابك ولم تصرف عني إقبالك بوجهك فأقول لك تمسك بالسنة في علمك وعملك وتمسك بتعرفي إليك في وجد قلبك وأعلم أني إذا تعرفت إليك لم أقبل منك من السنة إلا ما جاء به تعرفي لأنك من أهل مخاطبتي تسمع مني وتعلم أنك تسمع وترى الأشياء كلها مني. وقال لي عهد عهدته إليك أن تعرفي لا يطالب بفراق سنتي لكن يطالب بسنة دون سنة وبعزيمة دون عزيمة فأن كنت ممن قد رآني فاتبعني وأعمل ما أشاء بالآلة التي أشاء لا بالآلة التي تشاء أليس كذلك تقول لعبدك فالآلة هي سنتي فأعمل منها بما أشاء منك لا بما تشاء لي وتشاء مني فأن عجزت في آلة دون آلة فعذري لا يكتبك غادرا وان ضعفت في عزيمة دون عزيمة فرخصتي لا تكتبك عاثراً إنما أنظر إلى أقصى علمك أن كان عندي فأنا عندك. موقف الأعمال أوقفني في الأعمال وقال لي إنما ظهرتك لتثبت بصفتي لصفتك فأنت لا تثبت لصفتي إنما تثبت بصفتي وأنت تثبت لصفاتك ولا تثبت بصفاتك. وقال لي إنما صفتك الحد وصفة الحد الجهة وصفة الجهة المكان وصفة المكان التجزيء وصفة التجزيء التغاير وصفة التغاير الفناء. وقال لي إن أردت أن تثبت فقف بين يدي في مقامك ولا تسألني عن المخرج. وقال لي أتدري أين محجة الصادقين هي من وراء الدنيا ومن وراء ما في الدنيا ومن وراء ما في الآخرة. وقال لي إذا سلكت إلي من وراء الدنيا أتتك رسلي متلقين تعرف في عيونهم الشوق وترى في وجوههم الإقبال والبشرى، أرأيت غائباً غاب عن أهله فأذنهم بقدومه أليس إذا قطع المسافة القاصدين وسلك في محجة الداخلين تلقوه أمام منزله ضاحكين وأسرعوا إليه فرحين مستبشرين. وقال لي من لم يسلك محجة الصادقين فهو كيف ما كان في الدنيا مقيم ومما فيها آخذ أتته رسلي مخرجين، وتلقته مرحلين مزعجين، فسابق سبق له العفو فرأى في عيونهم أثار هيبة الإخراج، ونظر في وجوههم آثار هيبة الإزعاج، وآخر سبق له الحجاب فما هو من خير ولا الخير خاتمة ما عنده. وقال لي احذر وبعدد ما خلقت فأحذر، إن أنت سكنت على رؤيتي طرفة عين فقد جوزتك كلما أظهرته وآتيتك سلطاناً عليه. وقال لي كما تدخل إلي في الصلوة تدخل إلي في قبرك. وقال لي آليت لا بد أن تمشي مع كل واحد أعماله، فأن فارقها في حيوته دخل إلي وحده فلم يضق به قبره، وان لم يفارقها في حيوته دخلت معه إلى قبره فضاق به لأن أعماله لا تدخل معه علوماً إنما تتمثل له شخصاً فتدخل معه. وقال لي أنظر إلى صفة ما كان من أعمالك كيف تمشي معك وكيف تنظر إليها تمشي منك بحيث تكون بينك وبين ما سواها من الأعمال والاتباع فتدافع عنك والملائكة يلونها وما سواها الأعمال وراء ذلك كله فأبدى ما كان لي من عملك في خلال تلك الفرج تدافع عنك كما كنت تدافع عنها وتنظر أنت إليها كما تنظر إلى المتكفل بنصرك والى الباذل نفسه من دونك وتنظر إليك كما كنت تنظر إليها وتقول إلي فأنا المتكفل بنصرك أنا الباذل نفسه دونك، حتى إذا جئتما إلى البيت المنتظر فيه ما ينتظر، وماذا ينتظر، ودعتك وداع العائد إليك، وودعتك الملائكة وداع المثبت لك ودخلت إلي وجدك لا عملك معك وان كان حسناً لأنك لا تراه أهلاً لنظري ولا الملائكة معك وان كانوا أوليائك، لأنك لا تتخذ ولياً غيري فتنصرف الملائكة إلى مقاماتهم بين يدي وينصرف ما كان لي عملك إلي. وقال لي تعلم ولا تسمع من العلم وأعمل ولا تنظر إلى العمل. وقال لي عمل الليل عماد لعمل النهار. وقال لي تخفيف عمل النهار أدوم فيه، وتطويل عمل الليل أدوم فيه. وقال لي أن أردت أن تثبت بين يدي في عملك فقف بين يدي لا طالباً مني ولا هارباً إلي، انك إن طلبت مني فمنعتك رجعت إلى الطلب لا إلي أو رجعت إلى اليأس لا إلى الطلب، وأنك إن طلبت مني فأعطيتك رجعت عني إلى مطلبك، وان هربت إلي فأجرتك رجعت عني إلى الأمن من مهربك من خوفك وأنا أريد أن أرفع الحجاب بيني وبينك فقف بين يدي لأني ربك ولا تقف بين يدي لأنك عبدي. وقال لي إن وقفت بين يدي لأنك عبدي ملت ميل العبيد، وان وقفت بين يدي لأني ربك جاءك حكمي القيوم فحال بين نفسك وبينك. وقال لي إن أنحصر علمك لم تعلم، وان لم ينحصر عملك لم تعمل. وقال لي العمل عملان راتب وزائر، فالراتب لا يتسع العلم ولا يثبت العمل إلا به، والزائر لا يتسع العلم به. وقال لي إن عملت الراتب ولم تعمل الزائر ثبت علمك ولم يتسع، وان عملت الزائر والراتب ثبت علمك واتسع. وقال لي أعرف صفتك التي لا يغيب فيها عنك ثم أعرف صفتك التي لا تعجز فيها عن عملك فتعلم ولا تجهل وتعمل ولا تفتر. وقال لي إن لم تعرف صفتك علمت وجهلت وعملت وفترت، فبحسب ما بقي عندك من العلم تعمل وبحسب ما عارضك من الجهل تترك. وقال لي زن العلم بميزان النية، وزن العمل بميزان الإخلاص. موقف التذكرة أوقفني في التذكرة وقال لي لا تثبت إلا بطاعة الآمر، ولا تستقيم إلا بطاعة النهي. وقال لي إن لم تأتمر ملت، وان لم تنته زغت. وقال لي لا تخرج من بيتك إلا إلي تكن في ذمتي وأكن دليلك، ولا تدخل إلا إلي إذا دخلت تكن في ذمتي وأكن معينك. وقال لي أنا الله لا يدخل إلي بالأجسام، ولا تدرك معرفتي بالأوهام. وقال لي إن وليتني من علمك ما جهلت فأنت ولي فيه. وقال لي كلما رأيته بعينك وقلبك من ملكوتي الظاهر والخفي فأشهدتك تواضعه لي وخضوعه لبهاء عظمتي لمعرفة أثبتها لك فتعرفها بالإشهاد لا بالعبارة فقد جوزتك عنها وعما لا ينفذ من علوم غيرها وألسنة نواطقها وفتحت لك فيها أبوابي التي لا يلجها إلي من قويت معرفته بحمل معرفتها فحملتها ولم تحملك لما أشهدتك منها ولما لم أشهدها منك فوصلت إلى حد الحضرة وقبل بين يدي فلان بن فلان فأنظر عندها من أنت ومن أين دخلت وماذا عرفت حتى دخلت ولماذا وسعت حتى حملت. وقال لي إذا أشهدتك كل كون إشهاداً واحداً في رؤيةواحدة فلي في هذا المقام اسم إن علمته فادعني به وان لم تعلمه فادعني بوجد هذه الرؤية في شدائدك. وقال لي صفة هذه الرؤية أن ترى العلو والسفل والطول والعرض وما في كل ذلك وما كل ذلك به فيما ظهر فقام، وفيما سخر فدام، فتشهد وجوه ذلك راجعة بأبصارها إلى أنفسها إذا لا يستطيع أن يقبل كل جزيئة منها إلا إلى أجزائها، وتشهد منها مواقع النظر المثبت فيها الوجود تسبيحها منعرجة إلي بتماجيد ثنائها شاخصة إلي بالتعظيم المذهل لها عن كل شيء إلا عن دؤوبها في أذكارها، فإذا شهدتها راجعة الوجوه فقل يا قهار كل شيء بظهور سلطانه، ويا مستأثر كل شيء بجبروت عزه، وأنت العظيم الذي لا يستطاع ولا تستطاع صفته، وإذا شهدتها شاخصة للتعظيم فقل يا رحمن يا رحيم أسألك برحمتك التي أثبت بها في معرفتك، وقويت بها على ذكرك، وأسميت بها الأذهان إلى الحنين إليك، وشرفت بها مقام من تشاء من الخلق بين يديك. وقال لي إذا سلمت إلي ما لا تعلم فأنت من أهل القوة عليه إذا أبديت لك علمه، وإذا سلمت إلي ما علمت كتبتك فيمن أستحي منه. وقال لي المعرفة ما وجدته، والتحقق بالمعرفة ما شهدته. وقال لي العالم يستدل علي فكل دليل يدله إنما له يدله على نفسه لا علي، والعارف يستدل بي. وقال لي العلم حجتي على كل عقل فهي فيه ثابتة لا يذهل العقل عنها وأن تذاهل، ولا يرحل عن علمه وان أعرض. وقال لي لكل شيء شجر، وشجر الحروف الأسماء، فاذهب عن الأسماء تذهب عن المعاني. وقال لي إذا ذهبت عن المعاني صلحت لمعرفتي. موقف الأمر أوقفني في الأمر وقال لي إذا أمرتك فامض لما أمرتك ولا تنتظر به علمك إنك إن تنتظر بأمري علم أمري تعص أمري وقال لي إذا لم تمض لأمري أو يبدو لك علمه فلعلم الآمر أطعت لا للأمر. وقال لي أتدري ما يقف بك عن المضي في أمري وتنتظر علم أمري هي نفسك تبتغي العلم لتنفصل به عن عزيمتي بهواها في طرقاته، إن العلم ذو طرقات وان الطرقات ذوات فجاج وان الفجاج ذوات مخارج ومحاج وان المحاج ذوات الاختلاف. وقال لي امض لأمري وإذا أمرتك ولا تسألني عن علمه كذلك أهل حضرتي من ملائكة العزائم يمضون لما أمروا به ولا يعقبون، فامض ولا تعقب، فامض ولا تعقب تكن مني وأنا منك. وقال لي ما ضنة عليك أطوى علم الأمر إنما العلم موقف لحكمه الذي جعلته له فإذا أذنتك بعلم فقد أذنتك بوقوف به إن لم تقف به عصيتني لأني أنا جعلت للعلم حكماً فإذا أبديت لك العلم فرضت عليك حكمة. وقال لي إذا أردتك بحكمي لا بحكم العلم أمرتك فمضيت للأمر لا تسألني عنه ولا تنتظر مني علمه. وقال لي إذا أمرتك فجاء عقلك يجول فيه فانفة وإذا جاء قلبك يجول فيه فاصرفه حتى تمضي لأمري ولا يصحبك سواه فحينئذ تتقدم فيه، وان صحبك غيره أوقفك دونه فعقلك يوقفك حتى يدري فإذا درى رجح، وقلبك يوقفك حتى يدري فإذا درى ميل. وقال لي إذا أشهدتك كيف تنفذ أوليائي في أمري لا ينتظرون به علمه ولا يرتقبون به عاقبته رضوا به بدلاً من كل علم وان جمع علي ورضوا بي بدلاً من كل عاقبة وان كانت دارى ومحل الكرامة بين يدي فأنا منظرهم لا يسكنون أو يروني ولا يستقرون أو يروني فقد أذنتك بولايتي لأنك أشهدتك كيف تأتمر لي إذا أمرتك في تعرفي وكيف تنفد عني وكيف ترجع إلي، عبدي لا تنتظر بأمري علمه ولا تنتظر به عاقبته انك إن انتظرتهما بلوتك فحجبك البلاء عن أمري وعن علم أمري الذي انتظرته ثم أعطف عليك فتنيب ثم أعود عليك فأتوب ثم تقف في مقامك ثم أتعرف إليك ثم آمرك في تعرفي فامض له ولا تعقب أكن أنا صاحبك، عبدي أجمع أول نهارك وإلا لهوته كله واجمع أول ليلك وإلا ضيعته كله فأنك إذا جمعت أوله جمعت لك أخره. وقال لي أكتب من أنت لتعرف من أنت فان لم تعرف من أنت فما أنت من أهل معرفتي. وقال لي أليس إرسالي إليك العلوم من جهة قلبك إخراجاً لك من العموم إلى الخصوص أو ليس تخصصي لك بما تعرفت به إليك من طرح قلبك وطرح ما بدا لك من العلوم من جهة قلبك إخراجاً لك إلى الكشف أو ليس الكشف أن تنفى عنك كل شيء وعلم كل شيء وتشهدني بما أشهدتك فلا يوحشك الموحش حين ذلك ولا يؤنسك المؤنس حين أشهدك وحين أتعرف إليك ولو مرة في عمرك إيذاناً لك بولايتي لأنك تنفي كل شيء بما أشهدتك فأكون المستولي عليك وتكون أنت بيني وبين كل شيء فتليني لا كل شيء ويليك كل شيء لا يليني، فهذه صفة أوليائي فاعلم أنك ولي وأن علمك علم ولايتي فاودعني اسمك حتى ألفاك أنا به ولا تجعل بيني وبينك إسماً ولا علماً واطرح كل شيء أبديه لك من الأسماء والعلوم لعزة نظري ولئلا تحتجب به عني فلحضرتي بنيتك لا للحجاب عني ولا لشيء هو من دوني جامعاً كان لك أو مفرقاً فالمفرق زجرتك عنه بتعريفي والجامع زجرتك عنه بغيرة ودي فاعرف مقامك في ولايتي فهو حدك الذي إن قمت فيه لم تستطعك الأشياء وان خرجت منه تخطفك كل شيء. وقال لي أتدري ما صفتك الحافظة لك بإذني هي مادتك في جسدك وذلك هو رفق بصفتك وحفظ لقلبك، احفظ قلبك من كل داخل يدخل عليه يميل به عني ولا يحمله إلي، بصفتك في عبادتي تجمع همك علي. وقال لي مقامك مني هو الذي أشهدتك تراني أبدي كل شيء وترى النار تقول ليس كمثله شيء وترى الجنة تقول ليس كمثله شيء وترى كل شيء يقول ليس كمثله شيء فمقامك مني هو ما بيني وبين الإبداء. وقال لي إذا كنت في مقامك لم يستطعك الإبداء لأنك تلبني فسلطاني معك وقوتي وتعرفي. وقال لي أنا ناظرك وأحب أن تنظر إلى الإبداء كله يحجبك عني، نفسك حجابك وعلمك حجابك ومعرفتك حجابك وأسماؤك حجابك وتعرفي إليك حجابك فأخرج من قلبك كل شيء وأخرج من قلبك العلم بكل شيء وذكر كل شيء وكلما أبديت لقلبك بادياً فألفه إلى بدوه وفرغ قلبك لي لتنظر إلي ولا تغلب علي. موقف المطلع أوقفني في المطلع وقال لي أين اطلعت رأيت الحد جهرة ورأيتني بظهر الغيب. وقال لي إذا كنت عندي رأيت الضدين والذي أشهدتهما فلم يأخذك الباطل ولم يفتك الحق. وقال لي الباطل يستعير الألسنة ولا يوردها موردها كالسهم تستعيره ولا تصيب به. وقال لي الحق لا يستعير لساناً من غيره. وقال لي إذا بدت أعلام الغيرة ظهرت أعلام التحقيق. وقال لي إذا ظهرت الغيرة لم تستتر. وقال لي أطلع في العلم فأن رأيت المعرفة فهي نوريته، واطلع في المعرفة فأن رأيت العلم فهو العلم فهو نوريتها. وقال لي أطلع في العلم فأن لم تر المعرفة فاحذره، واطلع إلى المعرفة فان لم تر العلم فاحذرها. وقال لي المطلع مشكاتي التي من رأها لم ينم. وقال لي المطلع رؤية الموجب والمطلع في الموجب رؤية المراد. وقال لي يا عالم اجعل بينك وبين الجهل فرقاً من العلم وإلا غلبك، واجعل بينك وبين العلم فرقاً من المعرفة وإلا اجتذبك. وقال لي أوحيت إلى التقوى أثبتي وثبتي، وأوحيت إلى المعصية تزلزلي وزلزلي. وقال لي العلم بابي والمعرفة بوابي. وقال لي اليقين طريقي الذي لا يصل سالك إلا منه. وقال لي من علامات اليقين الثبات، ومن علامات الثبات الآمن في الروع. وقال لي إن أردت لي كل شيء علمتك علماً لا يستطيعه الكون وتعرفت إليك معرفة لا يستطيعها الكون. وقال لي إن أردتني أردت بي بكل شيء وأردت بي كل شيء علمتك علماً لا يستطيعه الكون. وقال لي عارف علم عاقبته فلا يصلح إلا على علمها، وعارف جهل عاقبته فلا يصلح إلا على جهلها. وقال لي من صلح على علم عاقبته لم تعمل فيه مضلات الفتن، ومن صلح على جهل عاقبته مال واستقام. وقال لي من يعلم عاقبته ويعمل يزدد خوفاً. وقال لي الخوف علامة من علم عاقبته، والرجاء علامة من جهل عاقبته. وقال لي من علم عاقبته وألقاها وعلمها إلي أحكم فيها بعلمي الذي لا مطلع عليه لقيته بأحسن مما علم وجئته بأفضل مما فوض. وقال لي يا عارف إن ساويت العالم إلا في الضرورة حرمتك العلم والمعرفة. وقال لي يا عارف أين الجهالة منك إنما ذنبك على المعرفة. وقال لي يا عارف اطلع في قلبك فما رأيته يطلبه فهو معرفته وما رأيته يحذر فهو مطلعه. وقال لي يا عارف دم وإلا أنكرت، يا عالم أفتر وإلا جهلت. وقال لي يا عارف أرى عندك قوتي ولا أرى عندك نصرتي أفتتخذ إلهاً غيري. وقال لي يا عارف أرى عندك دلالتي ولا أراك في محجتي. وقال لي يا عارف أرى عندك حكمتي ولا أرى عندك خشيتي أفهزئت بي. وقال لي من لم يفر إلي ولم يصل إلي، ومن لم أتعرف إليه لم يفر إلي. وقال لي إن ذهب قلبك عني لم أنظر إلى عملك. وقال لي إن لم أنظر إلى عملك طالبتك بعلمك وان طالبتك بعلمك لم توفني بعملك. وقال لي إن لم تعرض عما أعرضت عنه لم تقبل على ما أقبلت عليه. وقال لي إن أخذتك في المخالفة ألحقت التوبة بالمخالفة، وان أخذتك في التوبة ألحقت المخالفة بالتوبة. وقال لي حدث عني وعن حقوقي وعن نعمتي فمن فهم عني فأتخذه عالماً، ومن فهم عن حقي فأتخذه نصيحاً، ومن فهم عن نعمتي فاتخذه أخاً. وقال لي من لم يفهم عني ولا عن حقي ولا عن نعمتي فأتخذه عدواً فان جاءك بحكمتي فخذها منه كما تأخذ ضالتك من الأرض المسبعة. وقال لي الذي يفهم عني يريد بعبادته وجهي، والذي يفهم عن حقي يعبدني من أجل خوفي، والذي يفهم عن نعمتي يعبدني رغبة فيما عندي. وقال لي من عبدني وهو يريد وجهي دام، ومن عبدني من أجل خوفي فتر، ومن عبدني من أجل رغبته أنقطع. وقال لي العلماء ثلاثة فعالم هداه في قلبه، وعالم هداه في سمعه، وعالم هداه في تعلمه. وقال لي القراء ثلاثة فقارئ عرف الكل، وقارئ عرف النصف، وقارئ عرف الدرس. وقال لي الكل الظاهر والباطن، والنصف الظاهر، والدرس التلاوة. وقال لي إذا تكلم العارف والجاهل بحكمة واحدة فاتبع إشارة العارف وليس لك من الجاهل إلا لفظه. موقف الموت أوقفني في الموت فرأيت الأعمال سيئات ورأيت الخوف يتحكم على الرجاء ورأيت الغنى قد صار ناراً ولحق بالنار ورأيت الفقر خصماً يحتج ورأيت كل شيء لا يقدر على شيء ورأيت الملك غروراً ورأيت الملكوت خداعاً، وناديت يا علم فلم يجبني وناديت يا معرفة فلم تجبني، ورأيت كل شيء قد أسلمني ورأيت كل خليقة قد هرب مني وبقيت وحدي، وجاءني العمل فرأيت فيه الوهم الخفي والخفي الغابر فما نفعني إلا رحمة ربي، وقال لي أين علمك فرأيت النار. وقال لي أين عملك، فرأيت النار. وقال لي أين معرفتك، فرأيت النار. وكشف لي عن معارفه الفردانية فخمدت النار. وقال لي أنا وليك، فثبت. وقال لي أنا معرفتك، فنطقت. وقال لي أنا طالبك، فخرجت. موقف العزة أوقفني في العزة وقال لي لا يجاورني وجد بسواى ولا بسوى الآني ولا بسوى ذكراي ولا بسوى نعماي. وقال لي أذهب عنك وجد السوى وما من السوى بالمجاهدة. وقال لي إن لم تذهبه بالمجاهدة أذهبته النار السطوة. وقال لي كما تنقل المجاهدة عن وجد السوى إلى الوجد بي وبما مني كذلك النار تنقل عن وجد السوى إلى الوجد بي وبما منى. وقال لي آليت لا يجاورني إلا من وجد بي أو بما منى. وقال لي وجدك بالسوى من السوى والنار سوى ولها على الأفئدة مطلع فإذا أطلعت على الأفئدة فرأت فيها السوى رأت ما منها فاتصلت به، وإذا لم تر هي منه لم تتصل به. وقال لي ما أدرك الكون تكوينه ولا يدركه. وقال لي كل خلقة هي مكان لنفسها وهي حد لنفسها. وقال لي رجعت العلوم إلى مبالغها من الجزاء، ورجعت المعارف إلى مبالغها من الرضا. وقال لي أنا أظهرت القولية بمحتمل الأسماع والأفكار وما لا يحمل أكثر مما يحمل، وأنا أظهرت الفعلية بمحتمل العقول والأبصار وما لا يحتمل أكثر مما يحمل. وقال لي أنظر إلى الإظهار تنعطف بعضيته على بعضيته وتتصل أسباب جزئيتة بأسباب جزئيته فما له عنه مدار وأن جال، ولا له مستند إذا مال. وقال لي أنظر إلي فأني لا يعود علي عائدة منك ولكن تثبت بثباتي الدائم فلا تستطيعك الاغيار. وقال لي لو اجتمعت القلوب بكنه بصائرها المضيئة ما بلغت حمل نعمتي. وقال لي العقل آلة تحمل حدها من معرفة، والمعرفة بصيرة تحمل حدها من اشهادي، والإشهاد قوة تحمل حدها من مرادي. وقال لي إذا بدت العظمة رأى العارف معرفته نكره وأبصر المحسن حسنته سيئة. وقال لي لا تحمل الصفة ما يحمله العلم فأحفظ العلم منك وقف صفة على حدها منه ولا تقفها على حدها منها. موقف التقرير أوقفني في التقرير وقال لي تريدني أو تريد الوقفة أو تريد هيئة الوقفة، فأن أردتني كنت في الوقفة لا في إرادة الوقفة وان أردت الوقفة كنت في إرادتك لا في الوقفة وان أردت هيئة الوقفة عبدت نفسك وفاتتك الوقفة. وقال لي الوقفة وصف من أوصافي الوقار والوقار وصف من أوصاف البهاء والبهاء وصف من أوصاف الغنى والغنى وصف من أوصاف الكبرياء والكبرياء وصف من أوصاف الصمود والصمود وصف من أوصاف العزة والعزة وصف من أوصاف الوحدانية والوحدانية وصف من أوصاف الذاتية. وقال لي خروج الهم عن الحرف وعما ائتلف منه وانفرق. وقال لي إذا خرجت عن الحرف خرجت عن الأسماء، وإذا خرجت عن الأسماء خرجت عن المسميات، وإذا خرجت عن المسميات خرجت عن كل ما بدا وإذا خرجت عن كل ما بدا قلت فسمعت ودعوت فأجبت. وقال لي إن لم تجز ذكرى وأوصاف محامدي وأسمائي رجعت من ذكرى إلى أذكارك ومن وصفي إلى أوصافك. وقال لي الواقف لا يعرف المجاز، وإذا لم يكن بيني وبينك مجاز لم يكن بيني وبينك حجاب. وقال لي إن ترددت بيني وبين شيء فقد عدلت بي ذلك الشيء. وقال لي إن دعوتك فلا تنظر باتباعي طرح الحجاب فلن تحصر عده ولن تستطيع أبداً طرحه. وقال لي إن استطعت طرحه فإلي أين تطرحه والطرح حجاب والأين المطروح فيه حجاب، فإتبعني أطرح حجابك فلا يعود ما طرحته وأهدي سبيلك فلا يضل ما هديت. وقال لي إذا رأيتني فإن أقبلت على الدنيا فمن غضبي وان أقبلت على الآخرة فمن حجابي وان أقبلت على العلوم فمن حبسي وان أقبلت على المعارف فمن عتبي. وقال لي إن سكنت على عتبي أخرجتك إلى حبسي، إن وصفي الحياء فأستحي أن يكون معاتبي بحضرتي، فأن سكنت على حبسي أخرجتك إلى حجابي وان سكنت على حجابي أخرجتك إلى غضبي. وقال لي إذا أردت لي كل شيء لم تفتن، وإذا أردت مني كل شيء لم تنخدع. وقال لي معارف كل شيء توجد به أسماؤه من معارفه، وإذا سقطت معالم الشيء سقط الوجد به. وقال لي لكل شيء اسم لازم ولكل اسم أسماء، فالأسماء تفرق عن الاسم والاسم يفرق عن المعنى. موقف الرفق أوقفني في الرفق وقال لي إلزم اليقين تقف في مقامي، والزم حسن الظن تسلك محجتي ومن سلك في محجتي وصل إلي. وقال لي اجتمع باسم اليقين على اليقين. وقال لي إذا اضطربت فقل بقلبك اليقين تجتمع وتوقن، وقل بقلبك حسن الظن تحسن الظن. وقال لي من أشهدته أشهدت به ومن عرفته عرفت به ومن هديته هديت به ومن دللته دللت به. وقال لي وقال اليقين يهديك إلى الحق والحق المنتهى، وحسن الظن يهديك إلى التصديق والتصديق يهديك إلى اليقين. وقال لي حسن الظن طريق من طرق اليقين. وقال لي إن لم ترني من وراء الضدين رؤية واحدة لم تعرفني. موقف بيته المعمور أوقفني في بيته المعمور فرأيته وملائكته ومن فيه يصلون له ورأيته وحده ولا بيت مواصلاً في صلوته إلى الدوام ورأيتهم لا يواصلون يحيط بصلواتهم علماً ولا يحيطون، وقال لي أسررت الحكومة بيتي في كل بيت فحكمت بها لبيتي على كل بيت. وقال لي أخل بيتك من السوى واذكرني بما أيسر لك ترني في كل جزيئة منه. وقال لي أما تراه إذا ما عمرته بسواي ترى في كل جزيئة منه خاطفاً كاد أن يخطفك. وقال لي خذ فقه بيتك بنعمي تتنعم به. وقال لي إذا رأيتني في بيتك وحدي فلا تخرج منه وإذا رأيتني والسوى فغط وجهك وقلبك حتى يخرج السوى فأنك إن لم تغطها خرجت وبقي السوى وإذا بقي السوى أخرجك من بيتك إليه فلا أنا ولا بيت. وقال لي حكومة خروجي من بيتك أخرجتك. وقال لي لا تحجبني عن بيتك فانك إن أقمتني على بابه وغلقته من دوني أقمتك على كل أبواب السوى ذليلاً وأظهرت تعززهم عليك. وقال لي وجهي قبلته وعيني بابه أقبل عليه بكلك تجده مسلماً لك. وقال لي إذا رأيتني وحدي في بيتك فلا ضحك ولا بكاء، وإذا رأيتني والسوى فبكاء، وإذا خرج السوى فضحك نعماء. وقال لي أنظر إلى أصناف ردي لك عن أصناف السوى أغرت عليك أم أطرحتك. وقال لي أحفظ عينيك وكل الجميع إلي. وقال لي إنك إن لم حفظتهما حفظت قلبك وحكومته. وقال لي بيتك هو طريقك بيتك هو قبرك بيتك هو حشرك أنظر كيف تراه كذا ترى ما سواه. وقال لي إذا رأيتني في بيتك وحدي فهو الحرم الآمن يؤمنك من سواي، وإذا لم ترني في بيتك فاطلبني في كل شيء فإذا رأيتني فاهجم ولا تستأذن. وقال لي القول حجاب فناء القول غطاء فناء الغطاء خطر فناء الخطر صحة، علم ذلك يكون حقيقته لا تكون. وقال لي أنت ضالتي فإذا أوجدتنيك فأنت حسبي. وقال لي إذا رأيتني ولم تر اسمي فانتسب إلى عبودتي فأنت عبدي. وقال لي إذا رأيتني ورأيت اسمي فأنا الغالب. وقال لي إذا رأيت اسمي ولم ترني فما عملك بي ولا أنت عبدي. وقال لي أزح عللك تراني متسوي لا ريب. وقال لي قف بحيث أنت واعرف نفسك ولا تنس خلقك تراني مع كل شيء فإذا رأيته فألق المعية وابق لي فلا أغيب عنك. موقف ما يبدو أوقفني فيما يبدو فيخفي ولا يخفى فيبدو ولا معنى فيكون معنى، وقال لي قف في النار، فرأيته يعذب بها ورأيتها جنة ورأيت ما ينعم به في الجنة هو ما يعذب به في النار. وقال لي أحد لا يفترق صمد لا ينقسم رحمن هو هو. وقال لي قف في الأرض والسماء، فرأيت ما ينزل ما ينزل إلى الأرض مكراً وما يصعد منها شركاً ورأيت الذي يصعد هو عما ينزل ورأيت ما ينزل يدعو إلى نفسه ورأيت ما يصعد يدعو إلى نفسه. وقال لي ينزل مطيتك وما يصعد مسيرك فأنظر ما تركب وأين تقصد. وقال لي تنزل مسافة تصعد مسافة مسافة بعد بعد لا يحادث. وقال لي كيف تكون عندي وأنت بين النزول والصعود. وقال لي ما أخرجت من الأرض عينا جمعت بها علي ولا أنزلت من السماء عيناً جمعت بها علي إنما أبديت كل عين فقسمت بها عني وحجبت عني وحجبت ثم بدأت فجمعت بي وكانت هي الطرق وكانت الطرق جهة. وقال لي قف في الجنة؛ فرأيته يجمع ما أظهر فيها من العيون كما جمع في الأرض ببدوه من وراء العيون فرأيته يبدو لا من وراء العيون فيكون الوراء ظرفاً ورأيته لا يبدو فيخفي ولا يخفى فيبدو ولا معنى فيكون معنى. وقال لي إن أقمت في العرش فما بعده فابق فاراً، وإن أقمت في الذكر فما بعده فابق محجوباً. وقال لي إن كان غيري ضالتك فأظفر بالحرب. وقال لي إن كانت ضالتك تهت إلا عني وحرت إلا معي. وقال لي انظر إلي لما جعلتك ضالتي ألم أقبل عليك. وقال لي أنت ضالتي وأنا ضالتك وما منا من غاب. وقال لي كلما أراك نفسه وأراك غيره به فقد ربطك به وبغيره ونفضك عنه وعن غيره. وقال لي ما أراك سواه ولم يرك نفسه فقد مكربك، وما أراكه ولم يرك سواه رأيت كل شيء في نور نورتيه. موقف لا تطرف أوقفني وقال لي أظهرت كل شيء وأدرأت عنه وأدرأت به عني. وقال لي إذا نظرت إلي أثبت كل شيء فقد آذنتك بمواصلتي. وقال لي كل له علامة ينقسم بها وتنقسم به. وقال لي كن بالمثبت لا يقوم لك الثبت. وقال لي إذا كان إلي المنتهى سقط المعترض. وقال لي لا يكون إلي المنتهى حتى تراني من وراء كل شيء. وقال لي إثباتي لا يمتحي به ولا بي، إني أنا الحكيم المتقن على علم ما وضعت. وقال لي انظر إلي ولا تطرف يكن ذلك أول جهادك في. وقال لي ابن أمرك على الخوف أثبته بالهم ولا تبن أمرك على الرجاء أهدمه إذا تكامل العمل. وقال لي إذا ذهبتك عن الأسماء أذنتك بحكومتي. موقف وأحل المنطقة أوقفني وقال لي إذا رأيتني كان فقرك في إجابة المسئلة. وقال لي إذا رأيتني فلا تسألني في الرؤية ولا في الغيبة لأنك إن سألتني في الرؤية اتخذتها إلهاً من دوني، وإن سألتني في الغيبة كنت كمن لم يعرفني، ولا بد لك أن تسألني وأغضب إن لم تسألني فسلني إذا قلت لك سلني. وقال لي إذا رأيتني فانظر إلي أكن بينك وبين الأشياء، وإذا لم ترني فنادي لا لأظهر ولا لتراني لكن لأني أحب نداء أحبائي لي. وقال لي إذا رأيتني أغنيتك الغنى الذي لا ضد له. وقال لي إن تبعك السوى وإلا تبعته. وقال لي ذكرى رؤيتي جفاء فكيف رؤية سواي أم كيف ذكرى مع رؤية سواي. وقال لي أفل الليل وطلع وجه السحر وقام الفجر على الساق، فاستيقظي أيتها النائمة إلى ظهورك وقفي في مصلاك، فإنني أخرج من المحراب فليكن وجهك أول ما ألقاه فقد خرجت إلى الأرض مراراً وعبرت إلا في هذه المرة، فإني أقمت في بيتي وأريد أن أرجع إلى السماء فظهوري إلى الأرض هو جوازي عليها وخروجي منها وهو آخر عهدها بي، ثم لا تراني ولا ما فيها أبد الآبدين، وإذا خرجت منها إن لم أمسكها لم تقم، وأحل المنطقة فينتثر كل شيء وأنزع درعي ولأمتي فتسقط الحرب وأكشف البرقع ولا ألبسه وأدعو أصحابي القدماء كما وعدتهم فيصيرون إلي وينعمون ويتنعمون ويرون النهار سرمداً ذلك يومي ويومي لا ينقضي. وقال لي آليت لا يجدني طالب إلا في الصلوة وأنا مليل الليل ومنهر النهار. موقف لا تفارق اسمي أوقفني بين أولية إبدائه وآخرية إنشائه وقال لي إن لم ترني فلا تفارق اسمي. وقال لي إذا وقفت بين يدي ناداك كل شيء فاحذر أن تصغي إليه بقلبك فإذا أصغيت إليه فكأنك قد أجبته. وقال لي إذا ناداك العلم بجوامعه في صلوتك فأجبته انفصلت عني. وقال لي إذا نظرت إلى قلبك لم يخطر به شيء. وقال لي إن رأيتني في قلبك قويت على المصابرة. وقال لي أحبابي الذين لا أرى لهم. وقل لي بدنك بعد الموت في محل قلبك بعد الموت. وقال لي إذا وقفت بين يدي فلا يقف معك سواك. وقال لي إذا صار السوى خاطراً مذموماً سقطت الجنة والنار. وقال لي الصدق أن لا يكذب اللسان والصديقية أن لا يكذب القلب. وقال لي كذب اللسان أن يقول ما لم يقل وأن يقول ولا يفعل، وكذب القلب أن يعقد فلا يفعل. وقال لي كذب القلب استماع الكذب. وقال لي الكذب كله لغة سواي والحق الحقيقي لغتي إن شئت أنطقت بها حجراً أو بشراً. وقال لي كلما علقك بي فهو نطقي عن لغتي. وقال لي التمني من كذب القلب. وقال لي الأماني غرس العدو في كل شيء. وقال لي الرجاء في مجاورة الأماني والمجاورة اطلاع. وقال لي لكل متجاورين صحبة. وقال لي حقيقة الترجية أن أعلقك بي لا في معنى ولا بمعنى، ولن تناله حتى يحرق الخوف ما سواه. وقال لي أفسدتك على كل شيء وجعلت ذلك حجاباً بينك وبينه فلا تخرق الحجاب بالتعرض له فأرسل عليك مذلته. وقال لي لو صلحت لشيء ما أبديت لك وجهي. وقال لي إذا أعترض لك السوى بفتنته فانظر إلى أولية إنشائه ترى ما يسقطها عنك فإن لم تر في أولية إنشائه فانظر إلى آخرية إبدائه ترى الزهد فيها ولا تراه. وقال لي الأولى قوة الأخرى ضعف، فاستغفرني من ضعف قويت عليه يضعف. وقال لي إذا لم ترني فلا تفارق اسمي. موقف أنا منتهى أعزائي أوقفني وقال لي العلم على من رآني أضر من الجهل. وقال لي الحسنة عشرة لمن لم يرني والحسنة سيئة لمن رآني. وقال لي إذا رأيتني كانت سلامتك في الفترة أكثر منها في العبادة، وإذا لم ترني كانت سلامتك في العمل أكثر منها في الفترة. وقال لي إذا رأيتني قسمك عني كلما تراه سواي بعينك وقلبك. وقال لي استغفرني من فعل قلبك أكفك تقلبه. وقال لي فعل القلب أصل لفعل البدن فانظر ماذا تغرس وانظر الغرس ماذا يثمر. وقال لي يدي على القلب فإن كففت عنه يده لا تأخذ به ولا تعطى غرست تعرفي به فأثمر أن تراني. وقال لي خف حسنة تهدم حسناتك، وخف ذنباً يبني ذنوبك. وقال لي إذا رأيتني فحصلت ما تتصرف به عني لم أغب عنك. وقال لي البلاء بلاء من رآني لا يستطيع مداومتي ولا تستطيع مفارقته وأنا ذلك أطويه وأنشره وفي الطي موته وفي النشر حيوته. وقال لي أنا منتهى أعزائي إذا رأوني اطمأنوا بي. وقال لي من لم يرني فهو منتهي نفسه. وقال لي شاور من لم يرني في دنياك وآخرتك واتبع من رآني ولا تشاوره. وقال لي الاستشارة عن ضلال والمشورة هجوم، فمن رآني أين يهجم ومن أين لا يهجم. وقال لي اصحب من لم يرني يحملك وتحمله، ولا تستصحب من رآني يقطع بك آمن ما كنت به. وقال لي إذا رأيتني ورأيت من لم يرني فاسترني عنه بالحكمة فان لم تفعل وتاه أخذتك به، وإذا لم ترني ورأيت من رآني فاحفظ حدك فما تراني برؤيته. وقال لي إذا رأيتني ورأيت من رآني فأنا بينكما أسمع وأجيب. وقال لي والذين جاهدوا فينا الذين رأوني فلما غبت غطوا عيونهم غيرة أن يشركوا بي في الرؤية. وقال لي الغيرة لا تصح أو تفنى القسمة والقسمة لا تفنى وأنا غائب. وقال لي لنهديهم سبلنا لنكشفن لهم في كل شيء عن مواقع نظرنا فيه. وقال لي إنما أمرنا لشيء إذا أردناه بالإرادة نشهده المعرفة فإذا عرف قلنا له كن فيكون إجابة. موقف كدت لا أواخذه أوقفني وقال لي أسرع شيء عقوبة القلب. وقال لي كدت لا أغفر له وكدت لا أواخذه. وقال لي إن جعلت لغيري عليك مطالبة أشركت بي فاهرب هربين هرباً من الغريم وهرباً من يدي. وقال لي إن جعلت لك معي مطالبة فقد سويت بي. وقال لي أنا باد لا للبدو ولا لنفية ولا لأرى ولا لأن لا أرى ولا لما ينعطف عليه لام علة باد ليس فيه إلا باد. وقال لي أنا غيب لا عما ولا عن ولا عن ولا لم ولا لأن ولا في ولا فيما ولا بما ولا مستودعية ولا ضدية. وقال لي أنا في كل شيء بلا اينية فيه ولا حيثية منه ولا محلية منفصلة ولا متصلة ولست فيها ولا هو في وأنا أبدو لك فأفنى منك ما تتعلق به من المعرفة وأبقى لك ما تتعلق به من العلم فأنا الواقف بينك وبينها بنوري فتجد سلطانه عليك بها أو بك. وقال لي القلب الذي يراني محل البلاء. وقال لي ما سلمت إلي شيئاً فأذللته لشيء. وقال لي الغير كله طريق الغير. وقال لي إذا رأيتني كان بلاؤك بعدد كل شيء وكان كل شيء بلاءك. وقال لي يا من بلاؤه كل شيء صرفت البلاء عنك بالعافية والعافية داخلة في الشيئية والشيئية بلاء والبلاء والعافية إذا رأيتني عليك سواء فأيهما أصرف والصرف بلاء. وقال لي إذا رأيتني فلا عافية إلا في نظرك إلي وهو بلاء لأن نظرك ضدية غضك والضدية بلاء. وقال لي حجابي البلاء وحجابك البلاء، حرق حجابي حجابك فأزاله الحرق فخرجت من بلائك إلى بلائي. وقال لي انتقب بي كما انتقبت بك تسري إلي كل عين فلا ترى عندي سواك وتسري إليك فإذا إليك فإذا سرت فلا ترى عندك سواي. موقف لي أعزاء أوقفني وقال لي ما صرفت عنك عن الحجاب؛ الآخرة أكثر وأعظم مما صرفته عنك من الحجاب بالدنيا. وقال لي وعزتي إن لي أعزاء لا يأكلون في غيبتي ولا يشربون ولا ينامون ولا ينصرفون. وقال لي من يجيرك مني إن قلت ما لا أراد به فاحذر فلا أغفره. وقال لي فرق بين غبت عنه ليعتذر وبين من غبت عنه لينتظر. وقال لي فارقت المنتظر وطالعت المعتذر. وقال لي أنا وعزتي ضيف أعزائي إذا رأوني أفرشوني أسرارهم وحجبوا عني قلوبهم وأخدموني اختيارهم. وقال لي وعزتي لي أعزاء ما لهم عيون فيكون لهم دموع، ولا لهم إقبال فيكون لهم رجوع. وقال لي بي أعزاء ما لهم دنيا فتكون لهم أخرة. وقال لي الآخرة أجر لصاحب دنيا بالحق. وقال لي إن أعزاء لا يرون إلا لي وأعزاء لا يرون إلا بي لفرق ما بينهم أبعد من البعد إلى القرب. وقال لي أدرك أعزائي بي كل شيء وكم يحصل أوليائي لي كل شيء. وقال لي استشرني في مطالبك أقطع ما يتعلق بالمطالب منك. موقف ما تصنع بالمسئلة أوقفني وقال لي إن عبدتني لأجل شيء أشركت بي. وقال لي كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة. وقال لي العبارة ستر فكيف ما ندبت إليه. وقال لي إذا لم أسو وصفك وقلبك إلا على رؤيتي فما تصنع بالمسئلة، أتسألني أن أسفر وقد أسفرت أم تسألني أن أحتجب فإلى من تفيض. وقال لي إذا رأيتني لم يبق لك إلا مسئلتان تسألني في غيبتي حفظك على رؤيتي وتسألني في الرؤية أن تقول للشيء كن فيكون. وقال لي ثالثة لهما إلا من العدو. وقال لي أبحتك قصد مسئلتي في غيبتي وحرمت عليك مسئلتي مع رؤيتي في حال رؤيتي. وقال لي إن كنت حاسباً فاحسب الرؤية من الغيبة فأيهما غلبت حكمه في المسئلة. وقال لي إذا لم أغب في أكلك قطعتك عن السعي له، وإذا لم أغب في نومك لم أغب في يقظتك. وقال لي عزمك على الصمت في رؤيتي حجبة فكيف على الكلام. وقال لي العزم لا يقع في الغيبة. وقال لي انظر إلي في تعرفني في تعرفي إليك. وقال لي من لا يعرف نعمتي كيف يشكرني. وقال لي لا أبدو لعين ولا قلب إلا أفنيته. وقال لي تراني فيما تقول، تراني في جزعك كيف تجزع، تراني في الفتنة كيف تحتوي عليك الذلة. وقال لي اعرف حالك من المستند. وقال لي إن كان المستند ذكرى ردك إلي. موقف حجاب الرؤية أوقفني وقال لي الجهل حجاب الرؤية والعلم حجاب الرؤية، أنا الظاهر لا حجاب وأنا الباطن لا كشوف. وقال لي من عرف الحجاب أشرف على الكشف. وقال لي الحجاب الواحد والأسباب التي يقع بها مختلفة وهي الحجب المتنوعة. وقال لي رأس الآمر أن تعلم من أنت خاص أم عام. وقال لي إن لم يعمل الخاص على أنه خاص هلك. وقال لي كاد علم العام يشرف به من النجاة. وقال لي الخاص يبدو له باد مني يهيمن على سواه ولا يهيمن عليه، والعام ليس بيني وبينه إلا الإقرار. وقال لي الخاص الراجع إلي بهمه. وقال لي كلاهما مفتقر إلى صاحبه كرأس المال والربح. وقال لي أنت بينهما في غيبتي. وقال لي ما في رؤيتي مال ولا ربح. وقال لي رأس المال في غيبتي رؤيتي وربحه اللجاء في الحفظ. وقال لي إن كنت ذا مال فما أنا منك ولا أنت مني. وقال لي المسئلة ضم عبادته أن تذكرني بلغته. وقال لي إنما يريد العدو أن يذكرني بأذكاره. وقال لي الغيبة وطن ذكر، والرؤية لا وطن ولا ذكر. وقال لي إذا غبت فادعني ونادي وسلني ولا تسأل عني فإنك إن سألت عني غائباً لم يهديك وإن سألت عني رائياً لم يخبرك. وقال لي الرؤية تشهد الرؤية فتغيب عما سواها. وقال لي العلم وما فيه في الغيبة لا في الرؤية. وقال لي الجهل حد في العلم وللعلم حدود بين كل حدين جهل. وقال لي الجهل ثمرة العلم النافع والرضا به ثمرة الإخلاص الصادق. وقال لي إن اعتبرت الغيبة بعين الرؤية رأيت ائتلاف الداء والدواء فضاع حقي وخرجت عن عبوديتي. وقال لي رؤيتي لا تأمر ولا تنهي، غيبتي تأمر وتنهي. موقف أدعني ولا تسألني أوقفني وقال لي الدنيا سجن المؤمن الغيبة سجن المؤمن. وقال لي الغيبة دنيا وآخرة والرؤية لا دنيا ولا رؤية. وقال لي رؤية خصوص غيبة عموم لا رؤية ولا غيبة حزب العدو. وقال لي ليس أهل الغيبة من لم يكن من أهل الرؤية. وقال لي الصلوة في الغيبة نور. وقال لي ادعني في رؤيتي ولا تسألني وسلني في غيبتي ولا تدعني. وقال لي أنظر ما بدا لم فإن قطعك عن القواطع فهو مني. وقال لي كلما بدا لك فابتدأ يجمعك قبل قطعك فخف مكره. موقف استوى الكشف والحجاب أوقفني وقال لي كل شيء لا يواصلك صلة لي فإنما يواصلك ويختدعك. وقال لي أنظر بعين قلبك إلى قلبك وانظر بقلبك كله إلي. وقال لي إذا رأيتني استوى الكشف والحجاب. وقال لي إذا لم ترني فاعتضد بالثمرة ولا تعضدك ولكنها محل فقرك. وقال لي وارني عن اسمي وإلا رأيته ولم ترني. وقال لي سل كل شيء ولا تسألني عني. وقال لي إذا رأيتني فكأنك لم تخرج من العلم. وقال لي إذا رأيتني خرجت من أهل العذر. وقال لي إذا رأيتني دخلت في جملة الشفعاء. وقال لي إذا رأيتني ضعف عني وحملت الكل. وقال لي سل أوليائي عما أعلمتك وسلني ولا تسألهم عما أجهلتك. موقف البصيرة أوقفني في البصيرة وقال لي قصرت العلم عن معيون ومعلوم. وقال لي المعيون ما وجدت عينه جهرة فهو معلوم معيون، والمعلوم الذي لا تراه العيون هو معلوم لا معيون. وقال لي ما أنا معيون للعيون ولا أنا معلوم للقلوب. وقال لي كل نطق ظهر فأنا أثرته وحروفي ألفته فانظر إليه لا يعدو لغة المعيون والمعلوم وأنا لا هما ولا وصفي مثلهما. وقال لي ما نهاك شيء عن شيء إلا دعاك إليه بما نهاك عنه، وأنا أنهاك فلا أدعوك إلى بما أنهاك عنه وأدعوك إلي فلا أنهاك بما أدعوك به، ذلك الفرق الذي بين وصفي وسواه. وقال لي فعلك لا يحيط بي وأنت فعلي. وقال لي ألق إلي وحكمني أحكم بأقصى مسرتك. وقال لي إذا رأيت سواي فقل هذا البلاء أرحمك. وقال لي إذا رحمتك رأيت رفقي في طرفك إذا نظرت وفي قلبك إذا فكرت. وقال لي قسمت لك ما لا أصرفه وصرفت عنك ما لا أقسمه لك فكن لي فيما أقسمه أصرفك عما صرفته فأصرفه. وقال لي ما تعرفت إلى قلب إلا أفنيته عن المعارف. وقال لي دم في التعظيم تدم في الخوف. وقال لي من كل شيء خاصيته ولك عاتيته فعامتيه تنسب إليك وخاصيته تنسب إلي. وقال لي كل شيء سواي يدعوك إليه بشركة وأنا أدعوك إلي وحدي. موقف الصفح الجميل أوقفني في الصفح الجميل وقال لي لا ترجع إلى ذكر الذنب فتذنب بذكر الرجوع. وقال لي ذكر الذنب يستجرك إلى الوجد به، والوجد به يستجرك إلى العود فيه. وقال لي حتى لا تجمعك إلا الأقوال، وحتى متى لا تجمعك إلا الأفعال. وقال لي إذا اجتمعت بسواى فتفرقت ما اجتمعت. وقال لي ما كان الرسول إليك قولاً أو فعلاً فأنت في عرضة الحجاب. وقال لي حكم الأقوال والأفعال حكم الجدال والبلبال. وقال لي حكم الجدال والبلبال حكم المحال والزلزال. وقال لي إن أردت أن تعرفني فانظر إلى حجاب هو صفة وانظر إلى كشف هو صفة. وقال لي لا تقف في رؤيتي حتى تخرج من الخوف والمحروف. وقال لي لا تجمع بين حرفين ي قول ولا عقد إلا بي، ولا تفرق بين حرفين في قول ولا عقد إلا بي، يجتمع ما جمعت ويفترق ما فرقت. وقال لي إذا قلت للشيء كن فيكون نقلتك إلى النعيم بلا واسطة. وقال لي أطعني لأني أنا الله لا إله إلا هو أنا أجعلك تقول للشيء كن فيكون. وقال لي إن جمعتك الأقوال فلا قرب، وإن جمعتك الأفعال فلا حب. وقال لي اجتمع بي تجتمع بمجتمع كل مجتمع وتستمع بمستمع كل مستمع فتحوي سواك فتخبر عنه ولا يحويك سواك فيخبر عنك. وقال لي قرب هو صفة بعد هو صفة حجاب هو صفة كشف هو صفة. وقال لي قف من وراء الكون، فرأيت الكون فسألت الكون فجهل الكون فسألت الجهل فجهل الجهل. وقال لي القوة في وجد الجهل الدائم والعزم في القوة والصبر في العزم والثبات في الصبر والمعرفة في الثبات وهو مسكنها. وقال لي انظر الشاهد الذي أنت به في الغيبة هو الشاهد الذي أنت به في الذمة. وقال لي أكلت من يدي لم تطعك جوارحك في معصيتي. وقال لي إنما تطيع كل جارحة من يأكل من يده. وقال لي الشاهد الذي به تلبس هو الشاهد الذي به تنزع. وقال لي الشاهد الذي تستقر هو الشاهد الذي فيه تستقر. وقال لي الشاهد الذي به تعلم هو الشاهد الذي به تعمل. وقال لي الشاهد الذي به تنام هو الشاهد الذي به تموت والشاهد الذي به تستيقظ هو الشاهد الذي تبعث به. وقال لي لا يجري عليك في نومك إلا حكم ما نمت به، ولا يجري عليك في موتك إلا حكم ما مت به. وقال لي رد علي كل شيء أرد عليك في كل شيء. وقال لي اذكرني في كل شيء أذكرك في كل شيء. موقف ما لا ينقال أوقفني في ما لا ينقال وقال لي به تجتمع فيما ينقال. وقال لي إن لم تشهد ما لا ينقال تشتت بما ينقال. وقال لي ما ينقال يصرفك إلى القولية والقولية قول والقول حرف والحرف تصريف، وما لا ينقال يشهدك في كل شيء تعرفي إليه ويشهدك من كل شيء مواضع معرفته. وقال لي العبارة ميل فإذا شهدت ما لا يتغير لم تمل. وقال لي القول يصرف إلى الوجد والتواجد بالقول يصرف إلى المواجيد بالمقولات. وقال لي المواجيد بالمقولات كفر على حكم التعريف. وقال لي لا تسمع في من الحرف ولا تأخذ خبري عن الحرف. وقال لي الحرف يعجز أن يخبر عن نفسه فكيف يخبر عني. وقال لي أنا جاعل الحرف والمخبر عنه. وقال لي أنا المخبر عني لمن أشاء أن أخبره. وقال لي لإخباري علامة بإشهاد لا توجد بسواه ولا يبدو إخباري إلا فيه. وقال لي لا تزال تكتب ما دمت تحسب فإذا لم تحسب لم تكتب. وقال لي إذا لم تحسب ولم تكتب ضربت لك بسهم في الأمية لأن النبي الأمي لا يكتب ولا يحسب. وقال لي لا تكتب ولا تهم، ولا تحسب ولا تطالع. وقال لي الهم يكتب الحق والباطل، والمطالعة تحسب الآخذ والترك. وقال لي ليس مني ولا من نسبتي من كتب الحق والباطل وحسب الآخذ والترك. وقال لي كل كاتب يقرأ كتابته وكل قارئ يحسب قراءته. موقف اسمع عهد ولايتك أوقفني وقال لي ما أفطرت لتأتمر للعلم ولا ربيتك لتقف على باب سواي ولا علمتك لتجعل علمي ممراً تعبر عليه إلى النوم عنه ولا اتخذتك جليساً لتسألني ما يخرجك عن مجالستي. وقال لي ما أسفرت لك في الشباب لأشقيك في المشيب. وقال لي اعرف من أنت فمعرفتك من أنت هي قاعدتك التي لا تنهدم وهي سكينتك التي لا تزل. وقال لي فرضت عليك أن تعرف من أنت أنت ولي وأنا وليك. وقال لي اسمع عهد ولايتك لا تتأول علي بعلمك ولا تدعني من أجل نفسك وإذا خرجت فإلي وإذا دخلت فإلي وإذا نمت فنم في التسليم إلي وإذا استيقظت فاستيقظ في التوكل علي. وقال لي بقدر ما توظف لنفسك من العمل لي يسقط عنك من العمل لك، وبقدر ما يسقط عنك من العمل لك يكون قيامي بك وقيوميتي لك. وقال لي استعن بالدعاء إلي على الوقوف في مقامك بين يدي. وقال لي إن لم تدع إلي فسكوتك يدعو إليك بما عرف منك فاحذرني لا تكون لسكوتك داعية لنفسك إلى نفسك وأنت تحتسب علي بالسكوت قربة إلي. وقال لي أكتب في عهدك إذا تعرفت إليك سقطت المعارف من سواك وإذا لم أتعرف إليك فمعرفتك على أيدي العارفين. وقال لي الليل لي لا للقرآن يتلى، الليل لي لا للمحامد والثناء. وقال لي الليل لي لا للدعاء، إن سر الدعاء الحاجة وإن سر الحاجة النفس وإن سر النفس ما تهوى. وقال لي إن كان صاحبك في ليلك من أجل القرآن بلغ أقصى همك إلى جزئك فإذا بلغه فارق فلا ليلك ليل القرآن ولا ليلك ليل الرحمن، وإن كان صاحبك في ليلك من أجل المحامد والثناء بلغ أقصى همك إلى اجتهادك فإذا بلغه فارق وإذا فارق فليل النوام نمت أم لم تنم بلى من كان لي ليله نام أو لم ينم فذاك صاحب الليل وصاحب فقه الليل أشرفت به على الليل وعلى أهل الليل فهو بمقاماتهم فيه أعرف ولمبالغ نهاياتهم فيه أدرك. وقال لي كيف تنظر إلى السماء والأرض وكيف تنظر إلى الشمس والقمر وكيف تنظر إلى كل شيء كان منظوراً لعينك أو كان منظوراً لقلبك وذاك أن تنظر إليه بادياً مني وهو أن تنظر إلى حقائق معارفه التي تسبح بحمدي وتقول ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وقال لي لا تذهب عن هذه الرؤية تختطفك المرئيات ولا تخرج صفتك عن هذه الرؤية تختطفك صفتك. وقال لي إن لم تخرج صفتك عن هذه الرؤية صبرت عن صفتك وعن دواعي صفتك وإذا صبرت عن صفتك وعن دواعي صفتك قيل بين يدي فلان وقلت لملائكتي فلان ولي فشهرتك بي وكتبت إلى جبينك ولايتي وأشهدتك أنني معك أين كنت وقلت لك قل فقلت واشفع فوقع. وقال لي إن لم تخرج صفتك عن هذه الرؤية وقفت في مقام العصمة وأثبت فيك حشمة من الشهوات وحياء من تناول من العادات. وقال لي إنما أظهرت الشهوات ستراً على المستور لأنه لا يستطيع أن يقوم بين يدي إلا في سترة فمن كشف له عن نفسه لم أستره من بعدها بنفسه. وقال لي إذا رأيت نفسك كما ترى السموات والأرض رأيت الذي يراها منك هو أنت لا إلى حاجة ترجع ولا إلى خليقة تسكن فلسترى إياك ما ابتليتك بصفة لا تثبت في حكمك ولا تقوم في مقامك فصفتك ترجع لا أنت وصفتك تميل لا أنت تميل. وقال لي لو أحببت الدنيا جمعت بها علي. وقال لي لأن تكون لك أحسن من أن تكون بك ولأن تكون بك أحسن من أن تكون فيك ولأن تكون فيك أحسن من أن تكون لا في ولا فيك. موقف وراء المواقف أوقفني وراء المواقف وقال لي الكون موقف. وقال لي كل جزئية من الكون موقف. وقال لي الوسوسة في كل موقف والخاطر في كل كون. وقال لي طافت الوسوسة على كل شيء إلا على العلم. وقال لي العقود قائمة في العلوم والوسوسة تخطر في أحكام العلوم. وقال لي إذا جاءتك الوسوسة فانظر إلى مجيئها ومنصرفها واعتراضك عليها ترى الحق وتشهده وهو ما تنفيها به وترى الباطل وتشهده وهو ما نفيت. وقال لي من تعلق بالكون عرض له الكون. وقال لي الوسوسة في علم من أعلام التحريض علي. وقال لي قد جاءتك معارفي بلطفي وأسفر لك تكلمي عن حبي. وقال لي كل شيء يصدرك إلي يصدرك ومعك بقية منك أو من غيرك إلا الوسوسة فإنها تصدرك إلي وحدك. وقال لي الوسوسة ردي إياك إني بالقهر. وقال لي انظر إلى الوسوسة عم تخرجك فلن تصلح إلا على مفارقته وبم تعلقك فلن تصلح إلا عل التعلق به. وقال لي الجهل وراء المواقف فقف فيه وراء مقام الدنيا والآخرة. وقال لي من لم يستقر في الجهل لم يستقر في العلم. وقال لي الجهل وراء المواقف فمن أدرك علوم المواقف. وقال لي اختم علمك بالجهل وإلا هلكت به، واختم عملك بالعلم وإلا هلكت به. وقال لي كلما على التراب من التراب فانظر إلى التراب تذهب عما هو منه وترما قلبه عن عينه في مرآى العيون لعينه فلا تخطفك عيونه. وقال لي اتخذ أعواناً لتقلب فإذا لم تنقلب عينك فلا أعوان. وقال لي لا يكون لا أعوان حتى يكون لا زمان ولا يكون لا زمان حتى يكون لا أعيان ولا يكون لا أعيان حتى لا تراها وتراني. وقال لي إذا حزنك أمر فالباب فإن حزنك في الباب فالوقفة فإن حزنك في الوقفة فالوقفة. وقال لي الوقفة هي مقامك مني وكذلك وقفة كل عبد هي مقامه مني. وقال لي خاطب من خاطبت بمبلغه الذي يحب أن يذكرني فيه فهي حاله التي عليها ما يقر. وقال لي لها من خاطبته برغبته وانقطع من خاطبته برهبته واتصل من خاطبته بمبلغه. وقال لي إن كان النعت مبلغاً فهو مبلغ لا نعت، وإن كان النعت لا مبلغ فهو نعت. وقال لي المبلغ منتهى النسب والنسب منتهى السبب. وقال لي دام النسب ما دام السبب ودام السبب ما دام الطلب ودام الطلب ما دمت ودمت ما لم ترني فإذا رأيتني لا أنت وإذا لا أنت لا طلب وإذ لا طلب لا سبب وإذ لا سبب لا نسب لا حد وإذ لا حد لا حجبة. وقال لي المعرفة التي ما فيها جهل هي المعرفة التي ما فيها معرفة. وقال لي العلم الرباني لا يتعلق بالعبودية ولا تستقر عليه. وقال لي اعرف المعرفة تعرف المعرفة، اعرفني تعرف بي، ولن تعرفني حتى لا إلا ما تعرف ولن تجهلني حتى لا إلا ما تجهل فلا أنا ما عرفت ولا أنا ما جهلت. وقال لي المعرفة من كل شيء حدك الكل من كل كلية حدك الحد من كل حدية منتهاك الجزء من كل جزئية تقلبك. وقال لي إن بقيت للباطن عليك إمرة فقد بقيت للظاهر عليك فتنة. وقال لي إذا نفيت ما سواي لقيتني بعدد ما خلقت حسنات. وقال لي ما كل من نفى سواي رآني ومن رآني فقد نفى ما سواي. وقال لي لا تكون عبدي حتى أدعوك بلساني إلى السوى فتجيب الدعاء وتنفى السوى. وقال لي أنت عبد السوى ما رأيت له أثراً. وقال لي أثر كل شيء حكمه. وقال لي إذا لم تر للسوى أثراً لم تتعبد له. وقال لي لا تبع ما عرفتني فيه من حالك بما لم تعرفه. وقال لي هيمنت الرؤية على المعرفة كما هيمنت المعرفة على العلم. وقال لي إن أثبت السوى ومحوته فمحوك له إثبات. وقال لي من رآني شهد أن الشيء لي ومن شهد أن الشيء لي لم يرتبط به. وقال لي ما ارتبطت بشيء حتى تراه لك من وجه، ولو رأيته لي من كل وجه لم ترتبط به. وقال لي من لم يرني رأى الشيء لي ولم يشهده لي، وما كل من رآني شهد ما رأى. وقال لي الشهادة أن تعرف وقد ترى ولا تعرف. موقف الدلالة أوقفني في الدلالة وقال لي المعرفة بلاء الخلق خصوصه وعمومه وفي الجهل نجاة الخلق خصوصه وعمومه. وقال لي معرفة لا جهل فيها لا تبدو، جهل لا معرفة فيه لا يبدو. وقال لي أدني ما يبقى من المعرفة اسم البادي. وقال لي عرفني إلى من يعرفني يراني عندك فيسمع مني، ولا تعرفني إلى من لا يعرفني يراك ولا يراني فلا يسمع مني وينكرني. وقال لي إذا عرفت من تسمع منه عرفت ما تسمع. وقال لي لن تعرف من تسمع منه حتى يتعرف إليك بلا نطق. وقال لي إذا تعرف إليك بلا نطق تعرف إليك بمعناه فلم تمل في معرفته. وقال لي أنكرتني كل معرفة لم أشهدها أنني جاعلها، وهربت إلي كل سريرة لم أشهدها أنني مطالبها. وقال لي خوف كل عارف بقدر ما استأثرت معرفته بنفعه في معرفته. وقال لي كل أحد تضره معرفته إلا العارف الذي وقف بي في معرفته. وقال لي إن عرفتني بمعرفة أنكرتني من حيث عرفتني. وقال لي إذا ذكرتني عند الواقف فلا تصفني يطلع عليك ما استودعته من أنواري. وقال لي أطرد عني كل من لم يرني تظفر بالحيوة بين يدي. وقال لي من سألك عني فسله عن نفسه فإن عرفها فعرفني إليه وإن لم يعرفها فلا تعرفني إليه فقد غلقت بابي دونه. وقال لي المعارف المتعلقة بالسوى نكر في المعارف التي لا تتعلق به. وقال لي لو أحبني الجاهل لعفوي عما جهل ولو أحبني العالم لجودي عليه بما علم فالجاهل يعلم عفوي ولا يشهده فيحبني بإشهاده والعالم يعلم عطائي وجودي ويشهد في جريرته مواقع عفوي فيحبني لما شهد. وقال لي من أحببته أشهدته فلما شهد أحب. وقال لي المعرفة نار كل المحبة لأنها تشهدك حقيقة الغنى عنك. وقال لي الوقفة نار تأكل المعرفة لأنها تشهدك المعرفة سوى. وقال لي الشهوة نار تأكل الوقار ولا طمأنينة إلا فيه ولا معرفة إلا في طمأنينة. وقال لي الهوى يأكل ما دخل فيه. وقال لي الجزاء مادة الصبر إن انقطعت عنه انقطع. وقال لي الصبر مادة القنوع إن انقطعت عنه انقطع. وقال لي القنوع مادة العز إن انقطعت عنه انقطع. وقال لي سرت الدلالة إلا إلي فلا دليل يعلم ولا مدلول يسلك. وقال لي الدال كالطالب فانظر على ماذا تدل فإنك طالبه وبطلبك آخذ. وقال لي الخوف مصحوب المعرفة وإلا فسدت، والرجاء مصحوب الخوف وإلا قطع. وقال لي مصحوب كل شيء غالب حكمه وحكم كل شيء راجع إلى معنويته ومعنوية كل شيء ناطقة عنه ونطق كل شيء حجابة إذا نطق. وقال لي المعرفة الصمتية تحكم والمعرفة النطقية تدعو. وقال لي الحكم كفاية والدعاء تكليف. وقال لي اردد إلى كل قلب ينصح لي في الموعظة. وقال لي إن رددت القلوب إلى الذكرى فما رددتها إلي. وقال لي أنا العزيز الذي لا يهجم عليه بذكره ولا يطلع عليه بتسميته. وقال لي أنا القريب الذي لا يحسه العلم، وأنا البعيد الذي لا يدركه العلم. موقف حقه أوقفني في حقه وقال لي لو جعلته بحراً تعلقت بالمركب فإن ذهبت عنه بإذهابي فبالسير فإن علوت عن السير فبالساحلين فإن طرحت الساحلين فبالتسمية حق وبحر وكل تسميتن تدعوان والسمع يتيه في لغتين فلا على حقي حصلت ولا على البحر سرت، فرأيت الشعاشع ظلمات والمياه حجراً صلداً. وقال لي من لم ير هذا فما وجب عليه حقي ومن رآه فقد وجب عليه حقي ومن عليه فكلم سواي كفر والحد كله حجاب لا أظهر من ورائه وليس في رؤية حقي إلا رؤيته، فرأيت ما لا يتغير فأعطاني حكماً يتغير فرأيت كل شيء خلق. وقال لي لا تستثن، فما هو بقي خلق وانقسمت الرؤية عينية وعلمية فإذا هو كله لا يتحرك ولا يتكلم. وقال لي كيف رأيته من قبل رؤية حقي، فقلت يتحرك ويتكلم، فقال لي اعرف الفرق لئلا تتيه. وعرج بي عن حقه فلم أر شيئاً، فقال لي رأيت كل شيء وأطاعك كل شيء ورؤيتك كل شيء بلاء وطاعة كل شيء لك بلاء. وعرج بي عن ذلك كله. وقال لي كله لا أنظر إليه ولا يصلح لي. موقف بحر أوقفني في بحر ولم يسمه وقال لي لا اسميه لأنك لي لا له وإذا عرفتك سواي فأنت أجهل الجاهلين، والكون كله سواي فما دعا إلي لا إليه فهو مني فإن أجبته عذبتك ولم أقبل ما تجيء به، وليس لي منك بد وحاجتي كلها عندك فاطلب مني الخبز والقميص فإني أفرح وجالسني أسرك ولا يسرك غيري، وانظر إلي فإني ما أنظر إلا إليك، وإذا جئتني بهذا كله وقلت لك إنه صحيح فما أنت مني ولا أنا منك. موقف هو ذا تنصرف أوقفني بين يديه وقال لي هل ترى غيري، قلت لا، قال فانظر إلي. فنظرت إليه يخفض القسط ويرفعه ويتولى كل شيء هو وحده. وقال لي لا تراني إلا بين يدي وهو ذا تنصرف وترى غيري ولا تراني فإذا رأيته فلا تجحده واحفظ وصيتي فإنك إن ضيعتها كفرت، وإذا قال لك أنا فصدقه فقد صدقته وإذا قال لك هو فكذبة فإني قد كذبته. موقف الفقه وقلب العين أوقفني وقال لي ما أنت قريب ولا بعيد ولا غائب ولا حاضر ولا أنت حي ولا ميت فاسمع وصيتي وإذا سميتك فلا تتسم وإذا حليتك فلا تتحل ولا تذكرني فإنك إن ذكرتني أنسيتك ذكرى، وكشف لي عن وجه كل شيء فرأيته متعلقاً بوجهه وعن ظهر كل شيء فرأيته متعلقاً بأمره ونهيه. وقال لي انظر إلى وجهي، فنظرت. فقال ليس غيري، فقلت ليس غيرك. وقال لي انظر إلى وجهك، فنظرت. فقال ليس غيرك، فقلت ليس غيري، فقال أخرج فأنت الفقيه، فخرجت أسعى في الفقه وصح لي قلب العين فقلبتها بالفقه وجئت بها إليه، فقال لا انظر إلى مصنوع. موقف نور أوقفني في نور وقال لي لا أقبضه ولا أبسطه ولا أطويه ولا أنشره ولا أخفيه ولا أظهره، وقال يا نور انقبض وانبسط وانطو وانتشر وأخف وأظهر، فانقبض وأنبسط وانطوى وانتشر وخفى وظهر، ورأيت حقيقة لا أقبض وحقيقة يا نور انقبض. وقال لي ليس أكثر من هذه العبارة، فانصرف فرأيت طلب رضاه معصيته، فقال لي أطعني فإذا أطعتني فما أطعتني ولا أطاعني أحد، فرأيت الوحدانية الحقيقية والقدرة الحقيقية، فقال غض عن هذا كله وانظر إليك وإذا نظرت إليك لم أرض وأنا أغفر ولا أبالي. موقف بين يديه أوقفني بين يديه وقال لي ما رضيتك لشيء ولا رضيت لك شيئاً، سبحانك أنا أسبحك فلا تسبحني وأنا أفعلك وأفعلك فكيف تفعلني. فرأيت الأنوار ظلمة والاستغفار مناوأة والطريق كله لا ينفذ، فقال لي سبحك وقدسك وعظمك وغطك عني ولا تبرزك فإنك إن برزت لي أحرقتك وتغطيت عنك. وقال لي أكشفك لي ولا تغطك فإنك إن تغطيت هتكتك وإن هتكتك لم أسترك فتغطيت ولم أبرز وتكشفت ولم أتغط، فرأيته يرضى ما لا يرضى ولا يرضى ما يرضى، فقال إن أسلمت ألحدت وإن طالبت أسلمت، فرأيته فعرفته ورأيت نفسي فعرفتها، فقال لي أفلحت وإذا جئت إلي فلا يكن معك من هذا كله شيء لأنك لا تعرفني ولا تعرفك. موقف من أنت ومن أنا أوقفني وقال لي من أنت ومن أنا، فرأيت الشمس والقمر والنجوم وجميع الأنوار. وقال لي ما بقي نور في مجري بحري إلا وقد رأيته، وجاءني كل شيء حتى لم يبق شيء فقبل بين عيني وسلم علي ووقف في الظل. وقال لي تعرفني ولا أعرفك، فرأيته كله يتعلق بثوبي ولا يتعلق بي، وقال هذه عبادتي، ومال ثوبي وما ملت فلما مال ثوبي قال لي من أنا، فكسفت الشمس والقمر وسقطت النجوم وخمدت الأنوار وغشيت الظلمة كل شيء سواه ولم تر عيني ولم تسمع أذني وبطل حسي، ونطق كل شيء فقال الله أكبر، وجاءني كل شيء وفي يده حربة، فقال لي اهرب، فقلت إلى أين، فقال قع في الظلمة، فوقعت في الظلمة فأبصرت نفسي، فقال لي لا تبصر غيرك أبداً ولا تخرج من الظلمة أبداً فإذا أخرجتك منها أريتك نفسي فرأيتني وإذا رأيتني فأنت أبعد الأبعدين. موقف العظمة أوقفني في العظمة وقال لي لا يستحق أن يغضب غيري فلا تغضب أنت فإنك إن تغضب وأنا لا أغضب فإن غضبت أذللتك لأن العزة لي وحدي، فرأيت كل شيء قد دخل إلى الغضب. وقال لي انظر كيف أخرجتك منه، فأخرجه فلم أر إلا الحجة وحدها، فقال رأيت الصحيح. وأوقفني في الرحمانية فقال لا يستحق الرضا غيري فلا ترض أنت فإنك إن رضيت محقتك، فرأيت كل شيء ينبت ويطول كما ينبت الزرع ويشر الماء كما يشربه وطال حتى جاوز العرش. وقال لي أنه يطول أكثر مما طال وإنني لا أحصده، وجاءت الريح فعبرته فلم تتخلله وجاءت السحاب فأمطرت على العود وأنبل الورق فاخضر العود واصفر الورق، فرأيت كل متعلق منقطعاً وكل معلق مختلفاً. وقال لي لا تسألني فيما رأيت فإنك غير محتاج ولو أحوجتك ما أريتك ولا تقعد في المزبلة فتهر عليك الكلاب واقعد في القصر المصون وسد الأبواب ولا يكون معك غيرك وإن طلعت الشمس أو طار طائر فاستر وجهك عنه فإنك إن رأيت غيري عبدته وإن رآك غيري عبدك وإذا جئت إلي فهات الكل معك وإلا لم أقبلك فإذا جئت به رددته عليك ولا تنفعك شفاعة الشافعين. موقف التيه أوقفني في التيه فرأيت المحاج كلها تحت الأرض وقال لي ليس فوق الأرض محجة، ورأيت الناس كلهم فوق الأرض والمحجات كلها فارغة ورأيت من ينظر إلى السماء لا يبرح من فوق الأرض ومن ينظر إلى الأرض ينزل إلى المحجة ويمشي فيها. وقال لي من لم يمش في المحجة لم يهتد إلي. وقال لي قد عرفت مكاني فلا تدل علي، فرأيته قد حجب كل شيء وأوصل كل شيء. وقال لي اصحب المحجوب وفارق الموصول وادخل علي بغير إذن فإنك إن استأذنت حجبتك وإذا دخلت إلي فاخرج بغير إذن فإنك إن استأذنت حبستك، فرأيت كلما أظهر إبرة وكلما أستر خيطاً. وقال لي اقعد في ثقب الإبرة ولا تبرح وإذا دخل الخيط في الإبرة فلا تمسكه وإذا خرج فلا تمده وافرح فإني لا أحب إلا الفرحان، وقل لهم قبلني وحدي وردكم كلكم فإذا جاؤوا معك قبلتهم ورددتك وإذا تخلفوا عذرتهم ولمتك، فرأيت الناس كلهم براء. وقال لي أنت صاحبي فإن لم تجدني فاطلبني عند أشهدهم علي تمرداً وإذا وجدتني فلا تعصه وإن لم تجدني فاضربه بالسيف ولا تقتله فأطالبك به، وخل بيني وبينك ولا تخل بيني وبين الناس وخاصمني وتوكل لهم علي فإذا أعطيتك ما تريد فاجعله قرباناً للنار، وقف في ظل فقير من الفقراء فسله أن يسألني ولا تسألني أنت فأمنع غيرك بمسئلتك فتكون ضداً لي وأخذلك، فرأيت طرح كل شيء الفوز. وقال لي إن طرحت أفلست وأنا لا أحب إلا الأغنياء ولا أكره إلا الفقراء فلا أرى معك غنياً ولا فقيراً فإني لا أنظر إلى الأنواع. موقف الحجاب أوقفني في الحجاب فرأيته قد احتجب عن طائفة بنفسه واحتجب عن طائفة بخلقه، وقال لي ما بقي حجاب، فرأيت العيون كلها تنظر إلى وجهه شاخصة فتراه في كل شيء قد احتجب به وإذا أطرقت رأته فيها. وقال لي رأوني وحجبتهم برؤيتهم إياي عني. وقال لي ما سمعوا مني قط ولو سمعوا ما قالوا لا. وقال لي ادخل السوق وإلا كفرت وافتقرت. وقال لي ادخل السوق فناد ولا تعقد تاجراً. وقال لي إذا أخذت أجرتك فلا تنفق منها شيئاً. وقال لي ما جلست قط على الطريق. وقال لي المماليك في الجنة والأحرار في النار. وقال لي دور الجنة كلها حمامات. وقال لي هذا كله لا يرى إلا عندي. وقال لي إن لم تجالس إلا نفسك جالستك. وقال لي تموت ولا يموت ذكرى لك. وقال لي ليس من عرفني منك كمن لم يعرفني. وقال لي استعذ بي من شر ما يعرفني منك. وقال لي كلك يعرفني وليس كلك يجحدني. وقال لي كرهت لك الموت فكرهته ألا أكره لأحبائي أن يفارقونني وإن لم أفارقهم. وقال لي جازف نفسك وإلا ما تفلح. وقال لي حسابك غلظ والغلظ لا يملك به صواب. وقال لي الحساب لا يصح إلا مني. وقال لي من حجبته بخلقي برزت له، ومن حجبته بنفسي لم أبرز له ولم يرني. وقال لي اطلبني في ابتداء الصلوات. وقال لي ما ظهرت قط في خاتمة صلوة. وقال لي اطلبني في خاتمة الصيام ولا تكاد تراني. وقال لي هذه أوطان العامة ليس بيني وبين من بينه وبين طلب نسب. وقال لي أنا الغنى، فرأيت الرب بلا عبد ورأيت العبد بلا رب. وقال لي أنا الرؤوف، فرأيت الرب في وسط العبيد وقد تعلق كل واحد منهم بحجزته. وقال لي لو أخبرتك بكل شيء كان بيننا إخبار يجمعك عليك. وقال لي إذا كنت لي فأنت بي وإذا كنت بي فأنت لك. وقال لي ما أنت لي في وجودك أوفى منك لي عدمك. وقال لي هبك جئتني بما أريد ورضيت، كيف لك بعلمي بك لو بلوتك بما لم أبتلك به ماذا تكون صانعاً. وقال لي إن لم ينعقد الحياء بهذا الرمز لم ينعقد أبداً. وقال لي الرضا الثاني إنما هو فهم في هذا الشأن. وقال لي خلق لا يصلح لرب بحال. موقف الثوب أوقفني في الثوب وقال لي إنك في كل شيء كرائحة الثوب في الثوب. وقال لي ليس الكاف تشبيها هي حقيقة أنت لا تعرفها إلا بتشبيه. وقال لي كلما بدا علم فهو لما بين رضوان ومالك. وقال لي فل للمستوحش مني الوحشة منك أنا خير لك من كل شيء. وقال لي يوم الموت يوم العرس ويوم الخلوة يوم الأنس. وقال لي أنا ظاهر فلا تزال تراني. وقال لي إن رأيتني فيك كما رأيتني في كل شيء قل حبك للدنيا. وقال لي إن شغلتك بدلالة الناس علي فقد طردتك. وقال لي أنا وشيء لا تجتمع وأنت وشيء لا تجتمع. وقال لي إن كان مأواك القبر فرشته لك بيدي وإن كان مأواك الذكر نشرت عليك ذكرى وإن كنت أنا حسبك فما في قبر ولا ذكر ولا مسرح ولا وكر. وقال لي إذا رأيت عدوي فقل له مصيبتك في اعتراضك عليه أعظم من مصيبتي في أخذك لي. وقال لي أغريتك بي حيث لم أجعلك على ثقة من عمرك. وقال لي أي عيش لك في الدنيا بعد ظهوري. وقال لي أنظر إليك في قبرك وليس معك ما أردته ولا ما أرادك. وقال لي إن لم تقم بك قيومية لا علم لها لم تقم بك في كل شيء. وقال لي دع عنك كل عين وانظر إلى ما سواها. وقال لي أنا في عين كل ناظر. وقال لي قل لهم رجعت إليكم، فقلتأوقفني ومن قبل أن أرجع ما كان لي من قول لأنه أراني التوحيد فكنت به لا أعرف فناء ولا بقاء وأسمعني التوحيد ولم أعرف استماعه وردني بعد هذا كله كما كنت فرأيت في الرد صحيفة فأنا أقرأها عليكم. وقال لي حصل لك كل شيء فأين غناك، فاتك كل شيء فأين فقرك. وقال لي أعذتك من النار فأين سكونك وأظفرتك بالجنة فأين نعيمك. وقال لي الجزء الذي يعرفني لا يصلح على غيري. وقال لي ما بيني وبينك لا يعلم فيطلب. موقف الوحدانية أوقفني في الوحدانية وقال لي أظهرت كل شيء يحجب عني ولا يدل علي فحظ كل إنسان من الحجبة كحظه من التعلق. وقال لي ذكرى أخص ما أظهرت وذكرى حجاب. وقال لي إذا بدوت لم تر من هذا كله شيئاً. وقال لي أقعد فوق العرش أعرض عليك، فقعدت فعرض علي فرأيت كل شيء حكومة وصف انفصلت عنه وبقي الوصف وصفاً والحكومة حكومة. وقال لي انظر كيف عملت، وبسط يده فوق وقال ما بقي فوق، وبسط يده تحت وقال لي ما بقي تحت، ورأيت كل شيء بين البسطين والأرواح والأنوار في الفوقية والأجسام والظلم في التحتية. وقال لي الفوقية حد لما في التحتية وليس لما في الفوقية حد. وقال لي التحتية لا حد والفوقية لا حد وقلب الكل بأصابع التحتية وقال أنت وقلب الكل بأصابع فوقية وقال أنا وهو في الكل هو أبدى الباديات بالمعنوية وأبدى فيها العوالم الثبتية وبدا على الثبتية ففنيت وبقيت المعنوية الأحدية. وقال لي من يظهر معي أنا أظهرت وأظهرت فيما أظهرت فما محوته محو وما أثبته ثبت والثبت محو في الحياطة. وقال لي اسمع لسان العوالم الثبتية في المبديات المعنوية، إذا هي تقول الله الله. وقال لي لا يسمعها من هو فيها أو في الشواهد التي هي فيها. وقال لي مقالها ثبت وإذا بدوت عليه فني المقال هي هي في الثبت وهي البادي في البادي وهذه منزلة عامية. وقال لي إن طاف بك ذكر شيء فأنت في الثبتية فتعبد لي واجتهد أحسبه وأجازي عليه، وإذا فنيت أذكار الأشياء فلا أنت أنت وأنت أنت وما أنا في شيء ولا خالطت شيئاً ولا حللت في شيء ولا أنا في في ولا من ولا عن ولا كيف ولا ما ينقال أنا أنا أحد فرد صمد وحدي وحدي أظهرت لا مظهر إلا أنا وأظهرت فيما أظهرت العوالم الثبتية وإذا بدوت فأفنيت الثبتية كان الإظهار لي لا لها حتى أرده إليها باللبس الوقتية والمعادن الأمنية فاحفظ حدك بين المعنوية والثبتية. وقال لي يسوءك كل ما منك أغفره لا يسوءك كل ما مني أصرف السوء كله. وقال لي إن التزمت ما ألزمتك بين هذين كنت ولياً. موقف الاختيار أوقفني في الاختيار وقال لي كلهم مرضى. وقال لي هو ذا يدخل الطب عليهم بالغداة والعشي وأخاطبهم أنا على ألسنة الطب ويعلمون أنني أنا أكلمهم ويعدون الطب بالحمية ولا يعدوني. وقال لي كانوا في يدي فقلبتهم إلى يدي وليس أردهم إلى اليد التي كانوا فيها. وقال لي إذا رأيت النار فقع فيها ولا تهرب فإنك إن وقعت فيها أنطقت وإن هربت منها طلبتك وأحرقتك. وقال لي أنا أوقد النار باليد الثانية. وقال لي لابد أن تتحرك عادة فإذا تحركت عادة فما لك أدب. وقال لي صلوتك لما يوقفك أو يعجلك وقصدك لما يحادثك أو تحادثه. وقال لي ما لي باب ولا طريق. وقال لي إذا تكلمت فتكلم وإذا صمت فاصمت. وقال لي اخرج إلى البرية الفارغة واقعد وحدك حتى أراك فإني إذا رأيتك عرجت بك من الأرض إلى السماء ولم أحتجب عنك. وقال لي إن لم تصحبك في هذا كله دعوة عامي تهت. وقال لي إذا كنت كما أريد في كل شيء فابك على نفسك ونادني أعوذ بك من سوء القرين. وقال لي إذا كنت لي كما أريد في بعض الشيء فقد ركبت الخطر وإن تحرك بؤبؤ عينك ضرك. وقال لي كلك خلق فماذا تروم، فرأيت السد قد أحاط بي ورأيته في السد يضحك، وقال هذا منزل أهلي ولا أضحك إلا فيه. وقال لي قد جعلت لك في السد أبواباً بعدد ما خلقت وغرست على كل باب شجرة وعين ماء باردة وأظمأتك وعزتي لئن خرجت لا رددتك إلى منزل أهلي ولا سقيتك من الماء. وقال لي نم لتراني فإنك تراني، واستيقظ لتراك فإنك لن تراني. وقال لي إذا وجدتني عند الكذاب فلا تذكره بي، وإذا وجدتني عند المخلص فذكره بي. وقال لي لا بد من أن أتعرف إليك وتعرفي إليك بلاء، أنا لا أزول أنا أصل البلاء أحببت فيك البلاء أظهرت لك البلاء كرهت منك البلاء معرفتك بالبلاء بلاء إنكارك للبلاء بلاء. وقال لي اذكرني كما يذكرني الطفل وادعني كما تدعوني المرأة. وقال لي لا تكون لي عبداً وأنت تخبر الناس بم أو بما منك فإذا جئت إلى فكأن الذي جرى كله لم يكن. موقف العهد أوقفني في العهد وقال لي أطرح ذنبك عن عفوي وألق حسنتك على فضلي. وقال لي اترك علمك إلى علمي تقتبس نور الهداية وألق معرفتك إلى معرفتي تثبت الهداية. وقال لي إذا وقفت بي تعرض لك كل شيء ليدفعك عني. وقال لي إنما تأخذ أجرك ممن أصبحت له أجيراً. وقال لي إنما أنت أجير من تعمل من أجله. وقال لي إن عملت لي من أجلي فذاك لي، وإن عملت لي من أجل غيري فذاك لغيري. وقال لي إن كنت أجير العلم أعطاك الثواب العلم وإن كنت أجير المعرفة أعطتك السكينة. وقال لي كن أجيري أرفعك فوق العلم والمعرفة فترى أين يبلغ العلم وترى أين ترسخ المعرفة فلا يسعك المبلغ ولا يستطيعك الرسوخ. وقال لي إذا عرضت الجمع وقف الواقفون بي في فنائي لا يراعون فيتلجلجوا ولا يفزعون فيتحيروا. وقال لي إذا وقفت بي أعطيتك العلم فكنت أعلم به من العالمين وأعطيتك المعرفة فكنت أعرف بها من العارفين وأعطيتك الحكم فكنت أقوم به من الحاكمين. وقال لي أين جعلت اسمي فثم اجعل اسمك. وقال لي الحرف يسري في الحرف حتى يكونه فإذا كأنه سرى عنه إلى غيره فيسرى في كل حرف فيكون كل حرف. وقال لي إذا نطقت بالحرف رددته إلى المبلغ الذي تطمئن به فيسري بحكم مبلغه في الحروف فيسري إليك الحكم السوى. وقال لي الحرف الحسن يسرى في الحروف إلى الجنة، والحرف السوء يسري في الحروف إلى النار. وقال لي انظر ما حرفك وما مبلغك. وقال لي انصرني تكن من أصحابي. وقال لي إذا أردتك لنصرتي لم أوجدك قوة إلا من نصرتي. وقال لي إذا أردتك لنصرتي علمتك من علمي وما لا يحمله العالمون. وقال لي إنما يقف في ظل عرشي أنصاري. وقال لي يا عارف انصرني وإلا أنكرتني. وقال لي المعترض لي ينقلب إلى كل النعيم والمعترض علي ينقلب إلى كل العذاب. وقال لي اعرف مقامي وقم فيه. وقال لي إذا وقفت في مقامي جاءك الإخبار من السماء ومن الأرض ومما بينهما فألقه في النار فإن كان باطلاً حطمته ولم تحطمك وإن كان حقاً رددته إلي ولم تحجبك. وقال لي الحرف الذي تكونت به الحروف لا يستطيع محامدي ولا يثبت لمقامي. موقف عنده أوقفني عنده وقال لي انظر إلى الحرف وما فيه خلفك فإن إلتفت إليه هويت فيه وإن التفت إلى ما فيه هويت إلى ما فيه. وقال لي الحق هو ما لو قلبك عنه أهل السموات والأرض ما انقلبت، والباطل هو ما لو دعاك إليه السموات والأرض ما أجبت. وقال لي لا تأيسن مني فلو جئت بالحرف كله سيئة كان عفوي أعظم. وقال لي لا تجترئ علي فلو جئت بالحرف كله حسنات كانت حجتي ألزم. وقال لي فضلي أعظم من الحرف الذي وجدت علمه ومن الحرف الذي علمت علمه ومن الحرف الذي لم تجد علمه ومن الحرف الذي لم تعلم علمه. وقال لي إذا وقفت عندي رأيت ما ينزل وما يعرج وجاءك الحرف وما فيه فخاطبك كل شيء بلسانه وترجم لك كل بيان ببيانه ودعاك كل شيء إلى نفسه وطلبك كل جنس إلى جنسه. وقال لي دليله من جنس الحجاب والحجاب من جنس العقاب. وقال لي من كان الدليل من جنس حجابه احتجب عن حقيقة ما دل عليه. وقال لي أنا حجاب عارفي وأنا دليل عارفي تعرفت فعرفني وعرف إني تعرفت واحتجبت فعرفني وعرف أنني احتجبت. وقال لي من لم يكن جاذبه الله لم يصل إلى الله. وقال لي من أنس بالحجاب الداني أماله إلى الحجاب القاصي. وقال لي إذا علمت العلم من لدني أخذتك باتباع العالمين كما أخذتك باتباع الجاهلين. وقال لي إذا رأيت قربي وبعدي أخذتك باتباع القاصدين كما أخذتك باتباع المعرضين. وقال لي كما آليت أن اظهر حكمتي كذا آليت أن لا أنقض حكمتي. وقال لي عفوي لا ينقض حكمتي وحكمتي لا تنقض معرفتي. موقف المراتب أوقفني في المراتب وقال لي أنا مظهر الإظهار لما لو بدا له أحرقه، وأنا مسر الأسرار لما لو بدا له أحرقه. وقال لي أظهرت الخلق فصنفتهم أصنافاً وجعلت لها الأفئدة فأوقفتها إيقافاً فكل قلب واقف في مبلغه منقلب بحكم ما وقف فيه. وقال لي بالتصنيف تعارفت الجسمية وبالوقوف تعارفت العلوية. وقال لي من عرفني فلا عيش له إلا في معرفتي، ومن رآني فلا قوة له إلا في رؤيتي. وقال لي إذا عرفتني فخف مكري وأني يعرفه إلا المصطفون لعلمي. وقال لي اعتبر المكر بالغيرة فإذا رأيتها تحوشك إلي وإلى سبيلي فقد قر قرار حكمتك وأنار هدي هدايتك، تمسك بها واصلك من واصل وجانبك من جانب فهي دليلي الذي لا يتيه وتدبيري الذي لا يحيد. وقال لي إذا جاءك التأويل فقد جاءك حجابي الذي لا أنظر إليه ومقتي الذي لا أعطف عليه. وقال لي العلم يدعو إلى العمل والعمل يذكر برب العلم والعلم فمن علم ولم يعمل فارقه العلم ومن علم وعمل لزمه العلم. وقال لي من فارقه العلم لزمه الجهل وقاده إلى المهالك ومن لزمه العلم فتح له أبواب المزيد منه. وقال لي إن عصيت النفس إلا من وجه لم تطعك من وجه. وقال لي بقي علم بقي خاطر، بقيت معرفة بقي خاطر. وقال لي صاحب العلم إذا رأى صاحب المعرفة آمن ببداياته وكفر بنهاياته وصاحب المعرفة إذا رأى من رآني كفر ببداياته ونهاياته وصاحب الرؤية يؤمن ببداية كل شيء ويؤمن بنهاية كل شيء فلا سترة عليه ولا كفران عنده. وقال لي العلم عمود لا يقله إلا المعرفة والمعرفة عمود لا يقله إلا المشاهدة. وقال لي أول المشاهدة نفي الخاطر وآخرها نفي المعرفة. وقال لي إذا بدا العلم عن المشاهدة أحرق العلوم والعلماء. موقف السكينة أوقفني في السكينة وقال لي هي الوجد بي أثبت ما أثبت ومحا ما محا. وقال لي أثبت ما أثبت من أمري فأوجب أمري ما أوجب من حكمي فخرج حكمي بما جرى من علمي فغلب علمي فأشهدتك أنه غلب فتلك سكينتي فشهدت فتلك بيتي. وقال لي السكينة أن تدخل إلي من الباب الذي جاءك منه تعرفي. وقال لي فتحت لكل عارف محق بابا إلي فلا أغلقه دونه فمنه يدخل ومنه يخرج وهو سكينته التي لا تفارقه. وقال لي أصحاب الأبواب من أصحاب المعارف هم الذين يدخلونها بعلم منها ويخرجون منها بعلم مني. وقال لي السكينة أن تدعو إلي فإذا دعوت إلي ألزمتك كلمة التقوى فإذا ألزمتك كنت أحق بها فإذا كنت أحق بها كنت أهلها فإذا كنت أهلها كنت مني أنا أهل التقوى وأنا أهل المغفرة. وقال لي فتحت لك باباً إلي فلا أحجبك عه وهو نظرك إلى ما منه خلقت فأشهدك إشهادي في نظرك فهو بابك الذي لا يغلق دونك وهو سكينتك التي لا ترفع عنك. وقال لي إذا دخلت إلي فرأيتني فآية رؤيتي أن ترجع بعلم ما دخلت فيه أو بتمكين فيما دخلت فيه. وقال لي إذا قصدت إلى الباب فاطرح السوى من ورائك فإذا بلغت إليه فألق السكينة من ورائه وادخل إلي لا بعلم فتجهل ولا بجهل فتخرج. وقال لي في كل علم شاهد سكينة وحقيقتها في الوقوف بالله. وقال لي الصبر من السكينة والحلم من الصبر والرفق من الحلم. وقال لي إذا قصدت إلي لقيك العلم فألقه إلى الحرف فهو فيه ألقيته جاءتك المعرفة فألقها إلى العلم فهي فإذا ألقيتها جاءك الذكر فألقه إلى المعرفة فهو فيها فإذا ألقيتها جاءك الحمد فألقه إلى الذكر فهو فيه فإذا ألقيته جاءك الحرف كله فألقه إلى الأسماء فهو فيها فإذا ألقيته جاءتك الأسماء فألقها إلى الاسم فهي فإذا ألقيتها جاءك الاسم فألقه إلى الذات فهو لها فإذا ألقيتها جاءك الإلقاء فألقه إلى الرؤية فهو من حكمها. موقف بين يديه أوقفني بين يديه وقال لي أجعل الحرف وراءك وإلا ما تفلح أخذك إليه. وقال لي الحرف حجاب وكلية الحرف حجاب وفرعية الحرف حجاب. وقال لي لا يعرفني الحرف ولا ما في الحرف ولا ما من الحرف ولا ما يدل عليه الحرف. وقال لي المعنى الذي يخبر به الحرف حرف والطريق الذي يهدي إليه حرف. وقال لي العلم حرف لا يعربه إلا العمل والعمل حرف لا يعربه إلا الإخلاص والإخلاص حرف لا يعربه إلا الصبر والصبر حرف لا يعربه إلا التسليم. وقال لي المعرفة حرف جاء لمعنى فإن أعربته بالمعنى الذي جاء له نطقت به. وقال لي السوى كله حرف والحرف كله سوى. وقال لي ما عرفني من عرف قربي بالحدود ولا عرفني من عرف بعدي بالحدود. وقال لي ما شيء أقرب إلي من شيء بالحدية ولا شيء أبعد مني من شيء بالحدية. وقال لي الشك في الحرف فإذا عرض لك فقل من جاء بك. وقال لي الكيف من الحرف. وقال لي إذا كلمتك بعبارة لم تأت منك الحكومة لأن العبارة ترددك منك إليك بما عبرت وعما عبرت. وقال لي أوائل الحكومات أن تعرف بلا عبارة. وقال لي إذا تعرفت بلا عبارة لم ترجع إليك وإذا لم ترجع إليك جاءتك الحكومات. وقال لي العبارة حرف ولا حكم لحرف. وقال لي تعرفي إليك بعبارة توطئة لتعرفي إليك بلا عبارة. وقال لي إذا تعرفت إليك بلا عبارة خاطبك الحجر والمدر. وقال لي أوصافي التي تحملها العبارة أوصافك بمعنى وأوصافي التي لا تحملها العبارة لا هي أوصافك ولا من أوصافك. وقال لي إن سكنت إلي العبارة نمت وإن نمت مت فلا بحيوة ظفرت ولا على عبارة حصلت. وقال لي الأفكار في الحرف والخواطر في الأفكار وذكرى الخالص من وراء الحرف والأفكار واسمي ومن وراء الذكر. وقال لي اخرج من العلم الذي ضده الجهل ولا تخرج من الجهل الذي ضده العلم تجدني. وقال لي اخرج من المعرفة التي ضدها النكرة تعرف فتستقر فيما تعرف فتثبت فيما تستقر فتشهد فيما تثبت فتتمكن فيما تشهد. وقال لي العلم الذي ضده الجهل علم الحرف والجهل الذي ضده العلم جهل الحرف فاخرج من الحرف تعلم علماً لا ضد له وهو الرباني وتجهل جهلاً لا ضد له وهو اليقين الحقيقي. وقال لي إذا علمت علماً لا ضد له وجهلت جهلاً لا ضد له فلست من الأرض ولا من في السماء. وقال لي إذا لم تكن من الأرض لم أستعملك بأعمال أهل الأرض وإذا لم تكن من أهل السماء لم أستعملك بأعمال أهل السماء. وقال لي أعمال أهل الأرض الحرص والغفلة فالحرص تعبدهم لنفوسهم والغفلة سكونهم إلى نفوسهم. وقال لي أعمال أهل السماء الذكر والتعظيم فالذكر تعبدهم لربهم والتعظيم سكونهم إلى ربهم. وقال لي العبادة حجاب دان أنا من ورائه محتجب بوصف العزة، والتعظيم حجاب أدنى أنا من ورائه محتجب بوصف الغنى. وقال لي إذا جزت الحرف وقفت في الرؤية. وقال لي لن تقف في الرؤية حتى ترى حجابي رؤية ورؤيتي حجاباً. وقال لي من علوم الرؤية أن تشهد صمت الكل ومن علوم الحجاب أن تشهد نطق الكل. وقال لي من علوم صمت الكل أن تشهد عجز الكل ومن علوم نطق الكل أن تشهد تعرض الكل. وقال لي من علوم القرب أن تعلم احتجابي بوصف تعرفه. وقال لي إن جئتني بعلم أي علم جئتك بكل المطالبة وإن جئتني بمعرفة أي معرفة جئتك بكل الحجة. وقال لي إذاجئتني فألق العبارة وراء ظهرك وألق المعنى وراء العبارة وألق الوجد وراء المعنى. وقال لي إن لقيتني وبيني وبينك مما بدا فلست مني ولا أنا منك. وقال لي إن لقيتني وبيني وبينك شيء مما بدا لقيتك وبيني وبينك شيء مما بدا فأنا أحق بما بدا. وقال لي أنا الذي لا أحب أن ألقاك بما بدا وإن كنت أستحقه عليك فلا تلقني به فليس حسنة منك. وقال لي إذا جئتني فألق ظهرك وألق ما وراء ظهرك وألق ما قدامك وألق ما عن يمينك وألق ما عن شمالك. وقال لي إلقاء الذكر أن لا تذكرني من أحل السوى وإلقاء العلم أن لا تعمل به من أجل السوى. وقال لي لن تلقي في موتك إلا ما لقيته حيوتك. وقال لي اعرض نفسك على لقائي في كل يوم مرة أو مرتين وألق ما بدا كله والقني وحدك كذا أعلمك كيف تتأهب للقاء الحق. وقال لي اعرض نفسك علي في كل يوم مرة أحفظ نهارك، واعرض نفسك علي كل ليلة أحفظ ليلك. وقال لي احفظ نهارك أحفظ ليلك، احفظ قلبك أحفظ همك، واحفظ علمك أحفظ عزمك. وقال لي اعرض نفسك علي في أدبار الصلوات. وقال لي أتدري كيف تلقاي وحدك أن ترى هدايتي لك بفضلي لا أن ترى عملك وأن ترى عفوي لا أن ترى علمك. وقال لي اعلم واجتهد واعمل واجتهد واجتهد واجتهد فإذا فرغت فألقه في الماء آخذه بيدي وأثمره ببركتي وأزيد في كرمي. وقال لي أحسن إلى كل أحد تنبه روحه على التعلق بي، واحلم عن كل أحد تنبه عقله على استفتاح أمري ونهي. وقال لي تواضع لي تزهد فيما زهدت فيه. وقال لي إذا رأيت القاسية قلوبهم فصف لهم رحمتي فإن أجابوك وإلا فاذكر عظيم سطوتي. وقال لي إن اعترفوا لك فقد أجابوك، وإن أنكروا ما تقول فقد جحدوك. وقال لي إنما اسمك مكتوب على وجه ما به تسكن. وقال لي إنما انظر إلى ما به تستقل. وقال لي إن خرجت من معناك خرجت من اسمك، وإن خرجت من اسمك وقعت في اسمي. وقال لي السوى كله محبوس في معناه ومعناه محبوس في اسمه فإذا خرجت من اسمك ومعناك لم تكن لمن حبس في اسمه ومعناه سبيل عليك. وقال لي إذا وقعت في الاسم ظهرت عليك علامة الإنكار فتعرض كل شيء لفتنتك وتراىء كل خاطر لقلبك. وقال لي الآن من تعرض بك فقد تعرض بي. وقال لي انظر ما به تسكن فإنه مضاجعك في قبرك. وقال لي من قام في مقام معرفتي فخرج منه وعرف الوجد بي فخرج منه مستقراً بخروجه أوقدت له ناراً مفردة. وقال لي أنا العظيم الذي لا يحمل عظمته ما سواه، وأنا الكريم الذي لا يحمل كرمه ما سواه. وقال لي غلبت أنوار ذكرى على الذاكرين فأبصروا قدسي فكشف لهم قدسي عن عظمتي فعرفوا حقي فأسفرت لهم عظمتي عن عياني فخشعوا لعزي فأخبرهم عزي بقربي وبعدي فاستيقنوا قربي فأجهلهم بي قربي فرسخوا في معرفتي. وقال لي أنا المهيمن فلا تخفي علي خافية، وأنا العليم فكل خافية عندي بادية. وقال لي أنا الحكيم فكل بادية جارية، وأنا المحيط فكل جارية آتية. موقف التمكين والقوة أوقفني في التمكين والقوة وقال لي انظر قبل أن تبدو الباديات واستمع لكلمتي قبل أن تحدو الحاديات، أنا الذي أثبتك فبي ثبت وأنا الذي أسمعتك فبي سمعت وأنا لا سواي فيما لم أبد وأنا لا سواي فيما أبدي إلا بي. وقال لي احفظ مكانك من قبل الباديات فإليه أرجعك من بعد الموت. وقال لي إن صاحبتك الباديات تحولت ناراً فأحرقتك وخيرها يتجول حجاباً فيحترق بنار الحجاب وشرها يتحول عقاباً فيحترق بنار العقاب. وقال لي أريد أن أبدي خلقي وأظهر ما أشاء فيه وأقلب ما أشاء منه، وقد رأيتني وما أبديته وشهدت وقوفك بي من قبل إبدائي له، وقد أخذت عليك عهداً بتعرفي إليك أن عن تخرج عن مقامي إذا أبديته، فإني أظهره يدعو إلى نفسه ويحجب عني ويحضر بمعنويته ويغيب عن موقفي، فإن دعاك فلا تسمع وإن دعاك إلي بآيتي وإن حضرك فلا تحضره وإن حضرك بآيتي، وأوقفني وأبدى الباديات وخاطبني على ألسن الباديات وخاطب الباديات لي على لساني فأبدى القلم. وقال لي جاءك القلم، فقال كتبت العلم وسطرت السطر السر فاسمع فلن تجاوزني وسلم لي فلن تدركني. وقال لي قل للقلم عني يا قلم أبداني من أبداك وأجراني من أجراك وقد أخذ علي العهد للاستماع منه لا منك وميثاق التسليم له لا لك، فإن سمعت منك ظفرت بالحجاب وإن سلمت لك ظفرت بالعجز، فأنا منه أسمع كما أشهدني لا منك وله أسلم كماأوقفني لا لك فإن أسمعني من جهتك كنت لي سمعاً لا مستمعاً. وقال لي جاءك العرش وجاءتك حملته فحملوه بقوتي القائمة فسبحتني ألسنتهم بأذكار قدسي الدائمة وانبسطت ظلاله بجلال رأفتي الراحمة. وقال لي قل للعرش عني يا عرش أظهرك لبهاء ملك الديمومية وجعلك حرماً للقرب والعظمة وأحف بك من يشاء من المسبحة، فقدرته أعظم منك في العظمة وبهاؤه أحسن من بهائك في رتبة الزينة وقربه أقرب إليك من نفسك في موجبات الوحدانية، فأنت قائم في ظل قيموميته بك وظلك قائم في ظل تخصيصه لك فطاف بك طائفون رأوه قبل رؤيتك فقاموا كما قمت في ظله فسبحوه كما سبحت له ومجدوه بمحامدك التي بها مجدته فأنت لهؤلاء جهة كاشفة، وطاف بك طائفون علموه وما رأوه وسمعوه وما شهدوه وسبحوه بتسبيحاتك وقدسوه بمحامدك فقاموا له في ظلك القائم في ظل تخصيصه لك فأنت لهؤلاء جهة منجية، وطاف بك طائفون جبلوا على تسبيح العظمة وخلقوا لتحميد كبرياء العزة فهم قائمون بإدامة إشهاد الجبروت ومسبحون بتسابيح العز والملكوت فأنت لهؤلاء جهة مقربة. وقال لي أنت في علمي وما ترى سواي، وأنت تحت كنفي وما ترى سواي، وأنت بمنظري وما ترى سواي. وقال لي أحذر لا أطلع على القلوب فأراك فيها بمعناك ذاك تعرفي، أو أراك فيها بفعلك ذاك تقلبي. موقف قلوب العارفين أوقفني في قلوب العارفين وقال لي للعارفين إن رجعتم تسألوني عن معرفتي فما عرفتموني، وإن رضيتم القرار على ما عرفتم فما أنتم مني. وقال لي أول ما ترث وتأخذ معرفتي من العارف كلامه. وقال لي آية معرفتي إن لا تسألني عني ولا عن معرفتي. وقال لي إذا ألفت معرفتي بينك وبين علم أو اسم أو حرف أو معرفة فجريت بها وأنت بها واجد وأنت بها ساكن فإنما معك علم معرفة لا معرفة. وقال لي صاحب المعرفة هو المقيم فيها لا يخبر وصاحب المعرفة هو الذي إن تكلم تكلم فيها بكلام تعرفي وبما أخبرت به من نفسي. وقال لي أنت من أهل ما لا تتكلم فيه وإن تكلمت خرجت من المقام وإذا خرجت من مقام فلست من أهله وإنما أنت به من العالمين وإنما أنت له من الزائرين. وقال لي الأمر أمران أمر يثبت له عقلك وأمر لا يثبت له عقلك، وفي الأمر الذي يثبت له ظاهر وباطن وفي الأمر الذي لا يثبت له ظاهر وباطن. وقال لي لن تدوم في عمل حتى ترتبه وتقضي ما يفوت منه وإن لم تفعل لم تعمل ولم تدم. وقال لي كيف لا تحزن قلوب العارفين وهي تراني أنظر إلى العمل فأقول لسيئه كن صورة تلقي بها عاملك وأقول لحسنه كن صورة تلقي بها عاملك. وقال لي قلوب العارفين تخرج إلى العلوم بسطوات الإدراك وذلك كبرها وهو الذي أنهاها عنه. وقال لي يتعلق العارف بالمعرفة ويدعي أنه تعلق بي ولو تعلق بي هرب من النار كما يهرب من النكرة. وقال لي قل لقلوب العارفين أنصتوا له لا لتعرفوا، واصمتوا له لتعرفوا، فإنه يتعرف إليكم كيف تقيمون عنده. وقال لي قل لقلوب العارفين رأيت معرفتي أعلى من معرفة فوقفت في الأعلى ووقفت في حجابي، فأظهرت الوصول إلى عند عبادي فأنت في حجابي تدعيني وهم في حجابي لا يدعوني. وقال لي قلوب العارفين أعرفي حالك منه فإن أمرك بتعريف العبيد فعرفيهم وأنت في تلك الحال أدرك لقلوبهم ولا نجاة لك إلا به. وقال لي لقلوب العارفين لا تخرجي عن حالك وإن هديت إلي من ضل، أتضلين عني وتريدين أن تهدي إلي. وقال لي وزن معرفتك كوزن ندمك. وقال لي قلوب العارفين ترى الأبد وعيونهم ترى المواقيت. وقال لي أصحابي عطل مما بدا، وأحبابي من وراء اليوم وغداً. وقال لي لكل شيء أقمت الساعة فهي له منتظرة وعلى كل شيء تأتي الساعة فهو منها وجل. وقال لي قل للعارفين كونوا من وراء الأقدار فإن لم يستطيعوا فمن وراء الأفكار. وقال لي قل للعارفين وقل لقلوب العارفين قفوا لي لا للمعرفة، أتعرف إليكم بما أشاء من المعرفة وأثبت فيكم ما أشاء من المعرفة فإن وقفتم لي حملتم معرفة كل شيء وإن لم تقفوا لي غلبتك معرفة كل شيء فلم تحملوا لشيء معرفة. وقال لي قل لقلوب العارفين لا تستقيموا على خلة فتقلبكم الخلة إلى الخلة. وقال لي الأكل والنوم يحسبان على الحال التي يكونان فيها، إن كانا في العلم حسباً فيه إن كانا في المعرفة حسبا فيها. وقال لي قل لقلوب العارفين من أكل في المعرفة ونام في المعرفة ثبت فيما عرف. وقال لي قل لقلوب العارفين من خرج من المعرفة حين أكله لم يعد منها إلى مقامه. وقال لي أنت طلبتي والحكمة طلبتك. وقال لي الحكمة طلبتك وإذا كنت عبداً عبداً فإذا صيرتك عبداً ولياً كنت أنا طلبتك. وقال لي إلتقط الحكمة من أفواه الغافلين عنها كما تلتقطها من أفواه العامدين لها، إنك تراني وحدي في حكمة الغافلين لا في حكمة العامدين. وقال لي أكتب حكمة الجاهل كما تكتب حكمة العالم. وقال لي أنا مجرى الحكمة فمن أشاء أشهده أنني أجريت فذلك حكيمها، ومن أشاء لا أشهده فذلك جاهلها فأكتب أنت يا من شهدها. وقال لي القلوب لا تهجم علي ولا على من عندي. وقال لي إذا هجمت على قلبك ولم يهجم عليك قلبك فأنت من العارفين. وقال لي ما قدر المسئلة أن يناجي بها كرمي فبهذا فادعوني وقل يا رب اسألك بك ما قدر مسئلة أن يناجي بها كرمك. وقال لي الشك حبس من محابسي أحبس في قلوب من لم يتحقق بمعارفي. موقف رؤيته أوقفني في رؤيته وقال لي أعرفني معرفة اليقين المكشوف وتعرف إلى مولاك باليقين المكشوف. وقال لي أكتب كيف تعرفت إليك بمعرفة اليقين المكشوف وأكتب كيف أشهدتك وكيف شهدت ليكون ذكراً لك وليكون ثبتاً لقلبك، فكتبت بلسان ما أشهدني ليكون ذكرا لي ولمن تعرف إليه ربي من أوليائه الذين أحب إثباتهم في معرفته وأحب أن لا يعترض قلوبهم فتنة، فكتبت تعرفا إلى ربي تعرف أشهدني فيه بدو كل شيء من عنده فلما رأيت بدو كل شيء من عنده أقمت في هذه الرؤية وهي رؤية بدو الأشياء من عنده، ثم لم أقو على مداومة رؤية من عنده فحصلت في رؤية البدو وفي علم أنه من عنده لا في رؤية أنه من عنده، فجاءني الجهل وجميع ما فيه فتعرض لي من قبل هذا العلم، فأعطاني ربي إلى رؤيته وبقي علمي في رؤيته ليس نفاه حتى لم يبق لي علم بمعلوم لكن أراني في رؤيته أن ذلك العلم هو إبداؤه وهو جعله علماً وهو جعل لي معلوماً فأوقفني في هو وتعرف إلي من قبل هو التي هي هو ليس من قبل هو الحرفية ومعنى هو الحرفية إرادتك هو إشارية وهو بدائية وهو علمية وهو حجابية وهو عندية، فعرفت التعرف من قبل هو التي هي هو ورأيت هو فإذا ليس هو هو إلا هو ولم ما سواه هو يكون هو ورأيت التعرف لا يبدو من سواه ورأيت سواه لا يتعرف إلى قلبي، فقال لي إن أعترض قلبك من دوني شيء فلا تستدل بالأشياء ولا بسلطان بعض الأشياء على بعض فإن الأشياء تراجعك في الاعتراض والمعترض لك من وراء الأشياء يراجعك في الوسوسة واستدل علي بآيتي لعينها التي هي تعرفي إليك فإنك ترى الأشياء كلها لا تعرف لها إلا لي وتراها مشهودة الأعيان وترى أن لا تعرف إلا لي وتراني لا مشهوداً بالعيان. وقال لي آيتي كل شيء وآيتي في كل شيء فكل آيات الشيء تجري في القلب كجريان الشيء فهي تارةً تتطلع وتارةً تحتجب تختلف لاختلاف الأشياء وكذلك الأشياء مختلفة وآياتها مختلفة لأن الأشياء سيارة وآياتها سيارة، وأنت مختلف لأن الاختلاف صفتك فيا مختلف لا تستدل بمختلف فإنه إذا دلك جمعك معك من وجه وإذا لم يدلك تفرقت باختلافك من كل وجه. موقف حق المعرفة أوقفني في حق المعرفة وقال لي آما الآن ففوق وتحت وكل ما بدا فهو دنيا وكله وكل ما فيه ينتظر الساعة وعلى كله وكل ما فيه كتبت الإيمان وحقيقة الإيمان ليس كمثله شيء. وقال لي فاشهد جبريل وميكائيل واشهد العرش وحملة العرش واشهد كل ملك وكل ذي معرفة ترى حقائق إيمانه تقول وتشهد أنه ليس كمثله شيء وترى علمه بذلك هو وجده ووجده بذلك هو علمه وترى ذلك مبلغ معرفته وترى ذلك هو حق حقيقة وترى ذلك هو علم الرؤية الحقيقي لا هو الرؤية، فانظر كلهم كيف يرتقب الساعة وإنما يرتقب كشف الحجاب عن ذا وإنما ينتظر رفع الغطاء عن ذا وذا لا يحمل أحكام الحقيقة من وراء الحجاب إلا به فكيف إذا هتك الحجاب. وقال لي الحجاب يهتك وللهتك صولة لا تقوم لها فطر المخترعين. وقال لي لو رفع الحجاب ولم يهتك سكن من تحته وإنما يهتك فإذا هتك ذهلت معرفة العارفين فتكسى في الذهول نوراً تحمل به ما بدا بعد هتك الحجاب لأنها لا تحمل بمعارف الحجاب ما بدا عند هتك الحجاب. موقف عهده أوقفني في عهده وقال لي احفظ عليك مقامك وإلا ماد بك كل شيء. وقال لي لا يفارقك إذا كتبته لتنفذ إذا نفذت به ولتتأخر إذا تأخرت به. وقال لي مقامك هو الرؤية وهو ما رأيت من ورود الليل والنهار وما رأيت من كيف ورود الليل والنهار وإنني أرسل هذا رسولاً من حضرتي وأرسل هذا رسولاً من حضرتي وكيف مددت الأبد وكيف أرسل بالنهار وكيف أرسل بالليل فقد رأيت الأبد ولا عبارة في الأبد. وقال لي سبح لي الأبد وهو وصف من أوصافي فخلقت من تسبيحه الليل والنهار وجعلتهما سترين ممدودين على الأبصار والأفكار وعلى الأفئدة والأسرار. وقال لي الليل والنهار ستران ممدودان على الجميع من خلقت وقد اصطفيتك فرفعت السترين لتراني وقد رأيتني فقف في مقامك بين يدي قف في رؤيتي وإلا اختطفك كل كون. وقال لي إنما رفعت السترين لتراني فأقويك على رؤية السماء كيف تنفطر وعلى رؤية ما يتنزل منها كيف يتنزل ولترى ذلك كيف يأتي من قبلي كما يأتي الليل والنهار فقف وألق كل ما أبديه إليك إلي. وقال لي إذا اصطفيت أخاً فكن معه فيما أظهر ولا تكن معه فيما أسر فهو له من دونك سر فإن سر فإن أشار إليه وإن أصفح فأفصح به. وقال لي اسمي وأسمائي عندك ودائعي، لا تخرجها فأخرج من قلبك. وقال لي إن خرجت من قلبك عبد ذلك القلب غيري. وقال لي إن خرجت من قلبك أنكرني بعد المعرفة وجحدني بعد الإقرار. وقال لي لا تخبر باسمي ولا بحديث اسمي ولا بعلوم اسمي ولا بحديث من يعلم اسمي ولا بأنك رأيت من يعلم اسمي فإن حدثك محدث عن اسمي فاستمع منه ولا تخبره أنت. وقال لي إن أردتك بصاحب كما أردت سواك بك ألزمتك ذلك في سريرتك وفي نومك وفي يقظتك إلزاماً تعرفه ولا تنكره وتراني فيه ولا أستتر فيه عنك ولأن لا تقول له أقوم لك وإبراء لساحة قلبك. وقال لي قد رأيتني فالأمر بيني وبينك ليس هو بينك وبين علم ولا بينك وبين معرفة ولا بينك وبين جبريل ولا بينك وبين إسرافيل ولا بينك وبين الحروف ولا بينك وبين الأسماء ولا بينك وبين شيء. وقال لي إن أردتني فألق نفسك فليس في أسمائي نفس ولا ملكوت نفس ولا علوم نفس. موقف أدب الأولياء أوقفني في أدب الأولياء وقال لي إن ولي لا يسعه حرف ولا يسعه تصريف حرف ولا يسعه غيري لأني جعلت له من وراء كل خلق علماً بي. وقال لي أدب الأولياء ألا يتولوا شيئاً بهمومهم وإن تولوه بعقولهم. وقال لي مقام الولي بيني وبين كل شيء فليس بيني وبينه حجاب. وقال لي سميت ولي ولي لأن قلبه يليني دون كل شيء فهو بيتي الذي فيه أتكلم. وقال لي قد عرفتني وعرفت آيتي ومن عرف آيتي برئت منه ذمة العذر فإذا جلست فاجعل آيتي من حولك ولا تخرج عنها فتخرج من حصني. وقال لي أما أن تدعوني فأتيك وأما أدعوك فتأتيني. وقال لي قل لأوليائي قد خاطبكم قبل هياكلكم الطينية ورأيتموه، وقال لكم هذا كون كذا فانظروه وهذا الكون كذا وانظروه فرأيتم كل كون أبداه رأى العيان فكذلك سترونه الآن، ثم دحا الأرض وقال لكم انظروا كيف دحوت الأرض فرأيتم كيف دحا الأرض، وقال لكم أريد أظهركم لملكي وملكوتي وإني أريد أن أظهركم لبرياي وأكواني وملائكتي وإني سوف أخلق لكم من هذه الأرض هياكل وأظهركم فيها آمرين ناهين مقدمين مؤخرين. موقف الليل أوقفني في الليل وقال لي إذا جاءك الليل فقف بين يدي وخذ بيدك الجهل فاصرف به عني علم السموات والأرض فإذا صرفت رأيت نزولي. وقال لي الجهل حجاب الحجب وحاجب الحجاب وليس بعد الجهل حجاب ولا حاجب، إنما الجهل قدام الرب فإذا جاء الرب فحجابه الجهل، فلا معلوم إلا الجهل أنه لا يبقى من العلم إلا أنه مشغول ما هو هو لا مجهول هو أنه، فما تعلم مني وما تعلم بي وما تعلم لي وما تعلم من كل شيء فأنفه بالجهل فإن سمعته يسبحني ويدعو إلي فسد أذنيك وإن تراءي لك فغط عينيك وما لا تعلم فلا تستعلم ولا تتعلم، أنت عندي وآية عنديتي أن تحجب عن العلم والمعلوم بالجهل كما أحتجبت فإذا جاء النهار وجاء الرب إلى عرشه جاء البلاء فألق الجهل من يديك وخذ العلم فاصرف به عنك البلاء وأقم في العلم وإلا أخذك البلاء. وقال لي أحتجب عن العلم بالجهل وإلا لم تراني ولم تر مجلسي، واحتجب عن البلاء بالعلم وإلا لم تر نوري وبينتي. وقال لي انظر إلى كل شيء يراه قلبك وتراه عينك كيف قلت له كن فكان، ثم انظر إلى الجهل الذي مددته بيني وبينه ولو لم أجعله بيني وبينه ما ثبت لنوري. وقال لي الجهل قدام الرب تلك صفة من صفات تجلي رؤيته، والرب قدام الجهل تلك صفة من صفات تجلي الذات. موقف محضر القدس الناطق أوقفني بين يديه وقال لي أنت في محضر القدس الناطق. وقال لي أعرف حضرتي واعرف أدب من يدخل إلى حضرتي. وقال لي لا يصلح لحضرة العارف قد بنت سرائره قصوراً في معرفته فهو كالملك لا يحب أن يزول عن ملكه. وقال لي لا يصلح لحضرتي العالم الرباني، إنما قلبه أين أثبته أو نسبته قائم فإذا لم أنسبه تاه وإذا لم أثبته ماد وهو لا يقوم إلا باسمه أو علم اسمه. وقال لي إذا أتيتك اسماً من أسمائي وكلمني به قلبك أوجدته بي لا بك كلمتني بما كلمته منك. وقال لي ليكلمني منك من كلمته وليحذر منك أن يكلمني من لم أكلمه. وقال لي إذا رأيتني وكنت من أهلي وأهل اسمي فحادثتك فذاك علم وتعرفت إليك فذاك علم فحصل بيني وبينك علم وحصل بينك وبين العلم يقين. وقال لي إذا رأيتني وأردتني وتحققت بي كانت المحادثة عندك وسوسة وكان التعرف عندك وسوسة. وقال لي ألفت بين كل حرفين بصفة من صفاتي فتكونت الأكوان بتأليف الصفات لها والصفة لا ينقال هي فعاله وبها تثبت المعاني وعلى المعاني ركبت الأسماء. وقال لي إذا جاءتك دواعي نفسك ولم ترني فقد جاءك لسان من ألسنة ناري فافعل كما يفعل أوليائي أفعل بك كما فعلت بأوليائي. وقال لي أذنت لك في أصحابك بأوقفني وأذنت لك في أصحابك بي عبد ولم آذن لك بأن تكشف عني ولا بأن تحدث بحديث كيف تراني. وقال لي هذا عهدي إليك فحفظه بي وأنا حافظه عليه وأنا حافظك فيه وأنا مسددك فيه. 64 – موقف الكشف والبهوتأوقفني في الكشف والبهوت وقال لي انظر إلى الحجب، فنظرت إلى الحجب فإذا هي كل ما بدا وكل ما بدا فيما بدا، فقال انظر إلى الحجب وما هو من الحجب. وقال لي الحجب خمسة حجاب أعيان وحجاب علوم وحجاب حروف وحجاب أسماء وحجاب جهل. وقال لي الدنيا والآخرة وما فيهما من خلق وحجاب هو حجاب أعيان وكل عين من ذلك فهي حجاب نفسها وحجاب غيرها. وقال لي العلوم كلها حجب كل علم من حجاب نفسه وحجاب غيره. وقال لي حجاب العلوم يرد إلى حجاب الأعيان بالأقوال وبمعاني الأقوال وحجاب الأعيان يرد إلى حجاب العلوم بمعاني الأعيان وبسرائر مجهولات الأعيان. وقال لي حجاب الأعيان منصوب في حجاب العلوم وحجاب العلوم منصوب في حجاب الأعيان. وقال لي حجاب الحروف هو الحجاب الحكمي وحجاب الحكم هو من وراء العلوم. وقال لي لحجاب العلوم ظاهر هو علم الحروف وباطن هو حكم الحروف. وقال لي عبدي كل عبدي هو عبدي الفارغ من سواي ولن يكون فارغاً من سواي حتى أوتيه من كل شيء فإذا أتيته من كل شيء أخذ إليه باليد التي أمرته أن يأخذ بها ورد إلي باليد التي أمرته أن يرد. وقال لي إذا لم أوت عبدي من كل شيء فليس هو عبدي الفارغ وإن تفرغ مما أتيته لأنه قد بقي بيني وبينه ما لم أؤته، وإنما عبدي الفارغ إلا مني فهو عبدي الذي آتيته من كل شيء سبباً وأتيته منه علماً وأتيته منه حكماً فرأى الحكم جهرة ثم تفرغ من العلم وتفرغ من الحكم فألقاهما معاً إلي فذاك هو عبدي الفارغ من سواي. وقال لي لا تبدو الولاية لعبد إلا بعد الفراغ. وقال لي أتدري ما قلب عبدي الفارغ قلبه بيني وبين الأسماء وذاك هو مقامه الأول الذي هو مهربه وفيه أيته، فأنقله منه إلى رؤيتي فيراني ويرى الاسم والأسماء بين يدي كما يرى كل شيء بين يدي ويرى الاسم لا يملك من دوني حكماً فذاك هو مقام قلب عبدي الفارغ فذاك مقام البهوت وفي البهوت بين يدي أخر ما وقفت القلوب. وقال لي البهوت صفة من صفات الجبروت. وقال لي الواقف بحضرتي يرى المعرفة أصنافاً ويرى العلم أزلاماً لانه واقف بين يدي لا بين يدي العلوم فهو يرى العلم قائماً بين يدي أغرس فيه قلب من أشاء وأخرج منه قلب من أشاء، فذاك هو شأني في القلوب إلا قلوبي التي بنيتها لنظري لا لخبري وإلا قلوبي التي صنعتها لحضرتي لا لأمري تلك هي القلوب التي تسري أجسامها في أمري. وقال لي في العلوم بيت فمنه أحادث العلماء، ولي في المعارف بيت فمنه أحادث الفهماء. وقال لي البيوت حجب ومن وراء الحجب الأستار ولكل من الأستار مقام فإذا تعرفت إلى قلب من ذلك البيت فلا معرفة له إلا ما أبديت. وقال لي ما بحضرتي بيوت ولا لأهل حضرتي بيوت، أضعفهم من يخطر له الاسم وإن نفى وأعجزهم من يخطر له الذكر وإن نفى. وقال لي إذا نفيت الاسم والذكر كان لك وصول، فإذا لم يخطر بك الاسم والذكر كان لك اتصال وإذا كان لك اتصال فأردت كان. وقال لي إذا أردت أن لا يخطر بك الاسم والذكر فأقم في النفى ينتف لأن النفى بي لا بك فإذا أنتفى أثبتك فثبت لأن الإثبات بي لا بك. وقال لي إذا وقفت في حضرتي فلا تقف مع الرباني فتحتجب بحجابه ويكون لك كشف ولك حجاب، وإذا رأيت العلم والعلماء في حضرتي فأجلس في حضرتي وخاطبه في حضرتي، فإن لم يتبعك فلا تخرج من حضرتي فيستخرج هو من أقصى علمه ويعلم أنه قد خرج، وإن تبعك فقف به على ما صدق ولا تمش به معك، فإنه لا بد أن يخرج إلى مقامه فإن رجع وحده تاه وإن رجعت معه خرجت من حضرتي فتهت. وقال لي كل ما يخاطب به العلم والعلماء فهو مكتوب على ما أقصى علم العالم فهو يريد أن يعبره ويعبره وأنت تريد أن تقف فيه فهو لا يقف لأن العبارة والعبور حده فكذلك أنت لا تعبره لأنه مقامك. موقف العبدانية أوقفني في العبدانية وقال لي أتدري متى تكون عبدي إذا رأيتك عبداً لي منعوتاً عندي بي لا منعوتاً بما مني ولا منعوتاً بما عني، هنالك تكون عبدي فإذا كنت هنالك كذلك كنت عبد الله وإذا كنت عبد الله لم يغب عنك الله، وإذا كنت منعوتاً بسوى الله غاب عنك الله فإذا خرجت من النعت رأيت الله فإن أقمت في النعت لم تر الله. وقال لي العبدانية أن تكون عبداً بلا نعت فإن كنت بنعت اتصلت عبدانيتك بنعتك لا بي وإن اتصلت عبدانيتك بنعتك لا بي فأنت عبد نعتك لا عبدي. وقال لي عبد خائف استمدت عبدانيته من خوفه، عبد راج استمدت عبدانيته من رجاء، عبد محب استمدت عبدانيته من محبته، عبد مخلص استمدت عبدانيته من إخلاصه. وقال لي إذا استمد العبد من غير مولاه فمستمده هو مولاه دون مولاه وإذا لم يستمد من مولاه أبقى من مولاه، وإذا استمد من مولاه فقد أقدم على مولاه، فقف لي لتستمد مني ولا لتستمد من علمي ولا لتستمد منك تكن عبدي وتكن عندي وتفقه عني. وقال لي ما طالبتك بعبدانية الملك عبدانية الملك لي وإنما طالبتك بعبدانية الوقوف بين يدي. وقال لي قل لسريرتك تقف بين يدي لا بشيء ولا لشيء أجعل الملكوت الأكبر من وراءك وأجعل الملك الأعظم تحت رجليك. وقال لي لا ترجع من هذا المقام فإليه تلجأ الخليقة في شدائد الدنيا والآخرة وإليه يلجأ من رآني ومن لم يرني ومن عرفني ومن لم يعرفني، فالواقفون فيه في الدنيا تعرفهم خزنة أبوابه فإذا جاءوه ولم يحل بينهم وبينه وبحسب ما وقفوا عنه في الدنيا توقفهم الخزنة بالأبواب من دونه. وقال لي سيأتيك الحرف وما فيه وكل شيء ظهر فيه سيأتيك منه اسمي وأسمائي وفي اسمي واسمائي سري وسر إبدائي وسيأتيك منه العلم وفي العلم عهودي إليك ووصاياتي وسيأتيك منه السر وفي السر محادثتي لك وإيماني فسيدفعونك عنه فادفعهم عن نفسك. وقال لي أنا مرسلهم إليك ابتلاء، وأنا مؤدنك بأني أرسلتهم اجتباء، وأنا معلمك كيف تعمل إذا ما أتوك اصطفاء. وقال لي لا تدفعهم بمجاورة فلن تستطيع محاورة حق، وإنما تدفعهم بردهم ورد ما أتوا به إلي وتخلع قلبك منهم ومما أتوا به، لا تخلع ما أتوا به عن قلبك حتى تكون عندي لا عندهم هنالك حويتهم وما حووك وهنالك وسعتهم وما وسعوك. وقال لي رب حاضر وقلب فارغ وكون غائب هذه صفة من أستحين منه. وقال لي أقرر عيناً بما أشهدتك من النار أشهدتكما تسبحني وأشهدتكما تذكرني وأشهدتكما تعرفني وتفرغ مني وما أشهدك ذاك منها حتى أشهدتها ذام منك فأشهدتك منها مواقع ذكرى وأشهدتها منك مواقع نظري ما كنت لأجمع بين ذكرى ونظري في انتقامي. موقف قف أوقفني في قف وقال لي إذا قلت لك قف فقف لي لا لك ولا لأخاطبك ولا لآمرك ولا لتسمع مني ولا لما تعرف مني ولا لما لا تعرف مني ولا لأوقفني ولا ولياً عبد، قف لا لأخاطبك ولا تخاطبني بل أنظر إليك وتنظر إلي فلا تزل عن هذا الموقف حتى أتعرف إليك وحتى أخاطبك وحتى آمرك فإذا خاطبتك وإذا حادثتك فابك إن أردت علي البكاء وإن أردت على فوتي بخطابي وعلى فوتي بمحادثتي. وقال لي إذا قلت لك قف فوقفت لا لخطابي عرفت الوقوف بين يدي وإذا عرفت الوقوف بين يدي حرمتك على سواي وإذا حرمتك على سواي كنت من أهل صيانتي. وقال لي إذا عرفت كيف تقول إذا قلت لك قف لي فقد فتحت لك الباب إلي فلا أغلقه دونك أبداً وأذنت لك أن تدخله إلي فلا أمنعك أبداً، فإذا أردت الوقوف لي فاستعمل أدبي ولك أن تدخل متى شئت وليس لك أن تخرج إذا شئت، فإذا دخلت إلي فقف ولا تخرج إلا بمحادثتي وبتعرفي فما لم أحادثك وما لم أتعرف فأنت في المقام مقام الله وإذا تعرفت إليك فأنت في مقام المعرفة. وقال لي إذا قلت لك قف لي فعرفت كيف تقف لي فلا تخرج عن مقامك ولو هدمت كل كون بيني وبينك فألحقك بالهدم، فاعرف هذا قبل أن تقف لي ثم قف لي فلا تخرج أو أتعرف إليك بما تعرف مني. وقال لي لو جاءك في رؤيتي هدم السموات والأرض ما تزيلت ولو طاربك في غيبتي طائر بسرك ما ثبت، ذلك لتعلم قيوميتي بك واستيلائي عليك. وقال لي أيهما تسألني الرؤية لا عن المسئلة أم الغيبة على المسئلة، الغيبة قاعدة ما بين وبينك في إظهارك. وقال لي ألا تعلقت بي في الوارد كما تتعلق بي في صرفه. وقال لي التعلق الأول بي والتعلق الثاني بك. وقال لي التعلق بي في الوارد لا يصرفه لا لإقراره ولا لمكثه ولا لزواله. وقال لي قل يا من أورده أشهدني ملكوت برك في ذكرك وأذقني حنان ذكرك في إشهادي فأرنيك مثبتاً حتى تقوم بي رؤيتك في إثباتك ووار عني ما ارتبط بالثبت مني ومنه وناجني من وراء ما أعلمتني حتى أكون باقياً بك فيما عرفتني وسر بي إليك عن قرار ما يستقر به وصفي بوصفي ونادني، يا عبد سقطت معرفة سواي فما ضرك ثبت تعرفي لك هو حسبك. موقف المحضر والحرف أوقفني في المحضر وقال لي الحرف حجاب والحجاب حرف. وقال لي قف في العرش، فرأيت الحرم لا يسلكه النطق ولا تدخله الهموم ورأيت فيه أبواب كل شيء ورأيت الأبواب كلها ناراً للنار حرم لا يدخله إلا العمل الخالص فإذا دخله صار إلى الباب فإذا صار إلى الباب وقف فيه على المحاسبة ورأيت المحاسبة تفرد ما لوجه الله عما لسواه ورأيت الجزاء سواه ورأيت الخالص له ومن أجله يرفع من الباب إلى المنظر الأعلى فإذا رفع إليه كتب على الباب جاز الحساب. وقال لي إن لم تأكل من يدي وتشرب من يدي لم تستو على طاعتي. وقال لي إن لم تطعني لأجلي لم تستو على عبادتي. وقال لي اطرح ذنبك تطرح جهلك. وقال لي ذكرت ذنبك لم تذكر ربك. وقال لي في الجنة من كل ما يحتمله الخاطر ومن ورائه أكبر منه، وفي النار من كل ما يحتمله الخاطر ومن ورائه أكبر منه. وقال لي الذي يصدك عني في الدنيا هو الذي يصدك عني في الآخرة. وقال لي أوقفت الحرف قدام الكون وأوقفت العقل قدام الحرف وأوقفت المعرقة قدام العقل وأوقفت الإخلاص قدام المعرفة. وقال لي لا يعرفني الحرف ولا يعرفني ما عن الحرف ولا يعرفني ما في الحرف. وقال لي وإنما خاطبت الحرف بلسان الحرف فلا اللسان شهدني ولا الحرف عرفني. وقال لي النعيم كله لا يعرفني والعذاب كله لا يعرفني. وقال لي لو عرفني النعيم انقطع بمعرفتي عن التنعيم، ولو عرفني العذاب انقطع بمعرفتين بمعرفتي عن التعذيب. وقال لي رسول رحمة لا يحيط بمعرفتي ورسول عقوبة لا يحيط بمعرفتي. وقال لي يبدو عليك البادي من جنس ما يستقر عليه. وقال لي العلم المستقر هو الجهل المستقر. وقال لي إنما توسوس الوسوسة في الجهل وإنما تخطر الخواطر في الجهل. وقال لي أعدي عدو لك إنما يحاول إخراجك من الجهل لا من العلم. وقال لي إن صدك عن العلم فإنما يصدك عنه ليصدك عن الجهل. وقال لي الذين عندي لا يفهمون عن حرف هو يخاطبهم ولا يفهمون في حرف هو مكانهم ولا يفهمون عنه وهو علمهم، أشهدتهم قيامي بالحرف فرأوني قيماً وشهدوه جهة وسمعوا مني وعرفوه آلة. وقال لي تحمل إلي ومعك ما عرفت وما أنكرت وما أخذت وما تركت فأسألك عن أجلي فتجب حجتي فأعفو برحمتي. وقال لي الحرف مكانهم بما به بدا والحرف علمهم بما عنه بدا والحرف موقفهم بما له بدا. وقال لي العارف يخرج مبلغه عن الحرف فهو مبلغه وإن كانت الحروف سترة. وقال لي مبلغ العارف مستقره ومستقره هو الذي إن لم يكن به لم يسكن. وقال لي الحرف لا يلج الجهل ولا يستطيعه. وقال لي الحرف دليل العلم والعلم معدن الحرف. وقال لي أصحاب الحروف محجوبون عن الكشوف قائمون بمعانيهم بين الصفوف. وقال لي الحرف فج إبليس. وقال لي بقي علم بقي الخطر، بقي قلب بقي خطر بقي عقل بقي خطر، بقي هم بقي خطر. وقال لي معناك أقوى من السماء والأرض. وقال لي معناك يبصر بلا طرف ويسمع بلا سمع. وقال لي معناك لا يسكن الديار ولا يأكل من الثمار. وقال لي معناك لا يجنه الليل ولا يسرح بالنهار. وقال لي معناك لا تحيط به الألباب ولا تتعلق به الأسباب. وقال لي هذا معناك أنا خلقته وهذه أوصافه أنا جعلته وهذه حليته أنا أثبته وهذا مبلغه أنا جوزته. وقال لي أنا من ورائه ومن وراء ما عرفته، لا تعلمني علومه ولا تشهدني شواهده. وقال لي إن لم أنتصر بك لم تثبت وإن لم تثبت لم أتعرف إليك. وقال لي اذكرني تعرفي وانصرني تشهدني. وقال لي أنا القريب فلا بيان قرب، وأنا البعيد فلا بيان بعد. وقال لي أنا الظاهر لا كما ظهرت الظواهر، وأنا الباطن لا كما بطنت البواطن. وقال لي قل عافني من معافاتك منك وحل بيني وبين ما يحول عنك ولا تذرني بمذاري الحروف في معرفتك ولا توقفني أبداً إلا بك. وقال لي تعلم العلم لوجهي تصب الحق عندي. وقال لي إذا أصبت الحق عندي أثنيت عليك بثنائي على نفسي. وقال لي من تعرفت إليه توليت نعيمه بنفسي وتوليت عذابه بنفسي فأمددت النعيم من نعيمه وأمددت العذاب من عذابه. وقال لي الاسم ألف معطوف. وقال لي العلم من وراء الحروف. وقال لي المحضر خاص ولكل خاص عام. وقال لي الحضرة تحرق الحرف وفي الحرف الجهل والعلم ففي العلم الدنيا والآخرة وفي الجهل مطلع الدنيا والآخرة والمطلع مبلغ كل ظاهر وباطن والمبلغ محو في باد من بوادي الحضرة. وقال لي الحرف لا يلج الحضرة وأهل الحضرة يعبرون الحرف ولا يقفون فيه. وقال لي تستوحش تحت الأرض مما تستوحش منه فوق الأرض. وقال لي أهل الحضرة ينفون الحرف مع ما فيه نفي الخواطر. وقال لي إن لم تكن من أهل الحضرة جاءك الخاطر وكل السوى خاطر فلم ينفه إلا العلم وللعلم أضداد ولا تخلص إلا بالجهاد. وقال لي لا جهاد إلا بي ولا علم إلا بي، فإن وقفت بي فأنت من أهل حضرتي. وقال لي انظر إلى قبرك، إن دخل معك العلم دخل دخل معه الجهل وإن دخل معك العمل دخلت معه المحاسبة وإن دخل معك السوى دخل معه ضده من السوى. وقال لي ادخل إلى قبرك وحدك تراني وحدي فلا تثبت لي مع سواي. وقال لي إذا تعرفت إليك فاحذرني لا أجعل العذاب وما فيه في جارحة من جوارحك وارج فضلي في أضعاف ذلك في كرامتك. وقال لي أهل الحضرة هم الذين عندي. وقال لي الخارجون عن الحرف هم أهل الحضرة. وقال لي الخارجون عن أنفسهم هم الخارجون عن الحرف. وقال لي اخرج من العلم تخرج من الجهل واخرج من العمل تخرج من المحاسبة واخرج من الإخلاص تخرج من الشرك واخرج من الاتحاد إلى الواحد واخرج من الوحدة تخرج من الوحشة واخرج من الذكر تخرج من الغفلة واخرج من الشكر تخرج من الكفر. وقال لي اخرج من السوى تخرج من الحجاب واخرج من الحجاب تخرج من البعد واخرج من البعد تخرج من القرب واخرج من القرب ترى الله. وقال لي لو تعرفت إليك بمعارف السطوة فقدت العلم والحس. وقال لي للمحضر أبواب عدد ما في السماء والأرض وهو باب من أبواب الحضرة. وقال لي أول باب من أبواب الحضرة موقف المسئلة، أوقفك فأسألك فأعلمك فتجيب فتثبت بتعرفي وتعرف معارفك من لدني فتخبر عني. وقال لي ما النار، قلت نور من أنوار السطوة، قال ما السطوة، قلت وصف من أوصاف العزة، قال ما العزة، قلت وصف من أوصاف الجبروت، قال ما الجبروت، قلت وصف من أوصاف الكبرياء، قال ما الكبرياء، قلت وصف من أوصاف السلطان، قلت ما السلطان، قلت وصف من أوصاف العظمة، قال ما العظمة، قلت وصف من أوصاف الذات، قال ما الذات، قلت ما الذات قلت أنت الله لا إله إلا أنت، قال قلت الحق، قلت أنت قولتني، قال لترى بينتي. وقال لي الطبقة الأولى يعذبون بالسطوة والطبقة الثانية يعذبون بالعزة والطبقة الثالثة يعذبون بالجبروت والطبقة الرابعة يعذبون بالكبرياء والطبقة الخامسة يعذبون بالسلطان والطبقة السادسة يعذبون بالعظمة والطبقة السابعة يعذبون بالذات. وقال لي أهل النار يأتيهم العذاب من تحتهم وأهل الجنة ينزل عليهم نعيمهم من فوقهم. وقال لي ما الجنة، قلت وصف من أوصاف التنعيم، قال ما التنعيم، قلت وصف من أوصاف اللطف، قال ما اللطف، قلت وصف من أوصاف الرحمة، قال ما الرحمة، قلت وصف من أوصاف الكرم، قال ما الكرم، قلت وصف من أوصاف العطف، قال ما العطف، قلت وصف من أوصاف الود، قال ما الود، قال وصف من أوصاف الحب، قال ما الحب، قلت وصف من أوصاف الرضا، قال ما الرضا، قلت وصف من أوصاف الاصطفاء، قال ما الاصطفاء، قلت وصف من أوصاف النظر، قال ما النظر، قلت وصف من أوصاف الذات، قال ما الذات، قلت أنت الله، قال قلت الحق، قلت أنت قولتني، قال لترى نعمتي. وقال لي الطبقة الأولى يتنعمون بالتنعيم والطبقة الثانية يتنعمون بالكرم والطبقة الثالثة يتنعمون بالعطف والطبقة الرابعة يتنعمون بالود والطبقة الخامسة يتنعمون بالحب والطبقة السادسة يتنعمون بالرضا والطبقة السابعة يتنعمون بالاصطفاء والطبقة الثامنة يتنعمون بالنظر. وقال لي قد رأيت كيف يسري العذاب وكيف يسري النعيم وإلي يرجع الأمر كله فقف عندي تقف من وراء كل وصف. وقال لي إن لم تقف وراء الوصف أخذك الوصف. وقال لي إن أخذك الوصف الأعلى أخذك الوصف الأدنى. وقال لي إن أخذك الوصف الأدنى فلا أنت مني ولا من معرفتي. وقال لي أجللتك فاستخلفتك وعظمتك فاستعبدتك وكرمتك فعاينتك وأحببتك فابتليتك. وقال لي نظرت إليك فناجيتك وأقبلت عليك فأمرتك وغرت عليك فنهيتك وأخلصتك لودي فعرفتك. وقال لي القرآن يبني والأفكار تغرس. وقال لي الحرف يسري حيث القصد جيم جنة جيم جحيم. وقال لي إذا جاءني نطق الناطقين أثبته فيما به يطمئنون. وقال لي إن آخذتك بذنب أخذتك بكل ذنب حتى أسألك عن رجع طرفك وعن ضمير قلبك. وقال لي إن قبلت حسنة جعلت السيئات كلها حسنات. وقال لي من أهل النار، قلت أهل الحرف الظاهر، قال من أهل الجنة، قلت أهل الحرف الباطن، قال ما الحرف الظاهر، قلت علم لا يهدي إلى عمل قال ما الحرف الباطن، قلت علم يهدي إلى حقيقة، قال ما العمل، قلت الإخلاص قال لي ما الحقيقة، قلت ما تعرفت به، قال لي ما الإخلاص، قلت لوجهك، قال ما التعرف، قلت ما تلقيه من قلوب أوليائك. وقال لي القول الخالص موقوف على العمل والعمل موقوف على الأجل والأجل موقوف على الطمأنينة والطمأنينة موقوفة على الدوام. موقف الموعظة أوقفني في الموعظة وقال لي احذر معرفة تطالبك برد معارفي فتقلب وجدك وأختم بها على قلبك. وقال لي احذر معرفة تحتج ولا تجيز وتوجب ولا تحمل وتلزم ولا تيسر فيأخذك بها الحاكم وهو عدل وتحق بها الكلمة وهو فصل. وقال لي ما تطالب المعرفة برد المعرفة لعجزها عن الارتجاع إنما تثبت لمن سكنته قدماً في الجحود والشقاق. وقال لي تب إلي ولست بتائب أو تعلن لي، وأعلن لي ولسن بمعلن أو تصبر، واصبر لي ولست بصابر أو تؤثر. وقال لي أعلن توبتك لكل شيء يستغفر لك كل شيء. وقال لي تب إلي بمجامع علمك واجتمع علي بأقاصي همك. وقال لي اجعل موعظتي بين جلدك وعظمك وبين نومك ويقظتك. وقال لي اجعل تذكيري على أدواء أدواءك. وقال لي أعلن توبتك بالنهار بالصيام وأعلن توبتك بالليل بالقيام. وقال لي قم يا تائب إلى ظهورك أفتح لك بابا إلى حبورك، قم يا تائب إلى قرآنك أفتح لك بابا إلى أمانك. قم يا تائب إلى دعائك أفتح بابا إلى كشف غطائك. وقال لي قم يا تائب إلى ملاذك أفتح لك باب حطة في معاذك. وقال لي أظهرني على لسانك كما ظهرت على قلبك وإلا احتجبت عنك بك. وقال لي إن احتجبت عنك بك عصيتني في كل حال وأنكرتني في كل فال. وقال لي إن لم تظهرني على لسانك لم أنصرك على عدوك. وقال لي لا تذكر عذرك فتذكر ما منه، ولا تذكر ما منه فترد به وتصدر عنه. موقف الصفح والكرم أوقفني في الصفح والكرم وقال لي انا رب الآلاء والنعم. وقال لي تعرفت إلى القلم بمعرفة من معارف الإثبات وتعرفت إلى اللوح بمعرفة من معارف الحزن. وقال لي تعلق بي فأول عارض يعترض لك الحسنات فإن أجبتها تعرضت لك السيئات. وقال لي الحسنات محابس الجنة والسيئات محابس النار. وقال لي اتبعني ولا تلتفت يميناً على الحسنات واتبعني ولا تلتفت شمالاً على السيئات. وقال لي ما حسنتك مطيتي فتحملني ولا سيئتك تعجبني فتصدني، أنا أقرب إلى الحسنات من الهم بالحسنات وأنا أقرب إلى السيئات من الهم بالسيئات. وقال لي أنا أقرب من الهم إلى القلب المهتم. وقال لي الحكم نقيب من نقباء العلم والذكر مادة من مواد الجنة وباب من أبواب الزلفة. موقف القوة أوقفني في القوة وقال لي هي وصف من أوصاف القيومية. وقال لي القيومية قامت بكل شيء. وقال لي بين ما قام بالقوة وبين ما قام بالقيومية فرق. وقال لي سري وصف القوة في كل شيء فيه قام على مختلف القيام ولو سرى فيه وصف القيومية لرفع المختلف وقام به على كل حال. وقال لي القيومية محيطة لا تخرق. وقال لي القوة ماسكة والقيومية مقلبة والتقليب مثبت ماح. وقال لي قوة القوى وضعف الضعيف من أحكام وصف القوة. وقال لي أقوى القوة جهل لا يميل فمن دام فيه دام في القوة ومن تميل فيه تميل في القوة. وقال لي كلما قويت في الجهل قويت في العلم. وقال لي إن أردت وجهي ركبت القوة. وقال لي إن ركبت القوة فأنت من أهل القوة وإن أخذتك القوة بيمينك وشمالك ألقيتها من وراء ظهرك. وقال لي إن ركبت القوة نظرت بالقوة وإن ركبت القوة سمعت القوة وإن ركبت القوة تصرفت بالقوة. وقال لي إذا تصرفت في كل متصرف بالقوة لم تمل وإذا لم تمل استقمت وإذا استقمت فقل ربي الله تعالى ” بسم الله الرحمن الرحيم ” إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا ابشروا بالجنة التي كنتم توعدون ” صدق الله العظيم. وقال لي لن تركب القوة حتى تتفرغ لي من سواي. وقال لي أول القوة أن تتفرغ لي ورأس القوة أن تريد بالعمل وجهي. وقال لي القوة مطية الحاضرين والحضور بما فيه مطية المنقطعين والانقطاع بما فيه مطية المقتطعين. وقال لي المقتطعين جلساء الحكمة وسفراء الملكوت.وقال لي لكل شيء معدن ومعدن القوة اجتناب النهي. وقال لي المعدن مستقر وللمستقر أبواب وللأبواب طرق وللطرق فجاج وللفجاج أدلاء وللأدلاء زاد وللزاد أسباب. وقال لي حكمي الذي يجري في كل شيء قهراً هو حكمي الذي يدينك إلي طوعاً. وقال لي يا كاتب القوة لا بمعناك كتبتها فعرفتها ولا بمعناك عرفتها فحملتها. وقال لي إن وقفت والنار عن يمينك نظرت إليك فأطفأتها، وإن وقفت والنار عن شمالك نظرت إليك فأطفأتها، وإن وقفت والنار أمامك لم أنظر إليك لأني لا أنظر إلى من في النار. وقال لي لا أنظر إليك والنار أمامك ولا أسمع منك والجنة أمامك. وقال لي إنما أنت متوجه إلى ما هو أمامك فانظر إلى ما أنت متوجه إليه فهو الذي ينظر إليك وهو الذي تصير إليه. وقال لي أقسمت على نفسي بنفسي لا ترك لي تارك شيئاً إلا أتيته ما ترك أو زكى مما ترك، فإن أقله ما أتيته فذاك جزاء المخلصين وإن لم يقله ما أتيته أتيته الحسنى وزيادة وأنا حسب العالمين الغافلين في أعمالهم عني. وقال لي يا كاتب القوة لا بأقلامك سطرتها فأحصيتها ولا بصحائفك أدركتها فاحتويتها. وقال لي يا كاتب المعرفة لا بإبانتك أبنتها فأجريتها ولا بتعجيمك عجمتها ففصلتها ولا بتفصيلك رتبتها فألفتها. وقال لي يا كاتب القوة كتابة القوة بأقلام القوة وكتابة المعرفة بأقلام المعرفة وكل كتابة فبأقلامها تسطر. وقال لي أذنب الواجد بي جعلت عقوبته أن يذنب ولا يجد بي. وقال لي إذا أذنب وهو واجد بي استوحش من نفسه واحتج لي عليها، وإذا أذنب ولم يجد بي أنس بمبلغ تأويله واحتج علي. وقال لي إذا قلبتك في الذنب بين الوجد بي وفقد الوجد وأشهدتك الاحتجاج لي فقد غفرت الأول والآخر وصفحت عن الباطن والظاهر. وقال لي ما أذنب مذنب وهو غير واجد بي إلا أصر فإذا وجد بي أقلع، وما أذنب مذنب وهو واجد بي إلا تاب ولا أشهد وناب فلم يعاود إلا وقد غفرت له وقبلت. وقال لي إن لم تنتسب إلي نسبي لم تنفصل عن نسب سواي. وقال لي نسبي ما علق بذكرى ونسبي ما علق بي في ذكرى ونسبي ما أدام لي فيما علق بي ونسبي فيما أدام لي من أجلي. وقال لي نسب السوى من أجل السوى. وقال لي من جاءني بأجل سواي أوقفته مع ما جاء به أين كانت درجته. وقال لي الأجل مجمع الواقفين ومفرق المعلولين. وقال لي لا تنقطع إلي حتى تنقطع لي ولا أقتطعك حتى تنقطع علي. وقال لي إن غذوت بمآكل قوم غذوت بقلوبهم وإذا غذوت بقلوبهم غذوت بأعمالهم وإذا غذوت بأعمالهم غذوت بمنقلبهم. وقال لي إن عرفتني بمعرفة الانقطاع إلي لم تنكرني، وإن عرفتني بمعرفة المقام عندي لم تلوعني. وقال لي إن لم تنقطع إلي فميزان فيه ما أردت لي وميزان فيه ما أردت لك. وقال لي إن لم تنقطع إلي فأنت من أهل الموازين. وقال لي أهل الموازين أهل الورع وإن ثقل ما وزنوا. موقف إقباله أوقفني في إقباله وقال لي لكل ولي باب يدخل منه وباب يخرج منه. وقال لي إنما أحشرك مع أبناء جنسك من كانوا وأين كانوا. وقال لي أبناء جنسك أبناء شهوتك أو تركك وليس أبناء جنسك أبناء عملك ولا أبناء معرفتك. وقال لي إن قلت ما أقول قلت ما تقول. وقال لي أول الاستجابة استجابتك للقول بقولك. وقال لي الاستجابة أن تقول ما أقول ولا تلتفت إلى عاقبة بضمير. وقال لي الدعاء الخالص أدب من آداب الاجتماع. وقال لي من إقبالي عليك أني أريدك بأن تريدني لتثبت في الإقبال علي فأردني واشهدني أريدك بأن تريدني فتدوم بي وتنقطع عنك. وقال لي فرقت السموات والأرض ومن فيهن من نار العذاب وفرقت نار العذاب من نار الاستتار. وقال لي أبناء همك جمع ويفترقون بالشهوات، أبناء علمك جمع ويفترقون بالشهوات، أبناء عملك جمع ويفترقون بالشهوات، أبناء شهوتك جمع ويفترقون بالترك والتاركون أبناء ما أجله تركوا والآخذون أبناء ما من أجله أخذوا. وقال لي إن لم يصعد عملك من الباب الذي نزل منه علمك لم يصل إلي. وقال لي إن لم تكن في أمري كالنار أدخلتك النار. وقال لي انظر إلى النار كيف هي لي لا ترجع فكذلك كن لي لا ترجع قولاً ولا فعلاً. وقال لي عقوبة كل مذنب تأتي من مستمده فانظر من أين تستمد فمن هناك ثوابك وعقابك فانظر من أين تستمد. وقال لي الصلوات موقوفة على عشاء الآخرة تذهب بها أين ذهبت. وقال لي وكلت الظن بالعمل يحسن إذا حسن ويسوء إذا ساء. موقف الصفح الجميل أوقفني في الصفح الجميل وقال لي أنا يسرت المعذرة وأنا عدت بالعفو والمغفرة. وقال لي إن أنزلتني في حسنتك نزلت في سيئتك. وقال لي إن أنزلتني في حسنتك باهيت بها وإذا باهيت بها أثبتها في بهائي، وإذا نزلت في سيئتك محوتها من كتابك ومحوتها من قلبك فلا تجد بها فتستوحش ولا تفرغ إليها فتفترق. وقال لي إن لم تعرف أي عبد أنت لي لم تعرف مني وإن لم تعرف مقامك مني لم تثبت في أمري وإن لم تثبت في أمري خرجت من ظلي. وقال لي اعرف مقامك مني وأقم فيه عندي، فرأيت الكون كله جزيئة في جزيئة موصولة ومفصولة لا تستقل الموصولة من دونه بنفسها ولا بالمفصولة ولا تستقل المفصولة بنفسها ولا بالموصولة، ورأيته قد حجب الموصولات والمفصولات وختم على الحجاب بخاتمته ولم يؤذن المحجوب بختم الحجاب ولا بالحجاب فيكون الإيذان له تعرفاً إليه بحكم من أحكام الفوت فيكون التعرف إليه سبباً موصولاً به فيخرج عن الختم بالتعرف. وقال لي اخرج عن الموصول والمفصول واخرج عن الحجاب والختم وعن الخاتم فالحجاب صفة والختم والخاتم صفة، فاخرج عن الصفات وانظر إلي لا تحكم علي الصفات ولا تهجم علي الموصوفات ولا تتعلق بي بالمتعلقات ولا تقتبس مني المقتبسات. وقال لي لا تجعل الكون من فوقك ولا من تحتك ولا عن يمينك ولا عن شمالك ولا في علمك ولا في وجدك لا في ذكرك ولا في فكرك ولا تعلقه بصفة من صفاتك ولا تعبر بلغة من لغاتك وانظر إلى من قبله، فذلك مقامك فأقم فيه ناظراً إلي كيف كونت وكيف أكون وكيف قلبت ما أكون وكيف أشهدت وغيبت فيا قلبت وكيف استوليت على ما أشهدت وكيف أحطت على ما استوليت وكيف استأثرت فيما أحطت وكيف فت فيما أستأثرت وكيف قربت فما فت وكيف بعدت فيما قربت وكيف دنوت فيما بعدت، فلا تمل مع المائلات ولا تمد مع المائدات وكن كأنك صفة لا تتميل ولا تتزيل. وقال لي هذا مقام الأمان والظل وهذا مقام العقد والحل. وقال لي هذا مقام الولاية والأمانة. وقال لي هذا مقامك فأقم فيه تكن في إحسان كل محسن وفي استغفار كل مستغفر. وقال لي إذا أقمت في هذا المقام حوت صفتك جميع أحكام الصفات الطائعات وفارقت صفتك جميع أحكام الصفات العاصيات. وقال لي إذا أقمت في هذا المقام قلت لك قل فقلت فكان ما تقول بقولي فشهدت الاختراع جهرة. وقال لي إن ملت إلى العرش حبستك فيه فكان حجابك وإن حبستك فيه دخل كل أحد إلى حبسك فيه فحسبت لشرفه من فعلك فإن رددتك إلى شرفه وإلى فعلك كان حجابك. وقال لي جد وجد الحضرة على أي صفة جاءك الوجد، فإن عارضتك الصفات فأدعها وأدع موصوفاتها إلى وجدك، فإن استجابت لك فاهرب إلى الصفة التي تجد بمقامك فيها وجد الحضرة فإن لم تهرب فارقك وجد الحضرة وتحكمت عليك صفات الحجاب وموصوفاتها. وقال لي اجعل سيئتك نسياً منسياً، ولا تخطر بك حسنتك فتصرفها بالنفي. وقال لي قد بشرتك بالعفو فاعمل به على الوجد بي وإلا لم تعمل. وقال لي إن ذهبت عن وجد المغفرة أذهبك ما ذهبت إليه إلى المعصية، فحيث تسألني المغفرة فلا اصدق ما تقول ولا أتعرف من حيث تؤول. وقال لي لا طريق إلى مقامك في ولايتي إلا الوجد منك بعفوي ومغفرتي، فإن أقمت في الوجد بما بشرتك به من عفوي ومغفرتي أقمت في مقامك من ولايتي وإن خرجت خرجت وإن خرجت فارقت. وقال لي يا ولي قدسي واصطفاء محبتي. وقال لي يا ولي محامدي يوم كتبت محامدي. وقال لي قف في مقامك ففيه تجري عين العلم فلا تنقطع، فإذا جرت فانظر حكمتها فيما تجري وانظر حكمتها فيما تسقي ولا تمض معها فتذهب عن مقامك وعن العين فيه. وقال لي أقم في مقامك تشرب من عين الحيوة فلا تموت في الدنيا ولا في الآخرة. وقال لي الذنب الذي أغضب منه هو الذي أجعل عقوبته الرغبة في الدنيا والرغبة في الدنيا باب إلى الكفر بي فمن دخله أخذ من الكفر بما دخل. وقال لي الراغب في الدنيا هو الراغب فيها لنفسه والراغب فيها لنفسه المحتجب بها عني القانع بها مني. وقال لي إن لم تدر من أنت لم تفد علما ولم تكسب عملاً. وقال لي قد رأيت مقامي ورأيت الكون وأريتك نوريتك فأين ذهبت بها ذهبت بها، فعلقت فتمخضت فوضعت فاستسعيتك فاسترهبتك فاستخدمتك. وقال لي إن كنت من أهل القرآن فبابك في التلاوة لا تصل إلا منه. وقال لي كذلك بابك فيما أنت فيه من أهله. وقال لي تلاوة النهار باب إلى الحفظ والحفظ باب إلى تلاوة الليل وتلاوة الليل باب إلى الفهم والفهم باب إلى المغفرة. موقف اقشعرار الجلود أوقفني في اقشعرار الجلود وقال لي هو من أثار نظري وهو باب محضري. وقال لي هو عن حكمي لا عن حكم سواي وهو عن حكم إقبالي عليك لا عن حكم إقبالك علي. وقال لي هي علامة حكم ذكرى لك لا علامة ذكرك لي وهي علامتي ودليلي فاعتبر بها كل وجد وعقد فإن أقامت في شيء فهو الحق وإن فارقته فهو الباطل. وقال لي هي ميزاني فزن به وهي معياري فاعتبر به وهي علامة اليقين وهي علامة التحقيق. وقال لي أبواب الرجاء فيها مفتوحة وأبواب الثقة بي فيها مبشرة. وقال لي لا طريق إلي إلا في محجتها ولا مسير إلي إلا في نورها. وقال لي هي نور من أنوار المواصلة وهي نور من أنوار المواجهة إذا بدا أباد ما سواه. موقف العبادة الوجهية أوقفني في العبادة والوجهية وقال لي هي صاحبة الروح والريحان عند الموت. وقال لي العبادة الوجهية طريق المقربين إلى ظل العرش. وقال لي يا صاحب العبادة الوجهية ستأتيك الجنة فتتراءى لقلبك وتتمثل لنفسك وستأتيك النار فتتراءى لقلبك وتتمثل لنفسك، وأنا الحق الذي لا يتراءى ولا يتمثل فإن نظرت إلى النار فرقت فلم تحمل لي حكمة، وإن نظرت إلى الجنة سكنت فلم تحمل لي أدب المعرفة. وقال لي يا صاحب العبادة الوجهية وجه وجهك إلي وجه وجه همك إلي وجه وجه قلبك إلي وجه وجه سمعك إلي وجه وجه سكونك إلي. وقال لي يا صاحب العبادة الوجهية إذا أتتك النار والجنة فسأشهدك منهما مواضع المعرفة وسأشهدك في مواضع المعرفة آثار النظر وسأشهدك في آثار الظر مواضع التسبيح فاذهب عن كل آثار بكل آثار تذهب عن زخارف الجنة وعن بأساء النار. وقال لي إنما أشهدتك الآثار بعد الآثار لاذهبك عن الجنة والنار لأن الآثار هي الاغيار. وقال لي لا أرضى لك أن تقيم في شيء وإن رضيته أنت عندي أكبر منه فأقم عندي لا عنده. وقال لي أتدري ماذا أعددت لصاحب العبادة الوجهية، عتب أبوابهم من شرف قباب من سواهم وأبوابهم من شرف مقاصير من سواهم. وقال لي كل أحد في الجنة يأتيني فيقف في مقامه إلا أهل العبادة الوجهية فإنهم يأتوني مع الناس عامة وآيتهم من دون الناس خاصة. وقال لي فضل المنزل الذي آتيه على المنزل الذي لا آتيه كفضلي على كل ما أنا منشئه. وقال لي أهل العبادة الوجهية أهل الصبر الذي لا يهرم وأهل الفهم الذي لا يعقم. وقال لي أهل العبادة الوجهية وجوه الناس ترفع إليهم الوجوه يوم القيامة. وقال لي أهل العبادة الوجهية أهلي أهل خلتي أهل الشفاعة إلي أهل زيارتي. وقال لي كما يأتيك التثبيت في تهجدك كذا يأتيك التثبيت في يوم موردك. وقال لي إذا وقفت بين يدي فبقدر ما تقبل الخاطر يأتيك الروع وبقدر ما تنفيه ينتفى عنك الحكم والروع. وقال لي أنت على أعوادك بما أنت فيه في القيام، وأنت في مطلعك بما أنت به في الركوع، وأنت في متوسدك بما أنت به من السجود. وقال لي يا صاحب العبادة الوجهية وجه كل شيء ما أشهدك أنه متعلق بي منه فتشهده فتعمله فتعرفه لا يتعبر لا فتعبره ولا يترجم لك فتترجمه فذلك من العلم الصامت. وقال لي إذا سترت عنك وجه كل شيء رأيت ذلك المعنى الذي شهدته متعلقاً بي منه داعياً لك إلى التعلق به. وقال لي إذا كشفته لك فلا أستره أو تستره، وإذا عرفته فلا أنكره أو تنكره. وقال لي يا صاحب العبادة الوجهية أتدري ما وجه همك فتقبل به علي أم تدري ما وجه قلبك فتقبل به علي، وجه همك أقصاه ووجه قلبك سكونه. وقال لي همك جميعه فكل همك وجه، ووجه قلبك جميعه فكل قلبك وجه، فأين صرفت الوجه انصرف وأين أقبلت به أقبل. وقال لي سكون قلبك عين قلبك وهو الطمأنينة، وأقصى همك عين همك وهو موضع الغرض. وقال لي إذا سميتك فلم تعمل على التسمية فلا اسم لك عندي ولا عمل. وقال لي إذا سميتك فعملت على التسمية فأنت من أهل الظل. وقال لي أهل الأسماء أهل الظل. وقال لي لا يقف في ظل عرشي إلا مسمى عمل على تسميته. وقال لي صلوة المتهجد بالليل بذر يسقيه ماء عمل بالنهار. وقال لي اللسان يسقي ما بذر اللسان والأركان تسقي ما بذرت الأركان. وقال لي إن أردت أن تنقطع إلي فأظهرني على لسانك وادع إلى طاعتي بمواعظك ينقطع عنك القاطعون ويواصلك في الواصلون. وقال لي يا كاتب الكتبة الوجهية ويا صاحب العبارة الرحمانية إن كتبت لغيري محوتك من كتابي وإن عبرت بغير عبارتي أخرجتك من خطابي. وقال لي يا كاتب الكتبة الرحمانية ويا فقيه الحكمة الربانية. وقال لي يا كاتب النعماء الإلهية ويا صاحب المعرفة الفردانية. وقال لي يا كاتب القدس المسطور بأقلام الرب على أوجه محامده أنت في الدنيا والآخرة كاتب. وقال لي يا كاتب النور المنشور على سرادقات العظمة اكتب على رفارفها تسبيح ما سبح واكتب على تسبيح ما سبح معرفة من عرف. وقال لي أنت كاتب العلم والأعلام وأنت كاتب الحكم والأحكام. وقال لي أنت كاتب الرحمن في يوم المزار وأنت كاتب الرحمن في دار القرار. وقال لي يا كاتب الجلال في دار الجلال اكتب بأقلام الكمال على أوراق الإقبال. وقال لي أنت كاتب المجد المجيد وأنت كاتب الحمد الحميد. وقال لي اقرأ كتابك بعين المغفرة واختم كتابك بخاتم الزلفة. وقال لي أنت كاتب المنن والإحسان وأنت كاتب البيان والبرهان. وقال لي أنت كاتب الحضرة الدائمة وأنت كاتب القيومية القائمة. وقال لي أنت الكاتب فاكتب لي بأقلام تسليمك إلي واختم كتابك بخاتم الغيرة علي. وقال لي إذا سميتك فتسم ولا تتسم عند نفسك. وقال لي علمك يرجع إلي بما حوى ونفسك ترجع إليها بما حوت، فإذا تسميت عند علمك رجع إلي به ربك وإذا تسميت عند نفسك رجعت إليها بها وبك. موقف الاصطفاء أوقفني في الاصطفاء المصطفين وقال لي أنا المتعرف إلى الحمادين وأنا المستجد الآلاء إلى الأوابين. وقال لي إذا أردت لقاء الحمادين آذنتهم بالقدوم علي، فإذا طابت به نفوسهم توفيتهم طيبين. وقال لي اليد التي لا تسألني حتى ابتدئ يدي، واليد التي لا تأخذ إلا مني يدي، واليد التي لا تسأل غيري يدي. موقف الإسلام أوقفني في الإسلام وقال لي هو ديني فلا تبتغ سواه فإني لا أقبل. وقال لي هو أن تسلم لي ما أحكم لك وما أحكم عليك، قلت كيف أسلم لك، قال لا تعارضني برأيك ولا تطلب على حقي عليك دليلاً من قبل نفسك فإن نفسك لا تدلك على حقي أبداً ولا تلتزم حقي طوعاً، قلت كيف لا أعارض، قال تتبع ولا تبتدع، قلت كيف لا أطلب على حقك دليلاً من قبل نفسي، قال إذا قلت لك إن هذا لك تقول هذا لي وإذا قلت لك هذا لي تقول إن هذا لك فيكون أمري لك هو مخاطبك وهو المستحق عليك وهو دليلك فتستدل به عليه وتصل به إليه، قلت فكيف أتبع، قال تسمع قولي وتسلك طريقي، قلت كيف لا أبتدع، قال لا تسمع قولك ولا تسلك طريقك، قلت ما قولك، قال كلامي، قلت أين طريقك، قال أحكامي، قلت ما قولي، قال تحيرك، قلت ما طريقي، قال تحكمك، قلت ما تحكمي، قال قياسك، قلت ما قياسي، قال عجزك في علمك، قلت كيف أعجز في علمي، قال إني ابتليتك في كل شيء مني إليك بشيء منك إلى فابتليتك في علمي بعلمك لأنظر أتتبع علمك أو علمي وابتليتك في حكمي بحكمك لأنظر أتحكم بحكمك أو بحكمي، قلت كيف أتبع علمي وكيف أعمل بحكمي، قال تنصرف عن الحكم بعلمي إلى الحكم بعلمك، قلت كيف أنصرف عن الحكم بعلمك إلى الحكم بعلمي، قال تحل بكلامك ما حرمته بكلامي وتحرم بكلامك ما حللته بكلامي وتدعي على أن ذلك بإذني وتدعي على أن ذلك عن أمري، قلت كيف ادعي عليك، قال تأتي فعل لم آمرك به فتحكم له بحكمي في فعل أمرتك به وتأتي بقول لم آمرك به فتحكم له بحكمي في قول أمرتك به، قلت لا آتي بفعل لم تأمرني به ولا آتي بقول لم تأمرني به، قال أن أتيت به كما أمرتك فقولي وفعلي وبقولي وفعلي يقع حكمي وإن أتيت به كما لم آمرك به فقولك وفعلك وبقولك وفعلك لا يقع حكمي ولا يكون ديني وحدودي. وقال لي إن سويت بين قولي وقولك أو سويت بين حكمي وحكمك فقد عدلت في نفسك، قلت لا حكم إلا لقولك وفعلك، قال فقهت، قلت فقهت، قال لا تمل، قلت لا أميل، قال من فقه أمري فقد فقه ومن فقه رأى نفسه فما فقه. موقف الكنف أوقفني في الكنف وقال لي سلم إلي وانصرف، إنك إن لم تنصرف تعترض إنك إن تعترض تضادد. وقال لي تدري كيف تسلم إلي لا إلى الوسائط، قلت ما الوسائط، قال العلم وكل معلوم فيه. وقال لي تدري كيف تسلم إلي لا إلى الوسائط،قلت ما الوسائط، قال العلم وكل معلوم فيه. وقال لي تدري كيف تسلم إلي لا إلى الوسائط، قلت كيف، قال تسلم إلى بقلبك وتسلم إلى الوسائط ببدنك. وقال لي تسلم إلي وتنصرف هو مقام القوة، والقوة التي هي مقام قوة وضعف فرقاً بينهما وبين قوة لا ضعف لها. وقال لي قوة القوي أن يسلم ولا ينصرف، وضعف القوى أن يسلم وينصرف. وقال لي الحقيقة أن تسلم ولا تنصرف وأن لا تأسي ولا تفرح ولا تنحجب عني ولا تنظر إلى نعمتي ولا تستكين لإبتلائي ولا تستقرك المستقرات من دوني. وقال لي مقام الصديقية أن تسلم إلي وتنصرف، ومقام النبوة أن تسلم إلي وتقف. وقال لي انظر إلى كل بشير يبشرك بعفوي وكل بشير يبشرك بنعمتي وعطفي فاردد ذلك إلي على مطايا الحرف وقل يا ألف هذا الألف فاحمله ويا باء هذه الباء فاحملها ويا حرف هذه الحرف فاحمله، فإني أنا المبدي وأنا المعيد كتبت على جميع ما أبديت لأبدينك وكتبت عليه لما بدا لأعيدنك، فأرجعه إلي أخزنه في خزائن نظري ثم أعبده إليك في يوم اللقاء وقد ألبسته بيدي ونورت له من نوري وكتبت على وجهه محامد قدسي وحففته في يوم لقائك بعظماء ملائكتي. وقال لي إن رددته إلي على مطايا الحرف أتلقاه بوجهي وأضحك إليه بحبي وأبوءه داري وأجعله روضة من رياض نظري فيماذا ترى أن أزوده إليك من جلال كرمي. وقال لي من لم يرد إلي ما أبديته من كل معرفة أو علم أو عمل أو حكم ارتجعت ذلك منه بصفة ويشاهد من شواهد صفته ثم لك أسكن ذلك المرتجع جواري ولم أجعله في مستودعات نظري وغدوته من يد الضنين به ثم أعيده إليه يوم قيامه فيعود إليه بسوء آثاره ويرد منه على شناره وخسارة. وقال لي أردد إلي علمك أردد إلي عملك أردد إلي وجدك أردد إلي أخر همك، أتدري لم ترد ذلك إلي لأحفظه عليك فأودعنيه أنظر إليه في كل يوم فأبارك لك فيه وأزيدك من مزيد نعمتي فيه وأزيدك من مزيد تعرفي فيه، واجعل قلبك عندي لا عندك ولا عند ما أودعتنيه خالياً منك وخالياً مما أودعتنيه أنظر إليه فأثبت فيه ما أشاء وأتعرف إليه بما أشاء تسمع مني وتفهم عني وتراني فتعلم أني. وقال لي لن تزال محجوباً بحجاب طبيعتك وإن علمتك علمي وإن سمعت مني حتى تنتقل إلى العل بي وحتى تنتقل إلي عن سواي كما اقتطعت قلبك عن التعلم من سواي وأشرفت به على مطلع الأفئدة في العلوم. وقال لي إن الذي تعرفت به إليك هو الأزمة للقلوب إلي وبه تقاد إلى معرفتي، فاجذبهما إلي ولن تجذب بها حتى تنقطع إلي بها وإن لم تقدها إلي لأوتينك أجرها وخفني على تقلبها. كتاب المخاطبات مخاطبة 1 يا عبد إن لم أنشر عليك مرحمة الرحمانية لطوتك يد الحدثان عن المعرفة. يا عبد إن لم تنر أنوار جبروتي لخطفتك خواطف الذلة وطمستك طامسات الغيار. يا عبد إن لم أسقك برأفتي عليك أكواب تعرفي إليك أظمأك مشرب كل علم وأحالتك برقه كل خاطر. يا عبد أنا الناطق وما نطقي النطق، وأنا الحي وما حيوتي الحيوة، أحلت العقول عني فوقفت في مبالغها، وأذهلت الأفكار عني فرجعت إلى متقلبها. يا عبد أنا الحاكم الذي لا يحكم عليه، وأنا العالم الذي لا يطلع عليه. يا عبد لولا صمودي ما صمدت ولولا دوامي ما دمت. يا عبد اخرج من همك تخرج من حدك. يا عبد لو لم أكتبك في العارفين قبل خلقك ما عرفتني في مشهود وجدك لنفسك. يا عبد إن لم تعرف من أنت مني لم تستقر في معرفتي. يا عبد إن لم تستقر في معرفتي لم تدر كيف تعمل لي. يا عبد إن عرفت من أنت مني كنت من أهل المراتب. يا عبد أتدري ما المراتب، مراتب العزة يوم قيامي ومراتب التحقيق في يوم مقامي أولئك يلوني وأولئك أوليائي. يا عبد اعرف من أنت يكن لقدمك ويكن أسكن لقلبك. يا عبد إذا عرفت من أنت حملت الصبر فلم تعي به. يا عبد إذا عرفت من أنت أشهدتك محل العلم بي من كل عالم ومقر الوجد بي من كل واجد، فإذا أشهدتك ذلك كنت من شهودي على العالمين وإذا كنت من شهودي على العالمين فأبشر بمرافقة النبيين. يا عبد أنا أولى بك إن عقلت وأنت أولى بي إن حملت. يا عبد لا أزال أتعرف إليك بما بيني وبينك حتى تعلم من أنت مني، فإذا عرفت من أنت مني تعرفت بما بيني وبين كل شيء. يا عبد أنا القريب منك ولولا قربي منك ما عرفتني، وأنا المتعرف إليك لولا تعرفي إليك ما أطعتني. يا عبد الجأ إلي في كل حال أكن لك في كل حال. يا عبد اقصدني وتحقق بي فإن الأمر بيني وبينك، إذا أشهدتك أن ذكرى لا يمنع مني وأن أسمى لا يحجب عني وأنني أمنع بذكرى من أشاء ممن أشاء وأحجب باسمي من أشاء عمن أشاء فأنت من خاصتي. يا عبد أنا أولى بك من علمك وأنا أولى بك من علمك وأنا أولى بك من رؤيتك، فإذا علمت فصر وما علمت إلي فاستمع مني فيه واحمل إلي رؤيتك ووقفتك وقف بين يدي وحدك لا بعلم فإن العلم لا يواريك عني ولا بعمل فإن العمل لا يعصمك مني ولا برؤية فإن الرؤية لا تغني مني ولا بوقفة فإن الوقفة لا تملك بها مني. يا عبد قف بين يدي في الدنيا وحدك أسكنك في قبرك وحدك وأخرجك منه إلي وحدك وتقف بين يدي في القيامة وحدك، وإذا كنت وحدك لم تر إلا وجهي وإذا لم تر إلا وجهي فلا حساب ولا كتاب وإذا لا حساب ولا كتاب فلا روع وإذا لا روع فأنت من الشفعاء. يا عبد الوجد بما دوني سترة عن الوجد بي وبحسب السترة عن الوجد بي فتأخذ منك الباديات كنت من أهلها أم لم تكن من أهلها. مخاطبة 2 يا عبد أخلصتك لنفسي فإن أردت أن يعلم بك سواي فقد أشركت بي وإذا سمعت من سواي فقد أشركت بي، أنا ربك الذي سواك لنفسه واصطفاك لمحادثته وأشهدك مقام كل شيء منه لتعلم أن لا مقام لك في شيء من دونه، إنما مقامك رؤيته وإنما إفرادك حضرته. يا عبد إني جعلت لك في كل شيء مقام معرفة وإني جعلت لك في مقام كل معرفة مقام تعلق لتكون بي لا بالمقامات ولتكون عني لا عن النهايات، إني اصطفيتك عن البدايات فأجريتك عنها إلى النهايات ثم اصطفيتك عن النهايات فرحلتك عنها إلى الزيادات ثم اصطفيتك عن الزيادات فرحلتك عنها إلي، فالبدايات علمك ونهاياتها عملك والزيادات علم وجدك عندي أتعرف إليه بما أشاء وألقى إليه ما أشاء وأنا إليك أنظر لا إلى البدايات ولا إلى النهايات ولا إلى الزيادات ولا إلى الشيء هو بينك وبيني إذ لا بين بيني وبينك، أنا أقرب إليك من كل شيء فلا بين وأنا أقرب إليك منك فلا أحاطة لك بي، أنت حد نفسك وأنت حجاب نفسك كيف كنت وكيف تعرفت إليك وأنت منظري فلا الستور المسدلة بيني وبينك وأنت جليسي لا الحدود بينك وبيني. يا عبد لي جلساء أشهدتهم حضرتي وأتولاهم بنفسي وأقبل عليهم بوجهي وأقف بينهم وبين كل شيء غيرة عليهم من كل شيء، ذلك لأردهم إلي عن كل شيء وذلك ليفقهوا عني ولتوقن بي قلوبهم، إني أنا أخاطبهم، أولئك أولياء معرفتي بها ينطقون وعليها يصمتون فهي كهف علومهم وعلومهم كهوف أنفسهم. يا عبد إنما أظهرتك لعبادتي فإن كشفت عن سدولك فلمحادثتي وإن أقبلت عليك فلمجالستي. مخاطبة 3 يا عبد قف بيني وبين أوليائي لتسمع عتبي وعتابي ولترى لطفي وقربي ولتشهد حبي لهم لا يدعهم أن يرجعوا عني ولا يخلى بين غفلاتهم وبينهم عن ذكرى لأني أنا اصطنعتهم لمناجاتي وأنا صغتهم لتعرفي ولأنني أنا صغتهم واصطفيتهم لودي. يا عبد انتقل بقلبك عن القلوب التي لا تراني، إن لي قلوباً أبوابهم إلي مفتوحة وأبصارهم إلي ناظرة تدخل إلي بلا حجاب هي بيوتي التي فيها أتكلم بحكمتي وفيها أتعرف إلى خليقتي، فانظر قلبك فإن كان من بيوتي فهو حرمي فلا تسكن فيه سواي لا علمي فليس علمي من بيوتي ولا ذكرى فليس ذكرى من بيوتي، إنك إن أسكنت فيه ساكناً حجبتني فانظر ماذا تحجب. يا عبد انظر ما آتيتك من علم ومعرفة وما آتيتك من ذكر وموعظة وما آتيتك من حكمة وتبصرة فاجعل ذلك حرساً على أبواب قلبك وحجاباً لسواي عنه. يا عبد إذا عراك أمر فكله إلي أكفك عقباه وعاجلته. يا عبد أنا لما عراك خير من فكرك وأنا على ما طرقك أقوى من دفعك. يا عبد انتقل ببطنك عن بطون المترفين ذوي الشهوات المحجوبات عن الكرامات وذوي الارادات الموصولات بالمهانات. يا عبد إذا انتقلت بقلبك وبطنك ألبستك لباس الصبر العاصم فآتيتك في كل شيء حكمته فتثبت على مرادي منك فيه، فإن تكلمت فبنصري وحجتي وإن سكت فعلى بينة مني. يا عبد إن انتقلت بقلبك قبل بطنك رجع قلبك، وإن انتقلت ببطنك لم ترجع قلبك. يا عبد اجعل بطنك كبطون الصالحين أجعل قلبك كقلوبهم. يا عبد إن انتقلت ببطنك انتقلت عن أعدائي، وإن انتقلت عن أعدائي فأنت من أوليائي. يا عبد من عندي إلى الأشياء وإلا أخذتك، ومن عندي إلى لا من الأشياء إلي وإلا صحبتك. يا عبد إن صحبتك الأشياء قطعت بك. يا عبد سبقت إليك بتعرفي إليك اجتباء ولا أشياء بيني وبينك، ثم أظهرت لك الأشياء ابتلاء، فأقم في مقام اجتبائي لك أقم بك في مقام ابتلائي لك. يا عبد كن عندي لا عند شيء فإن ذكرك بي شيء أو جمعك على فإنما ذكراك بي لتتساه لا لتنساني ولتكون عندي لا عنده، وإنما جمعك علي لتتفرق عنه لا عني. يا عبد إذا أوجدتك حكومة الصبر في شيء فقد جعلت لك العافية فيه. يا عبد انظر إلى صفتك التي فيها أظهرتك وبها ابتليتك تنظر إلى ما بيني وبينها خطاب ولا بينها وبيني أسباب فتعلم أنك مخاطبي لا هي. يا عبد أظهرتك لتدأب فيما سترك عني فلا بنيتك وصنعتك لتقبل وتدبر فيما فرقك عن محادثتي. يا عبد لا تعتذر فمخالفتي أعظم من العذر، وإن تعتذر فكرمي أعظم من الذنب. مخاطبة 4 يا عبد أفقدتك الوجد بي حجبتك عن العلم بي، وإن حجبتك عن العلم بي علقتك بعلم من المعلومات سواي، وإن علقتك بعلم من المعلومات سواي أوجدتك بك، وإن أوجدتك بك عاد وجدك بك حاجباً عن المعلومات فلا لك علم بمعلوم وأنت بك واجد ولا لك علم بي وأنت بالمعلومات متعلق. يا عبد لو جمعت النطقية في حرف وجمعت الصمتية على هم وتعلق بي ذلك الحرف وأقبل علي ذلك الهم ما بلغا كنه حمدي فيما أنعمت ولا حملا رؤية قربي فيما أحطت. يا عبد أنا الذي لا تحيط به العلوم فتحصره، وأنا الذي لا يدركه تقلب القلوب فتشير إليه، حجبت ما أبديت عن حقائق حياطتي بما أبديت من غرائب صنعتي وتعرفت من وراء التعرف بما لا ينقال للقول فيعبره ولا يتمثل للقلب فيقوم فيه ويشهده. يا عبد آية معرفتي أن تزهد في كل معرفة فلا تبالي بعد معرفتي بمعرفة سواي. يا عبد لا تخرج في غيبتي عن ذكرى فيغلبك كل شيء ولا أنصرك. يا عبد اعتبر محبتي في نصري لك. يا عبد اطلب نصري لك في تقلب قلبك. يا عبد لئن أقمت في رؤيتي لتقولن للماء أقبل وأدبر. يا عبد من الماء كل شيء حي فلئن تصرفت فيه فلتتصرفن فيما فيه. يا عبد أعززتك فما أقدر قدرك على شيء، صنعت لك كل شيء فكيف أرضاك لشيء. يا عبد إذا رأيتني تساوى الخوف والأمن. يا عبد لو أردت الكون فقلبته على أسراره ما استوى فيه ضدان. يا عبد أثبتت رؤيتي قلبك ومحت الكون فالثبت يحكم في المحو. يا عبد إذا رأيتني فكل شيء أنا مبديه فكيف تسأل ما أنا مبديه عما أنا مبديه أهل أطلع علي فيما أنا مبديه. يا عبد إذا رأيتني فكيف تقول لما بدا أين سره أو تقول لما خفي أين جهره. يا عبد أنا أولى بك مما أبدى وأنت أولى بي مما أخفى. يا عبد أنا ربك الذي تعلم وأنت عبدي الذي تعلم فأسجد علمانيتك بك لعلمانيتك بي. يا عبد إذا رأيتني فالعلم ماء من مائك فأجره أين شئت لتثبت به ما شئت. يا عبد إذا لم ترني فاسمع لعلمك بي وأطعه، إنما علمك بي دليلك فإذا رأيتني فقف أنت في مقامك وخل علمك ليقوم من وراء مقامك. مخاطبة 5 يا عبد إن لم تؤثرني على كل مجهول ومعلوم فكيف تنتسب إلى عبوديتي. يا عبد كيف تقول حسبي الله وأنت تطمأن بالجهل على المجهول كما تطمأن على العلم بالمعلوم. يا عبد طلبك مني أن أعلمك ما جهلت كطلبك أن أجهلك ما علمت فلا تطلب مني أكفك البتة. يا عبد سقط الحرف وهدمت الدنيا والآخرة واحترق الكون كله وبدا الرب فلم يقم له شيء فلولا أنه بدا بما احتجب واحتجب بما بدا لما بقي شيء ولا فني شيء، ولو بدا بما بدا لا بدا أبديه على ما له بدا، ولو احتجب بما احتجب لما عرفه قلب ولا جرى ذكره على خليقة. يا عبد اقصدني بمالك وأهلك وعلمك وجهلك. يا عبد أرني قلبك وأعرض علي خواطرك فإن لم تخل بيني وبينك لم أخل بينك وبين شيء منك. يا عبد تعرفت إليك لا في شيء ولا لشيء ولا بحاجزية من علم شيء ولا لأجلية شيء فما ضرك شيء وكونتك فغرت عليك أن ينفعل أو تنفعل في التكوين بك. يا عبد أحللني محل جهلك وعلمك منك لا تجهل ولا تعلم وتراني وحدي فيسألك الجهل عن الجهل فتخبره ويسألك العلم عن العلم فتخبره، فلا أنت في الأخبار ولا به ولا أنت في المخبر ولا به، فت الفوت وضعت الكل بين يديك ورأيتني لا هو وقلت ولم يقل لك أنا ألحقت القول بالكلية الموضوعة ورأيتني من وراء القول ولم تر القول ولم تر الكلية من وراء الوضع فأنت المصنوع له كل شيء وأنا الناظر إليك لا إلى شيء. مخاطبة 6 يا عبد كأنك أعطيت سواي عهداً بطاعتك إن دعاك لبيته والتلبية إسراع في الإجابة وإن صمت عنك ابتدأته والابتداء طاعة المحب. يا عبد انظر إلى كرم الخطاب ولطفي بك أين ما صرف العتاب أقول كأنك وأنت إنك. يا عبد من لم تكن له حقيقة به كيف يضر أو ينفع. يا عبد إذا رأيتني جزت النفع والضر. يا عبد إذا جزت الضر والنفع أخذت بذنبك من آخذ وغفرت بحسنتك لمن أغفر. يا عبد إذا علمت فقل ربي أعلم بعلمي لا أقضى بعلمي ولا أسئلة عن علمه. يا عبد إذا ضيعت فرض ما تعلم فما تصنع بعلم ما تجهل. يا عبد إذا رأيتني كان ذنبك أثقل من السماء والأرض. يا عبد غرق البلاء فيما نفى من علوم الغيبة في الرؤية. مخاطبة 7 يا عبد همك المحزون علي ” بسم الله الرحمن الرحيم كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء صدق الله العظيم. يا عبد ما كنت تعلم علم همك المحزون علي هو تحت كاف التشبيه كالشعاع تحت السحاب. يا عبد قل لبيك رب كل حال. يا عبد الحزن علي حقيقة الحزن. يا عبد أنا عند الحزين وإن أعرض عني. يا عبد كيف يحزن علي من لم يرني أم كيف لا يحزن على من رآني. يا عبد قل لبيك رب أكتبك مجيباً من وجه. يا عبد إن كتبتك مجيباً من وجه كتبتك مجيباً من كل وجه وإن كتبتك مجيباً من كل وجه جعلت لك بين يدي موقفاً وجعلت كل شيء وراء ظهرك. يا عبد إذا وقفت بين يدي فوار عني كل شيء حتى همك المحزون علي. يا عبد جزاء المحتمل في أن لا أغيب عنه أين حل. يا عبد اجعل لي من بيتك وطناً كما جعلت لذكرى من قلبك وطناً. يا عبد شكرني همك المحزون عن كل شيء إثباتي الحزن فيه على من يشكره عنه. يا عبد شيء كان وشيء يكون وشيء لا يكون، فشيء كان حبي لك وشيء يكون تراني وشيء لا يكون لا تعرفني معرفة أبداً. يا عبد الهم المحزون كالمعول في الجدار المائل. يا عبد لكل شيء قلب وقلب القلب همه المحزون. يا عبد القلب ينقلب قلب القلب لا ينقلب. يا عبد المتقلب يصلح على كل شيء، ما لا ينقلب لا يصلح على شيء. يا عبد وار جسمك أوار قلبك، وار قلبك أوار همك، وار همك تراني. يا عبد هذا ما عهد ربك إلى الضعيف أتخذ عهداً بالخلوة أنصرك وإلا فلا. يا عبد ما لم ترني فالبلاء يسير أو كاد أن لا بلاء إنما هي أعواض تقلبك على أعواض، فإن رأيتني طالبتك بأن لا تغيب عني فلم تجد عني عوضاً ولا علي صبراً وكانت الغيبة حديثك وقلت لك عهدت إليك في رؤيتي أن لا أقبلك في غيبتي ولو جئت برؤيتي. مخاطبة 8 يا عبد من لم يستحي لزيادة العلم لم يستحي أبداً. يا عبد لا تتصرف فيك أخدمك كل شيء على عين ترعاه من حسن الاختيار. يا عبد إن أردت أن تنظر إلى قبح المعصية فانظر إلى ما جرى به الطبع وحالفة الهوى. يا عبد علامة مغفرتي في البلاء أن أجعله سبباً لعلم. يا عبد جعلت لكل شيء وجعلت فتنته في وجهه، وجعلت وجهك وجدك بك ووجه الآخرة ما عاد عليك، وأمرتك بالغض عن كل وجه لتنظر إلى وجهي وأنت بينك وبين سببك واختياري ولا أنت ولا سببك وأنا ولا ظهور اختياري لك ولا فيك. يا عبد عبدي الأمين علي هو الذي رد سواي إلي. مخاطبة 9 يا عبد عذرت من أجهلته بالجهل مكرت بمن أجهلته بالعلم. يا عبد صل لي بقلبك أكشف لك عن قرة عينه في الصلوة. يا عبد لا تتبع الذنب بالذنب أسلبك الغم عليه فتطمئن به فآخذك به. يا عبد إذا رأيتني رأيت منتهى كل شيء. يا عبد إذا رأيت منتهى كل شيء أدركت كل شيء وجزت كل شيء. يا عبد لقد أحببتك الحب كله، أتجلى لك فلا أرضاك لشيء حتى تحادثني فتكون بما أتجلى به، أشبهت حكمة ذلك متحابين ناظرين. يا عبد لقد استحيتيك حق الحياء إذا لم آمرك وأنهك إلا من وراء حجاب. يا عبد رأيتني قبل الشيء فعرفت ما رأيت وهو الذي إليه تصير، وإني سآتيك من وراء الشيء فإذا رأيتني ورأيته فاستعذ بي مني وصدقني على ما أثبت فيه به منه أحتجب من ورائه فيبقى لا حكم له به وأردك إلى ما رأيت قبله، تلك أمانتي عنده ” بسم الله الرحمن الرحيم ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيماً صدق الله العظيم. مخاطبة 10 يا عبد كم شيء دفعته بيدك جعلته رزقك وكم ثبتت يدك على رزق هو لغيرك فكن عندي وانظر إلي كيف أجرى القسم ترى العطاء والمنع اسمين لتعرفي إليك. يا عبد مبلغك من العلم ما به تطمئن. يا عبد حاجتك ما يقلبك عن الحاجة. يا عبد اتقني ومن دون تقواي نجاة. يا عبد كيف تستجيب لعلمك وأنا الرب. يا عبد ما منعتك لضني عليك وإنما منعتك لأعرض عليك الجزء المبتلي منك لتعرفه فإذا عرفته جعلته سبباً من أسباب تعرفي إليك فسويت بين الاختلاف والائتلاف فرأيتني وحدي علمت أنني لك أظهرت ما أظهرت ولك أسررت ما أسررت. يا عبد لو علمتك ما في الرؤية لحزنت على دخول الجنة. يا عبد ما أنت بعامل في الرؤية إنما أنت مستعمل. يا عبد قم إلي لا إلى مسافة تقطع بضعفك ولا حاجة تعجز فقرك. يا عبد عذرتك ما بقي العلم في لا وبلى. يا عبد لا أرفع العلم عذرتك على كل حال. يا عبد قم إلي تتبع سبباً مواصلاً. يا عبد قم إلي أعطك ما تسأل، لا تقم إلى ما تسأل أحتجب ولا أعطي. يا عبد كيف أنت إذا ندبت كذلك انا إذا دعوت. يا عبد تحذيراً وحكمة مقام أنا الرؤوف بك أين فلت وأنا المقيل لك أين عثرت. يا عبد ألم ترني لم أرضك لشكري ولا ذكري حتى أشهدتك رؤيتي فكانا وراء ظهرك، إنما اصطفيتك لنفسي وارتضيتك لرؤيتي لكن طبعتك على الغيبة عني فرقاً بينك وبين مداومتي، فإذا رجعت إلى الغيبة فما رجعتك عن رؤيتي لك وإنما رجعتك عن رؤيتك لي، هنالك جعلت لك الغيبة مسرحاً فاذكرني فيها بذكرى الذي أحببت أن أذكر به فإني لا أقفك في الغيبة ولا أرضى بمثواك في العبادة فأنصبها لك أبواباً وطرقاً أوصلك منها إلى الرؤية فإذا رأيتني أحرقت ما جئت به. مخاطبة 11 يا عبد رب لا يوافق عبده إن فقهت أدركت من العلم دركاً بعيداً. يا عبد عبد لا يوافق ربه وهو مرآى عينك، كلا لما يقض ما أمره. يا عبد سقطت الموافقة فامح الوفاق فلا وفاق. يا عبد أنا أبدي ما أشاء أقلب به ما أشاء. يا عبد قل أرنيك قبل الرؤية حتى لا أتشرف بالرؤية إلى الرؤية. يا عبد إذا بدت الرؤية تبقى فتذر فما رأيتني، وإذا بدت لا تبقى ولا تذر فقد رأيتني وأنا النصوح، ما لملك خلقتك ولا لنبي صنعتك ولا على مدرجة وقفتك ولا لملك وملكوت بنيتك ولا لعلم صنعتك ولا للحكمة أظهرتك ولا لغيري أردتك، أظهرتك لي وحدي فجريت بإذني وقلبتك فانقلبت على الثبت الذي شئته والثبت سترك الأصلي وتحته ثبتت الفروع كلها، وبدأت فأخرقت الستر وما تحته ونصبت الأخرق ستراً بيني وبينك وإنما قلت لك أبدو لأعرفك، إنما يبدو من يغيب ويغيب من يبدو وأنا الدائم صفته المنزه عن بدو وغيبة، وإنما أبديك وأخفيك وأفرشك وأطويك وأقول لك بدأت لم يسبقني إليك سابق وظهرت لا حقيقة من دوني قائمة إلي منتهى ما أحققته فإذا انتهى فلا هو وأنا فيما هو فيما لا هو كما أنا، فقف لي أنت جسري ومدرجة ذكرى عليك أعبر إلى أصحابي. مخاطبة 12 يا عبد الإطراق عبور الدنيا والآخرة والنظر حبس الدنيا والآخرة والملتفت لا يمشي معي ولا يصلح لمسامرتي. يا عبد إذا مشيت معي فلا تنظر إلى الأعلام والمبالغ فتنقطع لأني جعلت لك في كل شيء أظهرته مبلغاً لا تجوزه وعلماً به تسير فيه فما دمت تمشي معك فتلك حدودك وذلك مقيلك فإذا فتحت لك أبوابي ومشيت معي فما لك في مبلغ ولا معلم ولا ملتفت. يا عبد الاسم القهار بسم الله، والكلمات البالغة أنت الله مالك كل شيء وأنا عبدك لا أملك من دونك شيئاً أنا بك ولا أملك إلا ما ملكتني ولا يملك مني ما منعت منه، والكلمات الحاملة لا حول ولا قوة إلا بالله، وشكر كل نعمة الحمد لله. يا عبد اشهد ما لا أشهد عليه إلا حبيباً أميناً، لا عصمة من نفسه من لا حول بينه وبين غلبة الابتلاء عليه فاحفظها فهي ما حفظتها عصمتك ولا تبدها فهي ما أبديتها فتنتك. يا عبد تعرفي يصدر إلى المعرفة وفيها أضفتك إليك رؤيتي تصدرك إلي وفيها أضفتك إلي. يا عبد من رآني قر إلي ومن قر إلي قر في الوجد بي ومن لم يرني فلا قرار له أين يقر. يا عبد من لا قرار له لا معرفة له. يا عبد إذا رأيتني فأطاف بك ذكر الخروج خرجت وإذا رأيتني فأطاف بك ذكر المقام فخرجت. يا عبد إذا رجعت إلي في رؤيتي خرجت وإن أقبلت علي في رؤيتي خرجت وإن سألتني في رؤيتي فلا حجاب هو أبعد منك. يا عبد يذهب كل شيء ويستقر ذهاب من ذهب عني على الحسرة وترى مجعولي لا يزيله الطمع وترى الطمع في مجعولي وتراه لا ينفذ ولا يقصر. يا عبد من سكن في معرفتي على معرفة سواي أنكرني ولم أجره. يا عبد من سكن في معرفتي على معرفة تنكرت عليه معارفة فلم ترجع إليه إلا تحجبه ولم يستقر في حجبة إلا على خلاف. يا عبد أنا أظهرت كل شيء وجعلت الترتيب فيه حجاباً عن معنويته وصيرت الحد عليه حجاباً عن مرادي فيه. يا عبد سلني كل شيء لأني أملك كل شيء لا تسألني شيئاً لأنني لم أرضك لشيء. يا عبد أنا جعلت في كل شيء سكناً للقلوب المحجوبة عني فإذا بدوت لقلب صرت موضع سكناه من كل شيء. يا عبد انظر إلى أخر كل شيء تذهب عن رؤيته، ولا تنظر إلى أوليته يختدعك بمواقيت أجله. يا عبد حدك ما سكنت به ومبلغك ما أحببته. يا عبد استمع لنطق كل شيء يقول كن بالقيومية التي أقامت بي وإلا ترتبت عليك لمواضع حاجاتك إلي. مخاطبة 13 يا عبد اجعلني صاحب سرك أكن صاحب علانيتك، اجعلني صاحب وحدتك أكن صاحب جمعك، اجعلني صاحب خلوتك أكن صاحب ملائك. يا عبد أنت كل عبد وليس كل عبد أنت وكم لي من عبد هو كل عبد أولئك هم المحمولون حملهم سبقي وأولئك هم الحاملون حملوا الحق بمعرفتي. يا عبد ويا كل عبد قف في موقف الوقوف وانظر إلى كل شيء واقفاً بين يدي وانظر إلى واقف كيف له مقام لا يعدوه، وانظر إلى السماء كيف تقف وكل سماء، وانظر إلى الأرض كيف تقف وكل أرض، وانظر إلى الماء كيف يقف وكل ماء، وانظر إلى النار كيف تقف وكل نار، وانظر إلى العلم كيف يقف وكل علم، وانظر إلى المعرفة كيف تقف وكل معرفة، وانظر إلى النور كيف يقف وكل نور، وانظر إلى الظلمة كيف تقف وكل ظلمة، وانظر إلى الحركة كيف تقف وكل حركة، وانظر إلى السكون كيف يقف وكل سكون، وانظر إلى الدنيا كيف تقف وأين تقف، وانظر إلى الآخرة كيف تقف وأين تقف، وانظر إلى داري كيف تقف وأين تقف، وانظر إلى دار أعدائي كيف تقف وأين تقف، وانظر إلى الذكر كيف يقف وأين يقف، وانظر إلى الأسماء كيف تقف وأين تقف، وانظر إلى قلبك أين وقف فهو من أهل ما وقف فيه، إن لي قلوباً لا تقف في شيء ولا يقف فيها شيء هي بيتي وهي بيني وبين كل واقف من الملك والملكوت هي تليني وكل واقف يليها تلك التي لا تستطيعها العلوم ولا تقوم لأنوارها المعارف ولا تسمعها الأسماء. وقال لي قد أشهدتك هذا المقام فاشهده بعد كل وتر. وقال لي نم فيه فإن لم تستطع فنم عليه فإن لم تستطع فنم في جواره. وقال لي آخر استطاعتك المجاورة، قد لا تستطيع أن تنام فيما أشهدتك فأغفر قد لا تستطيع أن تنام على ما أشهدتك فأغفر بلى تستطيع أن تنام في جوار ما أشهدتك فإن أبت نفسك فهو من نفسك فاصرخ إلي بين مجاورة ما أشهدتك وبين ما أعترض عليك نفسك فإن جاءك نصري فنم فيه فإن أوقفك في الصراخ فنم فيه وإيقافي لك في الصراخ من نصري لك. وقال لي لا تنم إلا فيما أشهدتك أو في مجاورة ما أشهدتك أو في الصراخ. وقال لي إن نمت في الصراخ نمت في المجاورة وإن نمت في المجاورة نمت في الإشهاد وإن نمت في الإشهاد فمستيقظ غير نائم وحي غير ميت. وقل لي سد باب قلبك الذي يدخل منه سواي لأن قلبك بيتي، وقم رقيباً على السد وأقم فيه إلى أن تلتقي، فبي أقسمت وبجلال ثنائي في كرم آلائي حلفت إن البيوت التي تبنى على السد بيوتي وإن أهلها أهلي وأعزتي. يا عبد انظر إلى صفتك التي فيها أظهرتك وبها ابتليتك تنظر إلى ما بيني وبينها خطاب ولا بيني وبينها أسباب فتعلم أنك مخاطبي لا هي وتعلم أنك مبتلائي بها لا هي هي البلاء وليس هي المبتلى. يا عبد إنما أظهرتك لعبادتي فإن كشفت عن سر ذلك فلمحادثتي فإن أقبلت عليك فلمجالستي، ما أظهرتك لتدأب فيما سترك عني ولا بنيتك وصنعتك لتقبل وتدبر فيما فرقك عن محادثتي. يا عبد لا يعتذر فمخالفتي أعظم من العذر، فإن تعتذر فانظر إلى بري الذي جاء بك تعتذر. مخاطبة 14 يا عبد إن لمتدر من أنت مني فما أنا منك ولا أنت مني، أي عمل تعمله لي وأنت لا تدري من أنت مني وفي أي مقام تقوم بين يدي وأنت لا تدري من أنت مني. يا عبد استعذ بي من كل جهل إلا جهل بي. يا عبد لا تجالس من لا يعرفني إلا نذيراً، فإن أناب بنذرك فبشيراً. يا عبد من لم يرني في الدنيا لا يراني في الآخرة. يا عبد رؤية الدنيا توطئة لرؤية الآخرة. يا عبد قل للمعارف لو تعرف إليك ما وسعك قلب، ولو عرفته ما خرج منك قلب. يا عبد من رآني جاز النطق والصمت. يا عبد كن بي تر العلم حدين وتر النطق والصمت فيهما حدين وتر كل حدية محجوبة عني بحديتها وتر الحجاب ظاهره العلم وباطنه الجهل وتر العبيد في العلم وفيه بيوتهم وفيها قرارهم وتر العبيد الأعزة في الجهل فيه بيوتهم وبين يدي قرارهم. يا عبد حجاب لا يكشف وكشوف لا يحجب، فالحجاب الذي لا يكشف هو العلم بي والكشوف الذي لا يحجب هو العلم بي. يا عبد إذا فصلك علمي عن المعلومات فكشوف، وإذا أوجدك علمي بالمعلومات فحجاب. يا عبد أي صفح أجمل من صفح أمرك بترك الاعتذار. يا عبد لا تعتذر فتذكر ما منه تعتذر فيشوب الاعتذار ميل من الهم فإن جريت معه أصررت وإن جاهدته احتجبت. يا عبد لو كشفت لك عن علم الكون وكشفت لك في علم الكون عن حقائق الكون فأردتني بحقائق أنا كاشفها أردتني بالعدم فلا ما أردتني به أوصلك إلي ولا ما أردته لي أوفدك إلي. يا عبد لو أردتني باسمي ألحدت بي على حكم ما بيني وبينك فيما تعرفت به إليك. مخاطبة 15 يا عبد ثبت لك الحرف ما أنت مني ولا أنا منك، عارضك الحرف ما أنت مني ولا أنا منك. يا عبد جعت فأكلت ما أنت مني ولا أنا منك، عطشت فشربت ما أنت مني ولا أنا منك. يا عبد لما أعطيت شكرت ما أنت مني ولا أنا منك. يا عبد رأيتني فنمت ما أنت مني ولا أنا منك. يا عبد ناجيتك فطلبت ما أنت مني ولا أنا منك، أحضرتك فسألت ما أنت مني ولا أنا منك. يا عبد استبصرت لهدى الثواب ما أنت مني ولا أنا منك، صمت لتدخل من الريان ما أنت مني ولا أنا منك. يا عبد ذكرتني لتحرس دنياك ما أنت مني ولا أنا منك. يا عبد فقهتك فتأولت ما أنت مني ولا أنا منك، شكوت إلى سواي ما أنت مني ولا أنا منك، لم ترض إذا رضيت ما أنت مني ولا أنا منك، لم تغضب إذا غضبت ما أنت مني ولا أنا منك. يا عبد قل أعوذ بوحدانية وصفك من كل وصف، وأعوذ برحمانية برك من كل عسف. يا عبد قل أعوذ بذاتك من كل ذات. يا عبد قل أعوذ بوجهك من كل وجه. يا عبد قل أعوذ بقربك من بعدك وأعوذ ببعدك من مقتك وأعوذ بالوجد بك من فقدك. يا عبد اجعل ذنبك تحت رجليك واجعل حسنتك تحت ذنبك. يا عبد من رآني عرفني وإلا فلا، من عرفني صبر علي وإلا فلا. يا عبد من صبر عن سواي أبصر نعمتي وإلا فلا. يا عبد من أبصر نعمتي شكرني وإلا فلا. يا عبد من شكرني تعبد لي وإلا فلا. يا عبد من تعبد لي أخلص وإلا فلا، من أخلص لي قبلته وإلا فلا، من قبلته كلمته وإلا فلا. يا عبد من كلمته سمع مني وإلا فلا، من سمع مني أجابني وإلا فلا، من أجانبي أسرع إلي وإلا فلا، من أسرع إلي جاورني وإلا فلا، من جاورني أجرته وإلا فلا، من أجرته نصرته وإلا فلا، من نصرته أعززته وإلا فلا. مخاطبة 16 يا عبد إنما أنت من أهل ما دمت فيه. يا عبد إن لم يخرجك العلم عن العلم ولم تدخل بالعلم إلا في العلم فأنت في حجاب من علم. يا عبد احتجب بعلم عن علم تحتجب بحجاب قريب ولا تحتجب بجهل عن علم بحجاب بعيد. يا عبد ألق علمك وجهلك في البحر أتخذك عبداً وأكتبك أميناً. يا عبد اخرج من بين الحروف تنج من السحر. يا عبد احمل علمك في تعلمك فإذا علمته فألق ما معك. يا عبد لا تحمل العلم والمعرفة في طريقك إلي تعترضك الدنيا والآخرة فإن كان طريقك فيهما حبساك وإن لم يكن طريقك فيهما وصلت لا تسر. يا عبد قد تفقه المعرفة ولا تفقه ألفة المعرفة، وقد تفقد المعرفة ولا تفقد الألفة المعرفة، فإذا فقدت ألفة المعرفة فانطق بما شئت لا يضرك لأنك العالم الرباني والرباني لا يألف فتترتب عليه الألفة ولا يستوحش فيترتب عليه الأنس. مخاطبة 17 يا عبد أنا أقرب من الحرف وإن نطق، وأنا أبعد من الحرف وإن صمت. يا عبد أنا رب الحرف والمحروف فما لهما مني مجال، وأنا مرقب الحرف والمحروف فما لهما عن جعلي مدار. يا عبد للحرف حكم أنا مودعه وللمحروف حكم أنا واضعه فلا تذهب بالحكم المودع عن الحاكم المودع فإليه يرجع ما أودع وبه ينفذ ما حكم. يا عبد لا تذهب بالحكم الموضوع عن الواضع فيه يجري ما وضع وإن شاء وقفه. يا عبد الحرف حرفي والعلم علمي وأنت عبدي لا عبد حرفي ولا عبد علمي، فقف بين يدي لا بين يدي حرفي وقف بين يدي لا بين يدي علمي، إن حرفي يقوم بين يدي كما تقوم وإن علمي يقوم بين يدي كما تقوم. يا عبد لا تقف في الجهة فتصرفك إلى الجهات ولا تقف في العلم فيصرفك إلى المعلومات ولا تخرج عن الوقفة فتنتهبك المكونات. يا عبد لي الأسماء أودعتها فبي ما أودعتها، ولي الأوصاف ضمنتها فبي ضمنتها. يا عبد إن أخذك الاسم أسلمك إلى أسمك وإن أخذك وصف أسلمك إلى وصفك. يا عبد كل آخذ سواي يأخذك فإلى نفسك يسلمك فإذا أخذتك نفسك فإلى عدوك يسلمك. يا عبد قف بي فلا أسلمك إلا إلي ولا أعول بك إلا علي. يا عبد قف بي فإذا وقفت فنطقت فأنا الناطق وإذا حكمت فأنا الحاكم. يا عبد العلم والمعلوم في الاسم والحكم والمحكوم في العلم والحرف والمحروف في الحكم والظاهر والباطن في الحرف ولكل حكمة إتقان وإتقانها حصرها على ترتيب القيومية بها. يا عبد الاسم معدن العلم والعلم معدن كل شيء، فمرجع كل شيء إلى العلم ومرجع العلم إلى الاسم ومرجع الاسم إلى المسمى، فاستهلك الاسم العلم فكأين هو اسم لا علم فيه واستهلك العلم المعلوم فكأين هو علم لا معلوم واستهلك المسمى الاسم فكأين هو مسمى لا اسم فيه. يا عبد الحرف والمحروف دهليز إلى العلم والعلم دهليز إلى الاسم والاسم دهليز إلى المسمى. يا عبد لي في الاسم والعلم والحرف أبواب فاسلك تلك الأبواب لا أبواب علمك ولا أبواب اسمك، إن الاسم حجابي وإن العلم حجابي وإن الحرف حجابي، ومقامك إنما هو بين يدي فإذا دعوتك إلى الاسم فإلى الحجاب فخذ نوري معك لتمشي به في ظلمة ذلك الحجاب فكل حجاب ظلمة لأن النور لي وأنا النور، أنا نور السموات والأرض فاستعذ بي من نوري واستعذ بنوري من حجابي، وقم يا عبد لي في مصاف العبيد فقد أذنت لك. مخاطبة 18 يا عبد أجبت كل من يدعوك لا تجيبني ولا تعرف كيف تجيبني. يا عبد من لا يعرف جوابي كيف يعرف خطابي ومن لا يعرف خطابي كيف يظفر بحسن ثوابي. يا عبد من لا يكون من أهل ثوابي كيف أنجيه غداً من عذابي. يا عبد من كان من أهل عقابي كيف ينكشف عن قلبه حجابي. يا عبد من لا ينكشف عن قلبه حجابي كيف تكون أسبابه من أسبابي فقد حقت عليه كلمة عذابي، ومن حقت عليه كلمتي جاءه الكلام بتصاريف الكلام فجعلته ناراً تتصرف فيه كما يتصرف في الكلام. يا عبد أنا عدة الموقنين وأنا قوة الأقوياء الصادقين. يا عبد كل مقال تعلق المعقول أو خيال ممثول فهو في ديوان العرض حسنه في الحسن وقبحه في القبيح. يا عبد التعلق بالمعنى هو إرادته وإرادته هو قصده. يا عبد علق بي مقالك يتعلق بي فعالك وعلق بي فعالك يدأب في عبادتي خيالك. يا عبد لك وعليك في ديوان العرض كثر ما لك وكثر ما عليك. يا عبد لا تأيس مني فتبرئ منك ذمتي. يا عبد كيف تأيس مني وفي قلبك متحدثي. يا عبد أنا كهف التائبين وإلى ملجأ الخاطئين. يا عبد أنا السند الذي لا يسلم وأنا السيد الذي لا يظلم. يا عبد إذا رأيتني فلا تركن إلى الأركان، وإذا سمعتني فلا تسمع إلى البيان. مخاطبة 19 يا عبد كتبت في كل نورية أين وقف بك عبدي فقفيه وأين سار بك عبدي فسيريه. يا عبد إذا جاء نوري يوم القيامة جاءت كل نورية ترومه، فإن كانت به في الدنيا ألحقتها به وإن لم تكن به في الدنيا حجبتها عنه فأتبعت ما كانت قبل تتبع وظلت فيما كانت فيه تظل. يا عبد الأسماء نور الحرف والمسمى نور الأسماء فقف عنده ترى نوره وتمشي به في نوره فلا تغشى به في نوره. يا عبد إن وقفت في النور غشيت فلا إلي تنظر ولا إلى النور تنظر فترجع مراجعك إليك فترى بك شهواتك وتمشي بك في خطواتك. يا عبد إذا أردت لي شيئاً فانظر ما تريد لي أينقلك عن مقامك مني أم يثبتك فيه فإن نقلك عن مقامك مني فإرادتك هي نفسك ونفسك أردت. يا عبد إذا عرفت مقامك مني فأنت من أهل الوصول بلا حجاب فلا ترد لي فتهبط بك إرادتك لي إلى الإرادة لك ولا ترد مني فتهبط بك الإرادة إلى غضب نفسك علي. يا عبد أهل المقامات مني لا يريدون ولا يرتادون ولا يهيأون ولا يعيدون ولا يعتادون. يا عبد إذا أقمت عندي جزت الكونية فما أتاك فلن تفرح به وما فاتك فلن تأيس عليه. يا عبد انظر إلي وإلى شأني فانظر إلي بما أتعرف به إليك من أسمائي وصفاتي وانظر إلى شأني بما أتعرف به إليك من حكمتي واختياري. يا عبد سلم لي أفتح لك باباً إلى التعلق بي. يا عبد إذا اعترضت عليك نفسك فارددها والذي اعترضت به عليك إلي. يا عبد جمعتك علي بالرحمانية وأخلصتك لنفسي بخالصة العلوم الربانية. يا عبد أثنيت عليك قبل خلقك فأثنيت علي حين خلقك وأقبلت عليك قبل كونك فأقبلت علي حين كونك فكنت لي بما كان مني. يا عبد لا تكن بالأعمال فتقف بك ولا بالأحوال فتحول بك. يا عبد كيف لا تكون بالعمل تعمل ويكون قلبك عندي لا في العمل. يا عبد لا تكن بالعلم فيزل بك ولا تكن بالمعرفة فتتنكر عليك. يا عبد إني جعلت لكل شيء عزة لتختطفك عنه فتهرب إلي فأريك عزتي فأجمعك بعزتي علي. يا عبد لا تكن بالحكم فيعثر بك ولا تكن بالحكومة فتضعف بك. يا عبد لا تكن بالأشباه فيشتبه عليك ظهور الظاهرات، ولا تكن بالظاهرات فتراع إذا بدت الباطنات. يا عبد لا تكن بالأسباب فتنقطع بك، ولا تكن بالآنسات فتتفرق عنك. يا عبد لا تكن بالعقود فيحل ما عقدت، ولا تكن بالعهود فيخفر ما عاهدت. يا عبد إني أنا الله جعلت في كل شيء عجزاً وجعلت في كل عجز فقراً. يا عبد إني أنا الله جعلت في كل فقر هلكاً وجعلت لكل هلك عدماً. يا عبد إني أنا الله أنظر إلى العدم في عدمه كنظري إليه في مشهده ويعرفني أولياء حضرتي وينكر ذلك من صفتي من لا يقر بربو بيتي. يا عبد لا تكن بألفانيات فتخبر عنك يوم الروع فتنوح لفقد ما كنت به فتدخل في جملة أهل الفزع. يا عبد كن لي في كل حال أرسل عليك يوم أبدو علامة تثبتك فلا تروعك فيه الأرواع ولا تفزعك فيه الإفزاع يحسبك أهل الروع منهم لظهور لبسة التعظيم عليك ويحسبك أهل الفزع منهم لظهور لبسة التسليم فيك. يا عبد القول الحق ما أثبتك في الوجد بي من كل قائل فاعتبر الأقوال بوجدك بي واعتبر بوجدك بي بإعراضك عن سواي. يا عبد احفظ مقامك مني أن تتخطفك الأقوال والأعمال فما انقال لك في مقامي فقله وما انفعل لك في مقامي فافعله. يا عبد إن مقامي لا تلجه الأقوال ولا تدخله الأعمال. يا عبد ما في مقامي قول وإليه أدعو ولا في مقامي فعل وإليه أدعو فأدعو إليه من عرف مقامي وأدعو إليه من شهد قيامي. يا عبد أخرج قلبك من المؤتلف تخرج من المختلف. يا عبد إن لم تخرج قلبك من المؤتلف لم تعرف حكمتي ولم تبصر بينتي. يا عبد المؤتلف كلما سلمت عقباه والمختلف كلما هلكت عقباه. مخاطبة 20 يا عبد إن عبدي الذي هو عبدي هو اللقى الملقى بين يدي. يا عبد عبدي هو الذي هو عبدي هو الغضبان لي على نفسه لا يرضى. يا عبد إن عبدي الذي هو عبدي هو المستقر في ذكرى فلا ينسى. يا عبد إذا جاءت ترجمتي فانقطع بها عن ملكي وملكوتي ثم إذا بدت ترجمتي فانقطع عنها إلي تصير التراجم والحروف آلة من آلات معرفتك ومركباً من مراكب نطقك. يا عبد أقبل علي لا من طريق ولا من علم تقبل علي وأقبل عليك. يا عبد اجأر إلي بمحامدي في السراء أدافع عنك بنفسي الضراء. يا عبد واصل بين طهارتك تواصل بين نعيمك، إنك إن لم تفصل بين طهارتك لم تفصل بين نعيمك. يا عبد لن تعرفني حتى تراني أوتي الدنيا، أرغد وأهنأ ما عرفت من الدنيا لعبد عصى وأغنى من عرفت من العبيد فترضى بما زويت عنك وتعلم أنني زويت إعراضي عنك وزويت حجابي. يا عبد ميعاد ما بينك وبين أهل الدنيا أن تزول الدنيا فترى أين أنت وأين أهل الدنيا. مخاطبة 21 مقام رد موهبة الكيل يا عبد كلما كان أشعث كان أنظر وكلما كان أعرف كان أشعث وكلما كان أعذل كان أعرف وكلما كان أعمل كان أعذل وكلما كان أنفع كان أعمل وكلما كان أصبر كان أنفع وكلما كان أشكر كان أصبر وكلما كان أذكر كان أشكر وكلما كان أستر كان أذكر وكلما كان أشهر كان أستر وكلما كان أجمع كان أشهر وكلما كان أسرع كان أجمع وكلما كان أخف كان أسرع وكلما كان أورع إلي كان أخف وكلما كان أهيب من نفسه كان أورع إلى ربه وكلما كان أرهب كان أهيب وكلما كان أرهب كان أرغب وكلما اطلب كان أرغب وكلما كان أنسب كان أطلب وكلما كان أعظم كان انسب وكلما كان أكظم كان أعظم وكلما كان أحكم كان أكظم وكلما كان ألزم كان أحكم وكلماه كان أكتم كان ألزم وكلما كان أسلم كان أكتم وكلما كان أقوم كان أسلم وكلما كان أدوم كان أقوم وكلما كان أخص كان أدوم وكلما كان أخلص كان أخص وكلما كان أغض كان أخلص وكلما كان أخلص كان أنفذ وكلما كان أنصت كان أفرغ وكلما كان أفزع كان أنصت وكلما كان أقرب كان أفزع وكلما كان أدأب كان أقرب وكلما كان أدب كان أدأب وكلما كان أنصب كان آدب وكلما كان أيقن كان أنصب وكلما كان أثبت كان أيقن وكلما كان أشهد كان أثبت وكلما كان أحضر كان أشهد وكلما كان أحضر كان أحضر وكلما كان أكشف كان أحضر. مخاطبة 22 يا عبد إذا أقبلت علي جاء كل شيء ليتبعك فهوى أوله ذنبك إنه لا يدخل إلي إلا أنت. يا عبد إذا أقبلت إلي فلا مصاحب يصحبك ولا مشيع يشيعك، وقف العلم على حده منك ووقف العمل على حده من العلم وفارقك وأنت تأتي إلي فريق فريق. يا عبد إن نوري طلع عليك فجئت به إلي. يا عبد أنا الصفوح صفتي صفح الكرم، وأنا الكريم صفتي كرم العفو. يا عبد لا تنطق فمن وصل إلي لا ينطق. يا عبد ويا كل عبد نهارك لعلمك الذي آتيتك وليلك لرؤيتي والنظر إلي. يا عبد ويا كل عبد إن ربك غفور غفور وإن ربك شكور شكور، غفور غفور يغفر ما تقول لا يغفر، شكور شكور يقبل ما تقول لا يقبل. يا عبد ويا كل عبد من وقف بين يدي يده فوق متون السماء والأرض وعلى وجوه الجنة والنار لا يقف فيهن فيكن مسكنه ولا يلتفت عليهن فيكن مشتكاه، أنا حسبه الذي لا ترجع المراجع معرفته إلا إلي ولا يقف علمه وخواطره إلا بين يدي. يا عبد ويا كل عبد أطلع بنوري على كل قلب عرفني ليراه ويراني أين أنا منه. مخاطبة 23 يا عبد قف لي في المصاف بعلمك وقف لي في المصاف بعملك وقف لي في المصاف بقصدك ولا تقف لي في المصاف بقلبك، إنني اصطفيت قلبك لنفسي لا لعبادتي وإنني اصطفيت قلبك لنظري لا لمصاف الوقوف بين يدي، إن لي قلوباً غرت عليها من الوقوف بين يدي لكيلا ترى الواقفين بين يدي فتحتجب عن النظر إلي برؤية الواقفين لي، فجعلتها في يدي فهي مقيمة عندي، لا تخرج إلى المقامات ولا يدخل إليها سواي فهي تنظر إلي وهي تسمع مني وهي تتكلم عني. يا عبد القلب في يد الرب ولسان القلب يتكلم في المقام بين يدي الرب. يا عبد جرت ما لم يأخذك عنك وغلبت على ما لا يقسمك عن مقامي، فكانت كلمتي العلياء فلا تأخذك كلمته وكانت محجتك هي الاستواء فلا تأخذك محجته. يا عبد إذا كنت لي لا يسعك المكان، وإذا نطقت بي لم يسعك النطق. يا عبد ما لشيء علي حق ولا لعلم علي مطلع ولا لحكمة بي متعلق ولا لاسم ولا وصف من دوني حكومة، فمن تعرفت إليه باسم أو وصف أو علم أو حكمة فجرى بحكم ما عرفته لغير وجهي أجريت الحكم وكتبته ساحراً ومن موالاتي بريئاً. يا عبد الحرف خزانتي فمن دخلها فقد حمل أمانتي، فإن حمل لي لا لنفسه فكرامتي، فإن حمل لي ولنفسه فمطالبتي، وإن حمل لنفسه لا لي فبرئ من ذمتي. يا عبد ملك علم كل عالم عليه أمره وأوجب على كل مسمى اسمه، وأنا العالم الذي لا يملك علمه عليه أمره فيصرفه ولا يوجب عليه اسمه، فإلي مرجع العلم يرجع إلى باب من أبواب الاسم وإلي مرجع الاسم إلى نور من أنوار التسمى. يا عبد أشهدني في الحرف تشهد الصنعة، واشهدني في العلم تشهد الحكمة، واشهدني في الاسم تشهد الوحدانية. يا عبد الحقيقة تمد الأسماء والمدد قيومية قيمة تثبت بمعنى قيم يدور في ملك وملكوت قائم ويتصرف على تصريف لازم ثم يرجع بمباديه ومراجعه إلى ملك دائم. يا عبد الحرف لغات وتصريف وتفرقه وتأليف وموصول ومقطوع ومبهم ومعجم وأشكال وهيئات، والذي أظهر الحرف في لغة هو الذي صرفه والذي صرفه هو الذي فرقه والذي فرق هو الذي ألفه والذي ألفه هو الذي واصل فيه والذي واصل فيه هو الذي قطعه والذي قطعه هو الذي أبهمه والذي أبهمه هو الذي أعجمه والذي أعجمه هو الذي أشكله والذي أشكله هو الذي هيأه، ذلك المعنى هو معنى واحد ذلك المعنى هو نور واحد ذلك الواحد هو الأحد الواحد. مخاطبة 24 يا عبد سقطت معرفة سواي وما ضرك، ثبت تعرفي لك هو حسبك. يا عبد أنا ولي التعريف كما أريد. يا عبد ما برزت لشيء فأويت به إلا إلي. يا عبد كل قسم قسمته لك سترة على معرفة، فإن رأيتني ولم تره أظهرتها وإن رأيته ولم ترني أخفيتها. يا عبد أي عارض لك فلم ترني فيه فابك من غيبتي لا منه. يا عبد من دعاك سواي فلا تجبه أكتبك جليساً وإلا فلا. يا عبد إنما تبدو وجوه المودة للصائنين وجوههم في غيبتي عن العيون الناظرة. يا عبد من عرفني سامر الخطر ومن سامر الخطر مقت نفسه وإن ذكر. يا عبد من مقت نفسه غض عما لها رهبة وعما عليها رغبة. يا عبد ما بدوت لقلب فتركته معه. يا عبد أنا أرؤف من الرأفة وأرحم من الرحمة. يا عبد لا تنظر إلى ما أبديه بعين ما يعود إليك تستغني من أول نظره ولا تذل لشيء. يا عبد إذا بدوت لك فلا غني ولا فقر. يا عبد انظر إلي أظهر ولا أثبت الإظهار به تراني وهي رؤيتي، انظر إلي أثبت الإظهار به تراني وتراه وهي غيبتي. يا عبد أنت رق ما استولى عليك. يا عبد إن رأيتني في استيلائه واستولى عليك فاحذر لا أكتبك مشركاً. يا عبد إن استولى عليك ولم ترني فاهرب إلى عدوك إن أجارك. يا عبد لأجلك ظهرت. يا عبد أجلك هو أجل الآجال أخفيته فلا أظهره. يا عبد لا تجعل همك تحت رجليك تنقسم بمجاورته فأخرجه من قلبك فأنا وهو لا نجتمع. يا عبد قلب أنظر فيه لا يعقد على حسنة ولا يصر على سيئة. يا عبد قل لقلبك عقدك قصد وإصرارك قصد وأنت ابن الاختلاف. يا عبد ليس من دوني المنتهى راحة. يا عبد ترتب عليك ما اطمأنت به لا محالة. يا عبد تبدو رؤيتي فلا تمحو آثار غيبتي ذلك هو البلاء المبين. يا عبد رؤيتي لا تطمع في الرؤية ذلك هو العز، غيبتي لا تعد بالرؤية ذلك هو الحجاب. يا عبد بيني وبينك وجدك بك فألفه أحجبك عنك. يا عبد اشترني بما سرك وساءك يفنى الثمن ويبقى المبتاع. مخاطبة 25 يا عبد ابن لقلبك بيتاً جدرانه مواقع نظري في كل مشهود وسقفه قيوميتي بكل موجود وبابه وجهي الذي لا يغيب. يا عبد اهدم ما بنيته بيدك قبل أن أهدمه بيدي. يا عبد إن ستويتك على غيبتي فقد حجبتك حجاباً لا أكشفه. يا عبد أبغض ما أبغضت وإن تحبب إليك وتزين لك، إلا تبغض داراً أحبائي فيها تحت التراب. يا عبد أحبب ما أحببت وإن تمقت إليك. يا عبد أصل المعصية لم وأصل الطاعة سقوط لم. يا عبد إنما أضرب لك المثل لأصرفك عنك بتصريف الحكمة. يا عبد لم أرضك إلا لرؤيتي فلا ترضك لغيبتي. يا عبد أنظر لما تفرح وتحزن. يا عبد فرحك بما آتيتك أولى من حزنك على ما لم أوتك. يا عبد قطع ما بيني وبين الأشياء رؤيتي ووصل ما بينك وبين الأشياء غيبتي. يا عبد إن غابت رؤيتي من قبل عجزك وطلع عجزك من قبل إيقافي لك فأنت المحمول. يا عبد انظر لما تنتظر فرجي، اتقتني لا تنتظر فرجاً مني. يا عبد إبناء معرفتي في غيبتي إقضاء سفر لا يستريح. يا عبد إن عجبت فمن تركي إياك تذنب وتتوب. مخاطبة 26 يا عبد بنيت لك بيتاً بيدي إن هدمت ما بنيته بيدك. يا عبد إذا رأيتني فلا والد يستجرك ولا ولد يستعطفك. يا عبد إذا رأيتني في الضدين رؤية واحدة فقد اصطفيتك بنفسي. يا عبد ولني أمرك بطرح أمرك. يا عبد الغيبة أن لا تراني في شيء، الرؤية أن تراني في كل شيء. يا عبد اجعل لي يوماً ولك يوماً وابتدئ بيومي يحمل يومك يومي. يا عبد اصبر لي يوماً أكفك غلبة الأيام. يا عبد إذا لم ترني تخطفك كل ما ترى. يا عبد لو ألفت بحزنك بين ما يختلف عليك وارتبطت بفرحك ما يلائمك كان مرادي الغالب. مخاطبة 27 يا عبد أن لن تنظر إلي في الشيء نظرت إليه. يا عبد إذا نظرت إليه فجأة وهو أن تراه ولا تراني قبل رؤيتك له تداركتك، وإن نظرت إليه بعد رؤيتك إياي فيه نظرت متعمداً فسلطته عليك. يا عبد قد رأيت رؤيتي ورأيت غيبتي فاجعل غيبتي فداء رؤيتي أجمع عليك الكنف. يا عبد هم بقى له هم ما هو مني ولا أنا منه. يا عبد عقب نهارك على آثار ليلك. يا عبد بقيت الغيبة ما بقي الليل والنهار فرق في الرؤية. يا عبد الاسم سترة على العين. يا عبد مقامي في الدنيا في الرؤية ووعيدي في الدنيا الغيبة. يا عبد مقامي في الآخرة الكشف وغيبتي في الآخرة الغطاء. يا عبد الكشف جنة الجنة، الغطاء نار النار. يا عبد الولي يقبل كله ويعرض كله. يا عبد لن ترجع عن منظر حتى تنظر ما وراءه. يا عبد أضاء الضياء بضيائك في الرؤية وأظلمت الظلمة بظلمتك في الغيبة. يا عبد رؤيتي كالنهار تشرق وتنير وغيبتي كالليل توحش وتجهل. يا عبد غيبتي تريك كل شيء ورؤيتي لا يبقى معها شيء. مخاطبة 28 يا عبد كلاهما لك عبرة إضعافي إياك عن الضعيف وتقوي إياك على القوي. يا عبد أنت أعظم عندي حرمة من اسمك. يا عبد يومك هو عمرك. يا عبد لا تعين علي مسألتي فتكون كالطالب مفراً مني. يا عبد سلني حفظك علي لا أرضى لك سواي حافظاً. يا عبد وكلت حرماني بطلبك مني. يا عبد بقيت الغيبة ما بقيت مني ومنك المطالبة. يا عبد لا تصح المحادثة إلا بين ناطق وصامت. يا عبد وكلت حجابي بطلبك لي. مخاطبة 29 يا عبد إنما يجير من لا رب له. يا عبد قلب تعرف إليه ربه إن رأى خيراً حمد، وإن رأى شراً قال رب اصرفه عني فصرفه. يا عبد سيماء كل وجه فيما أقبل عليه. يا عبد رمزت الرموز فانتهت إلي وأفصحت الفواصح فانتهت إلي. يا عبد يسبحني كل شيء صامت في الصامت وناطق في الناطق. مخاطبة 30 يا عبد مهما كنت والسوى سبب فإنك على عاميتك. يا عبد ما أرسلك تعرفي إلي فما وصلت إلي. يا عبد صاحب الرؤية يفسده العلم كما يفسد الخل العسل. يا عبد صاحب الغيبة أولى أن يعلم ويعمل. يا عبد قل أثبتني لك فيما أثبتني. يا عبد قل وارني عن التوارى فيما واريتني. يا عبد قل أرني وجهك فيما رأيتني ووجهني لرؤيتك أينما وجهتني. يا عبد قل داوني مما داويتني. يا عبد في الدواء عين من الداء. يا عبد الداء والدواء للغافل. يا عبد ذكرى الحق لا في رؤية ولا في غيبة، إن ذكرتني في الغيبة فمن أجلك وإن ذكرتني في الرؤية أحتجبت بذكرك. يا عبد بيتك مني في الآخرة كقلبك مني في الدنيا. يا عبد نم وأنت تراني أمتك وأنت تراني. يا عبد استيقظ وأنت تراني أحشرك وأنت تراني. يا عبد مجمع الألسنة في الغيبة. يا عبد لا في الرؤية صمت ولا نطق، إن الصمت على فكر وإن النطق علي قصد، وليس في رؤيتي فكر فيكون عليه صمت ولا قصد فيكون عليه نطق. يا عبد انظر إلى ما به صلحت تلك قيمتك عندي. يا عبد استعذ بي من سرك بإيوائك إلي. يا عبد الرؤية علم الإدامة فاتبعه تغلب على الضدية. يا عبد أنا العزيز لا رؤية ولا غيبة. يا عبد أنا الشهيد لا لك متعبد مالك ولا لي فتحتجب بملكي. يا عبد أقرر عيناً بما أحوجتك، أنا الغني عنه وعنك. يا عبد ما أحوجتك لذلتك علي لكن لتجعل مطالبك عندي أينما طلبت. يا عبد لا ترض سواي وتقبل إلي أرددك إليه. مخاطبة 31 يا عبد عكوفك على الدنيا أحسن من عبادتك للآخرة. يا عبد تراني يوم القيامة كما تراني يوم فرحك وحزنك. يا عبد لست لشيء سواي فتكون به. يا عبد الغيبة والنفس كفرسي رهان. يا عبد الروح والرؤية ألفان مؤتلفان. يا عبد تقلب القلب في الغيبة أسلم له في الرؤية. مخاطبة 32 يا عبد الكون كالكرة والعلم كالميدان. يا عبد ما أنا لشيء فيحويني ولا أنت لشيء فيمويك، إنما أنت لي لا لشيء وإنما أنت بي لا بشيء. يا عبد احترق نور الغيبة في الرؤية. يا عبد أنت من كل شيء هو منك في الغيبة ولست منه ولا هو منك في الرؤية. يا عبد اسلك إلي كل طريق تجدني على الصدر حاجباً ترجع وتتفرق يصحبك بلواك بك تستغفر وتتوب أفتح لك بالتوبة طريقاً تسلكه وأحجبك ترجع فأعارضك تتوب فأفتح لك فلا أزال أردك إلي بالحجبة وأفتح لك أبواب الطرق بالتوبة، ذلك لأجوزك الحجاب وأرفعك عن منتهى الأبواب. مخاطبة 33 يا عبد قل لبيك وسعديك والخير وإليك ولك ومنك وبيديك. يا عبد قل أثبتني في الغيبة على لحة بحر تضربها الرياح المثبتة وأثبتني في الرؤية على ثبت لم تسمعه لغاتك المنهجة فأرني تثبيتي في غيبتك وولني لوجهك في رؤيتك. يا عبد ما تطلب مني، أن طلبت ما تعرف رضيت بالحجاب وإن طلبت ما لا تعرف طلبت الحجاب. يا عبد كيف لا تطلب مني وقد أحوجتك أم كيف تطلب مني وقد بدأتك. يا عبد لك تارة في الغيبة فاطلبني وطالبني لا لتدركني ولا لتسبقني. يا عبد ولك الرؤية فأنت للرؤية، لك تارة في الرؤية وهي معدنيتك القارة وموألتك الحاوية فلا هرب وهي نافية ما سواها ولا طلب. يا عبد وارني عن الغيبة أوارك عن الرؤية. يا عبد رؤيتك للرؤية غيبة. يا عبد غيبتك عن رؤية الرؤية رؤية. يا عبد قل لك كل شيء وأنا شيء ولام الملك أسبق من شين الشيء فألق لام ملك على شين شيء أراك مالكاً تحكم ولا أراني مملوكاً يتحكم. مخاطبة 34 يا عبد من دل على الحجاب فقد رفعت له نار الوصول. يا عبد من حادته المعرفة صم على التعريف. يا عبد اصحبني إلي تصل إلي. يا عبد الحاجة لساني عندك فخاطبني به أسمع وأجب. يا عبد ألق الاختيار ألق المؤاخذة البتة. يا عبد اكفني عينك أكفك قلبك. يا عبد اكفني رجليك أكفك يديك. يا عبد اكفني نومك أكفك يقظتك. يا عبد اكفني شهوتك أكفك حاجتك. يا عبد إذا رأيتني فالسوى كله ذنب وإذا لم ترني فالسوى كله حسنة. يا عبد إذا بدوت أفنى السوى وأظهر فقد أذنتك ببقائه إذا غبت وإذا بدوت لك ففني ما سواي فلن يعود لعين قلبك من بعد. يا عبد احرس قلبك من قبل عينك وإلا فما حرسته أبداً. يا عبد لاتبع داءك إلا بالدواء فهو قيمته. يا عبد صاحب الرؤية لا في العلم فأحاسبه ولا في الجهل فأجانبه. يا عبد سواء على صاحب الرؤية أأقبل سواي عليه أم أدبر. يا عبد إذا لم ترني فعاد كل شيء فهو عدوك وأنت عدوه. يا عبد إذا رأيتني فوال كل شيء فهو وليك وأنت وليه. يا عبد عدواته أن لا تطيعه وموالاته أن تطيعه. يا عبد بلاؤك هو البلاء، إن رأيتني فالشرك من ورائك وإن لم ترني فالحجبة من ورائك. يا عبد قل أثبتني كما أثبتني بك. يا عبد أحببتك فحللت في معرفتك بكل شيء فعرفتني وأنكرت كل شيء. يا عبد إذا رأيتني فلا أمر يطالبك ولا نهي يجاذبك. يا عبد إذا رأيتني فكن في الغيبة كالجسر يعبر كل شيء ولا يقف. يا عبد إذا رأيتني ضننت بك على الطرق إلي فلم أقمك بسواى بين يدي. يا عبد ما في رؤيتي حسنة فكيف تكون سيئة ولا في رؤيتي غني فكيف تكون حاجة. يا عبد إنما تختلف في الضد وما في رؤيتي ضد. مخاطبة 35 يا عبد اجعل قلبك على يدي لا يناله شيء ولا يخطر به. يا عبد من استبدل رؤيتي بغيبتي فقد بدل نعمتي. يا عبد لا تستظل بالمفازة فما رؤيتي اضحاء ولا ظل. يا عبد إنما المفازة منزل رجلين مشرك بي أو محجوب عني. يا عبد المفازة كل ما سواي. يا عبد ما في الرؤية إحقاق واستحقاق. يا عبد أنا باعث الآراب فإذا أتتك فقل أكفني رسلك. يا عبد أدللت وأظهرت لك حبي لك إذ كلمتك بكلام أمرتك أن تكلمني به. مخاطبة 36 يا عبد كيف يكون عبدي من لا يسلم إلى ما أظهرت أصرفه كيف شئت وأقبله حيث أشاء. يا عبد قل لبيك باستجابتك أثبتي لحقيقتك التعلق بندائك. يا عبد علم هذه في الغيبة جامع لك عنها. يا عبد إذا أسفرت لك انقطع السبب وإذا رأيتني انقطع النسب. يا عبد ما كل مسفر يرى، أنا الملك المسفر بالكرم المحتجب بالعزة أقبل من قصدني وأعطى من سألني. يا عبد إذا أردت حاجة فاغد أو رح بها إلي وميقاتها إيثاري إياك عليها. يا عبد لا تعين حاجتك ولكن أخفها حيث علمك وقل أحسن النظر لي أنا المسمى قم بي في أمري أنا الميل كله اختر لي أنا الجاهل بمصلحتي بين يديك عافني من التخير عليك أظفر بعفوك ظلني بالخيرة لي أستظل بظلك أجر على مسئلتك بإيجاد حكمتك أرنيك فيما أسررت وفيما أظهرت أكن بك فلا يتخطفني سواك وأكن لك فلا أعرف سواك فلا أكون إلا بما أراك. يا عبد قل أسألك خيرة تقوم بي في مطالبك وغيرة تصرف عيون قلبي إلى فنائك. يا عبد أعززتك وأذللت كل شيء لك فلم أرض مقيلك فيه ضنة بك وإقبالاً عليك. يا عبد إذا سألت فقل أسألك ما ترضاه وأسألك زينة بين يديك وحلية حسنة في التعرض لفضلك وعيناً ناظرة إلى مرادك ومواقع غيرتك. يا عبد فإن أقضبها لك أكفكها بقيومتي التامة فلا تختلسك خوالسها مني أبداً وإن لم أقضها لك أكتبك ممن ابتغى وجهي وآثر على ما عنده ما عندي. يا عبد أنا من وراء كفايتك فقل حسبي الله ونعم الوكيل. يا عبد إذا عرض لك أمر فقل ربي ربي أقل لبيك لبيك لبيك. يا عبد أنا أجبت نداءك أصممتك عمن ندا غيري ما بقيت. يا عبد انظر إلى كل شيء وأنت تراني كيف تحكم فيه ولا يحكم فيك. يا عبد وار مطالبك عن الهجوم علي فإذا أذنت لك فاستخرني أحكم لك بالحسنين. يا عبد إذا آثرتك على الحاجة فإن لم تر زاجري فهو إذني في مسئلتي. يا عبد إذا أدللتك فقد حجبتك وإذا رأيتني ولم تر مني فقد رأيتني. يا عبد إذا رأيتني فأنت عندي وإذا لم ترني فأنت عندك فكن عند من يأتي بخير. يا عبد إذا أرددتك إلى الغيبة فتعلق بالرد تنحسر عن عنديتك. مخاطبة 37 يا عبد أرأيت متلاقين استوقف أحدهما حديث صاحبه وأوقفت الأخر عليه رؤيته له، أيهما أولى بالمودة وأصدق في ادعاء المحبة. يا عبد أشرك من استوقفه الحديث أخلص من استوقفه المحدث، كذلك مهما حشتك بالذكر والحكمة علي فأنت بما حاشك لا على ما حاشك. يا عبد البداية حرف من النهاية والنهاية آخر من غبت عنه وأول من رآني. يا عبد أحبب أرضا اتبليتك بها لقد اصطفيتك إن جعلتها ستراً بيني وبينك. يا عبد بنت الغيبة هدمت الرؤية. يا عبد لا رؤية ولا ذكر اتقني لا أحتجب. يا عبد أخل بي على كل حال أهدك على كل حال. يا عبد كن عندي لا يقوم لك شيء وتقوم بكل شيء. يا عبد الرؤية باب الحضرة. يا عبد اثبت الأسماء في الرؤية ومحوتها في الحضرة. يا عبد إذا نظرت إلى الإظهار فلا تختلس عن رؤيتي تخطفك عني رؤيتي البتة. يا عبد كل ذي قلب ذو خلوة عمومها خلوة من طلب سواي وخصوصها خلوة من طلبني. يا عبد قيمة كل امرئ حديث قلبه. يا عبد إذا رأيتني فالحل عندي وما سواه حرام. يا عبد إذا رأيتني فأهدم أوطارك وأخطارك فوعزتي لا يزول الخطر حتى يزول الوطر. يا عبد إذا رأيتني فاكظم على رؤيتي لا أردك إلى علم من علوم السماء والأرض أحجبك به عني ما بقيت. يا عبد لو أبديت لك سر الإظهار كله كان علماً والعلم نور ورؤيتي تحرق ما سواها فأين مقر النور والعلم منك وأنت تراني وأنا أسفر لك. مخاطبة 38 يا عبد قل ربي الناظر إلي فكيف أنظر إلى ما سواه، ربي رأيته فلم أره فاطمأنت به نفسي، ربي فرحت فلم أره حزنت فلم أره عبدته فلم أره، ربي حادثني بعلمه وأسفر لي عن وجهه فأين أنصرف وهو المتصرف وممن أسمع وهو على كل حديث رقيب، ربي أذنب فأراه وراء ذنبي يغفره أحسن فأراه في إحساني يتممه، ربي رأيته فما أنصفت ولا استضفت، ربي طلبته فما وجدته وطلبني فوجدته، زي أشهدني أن لا حكم إلا له شهد علي أن لا حكم إلا من أجلي، ربي أظهرني وأظهر لي وقال لي أظهرت لك سترة وأظهرت لك ستراً والسترة بعد وأنت من ورائه والستر قرب وأنا من ورائه، ربي أخرج قلبي من صدري وجعله على يده وقال لي عبادتك أن تقر وقد بلوتك بالتقليب وقرارك في يدي وتقليبك في صدرك، ربي أراه فأستقيم له. يا عبد إذا رأيتني فلفظ رب خاطر وحجابك خاطر. يا عبد فانظر إلى من ورائه تعبره إلي. يا عبد الزينة تطفئ الغضب. يا عبد نعم ما بقته زينة العبد من محاسبة المولى لطف معاتبته. يا عبد زينتك طهور قلبك وجسمك. يا عبد طهور الجسم الماء وطهور القلب الغض عن السوى. يا عبد نظر القلب إلى السوى حدث وطهوره التوبة. مخاطبة 39 يا عبد أنا مظهر السوى ومصرفه وقد رأيتني فيه ومن ورائه ورأيته ولم ترني وجرى حكم تصريفي له وأنت تراني فكنت برؤيته وجرى حكمي بتصريفي له وأنت تراني فكان هو يهنئ برؤيتك لي فدعه يختلف فلذلك ما أظهرته وكن عندي فلذلك ما اصطفيتك. يا عبد قل لقلبك امح أثر الأسماء باسمي تثبت حكومته ويفنى معناه به. يا عبد لا تجعلني رسولك إلى شيء فيكون الشيء هو الرب وأكتبك من المستهزئين على علم. يا عبد إذا قمت إلى الصلوة فأجعل كل شيء تحت قدميك. يا عبد قل يا رب كيف وأنت معلم أوليائك والرفيق بأسرار أحبائك. يا عبد قف همك بين يدي فإن وجدت بينه وبيني سواه فألقه برؤيتك لي من ورائه فإذا لم يبق إلا هو فانظر إلي في إيجادي إياه هو وهذه آخر الأمر والنهى ثم تراني فلا أقول لك خذ ولا دع. يا عبد احفظ حالك وهي أن تراني في همك لا ترى همك في همك ترى أمري ونهى حكومتين عليك. مخاطبة 40 يا عبد استعن بي تر فقر كل شيء. يا عبد من استغنى بشيء سواي افتقر بما استغنى به. يا عبد سواي لا يدوم فكيف يدوم به غنى. يا عبد إن أحببت أن تكون عبدي لا عبد سواي فاستعذ بي من سواي وإن أتاك برضاي. يا عبد رضاي يحمل رضاي سكن لقلوب العارفين، سواي يحمل رضاي فتنة لعقول الآخذين. يا عبد رضاي وصفي وسواي لا وصفي فكيف يحمل وصفي لا وصفي. يا عبد أنا القيوم بكل ما علم وجهل على ما افترقت به أعيانه واختلفت به أوصافه. يا عبد استعذ بي مما تعلم تستعذ بي منك واستعذ بي مما لا تعلم تستعذ بي مني. يا عبد أين ضعفك في القوة وأين فقرك في الغنى وأين فناؤك في البقاء وأين زوالك في الدوام. مخاطبة 41 يا عبد ما نوري من الأنوار فتستجره بمطالعها ولا للظلم عليه سلطان فتخطفه بكلا كلها. يا عبد تب إلي مما أكره أقدر لك ما تحب. يا عبد ناجني على بعدك وقربك واستعن بي على فتنتك ورشدك. يا عبد أنا العزيز القادر وأنت الذليل العاجز. يا عبد أنا الغني القاهر وأنت الفقير الخاسر. يا عبد أنا العليم الغافر وأنت الجاهل الجائر. يا عبد أنا المتعرف بما دللت وأنا الدليل ببيان ما استعبدت. يا عبد انا الرقيب بما أهيمن وأنا المهيمن بما أحيط. يا عبد أن الجبار بما حويت وأنا القريب بما استوليت. يا عبد أنا الشهيد بما فطرت وأنا الرحيم بما صنعت. يا عبد أنا العظيم فلا تصمد صمدي الأمثال، وأنا الرفيع فلا تتصل بي الأسباب. يا عبد أنا الوفي بما وعدت وزيادة لا تبيد، وأنا المتجاوز عما تواعدت وحنان لا يميد. يا عبد أنا الظاهر فلا تحجبني الحواجب وأنا الباطن فلا تظهرني الظواهر. يا عبد أنا القيوم فلا أنام وأنا المثبت الماحي فلا أسام. يا عبد أنا الأحد فلا توحدني الأعداد وأنا الصمد فلا تعاليني الأنداد. يا عبد أنا الخبير فلا توار وأنا الفرد فلا تساو. يا عبد ارض بما قسمت أجعل رضاك في رضاي فلا تستكين على هواك ولا تشدد على ندبي إياك. مخاطبة 42 يا عبد ليس الأمين على العلم من عمل به إنما الأمين من رده إلى عالمه كما أبداه له. يا عبد العلم كله علم والأعلام كلها موقفه. يا عبد ما بقي بينك وبيني شيء فأنت عبده ما بقي. يا عبد إذا استندت إلى شيء فقد اعتصمت به دوني. يا عبد من لم ينقله الأدب عن غيره فأين النسب. يا عبد ابسط قلبك بالحياء ووجهك بالتضرع. يا عبد قل مولاي وجهني بوجهك لوجهك، مولاي إذا واريتني عنك فوار بنظري إلى معصيتي لك، مولاي أنا منظرك فإن جعلت معصيتي بيني وبينك أحرقتها بنظرك، مولاي حطني بحياطة قربك وقدني بأزمة حبك. يا عبد اجعلني بينك وبين الأشياء فإن أعطيتك فتحت لك بالعطاء باباً من العلم وإن منعتك فتحت لك بالمنع باباً من العلم. يا عبد أعطيتك بالعطاء والمنع ومنعتك بالعطاء والمنع فذممتني على العطاء بالمنع وشكرتني على المنع بالعطاء فلا وحرمة ما أبرزته لك وسترتك عنه وأقبلت بك إليه وأدبرت بك عنه من رؤيتي ما أعطيتني وفاء بالنعمة فلا شكراً على المسئلة. يا عبد لي العطاء فلو لم أجب مناجاتك لم أجعلها له رائداً. يا عبد لو جعلت العطاء مني مكان الطلب منك ما دعوتني أبداً ولا سميتني محسناً. يا عبد ما بتسميتك تسميت ولا بدعائك أعطيت وإنما أسررت فيك عنك متعلقاً بي أظهر له ويراني فأنا أكشفه تارةً وتارةً. مخاطبة 43 يا عبد أذللتك بذل جمعك علي ولا أعززتك بعز فرقك عني. يا عبد الآن قد عرفت أين تراني وأريتك أين وجهي ومكاني فاخترني أرتبك على كل شيء بالغنى عنه ولا تختر غيري أغيب فأي نير يطلع عليك إذا غبت. يا عبد كلمني بكلامي أسمع البتة. يا عبد إذا سمعت البتة أجبت البتة. يا عبد دعائي خاتمي فانظر على ما تختم به فإني أبعثه يشهد لك وعليك. يا عبد أدنى على ألسنة التفويض إلي تعرفني فلا تنكرني أبداً. يا عبد سلني صلاحك الذي أرضاه أصلحك من جميع جوانبك. يا عبد إن جعلتك وما حرم الجواب جعلتك واسطة في العلم بيني وبينك أبديه إليك وترده إلي أتخذك خليلاً. يا عبد إنما جعلت بيوتي طاهرة ليقصدني عليها السائلون. يا عبد قل رب أعذني من القسمة عنك بالحاجة إلى سواك. يا عبد إذا ارتفعت القسمة استوى الموحش والمؤنس. يا عبد أول الفتنة معرفة الاسم. يا عبد إن أفنيت منك ما يطلب الاسم أفنيت منك ما يطلب الضد. مخاطبة 44 يا عبد قل أحضرني ربي بين يديه وأحضر كل شيء بين يدي وقال لي هو بي وأنا من ورائه وأنت بي وأنا من ورائك ولك أظهرته كله فإن وقفت بيني وبينه إجلالاً لعظمتي وهيبة لاستيلائي وكبريائي وقفته بيت يديك وأوقفته على سبلك فشف فرأيتني من ورائه أين نظرت إليه فقفه على ما أظهرته ووفه عند محلة الذي وفيته ووله ظهرك وولني عينك ووجهك وقل عني لقلبك فهو يعرف خطابي أنا في كل قلب أقلبه على آثره وأسأله عن خبره وأكشف له عني فيعلم أني ويقول لي جهرة على علم غطني عنك فأحتجب عنه فلا يصبر عني يريد أن يراني ويكون الحكم له وحكمي هو الغالب وأنا ربه وهو عبدي إن سرى إلي وجدني وإن طلبني أتيته كأني أحتجب وأسفر على مراده بل أعلمته فهو يعلم أني على ذلك وضعته وله صنعته وفطرته وبه جبلته وفيه أثبته وفيما أثبته أشهدته وفيما أشهدته عرفته أنا له خير منه له إن نسيني ذكرته كأنني أبني بذكره عزة وإن أعرض عني أقبلت عليه كأنني آنس به من وحشة. مخاطبة 45 يا عبد قل ربي عرج بي إليه وقال لي ارتفع إلى العرش، فارتفعت فلم أر فوقه إلا العلم ورأيت كل شيء لجة، وقال لي للجة انحسرى، فرأيت العرش وأفنى العرش فرأيت العلم فوق وتحت، ورفع العلم فارتفع فوق وتحت وبقي عالم ومد العلم ونصب العرش وأعاد اللجة، وقال لي اكتب العلم، وردني إلى العرش فرأيت العلم فوقي واللجة تحتي، وقال لي ابرز إلى كل شيء فسله عني تعلم العلم النافع، فسألت العلم فقال أبداني علماً فحجبني بالبداء فأنا عن إبدائه لا أفنى وضمنني كل شيء إلا هو فاكتبني تعلم كل شيء واطلع في ترى كل شيء فلك أظهرني وله أظهرك فأنا سائلك عنه ولا درك لك بالسؤال هو الفوت الذي لا يستطاع أقرب حجبه من القرب الإبداء وفيه الثبت وأبعدها منه الثبت وفيه الغيبة، وأدراني حول العرش فرأيت العلم الذي كان فوقه هو العلم الذي كان تحته وكتبت العلم فعلمت كل شيء واطلعت فيه فرأيت كل شيء، وقال لي أنت من العلماء فعلم ولا تتعلم. مخاطبة 46 يا عبد إذا رأيتني من وراء الشيء فأنا الهادم له وإذا لم ترني من ورائه فأنا الباني به ما أشاء، ولن تراني من وراء شيء فتعصيني فيه إلا على علم. يا عبد معصيتي وأنت تراني محاربتي معصيتي وأنت لا تراني معصيتي. يا عبد أعددت لك عذراً في معصيتي أعددت لك حرباً وسلباً في محاربتي. يا عبد حربي لك تخليتي بينك وبين ما حاربتني عليه. يا عبد عصمتي لك ظهوري من ورائه أقسمك فإذا قسمنك أذهبتك. يا عبد كل شيء لي فلا تنازعني ما لي. يا عبد لو عقلت عني لاستعذت بي من شر حاجتك. يا عبد غلبك في غيبتي كل شيء وغلبت في رؤيتي كل شيء. مخاطبة 47 يا عبد علم رأيتني فيه هو السبيل إلي، علم لم ترني فيه هو الحجاب الفاتن. يا عبد لي من وراء كل ظاهر وباطن علم لا ينفد. يا عبد أنا العالم من رآني نفعه العلم، من لم يرني ضره العلم. يا عبد إذا رأيتني فالعلماء عليك حرام والعلم بك إضرار. يا عبد إذا لم ترني فجالس العلماء واستضئ بنور العلم. يا عبد نور العلم يضيء لك عنه لا عني. يا عبد العلماء يدلونك على طاعتي لا على رؤيتي. يا عبد إذا غبت عنك ولم تر عالماً فاقرأ ما أتيتك من الحكمة وقل رب أنا العاجز عن رؤيتك وأنا العاجز عن غيبتك وأنا العاجز في كل حال عن البقاء على ديموميتك إن رأيتني فيما كشفت عني وإن غيبتي فلحديتي. يا عبد قل لي في الرؤية أنت أنت وقل لي في الغيبة أنا أنا . يا عبد مأواك رضاك فانظر ماذا رضيت. مخاطبة 48 يا عبد إذا واجهتني فاجعل انتظارك وراء ظهرك أجيء به عن كلتا يديك. يا عبد أنظر ما ليلك فإشراقك على يده، انظر ما نهارك فليلك على أثره. يا عبد ما توكل علي من طلب مني ولا فوض إلي من لم يصبر لي. يا عبد شكاني من اشتكى إلي وهو يعلم أنني بليته. يا عبد وسع العلم كل شيء في الغيبة وضاق العلم عن كل شيء في الرؤية. يا عبد إذا رأيتني لم يجمعك علي إلا الرؤية والبلاء فإن أقمت في رؤيتي بلونك بالبلاء كله وحملتك بالعزم فلم تزل وإن لم تقم بلوتك ببعض البلاء وأعجزتك عن العزم فذقت طعم البعد واستخرجت منك بالعجز لرحمتي لك استغاثة فحملتك بالاستغاثة إلى الرؤية. مخاطبة 49 يا عبد أذنت لمن رآني أن يطلبني فإن وجدني طلبني فإذا وجدني فليطلبني حيث وجدني ولا يقض علي. يا عبد إذا لم ترني فأنت من العموم ولو جمعت لك أعمال العاملين. يا عبد إن رأيتني وفقدتني فجالس العلماء تنفع وتنتفع وإن رأيتني ولم تفقدني فما أحد منك ولا أنت منه. يا عبد أمسكني عليك أمسكك علي. يا عبد لا تنفقني على شيء فما الشيء بعوض مني. مخاطبة 50 يا عبد تريد قيام الليل وتريد توفير أجزاء القرآن هنالك لا تقوم إنما تقوم الليل من قام إلى لا إلى ورد معلوم ولا إلى جزء مفهوم هنالك أتلقاه بوجهي فيقف بقيوميتي لا يريد في ولا يريد مني فإن شئت أن أحادثه حادثته وإن شئت أن أفهمه أفهمته. يا عبد انصرف أهل الورد حين بلغوه وانصرف أهل الجزء من القرآن حين درسوه ولم ينصرف أهلي فكيف ينصرفون. مخاطبة 51 يا عبد أنا الصمد فلا تتحلل صفة العلم صفة الصمود. يا عبد أنا الحق الحقيق فكل شيء بي يقوم فمن كلمته أشهدته أن ذلك بي فرأى قلبه العيان ومن لم أكلمه أعلمته أن ذلك بي فرأى قلبه المعلوم. يا عبد قل للعلم ما بيني وبينك سبيل لا أستدل بك فتوردني على معلوماتك، وقل للمعلومات ما بيني وبينك سماء ولا أرض ولا خلال ولا فج تراجعني في علمك، فإليه مرجعك أنت حمله وهو وعاؤك وأنت طريقه إلى الغافلين. يا عبد من صفة الولي لا عجب ولا طلب، كيف يعجب وهو يرى الله وكيف يطلب وهو يرى الله، إنما العجب هو ارتعاد البصيرة وإنما ارتعاج البصيرة كالذي يبصر من خلل والذي يبصر من خلل يحتجب من خلل، والطلب لا يكون إلا في حجاب. يا عبد إذا أردت أن تدعوني فاستفتح بابي، إلهي كيف أستفتح بابك وإنما أسماؤك عليه وإنما صفتك أسماؤك وإنما فوت العقول والأوهام صفتك. يا عبد إذا أردت أن تدعوني قرأت الحمد سبعاً وصليت على النبي صلى الله عليه وسلم عشراً، فإن رأيت الباب قد فتح وهو أن تقف في مقامك مني وهو مقام رؤيتي وهو مقام طرح النفس وطرح ما بدا فإن لم تغب الرؤية عنك في السؤال فادعني وسلني وإن غاب عنك المقام فلا تدعني من وراء الحجاب إلا بكشف الحجاب، ذلك فرض تعرفي على من رآني. مخاطبة 52 يا عبد الحروف كلها مرضى إلا الألف، أما ترى كل حرف مائل، أما ترى الألف قائماً غير مائل، إنما المرض الميل للسقام فلا تمل. يا عبد لا تخرج بسري فأخرج بسرك، أنظر إلى كنفي عليك كيف أسترك به عن خلقي ثم انظر إلى يدي عليك كيف أسترك بهما عن كنفي ثم انظر إلى نظري إليك كيف أسترك به عن يدي ثم انظر إلي كيف أسترك بي عن نظري وكيف أسترك بنظري عن نفسي. يا عبد إن سترت ما بيني وبينك سترت ما بينك وبيني. يا عبد لا إذن لك ثم لا إذن لك ثم سبعون مرة لا إذن لك أن تصف كيف تراني ولا كيف تدخل إلى خزانتي ولا كيف تأخذ منها خواتمي بقدرتي ولا كيف تقتبس من الحرف حرفاً بعزة جبروتي. يا عبد كل علم إلا علم كيف تراني وكيف تدخل إلى خزانتي فلك فيه موطن وللخلق فيه عندك مساكن، فمن جاءك فاعرض عليه مساكن أفئدة العارفين، فساكن ومرتحل وصامت يزداد بما سمع وناطق يحاورك ثم إلى ما يسمع منك يرجع. يا عبد إذا رأيتني ودخلت خزانتي فنفسك وعلم إخلاص نفسك ونفوس كل العارفين معك في برزخ من حجاب الأمر وتحت سرادق من سرادقات النهى، ما في ملكوت أسمائي نفس ولا علوم نفس ولا مريد علوم نفس. وقال لي الأمر والنهى غطاء وعلم ما لك وعليك في غطاء، وقد سبقت رحمتي لكل من في الغطاء، فانظر إلى ذنوب من في الغطاء كيف تصعد، ثم انظر إلى عفوي كيف تلقها كلها ولا يدعها تصعد إلي ولا يدع أهلها ينسون ذكرى بألسنتهم. يا عبد لي في الغطاء كرمي وحلمي وعفوي ونعمتي. يا عبد لي كل من في الغطاء أعمى عني، إنما يبصر علمي ما رآني قط ولا رأى مجلسي ولا دخل إلى حضرتي، وكل خاص وعام في الغطاء فهو عام إلا أصحاب الأسماء وإلا أصحاب الحروف، أولئك قد رأوني جهرة قلوبهم لا جهرة رؤيتي وأولئك قد رأوا جهرة حكمتي وجهرة قدرتي ورأوا جهرة صفتي الفعالة، فأولئك فليحذروني وليحذروا صفتي الفعالة فلا أجعل ذنوبهم في عفوي، إنما ذلك لأهل الغطاء، ولا أجعل قلوبهم في رفقي، إنما ذلك لأهل الحجاب. وقال لي تعرف الأسماء وأنت في بشريتك وتعرف الحروف وأنت في بشريتك يأكل الخبل عقلك. وقال لي ليحذر من عرف أسمائي من خبل عقله ثم ليحذر من عرف أسمائي من خبل قلبه. وقال لي إذا رأيتني رأيت الخوف والرجاء في الطرد عني ورأيت العلم والمعرفة في الطرد عني. مخاطبة 53 يا عبد الحرف ناري الحرف قدري الحرف حتمي من أمري الحرف خرانة سري. يا عبد لا تدخل إلى الحرف إلا ونظري في قلبك ونوري على وجهك وإسمي الذي ينفسح له قلبك على لسانك. يا عبد لو دخلت بقوة النار لأكلتكما نار الحرف. يا عبد لا أقول لك ألق المفاتيح بين يدي حضرتي أكرم بها في سريرتك فمقامك من وراء الحرف لدي ومن وراء مفاتيح الحروف، فإذا أرسلتك إلى الحروف فلتقتبس حرفاً من حرف كما تقتبس نارأً من نار أقول لك أخرج ألفاً من باء أخرج باء من باء أخرج ألفاً من ألف. يا عبد ما قلت لك ذلك حتى هديتك لذلك فرأيت ذلك رآه قلبك، وعرفت ذلك عرفه قلبك. يا عبد ما لأفكارك تنعطف على أفكارك وما لهمومك تبيت وتصبح في همومك، أنت ولي وأنا أولى بك، فأثبتني ذات سرك فأنا بها وبما تتقلب به أعلم منك. مخاطبة 54 يا عبد قلبك في يدي قرب، قلبك بين يدي بعد. يا عبد أقصد وأطلب وإلا لما تثبت، فإذا قصدت وطلبت فقل يا رب بك قصدت وبك طلبت وبك ثبت. يا عبد قد رأيتني في كل قلب فدل كل قلب علي لا على ذكري لأخاطبه أنا فيهتدي، ولا تدله إلا علي فأنك لم تدله علي دللته على التية فتاه عني وطالبتك به. مخاطبة 55 يا عبد أكتب روحك وريحانك وفوزك وأمانك وراحتك العظمى ونضرة وجهك، إنني أنا الله من عندي أتى ما أتى ومن عندي أتى الليل ومن عندي أتى النهار ومن عندي أتى تصريف ما أتى، تنظر إلى النهار لا يملك رجوعاً أو أقول له أرجع يا نهار، تنظر إلى الليل لا يملك رجوعاً إلا أقول له أرجع يا الليل. يا عبد ما كشفت لك عن الأبد حتى سترت منك أحكام البشرية فبحسب ما كشفت لك سترت منك وبحسب ما سترت منك كشفت لك. يا عبد إذا رأيت الأبد فقد رأيت صفة من صفات الصمود والصمود ألف صفة، وعظمة من عظمة الدوام والدوام العظمة الدائمة. يا عبد الليل لي فلا تفتح في أبواب قلبك إلا لي وحدي، كلما جاءك وإن كان من عندي فأردده إلي إلى ما عندي وإن لم يكن من عندي فأردده إلى ما ثبته. يا عبد النهار لي فلا تفتح أبواب قلبك في إلا لي وإلا لعلمي، فإذا دخل علمي إلي فقفل أبواب قلبك عليه حتى إذا جاء الليل فأفتح أبواب قلبك ليخرج ما في قلبك من ذلك العلم من كل شيء هو سواي، فما خرج فلا تردده وما لم يخرج فأخرجه ولا تتبعه، وليكن قلبك لي لا لشيء من دوني ولا لشيء هو سواي. يا عبد إذا كان ليلك ونهارك لعلمي كنت عظيماً من عظماء عبادي. يا عبد إن لم تزل نفسك لم يزل الليل والنهار ولم يزل السموات والأرض وما فيهن من أعلام كل خليقة. يا عبد إن لم يزل كل ولي لم يزل كل عدو. يا عبد إن لم يزل كل عالم لم يزل كل جاهل. يا عبد تكلمت بكلمة سبحت لي الكلمة فخلقت من تسبيح الكلمة نوراً وظلمة، فخلقت من النور أرواح من آمن وخلقت من الظلمة أرواح من كفر، ثم مزجت النور بالظلمة فجعلتها حجراً جوهرة فالجوهرية من النور والحجرية من الظلمة. يا عبد لي يكون النهار لي ولا لعلمي حتى يكون الليل لي فإذا كان ليلك لي كان نهارك لي ولعلمي. يا عبد اعزل نفسك ينعزل معها الملك والملكوت فتلحق الدارين بالملك وتلحق العلوم بالملكوت فتكون عندي من وراء ما أبدى فلا يستطيعك ما أبدى لأنك عندي وإذا كنت عندي كنت عبدي وإذا كنت عبدي كان عليك نوري فلا يستطيعك ما أبدى وإن أرسلته إليك لأن نوري عليك وليس نوري عليه فإذا جاءك لم يطقك فأوذنك به فتأذن أنت له. يا عبد اخرج إلي كما يخرج أوليائي إلي تسلك طريقهم الذي يسلكون ويلتقون ويتواصون ويتكلمون. مخاطبة 56 يا عبد من شهدني رأى كبريائي من الآيات فخشع لي وهن غير باديات، وخضع لسلطاني وهن غير مسلطنات، هنالك إذا وقف في يوم الجمع صحبته في الأهوال، كما صحبني من وراء الاستار إليه ثبتاً في الزلزال، فتثبت بي على كل حال. يا عبد من أجار نعمائي من كفر نفسه، وأجار معارفي من ميلان جهله، وأجار ذكرى إذا ذكرني من غلبات طبعه، هو المتخذ لدي عهداً بنجاته، وهو المجار لدي غداً بأكرم مثاباته. يا عبد إنما يتصل بي ولا وصل بي من ذهب عن جعلي الذي لا أذهبه. يا عبد لا يرتفع الضد أو يرتفع الأجل ولا يرتفع الأجل أو ترتفع الغيبة. يا عبد من لم يرني فلا علمه نفع، ولا جهله ارتفع. يا عبد لا ترد تحتجب بالملائمة أو بالمنافاة فما حجبك شيء ولا أوصلك شيء، أنا الحاجب وأنا الموصل، فالوصف والصفة في مجعول ما أظهرت طرقات فمن وصل بها فإليها وصل ومن احتجب بها فعنها ما احتجب. يا عبد من عرفني بي عرفني معرفة لا تنكر بعدها أبداً. يا عبد إن فتحت لك فاتحة من ذكرى أغنتك عن كل شيء وقامت بك في كل شيء فلم تفتقر إلى شيء فقر المستغنى بوجوده، ولم تطمئن به طمأنينة المنتهى إليه. يا عبد ذكرى لك هو تعرفي إليك، وفاتحة ذكرى لك هي المعرفة. يا عبد من لم أتعرف إليه لا يعرفني، ومن لم يعرفني لم أسمع منه. يا عبد إذا رأيتني أصرف عنك السوى ولا أصرفك عنه فسل عني العالم والجاهل وأسلك إلي الأمن والخطر. يا عبد إذا رأيتني أصرفك عن السوى ولا أصرفه عنك ففر إلي من فتنتي واستعذ بي من مكري. يا عبد قل للعبيد لو رأيتموه يقبض ويبسط لبرئتم من أنسابكم ولعريتم من أحسابكم. يا عبد لا وعزة الفردانية وفردانية العزة ما أقبض إلا بما به أبسط ولا أبسط إلا بما به أقبض، ولو بسطت بي ما استعبدت، ولو قبضت بي ما عرفت. يا عبد قل للعبيد لو عرفتموه وأنكرتموه، ولو أنكرتم سواه عرفتموه. يا عبد من أثبته في المعرفة بواسطة محوته بها عن حقيقتها فعرف ما انتهى، فكان بي فيما أقر بالسوى فيما تحقق. يا عبد لا كلطف اللطف أثبت سوى ولا سوى، ولا كعز العز أفنى عن السوى فيما أشهد سوى. يا عبد إن آتيتك نطقاً فللحكمة، وإن آتيتك صمتاً فللعبرة. يا عبد لا يقوم لي شيء، ويقوم بي كل شيء. يا عبد رأيت العلم وأعرضت عنه أعرضت عن سوى وإن كان رضاً. يا عبد أنا الراحم فلا تسبق رحمتي ذنوب المذنبين، وأنا العظيم فلا تستولي على معرفتي أجرام المجرمين. يا عبد أنا الرؤوف فلا يحيط برأفتي إعراض المعرضين، وأنا العواد بالجميل فلا يصرفني عنه غفلات الغافلين. يا عبد أنا المحسن فلا يحجب إحساني إنكار المنكرين، وأنا المنعم فلا يقطع نعمتي لهو اللاهين. يا عبد أنا المنان ما مني لأجل شكر الشاكرين، وأنا الوهاب فلا يسلب موهبتي جحود الجاحدين. يا عبد أنا القريب فلا تعرف قربي معارف العارفين، وأنا البعيد فما تدرك بعدي علوم العالمين. يا عبد أنا الدائم فلا تخبر عني الآباد، وأنا الواحد فلا تشبهني الأعداد. يا عبد أنا الظاهر فلا تراني العيون، وأنا الباطن فلا تطيف بي الظنون. يا عبد أنا الودود فلا ينصرف وجهي ما انصرفت، وأنا الغفور فلا ينتظر عفوي ما اعتذرت. يا عبد أنا الوهاب فلا أسلب ما وهبت، وأنا المنيل فلا أسترد ما أنلت. يا عبد أنا المديل فلا يدل ما أدللت، وأنا المزيل فلا يستقر ما أزلت. يا عبد أنا المجيل فلا يثبت ما أجلت، وأنا المهيل فلا يطمئن ما أهلت. يا عبد أنا المميل فلا يستقيم ما أملت، وأنا المقيل فلا ينصرع ما أقلت. يا عبد كل شيء يطلبه ما منه، وأنا الفرد المنفرد، لا أنا من شيء فيطلبني، ولا أنا بشيء فيتخصص بي. مخاطبة وبشارة وإيذان الوقتأوقفني وقال لي قل لليل إلا أصبح لن تعود من بعد بأنني أطلع الشمس من لدن غابت عن الأرض وأحبسها أن تسير وتحرق ما كان يستظل بك وينبت نباتاً لا ماء فيه، وأبدو من كل ناحية فأرعى البهائم نبتك ويطول النبت ويحسن وتنفتح عيونه ويروني وأحتج فيكتبون حجتي بإيمانهم، ويفرق الجبل الشاهق من قعره بعد أن كانت المياه في أعلاه وهو لا يشرب، وأخفض قعر الماء وأمد الهاجرة ولا أعقبها بالزوال، هنالك يجتمعون وأكفئ الأواني كلها، وترى الطائر يسرح في وكره وترى المستريح يشتري السهر بالنوم ويفتدي الحرب بالدعة. وقال لي قل للباسطة الممدودة تأهبي لحكمك وتزيني لمقامك واستري وجهك بما يشف وصاحبي من يسترك بوجهه، فأنت وجهي الطالع من كل وجه فاتخذي إيماناً لعهدك، فإذا خرجت فدخلي إلي حتى أقبل بين عينيك وأسر إليك ما لا ينبغي أن يعلمه سواك وأخرج معك إلى الطريق وترين أصحابك كأنهم قلوب بلا أجسام، وإذا استويت على الطريق فقفي فهو قصدك، كذلك يقول الرب أخرجي يمينك وأنصبي بها علمك ولا تنامي ولا تستيقظي حتى آتيك. يا عبد قف لي فأنت جسري وأنت مدرجة ذكري عليك أعبر إلى أصحابي وقد نصبتك وألقيت عليك الكنف من الريح وأريد أن أخرج علمي الذي لم يخرج فأجنده جنداً جنداً ويعبرون عليك ويقفون فيما يليك من دون الطريق، وأبدو ولا تدري من أين آمن قبلهم على مدرجتهم، فإذا رأيتني سرت وساروا ونصبتك على يدي فمر كل شيء وراءك فمن عبر عليك تلقيته وحملته ومن جاز عنك هلك الهلاك كله. يا عبد قف في الناموس فقد أوقفتك، وثب إلى ثأر همك كما وثب السبع إلى فريسته على السغب، وقم فأدرك بي ما تطلب واطلبني بقيوميتي فيما تدرك فمن رآني رأى ما لا يظهر ولا يستتر. يا عبد آن أوانك فاجمع لي عصبي إليك واكنز كنوزي بمفاتحي التي آتيتك واشدد واشتد فقد أشرفت على أشدك واظهر بين يدي بما أظهرك فيه واذكرني بنعمتي الرحيمة من تذكرني عنده. كذلك يقول الرب إني طالع على الأفنية أتبسم ويجتمعون إلي ويستنصرني الضعيف ويتوكلون كلهم علي وأخرج نوري يمشي بينهم يسلمون عليه ويسلم عليهم فلتنتبهين أيتها النائمة إلى قيامك ولتقومين أيتها القائمة إلى إمامك فارجمي الدور بنجومك واثبتي القطب بأصبعك والبسي رهبانية الحق ولا تنتقبي، إنما الحكم لك وعود البركة بيمينك، فذلك أريد وأنا أريد على ذلك شهيد، تلك أنوار الله أفمن يستضيء بنوره إلا بإذنه، ذلك هو الحق ونبأ لا تنبئك به الظنون وما يجادل به إلا الجاهلون. كذلك يقول الرب أقبل ولا تراجع وأنظم لك القلادة وأخرج يدي إلى الأرض ويروني معك وأمامك فابرزي من خدرك فإنني أطلع عليك الشمس وخذي عاقبتك بيمينك واشتدي كالرياح وتدرعي بالرحمة السابقة ولا تنامين فقد أطلعت فجرك وقرب الصباح منك ذلك من آيات ربك وذلك لنزول عيسى بن مريم من السماء إلى الأرض وأوان قريب يبشر به وإمارة للذين أوتوا العلم وهدى يهدى به الله إليه ويستنقذ كثيراً يجهلون. كذلك يقول الرب إنما أخبرتك لظهور الأبد فاكشفي البراقع عن وجهك واركبي الدابة السياحة على الأرض وارفعي قواعدي المدروسة واحمليهم إلي على يديك من وافقك على اليمين ومن خالفك من الشمال وابتهجي أيتها المحزونة وتفسحي أيتها المكنونة وتشمري أثوابك وارفعي إزارك على عاتقك، إني أنتظرك على كل فج فانبسطي كالبر والبحر وارتفعي كالسماء المرتفعة، فإني أرسل النار بين يديك ولا تدر ولا تستقر، إن في ذلك لأية تظهر كلمة الله فيظهر الله وليه في الأرض يتخذ أولياء الله أولياء، يبايع له المؤمنون بمكة، أولئك أحباء الله ينصرهم الله وينصرونه وأولئك هم المستحفظون عدة من شهدوا بدراً يعملون ويصدقون ثلثمائة وثلاثة عشر أولئك هم الظاهرون كذلكأوقفني الرب وقال لي قل للشمس أيتها المكتوبة بقلم الرب أخرجي وجهك وابسطي من أعطافك وسيري حيث ترين فرحك على همك وأرسلي القمر بين يديك ولتحدق بك النجوم الثابتة وسيري تحت السحاب واطلعي على قعور المياه ولا تغربي في المغرب ولا تطلعي في المشرق وقفي للظل، إنما أنت مرحمة الرب وقدسه يرسلك على من يشاء، ذلك هدى الله يهدي به من يشاء، كذلك ينزل الله الوحي، فانقلي أيتها الثاوية واطمأني أيتها المتوارية فقد ألقيت الأزمة وقدم الرب بين يديك نجواه. كذلك يقول الرب أطلعي أيتها الشمس المضيئة فقد سلخت الليل وانبسطي على كل شيء ينبت الزرع وتأتى كل شجرة أكلها بإذن ربها ويخرج إليك اليتيم فيطول ويجتمع إليك الدعاة وترين نوري كيف يزهر، فخذي أهبتك أيتها الخارجة وتزودي للسفر، إنما أنت نور الرب قال له الرب لتقيم للناس حكماً عادلاً تثبتهم، وتركن إليك قلوب المؤمنين ويقوى الضعفاء بك فيدافعون عن أنفسهم ما يخافون. أيتها النائمة هلمي فاستيقظي وابشري فقد أنزلت المائدة ونبعت عليها عيون الطعام والشراب وسوف يأتونك فيروني عن يمينك وشمالك ويكونون أعوانك ويغلبون لأن الذي يقاتلهم يقاتلني وأنا الغلوب، وانفسحي يا محصورة فقد أطلق أسرك وفتحت الأبواب عليك، فتزيني وزيني الشعوب لبهائي فقد أذهب عنك الحزن ولملأت قلبك بالفرح، وسوف يصطفون صفاً واحداً القدومي وأقدم بغتة، فلا تدهشين ولا تتحيرين فلست أغيب بعد هذه إلا مرة، ثم أظهر ولا أغيب وترين أوليائي والقدماء يقيمون ويفرحون. وقال لي حان حيني وأزف ميقات ظهوري وسوف أبدو ويجتمع إلي الضعفاء ويقوون بقوتي وأطعمهم أنا وأسقيهم وترى شكرهم لي، فقم يا نائم ونم يا قائم فقد جعلت المصيبة أثر العزاء وأنزلت هداي ونوري وعامودي وآياتي. وقال لي أنصب لي الأسرة وأفرش لي الأرض بالعمارة وأرفع الستور المسبلة لموافاتي، فإني أخرج وأصحابي معي وأرفع صوتي وتأتي الدعاة فيسترعوني فأحفظهم، وتنزل البركة تنبت شجرة الغنى في الأرض ويكون حكمي وحدي، ذلك على المعيار يكون وذلك الذي أريد. موقف الإدراكأوقفني في الإدراك وقال لي قف بين يدي ترى العلم وترى طريق العلم. وقال لي العلم طرقات تنفذ إلى حقائق العلم، وحقائق العلم عزائمه، وعزائم العلم مبلغه، ومبلغ العلم مطلعه، ومطلع العلم حده، وحد العلم موقفه. وقال لي هذا صفة علمك كله وما هو صفة أعمالك كلها. وقال لي لن تحيط بصفة كلية من شيء فتلك لي ولإحاطتي. وقال لي كل ما عملت بعلم أسفر لك عن صفة من صفاته. وقال لي العلم وطرقاته وصف من أوصاف المعرفة، والأعلام في العلم ليس في المعرفة أعلام. وقال لي العلم كله طرقات، طريق عمل طريق فطنة طريق فكره طريق تدبر الطريق طريق تعلم طريق تفهم طريق إدراك طريق تذكرة طريق تبصرة طريق تنفذ طريق توقف طريق مؤتلفة طريق مختلفة. وقال لي ما إلى المعرفة طريق ولا طرقات ولا فيها طريق ولا طرقات. وقال لي المعرفة مستقر الغايات وهي منتهى النهايات. وقال لي الغايات غاياتك والنهايات نهاياتك والمستقرات مستقراتك والطرقات طرقاتك. وقال لي إذا كنت من أهل المعرفة فلا خروج من المعرفة إلا إلى المعرفة ولا طريق في المعرفة ولا إلى المعرفة ولا من المعرفة. وقال لي إذا استقررت في المعرفة كشفت لك عين اليقين بي فشهدتني فغابت المعرفة وغبت عنك وعن حكم المعرفة، لا غيبة ذهاب عن معرفة ولا غيبة ذهاب عن عارف بل غيبة ذهاب عن حكم معرفة وغيبة ذهاب عن حكم عارف، فإذا استقررت لك فلا تحكم عليك المعرفة إنما أنا أحكم، ولا بحكمها تكون إنما بحكمي تكون. وقال لي إذا لم تحكم عليك المعرفة ولن تكن بحكمها أدركت مبلغ العلم، وإذا أدركت مبلغ العلم قمت بحجتي في كل شيء وعلى كل شيء. وقال لي إذا أدركت مبلغ العلم وجب عليك النطق به فانتظر إذني لك به لتنطق عني فتخبر عني فتكون من سفرائي. وقال لي إن نطقت عن الوجود فلم تنتظر إذني نطقت عن العلم فأخبرت عن العلم فكنت سفيراً للعلم فعارضك العلم فلك تستطع رد العلم لأنه يعارضك من عنه نطقت وبلسان من ألسنته أخبرت. وقال لي علامة إذني لك في النطق أن تشهد غضبي إن صمت وتشهد زوال غضبي إن نطقت. وقال لي ليس الأذن أن تشهد ولايتي إن نطقت لأنك إذا شهدت والولاية نطقت عن ألسنة الترغيب والسعة، فملت بالرغبة وأملت وسكنت بالسعة وأسكنت. وقال لي علامة رؤيتك لغضبي إن صمت ألا تبالي ما ذهب منك في وما بقي. وقال لي علامة ذلك فيك أن ترضى به حتى تلتقي. وقال لي إذا لم تبالي ببطنك لم تبالي ما ذهب منك في وما بقي، فإن لم تبال بأهلك ولا ولدك رضيت به إلى أن تلتقي.

Posted in Uncategorized | أضف تعليقا