رواية
بير العـــين
ــــــــــــــ
ـ بالمنطقة النائية التي ترتمي في حضن الجبل علي أطراف الجنوب الشرقي لمحافظة سوهاج ، تقع هضبة ” الشيخ سماعين ” ، علي بعد أكثر من ثلاثة كيلو مترات من اقرب قرية للجبل ـ ” نجع السمايعة ” ـ ، ثم ينحدر القاصد إلي الجنوب الشرقي من الهضبة عدة كيلو مترات أخري ليصل إلي منطقة ” بير العين ” ـ المبروكة ـ التي تتواتر عنها عنها الحكايات بما يشبه الأساطير ؛ وبجوارها النخلة ذات الثلاث رؤوس ، ثم ” السبيل ” و ” حمّام بير العين ” . الذي ساد الاعتقاد هنا بأن ماءه يشفي كثير من الأمراض خصوصا النسائية ـ فهو يضفي علي الوجه والجسم عموماً. جمالاً ونضارة بل تقصده العاقر لتلد ، والعانس لتتزوج ، ومريض الحمّي ليشفي ، ويطول هنا شرح العادات المتوارثة عن الاعتقادات التي سادت هذه المنطقة والمناطق المتاخمة الاخري حولها ، بل والمدن المحيطة ناهيك عن موضوع الأخذ بالثار الذي لم يعد أي كلام فيه يأتي بجديد ، ومن بين هذه الاعتقادات ضرورة إجراء عمليّة ” الختان ” للطفل ويسمونها ” الطُهارة ” ، وخصوصا للولد ” الحيلة ” في ” حمّام بير العين ” ، حيث تقام ” عصرية العصاية ” وتختتم بـ ” ليلة الذكر ” ، وصباحاً يذهبون بالطفل في قافلة كبيرة علي عربات “الكارو” إلي ” حمّام بير العين ” قاطعين الطريق كله وسط الأغاني ، والأهازيج والزغاريد ، وتزداد الفرحة وتنطلق الزغاريد أكثر حينما يقوم عم ” حامد المزِّين ” ، بقطع ” الطرطوفة ” للولد ” الحيلة ” بالموسي الكبير الذي أعده وجهزه ” بالتجليخ ” علي الحجر . ثم العودة من هذه الرحلة الشاقة وقد هبط الظلام، ولكن لا باس. فقد نال الولد ” الحيلة “. البركة من ” بير العين ” .
ولم يكن هذا المكان المبروك قاصرا علي ” الزوار “، بل أصبح سوقا أسبوعيا. يعج بالبائعين ، خصوصاً الحلبيّات اللائي يبعن كل ما يلزم النساء في هذه المناطق ـ الكحل والمراود وحجر ” الخرفش ” الأسود ، الذي يستخدم في تنعيم الكعبين في أقدام النساء ، وقطع الأقمشة المزركشة ، و ” الحرد ” ، و” الطرح ” ، وكانت الحاجة ” بخيته الحلبيّة ” هي كبيرة البائعات الحلبيّات ، وهي التي تتصل بالحاكم الفعلي والعمدة الغير متوّج رسمياً علي المنطقة كلها بقراها ونجوعها . بقوته وجبروته ، وهو ” حمدان أبو العين ” . أو ” الفارس الملثم “. الذي فرض العدل والأمن علي المنطقة بمنطق القوّة، رغم انه في داخله كان يحمل كثيراً من الصفات الإنسانية، فقد كان يفرض علي الأغنياء دفع ” الزكاة ” بالقوّة.! ليقوم هو بتوزيعها علي الفقراء والمحتاجين من أهل المنطقة ، حتي احتار الناس ، واحتارت الحكومة في أمره . هل هو ّذلك الخارج علي القانون الذي يفرض ما يريده بالقوّة ؟!، أم انه الرجل الحكيم العادل الذي يسعي لإقامة العدل والأمان . ولو بالقوّة ؟!؛ في حين كانت ” بخيتة الحلبيّة ” لإحساسها بوضاعة أصلها ونسبها ، واحتقار الناس لها تحقد علي كل النساء الشريفات خصوصاً منهم ذوات الأصل والحسب والنسب ، وتعمل جاهده علي الإيقاع بهن ولو في المواقف المحرجة علي اقل تقدير ، مثل نقل أخبارهن في بيوتهن للرجال الذين تستهويهم مثل هذه الأخبار، ونقل أخبار الرجال ومغامراتهم المشبوهة بعد أن تضفي عليها من خيالها . إلي النساء اللائي تستهويهن أيضا مثل هذه الأخبار.
و لكونها امرأة من طبيعتها المداهنة فقد كانت تعرف كيف تدخل قلب كل امرأة، وتدخل بعد ذلك معها إلي مخدعها لتقيس لها مثلا ما باعته لها من ملابس داخلية. وتطلع في هذا الوضع علي جسم المرأة ، ويا ويل من تجد في جسمها علامة داخلية ـ مثل حسنة أو شامة ـ أو حتي جرح قديم في مكان داخلي حساس . أنها تستطيع لو أفشت هذا السر لأحد الرجال العابثين. أن تشعل النار في بيت المرأة التي ائتمنتها وفي عائلتها . وربما في بلدها كلها . ولكنها ـ لحسن الحظ ـ لم تكن ترغب في غير الإيقاع بهن ومداهنتهن بالكلام المعسول عن الحب. وهو الذي يحظر مجرد الكلام فيه هنا. حتي لو كان سبيلا إلي الزواج .
كان هذا نشاط ” الحاجة بخيتة ” الخارجي ، أما في ” بير العين ” فقد امتد إلي حد اجتذاب النساء اللائي ياتين إلي ” بير العين ” الدخول في ” حمّام بير العين ” للاستحمام بماء البير المبارك ، لتعجيل الزواج أو الحمل .. الخ ؛
ولمّا كان من الأمور المسلم بها في هذه المناطق أن المرأة لا يمكن أن تخلع ملابسها كلها وتقف عارية تماما. ولا حتي في داخل الحمّام ، ولا حتي أمام امرأة مثلها . طالما هي خارج منزلها. وكانت بخيتة تعلم ذلك ، ولذا كانت المرأة ” الحلبيّة ” تعمد إلي وضع مخدر في ماء الاستحمام حتي تشعر الزائرة بحالة من النشوة بما يشبه حالة السُّكر ، وكانت المرأة الحلبية قد صنعت ثقبا في حائط الحمَّام ، وتضع في مكان الثقب قطعة من الطوب . فإذا ما وقفت المرأة المستحمَّة داخل الحمام. وجعلتها حالة السُّكر أو النشوة لا تدري شيئا أوعزت إليها الحلبيَّة بالمداهنة أن تخلع جميع ما ترتديه من الملابس الداخليَّة حتي إذا ما وقفت عارية تماما . غافلتها ” الحلبية ” ونزعت قطعة الطوب من الثقب الذي في حائط الحمّام الخلفي الذي يطل علي مساحة أخري خالية إلا من شجرة عتيقة ، وكانت هذه المساحة قد خصصت لتجلس فيها النساء المستحمَّات بعد خروجهن من الحمَّام ، ولذا فهي ليس لها إلا باب صغير يصلها ” بالحمَّام ” ، وآخر خارجي يمسك مفتاحه خادم البئر وزوجته ” باتعة ” أما لماذا كل هذا فمن اجل أن تقوم بخيتة بتأجير هذا الثقب لبعض الشباب المستهتر ليتناوبو النظر من خلاله علي من تستحم عارية داخل الحمَّام . نظير قروش زهيدة تقتسمها ” المرأة الحلبيَّة بخيتة ” مع ” باتعة ” زوجة خادم البئر .
في هذه المنطقة، وهذه الظروف. كان الحاج ” كاظم الدويري ” 48 ” سنة قد مضي عليه أكثر من خمسة عشر عاماً دون أن ينجب من زوجته وابنة عمه الحاجة ” كوثر ” وهو عين أعيان قريته ” عرب الدوايره ” وكانت أخته غير الشقيقة ـ نظيرة ـ قد قاربت علي الثلاثين من عمرها دون أن تتزوج ، وكانت ” الحاجة بخيتة الحلبيَّة ” دائما ما تزورهن وتدخل إلي عقر دارهن من أوسع أبوابه وتحكي لهن عن” بير العين”.
كان الوقت صباحاً مبكراً، حيث بدأت تسمع زقزقة العصافير وهي تصحو داخل الشجر المصطف علي جانبي الطريق الترابي الرئيسي ، الموازي لترعة الفاروقية الشرقية التي يكاد يحتضنها الجبل الشرقي في تلك المنطقة النائية المنعزلة بالجنوب الشرقي للصعيد الجوّاني .([1])
فلاح صعيدي في الخمسين من عمره ـ رث الثياب ـ يربط وسطه بحبل من الليف ، حافي القدمين ، يسند بيده ” غبيط السباخ ” علي ظهر حماره المنهك الضعيف ، ويجر بيده الاخري بقرة وورائها ” شبَّة ” ([2]) وقطيع من الأغنام والماعز ، ووراءهم امرأة ـ في الأربعين ـ تلبس فوق الجلابيَّة المزركشة جلابية أخري داكنة اللون طويلة حتي الكعبين فلا يظهر من قدميها غير ” الخلخال ” الفضة ، والحـذاء ” البلاستيكي ” القديم المقطوع من الخلف لضيقه . تربط المرأة رأسها ونصف جبهتها ” بالحردة ” متلفعة عليها ” بالطرحة ” ومن فوقها الشال الأسود القطيفة القديم الذي يصل علي جانبيها لأسفل حتي الخصر ، تمسك المرأة في يدها بعصا الجريد تسوق بها قطيع الغنم والماعز خلف زوجها ، وتمسك بيدها الاخري ” صرَّة ” كبيرة يبدوا أن بها طعام الغذاء ، تقترب منهم ” الحلزونة ” ([3]) التي تأتي في أول ميعاد لها من البندر علي هذا الطريق قبل طلوع الشمس ، ينزعج القطيع و يكاد يتشتت فتسارع المرأة إلي لملمتهم جانبا لتفسح الطريق للحلزونة التي تثير الإزعاج في هذا الجو الهادئ كما تثير الأتربة علي الطريق أو ” الجسر ” الترابي رغم سيرها البطئ . تحاول المرأة الاقتراب من زوجها وهي تشير للقطيع بالعصا لتحثهم علي السير . وعلي جانب من الطريق . قائلة..
المرأة :ـ هرئ ، هرئ .
الرجل :ـ ( وهو ينظر للخلف ) .. يا ولية مش عاقولك اتاخرنا .. كنا عانروحو قبل
معاد الحلزونة .. آدينا علي ما نوصلو الغيط .. تكون الشمش حِميت علينا .
المرأة :ـ يا خويا قول يا مسهِّل ، ما قولتلك ميت مرة قبل كده .. اتصرَّف فيهم الست
قراريط اللي ف آخر الدنيا دول .. حانقعدو طول عمرنا نروحوا المشوار ده
كل يوم لحاد نجع السمايعه في الجبل .؟!
الرجل : ـ ( وهو يقاطعها بحدة ) يووه وأنا قولتلك برضو ميت مرة انه ماحدش
راضي ياخدهم ويحط صباعه تحت درس ” حمدان أبو العين ” هناك ، واللي
من هناك عاوز ياخدهم بتراب الفلوس .. يعني تمنهم مايجيبش قراط واحد
عندينا هنا ف ” عرب الدوايره “.. اعمل إيه يعني .. ارميهم علي طول
دراعي كده ؟!.
المرأة:ـ ( وكأنها تعاطفت أو اقتنعت مؤقتا ).. علي رأيك يا خويه .. ” حمدان أبو
العين ” يمكن يكون مسترئف بحالتنا إحنا عشان غلابة.. وما حيلتناش غيرهم
دول ..حياخد منينا إيه ؟! داحقَّه يدِّينا من الزكا اللي عايلمُّه من الاغنيِّيه .
غيرش بس تلقاه عايقول دول قرايب الحاج ” كاظم الدويري “وهوّه أولي بيهم .
الرجل: ـ ( وهو يشير لها بيده ).. طب بس بس خلّصي في الكلام ده .. إحنا لا
عايزين من كاظم ولا من غيره .، إحنا عايزين من ربنا ( ثم وهو يشير إلي
منزل الدويري ) وخلّصي عشان إحنا دِلوَك قبال بيتهم .. لاحد يسمعنا يقول
إننا جايبين في سيرتهم .
ـ ويأخذ الزوجان البسيطان في تجاذب الحديث حتي يتباعد موكبهم ـ مع قطيعهم ـ عن منزل آل الدويري الذي بدأت الشمس تظهر علي الطابق العلوي منه ، وتسمع أصوات العصافير وهي تستعد للرحيل من الشجرة الكبيرة التي تقبع أمامه ، ارتفاع نوافذ المنزل وضخامة بوابته الخشبية التي تعلوها ” القوصرة ” ([4]) توحي بأصالة وثراء صاحب المنزل في هذه المنطقة ، علي جانبي البوابة من الخارج ” مصطبتين ” مفروشتين بالحصير ” العبداني ” ، وعلي بعد أمتار منها تظهر الطلمبة أو ” الطرمبة ” كما ينطقونها هناك . وحولها الحوض المبني من الحجر الأبيض ، والكلب الضخم الذي يقبع بجوارها مستمتعا برطوبة الأرض المبللة من طرطشة الماء حول الحوض ؛ ثم هذه الشجرة العتيقة التي يقترب احد أغصانها من شباك غرفة بالطابق العلوي للمنزل ؛ إلا أن هذا الغصن بالذات يكاد يكون جافا .. ويخلو من الأوراق الخضراء . ([5]) أما ما وراء ذلك الشباك ـ الذي يقترب منه الغصن الجاف ـ فهي غرفة نوم الحاج ” كاظم الدويري ” ـ 48 سنة ـ ، وزوجته الحاجة كوثر ـ 32 سنة ـ ، حيث السرير ” الناموسية ” ([6]) .، وعليه المفرش السميك من القطيفة المشجرة ، والدولاب الضخم المحلي بالمرايات الكبيرة .. ” والكنبة العربي ” المنجدة ” بالشلت ” ومساند القطن في مقابل السرير .. بينهما كليم الصوف الوبري الكبير علي الأرض ، و ” فروة ” الخروف الكبيرة السوداء علي البلاط الأبيض بالقرب من باب الغرفة .
الحاجة كوثر ـ 32 سنة ـ نائمة علي سريرها .. تصحو واضعة يدها علي فمها في تثاؤب واسترخاء؛ تنظر إلي يسارها ملقية ذراعها الأيمن بجوارها علي السرير.. فلا تجد زوجها الحاج كاظم فتقول.. وهي تكلم نفسها ..( يووه..! كانّك صحيت قبلي يا حاج ورُحت الحمّام ، اهه .. امّا أقوم .. أنادم عالبت نظيرة .. تحضر الفطور .. قبل ما الحاج ينزل علي تحت.! اُمّال إيه عاد .! ماهو اتعوّد عالفطور تحت ليه سنتين دِلوَك .!)
ـ تقوم الحاجة كوثر من سريرها لترتدي فستانها ” الحرير علي قطيفة ” الذي يعكس مدي ثرائها ومظهرها.. وان كان لا يخرج ـ في طراز تفصيله ـ عن الزى الصعيدي المألوف للمرأة هناك ([7]) ، وها هي تنزل علي مَهَل إلي الطابق الأرضي.. ممسكة ” بالترابزين ” .. علي السلالم المؤدية إلي صحن الدار .. ثم توقفت لتنادي بصوت مرتفع حاد النبرة .
كوثر:ـ يا نظيرة.. انتي يا ختي ياللي نايمه تجوخِّي لطلعة الشمش .! ونظيرة هي الأخت الصغري ـ غير الشقيقة ـ للحاج كاظم ، والتي فاتها قطار الزواج ـ30 سنة الآن ـ لرفض كاظم خوفاً علي ميراثها عنده .. تأتي نظيرة مهرولة من الداخل وهي تلملم طرف ثوبها الفضفاض وتمسح فيه يدها المبللة.. قائلة ..
نظيرة :ـ ايوه .. ايوه يا حاجة كوثر .. انا صاحيه من بدري.!
كوثر:ـ ( بصوت مفعم بالاستهانة ) حلبتي الجاموسة.. وحضرتي الفطور للحاج
ياختي .؟!
نظيرة:ـ ( بلا مبالاة ).. حضرته .. بس حطيتلكم من حليب عشيّه .. بعد ما غليتُه
تاني .!
كوثر :ـ ( بنشخة ) يووه .!! يا بت مانتي عارفه اخوكي الحاج كاظم .. ماعايحبش
غير الحليب الصابح .. وحليب عشيّه حانخضّوه ([8]) .!!
نظيره :ـ ياختي ما قدرتش اخوش الحوش الكبير من البهايم الجُداد .. اللي جابهم كاظم
من السوق امبارح .. كانهم لسه فايعين .. وما خدوش عالمطرح .!!
كوثر:ـ ( وهي تشرع أصابعها الخمسة في وجه نظيره ).. يابت قولي الله اكبر .. ”
خمسة وخميسة ” ما يحسد المال إلا صحابُه .!!
نظيرة :ـ ( وهي تنتر بيدها ) ..ياختي ما طول عمره الحوش مليان بهايم .. أنا قولت
بس لما ياجي مطاوع يبقي يتصرّف .
كوثر :ـ ( باستهانه ) طب ياللا يا شملوله .. خلِّصي عشان الحاج قرَّب ينزل.
نظيره:ـ ( باستغراب ) ينزل ؟!! ينزل منين يا حاجة اسم الله عليكي ؟! ( ثم وهي
تبتسم بمكر ) مانزل ياختي من بدري .!! ودخل كمان عند مرته التانية ”
صفية ” عشان ياختي يمللّي عنيه من ولده البكري .. كمال.. اسم النبي
حارصه وصاينه .!!
ـ نزلت كلمات نظيره هذه علي رأس الحاجة كوثر كأنها لوح الثلج.؛ فكادت تفقد توازنها .. لولا أنها أمسكت ” بالترابزين ” .. وتحاملت إلي أن صعدت مرة أخري .. ودخلت غرفتها شاردة ..
*****
لم يكن الحاج محمود الدويري .. قبل وفاته .. يهتم بزوجته الجديدة التي تزوجها بعد وفاة زوجته الأولي والدة كاظم .؛ ولا بأولاده منها راغب ونظيره .. قدر اهتمامه بولده البكري كاظم . ، فهو الذي سيخلفه بعد ذلك في كل شئ .!! وهو الذي ورث من أمه ما يقرب من عشرة فدادين؛ وعلي ذلك.. ورغم تلهف الدويري الكبير إلي زواج ولده البكري كاظم .. فقد اضطر للانتظار حتي بلغت ” كوثر ” ابنة أخيه الشيخ جابر ـ شيخ المعهد الأزهري بالبندر ـ سن السادسة عشر ([9]) من عمرها لكي يزوجها لكاظم الذي كان قد بلغ الثلاثين من عمره حينها .!! فكوثر هذه هي وحيدة عمه التي سوف ترث معظم أطيانه وأملاكه التي بلغت أكثر من خمسة وعشرين فدانا بخلاف ما سوف ترثه من والدتها الحاجة لطيفة.. سليلة العائلة الكبيرة الثرية بالبندر ؛ وتعليمها الذي وصلت فيه إلي المرحلة الثانوية .؛ .. والآن وقد مضي علي زواج كاظم بكوثر ما يقرب من خمسة عشر عاما.. توفي خلالها والده الحاج محمود الدويري ، وعمه الشيخ جابر والد كوثر ، وأصبح هو ” الحاج كاظم ” المسيطر علي كل أموال وأملاك عائلة الدويري تقريبا ، والتي تزيد علي الستين فدانا .، إلا أن الحال لم يدم علي ما يرام.!! فقد مرت كل هذه السنوات ولم تنجب كوثر.!! وعلي الرغم من أنهما ” داخو السبع دوخات ” . علي المشايخ والكتابين ، صعد بها إلي ما يقرب من قمة الجبل الشرقي حيث ضريح ” الشيخ سماعين ” ونزل بها إلي بطن الجبل من الناحية الاخري .. حيث ” بير العين ” .. وحمام السبيل المعروف باسم ” حمام بير العين ” الذي يجلب
له الماء من هذه البئر التي تتواتر عنها الحكايات وكأنها ” بئر زمزم ” ([10]) وهذه المناطق الجبلية الوعرة يقطعها القاصدون سير علي الأقدام ؛ أو علي ظهور الحمير والبغال ؛ أو علي عربات ” الكارو ” التي تجرها الأحصنة القوية .. علي أحسن تقدير .!! وذلك نظرا لصعوبة تضاريسها ..، وهكذا حتي وصل الأمر بكاظم وكوثر إلي أنهما ذهبا سرا إلي الأطباء بالبندر ..([11]) ولكن أيضا دون فائدة تذكر ..
لم يكن خافيا علي كوثر ما يعانيه كاظم من اللهفة التي تعصره شوقا إلي الإنجاب، ورغبته الملحة في أن يكون أبا وله ذرية من صلبه ترث أرضه ووجاهته؛ وهكذا.. وكعادة أهل الصعيد .. آثرت الحاجة كوثر رغبة زوجها علي نفسها ففاتحته في أن يتزوج بآخري لتنجب له الولد ؛ تمنع كاظم في بادئ الأمر ثم وافق بعد ذلك بشرط أن تقوم هي ـ أي كوثر ـ بنفسها باختيار وخطبة من تراها هي مناسبة لكي يتزوجها ..!! أي انه يريدها أن تختار بنفسها زوجة أخري لزوجها وابن عمها وحبيبها ـ أول بختها ـ تحل محلها .!! ويا لها من مهمة صعبة وثقيلة.. من اجل الإنجاب .!!
تضاربت المشاعر في نفس الحاجة كوثر وهي تبحث لزوجها كاظم عن زوجة أخري ، ولكن وقد أصبح الأمر واقعا لابد منه .. ولا مجال للتراجع، ومن حيث أنها لابد أن تثبت له أنها ليست أنانية ولا يهمها إلا مصلحة وسعادة زوجها وتحقيق
حلمه في الولد.!! ولكن أيضا .. وفي الوقت نفسه فلم يغب عن ذهنها أنها هي ” الحاجة كوثر ” التي يتحاكي الناس عن جمالها وثرائها وعزها وحسبها ونسبها وشخصيتها وكرمها ورقتها .. فكيف تحافظ علي كل هذا بعد أن تصبح الزوجة ” القديمة “.!! وخصوصا بعد أن تنجب الزوجة الجديدة الولد ؟! وإذن فلابد من بعض الاحتياطات مثل أن تكون الزوجة الجديدة المطلوبة فقيرة مثلا ـ وليست جميلة بالقدر الذي يجعل الحاج كاظم يتعلق بها حتي لو أنجبت له الولد .! .. وفعلا .. وجدت كوثر ضالتها .. فبعد تفكير عميق .. تذكرت ” صفية “.. صديقتها وزميلتها منذ أيام المدرسة الثانوية للبنات بالبندر؛ نعم.. هي صفية بنت الباشمحضر محمد كامل التي كانت وما زالت تسكن في شقة ضيقة بالمساكن الشعبية بالبندر ، والتي كانت لا تبعد كثيرا عن منزل الشيخ جابر والد كوثر بالبندر أيضا ـ مما كان يجعل من السهل علي ” صفية ” أن تأتي يوميا تقريبا عند كوثر بحجة المذاكرة .. لكي تتعشى عندها.. !! ، فكرت كوثر في صفية التي تجاوزت الثلاثين الآن ولم تتزوج لظروفها الصعبة : فهي التي كانت منذ طفولتها يتيمة الأم : وتعيش منكسرة مع أبيها وزوجته التي تزوجها بعد وفاة أمها بفترة قصيرة ؛ وأنجب منها جمال وزينب ـ إخوتها من أبيها ـ فما بالها الآن وقد توفي والدها أيضا تاركا لها زوجته المريضة وإخوتها الصغار ومعاشة الضئيل وشقة ضيقة بالمساكن الشعبية ؛ ولم يكن بوسعها شئ إلا أنها قد استعانت علي هذه الحياة بان تركت الدراسة واشترت ماكينة صغيرة للخياطة : تعمل عليها في حياكة الملابس ” البيتي ” لنساء المنطقة المحيطة ؛ وإذا فلا بد أنها الآن تعيش حياة أكثر تعاسة في ظل هذه الظروف القاسية . وبعد أن فاتها قطار الزواج .
وذهبت كوثر ومعها نظيرة أخت كاظم الصغرى إلي ” صفية ” التي فرحت ورحبت ووافقت علي الفور ..!! بل وكأن القدر كان علي موعد مع زواجها بالحاج كاظم : حيث ما كاد يمر العام علي زواجهما حتي أنجبت له الولد الذي كاد كاظم يطير به فرحا : بل كأنه قد استشعر كمال النعمة عليه بهذا الولد : فاختار له اسم كمال : نعم ” كمال كاظم الدويري ” .. ([12])
دخلت كوثر غرفتها شاردة .. بعد ما سمعته من كلام نظيرة .. ، واسترجعت أيام عزها في بيت والدها بالبندر، واسترجعت في تحسر اكبر أيام عزها في عين وحضن زوجها كاظم الذي باتت تشعر بأنه يتباعد عنها؛ واسترجعت أيام أن كانت ” صفية ” هذه التي أصبحت الآن أم المحروس اسم الله عليه ” كمال “.. تأتي إليها في منزل والدها بالبندر تشكو ظروفها القاسية لتعطف عليها وتعطيها من ملابسها وتتعشي معها ..!! وعلي الرغم من هذا .. فلم يكن موضوع الولد، ولا اهتمام الحاج كاظم به هو كل ما ادخل الهم علي قلب كوثر.!! فهذا شئ متوقع ؛ أما الشئ الذي اثر في نفسها تأثيرا بالغا ومباشرا .. فهو ابتسامة نظيرة الماكرة وهي تخبرها بنزول الحاج كاظم من غرفتها دون أن تشعر؛ ودخوله إلي غرفة ” صفية وابنها.!! إذ ماذا تعني هذه الابتسامة غير الشماتة والتشفي ([13]) .. ، وغير أنها ـ أي كوثر ـ قد انتهي أمرها أو ” راحت عليها “.. كما يقولون.. !! .. وإذا لا عودة لكيانها وشخصيتها وأوضاعها وكرامتها بالمنزل.. إلا بإزاحة نظيرة هذه.. حتي ولو بالزواج العاجل ..!!
دارت كل هذه الهواجس في ذهن الحاجة كوثر وهي تتحايل علي نفسها لتنزل ” السلالم “.. بعد أن سمعت نداء الحاج كاظم عليها.. وتصل إلي حيث يجلس بصحن الدار ؛ ووجدت صفية إلي جواره وأمامهما ” الطبلية ” الكبيرة وعليها العيش البلدي ؛ و زبديات القشطة ، ” والمردسية ” أو ( طاجن الفخار المفلطح الذي يشبه الطاسة الكبيرة ) وهو يمتلئ بالبيض البلدي ” المطقش ” في السمن البلدي ؛ في حين ذهبت نظيرة لإحضار إبريق الماء البارد ؛ ..ولم تستطع كوثر إخفاء غيظها .. فنظرت إلي صفية نظرة فهمتها الأخيرة فقامت متعللة بأنها تريد أن تبص علي ولدها كمال .. ربما يصحو فلا يجدها ـ وكان قد تعدي السنتين من عمره ـ ودخلت صفية غرفتها، وعلي غير العادة مرت فترة صمت غير مطمئنة بالنسبة لكوثر التي تعودت أن يبدأ كاظم معها الكلام..؟ فكيف تبدأ هي معه وخصوصا في موضوع زواج نظيرة الذي يضايقه.؟ ، ورغم علمها بمدي صعوبة هذه المهمة ومعرفتها بالأسباب الحقيقية لرفض كاظم زواج نظيرة.. إلا أنها تحت ضغط مصلحتها قد استجمعت همتها ودخلت في الموضوع مباشرة..
كوثر : ـ وبعدين في حال نظيرة يا حاج . ” حنسيبوها كده ” دي عنَّست .. حتقعد
لغاية ميته من غير جواز ؟
كاظم : ـ ايه .!! ماهو علي يدك يا حاجة .. هو كان حد عِدل جالها وأنا اللي قلت
لاع .؟! واللا يعني عايزاني اديها لواحد فقران يخليها تطالب بالخمس فدادين
ورثها عندي .. ! ده غير يمكن راغب أخوها كمان يغير ويقول عاوز العشر
فدادين بتوعي .. ويبقي خسرنا خمستاشر فدان بحالهم في تيال جواز الست
نظيره ..
كوثر :ـ لاع يا خويا .. إن كان علي راغب اهو ملهي في وظيفته.. وفي الدكتوراه
اللي عايحضر فيها دي ..، ومالوش في الزرع ولا القلع ..، واديك عتديله اللي
عايزه .!!
كاظم:ـ ( في تعجب. ) أنا مستغرب انتي ايه اللي طلعها في دماغك حكاية جواز
نظيرة اليومين دول قوي كده .؟ مع إنها يعني.. أهي نافعة معاكي برضه في
خدمة البيت .
كوثر :ـ ياخويا إن كان علي خدمة البيت أهي صفية كفاية .. وللا أنت ناوي تخليها
ست هانم ؟! .. آه ماهي بقيت أم الولد.. بكره يروحلها الفطور في السرير ..
بت أبو قلم في ودنه .!!([14])
ويفهم كاظم ما ترمي إليه كوثر بكلامها الأخير.. فيقول بهدوء ..
كاظم:ـ خلاص يا حاجة كوثر.. انتي برضه الخير والبركة .. ماشي .. حاضر
قولي يا مسهل ..
ـ ويقوم كاظم من طعامه وهو يقول..
:ـ إهه ..الحمد لله .. أقوم أشوف مصالحي عاد..
كوثر :ـ ايه .؟! ماكلتش يا حاج .؟! .. أنا سديت نفسك بكلامي وللا ايه ؟!( وتقوم
معه تناوله الفوطة المبللة ليمسح يديه )
كاظم :ـ لا أبداً .. الواحد برضه ماعادش زي زمان يا حاجة .
كوثر :ـ ( وهي تناوله العباية ) .. إهيه .!! ما تقولش كده يا راجل ..!! دانته اسم الله
عليك اصبي من الشباب..ثم تميس في جنبه وتوحي إليه بشئ يفهمه ..،
كاظم يتجاهل ما ترمي إليه كوثر بتلميحها.. ذاهبا ناحية الباب قائلا..
كاظم:ـ ( وهو ينظر في ساعة يده ).. يووه .. الساعة داخلة علي تمانيه ..! ولازم اروح
الغيط القبلي أشوف الأنفار اللي مبيت عليهم مطاوع من عشية راحوا الغيط و
شغالين واللا لاع ..!!
كوثر:ـ ( بهمة ) طاب يا خويا مع السلامة.. لا اله إلا الله …
كاظم:ـ محمد رسول الله.. يا مطاوع ( يكرر عند البوابة ) يا مطاوع
و يخرج كاظم من بوابة الدار مناديا علي مطاوع الكلاف ـ 30 سنة ـ ليحضر له البغلة .. وما ان جلس علي المصطبة المجاورة للبوابة من الخارج حتي فوجئ بمطاوع يأتي من ناحية الزريبة مهرولا .. مفزوعا ..
مطاوع :ـ يا عم الحاج كاظم .. يا عم الحاج كاظم .!!
كاظم:ـ ( بتشاؤم ).. يا ساتر يا رب .. ايه يا فقري فيه ايه ؟! مالك عاتصرخ كده
ليه ..؟! غفلقت ؟!
مطاوع :ـ ( وهو يكاد ينتحب ) البهايم ياعم الحاج ..البهايم .!!
كاظم:ـ ( بغيظ ) وه.!! مالها البهايم الله يخرب بيت ملافظك .؟!
مطاوع :ـ البهايم كلها .. اللي في الحوش من الأول .. واللي جبناهم عشية من
السوق.. باينلهم اتسرقو كلهم يا حاج .؟!!
كاظم:ـ ( باستغراب ودهشة.) البهايم كلها .؟! عاتقول ايه يا مخبوط في مخك انته .؟!
ليه قاعدين في الهو إحنا واللا ايه .؟! دي ولا قوة منقباد تقدر تاخدهم كده من
غير ماحد يحس .!!
مطاوع:ـ ( وهو ينتحب ويضرب رأسه بقبضتيه ).. حاجة تعبط .!! دول عشر
جاموسات ، وعشر بقرات وخمس عجول جاموس وعجلين بقر وجملين
وناقتين و .. و .. ايه .؟! اللي خدهم دا .. لبسهم طاقية الاخفه واللا ايه .؟!
كاظم :ـ ( وهو يضرب كفا بكف ) يا دي الوقعة .. يا دي اليوم اللي مش فايت .!!
يكونش عملها حمدان أبو العين ؟! ما حدش غيره يقدر علي حكاية زي دي .،
لكن برضه .. لازم حد من هِنا يكون دلُّه .. وساعد علي الحكاية دي .!!
ـ يقترب كاظم من مطاوع ويمسك بتلابيبه ورقبته بكلتا يديه ويهزه بعنف .. ويقول له متوعدا ..
كاظم:ـ تعرف يا مطاوع الكلب انته.. ما يبان بعد كده انك ليك يد في الحكاية دي ..
حاعمل فيك ايه .؟!
مطاوع:ـ ( وهو ينتحب ويستنكر بشدة ).. وه .!ّ! أنا يا عم الحاج .؟ أنا اللي طول
عمري لحم كتافي وكتاف أهلي من خيرك يا حاج ..!! أنا أخونك .؟! دنا لا
عشت ولا كنت يوم ما أخونك ( وينفجر باكيا ) ([15])
كاظم :ـ ( وهويترك رقبة مطاوع ) .. عموما.. أنا برضه عاعرف مين .
مطاوع:ـ ( وقد التقط أنفاسه قليلا..) يا عم الحاج ماهي باينه .!! هوه فيه حد يتجرأ
علي حكاية زي دي غير حمدان أبو العين .؟! ثم وكأنه التقط فكره ..)
مايكونش الفقري ده عملها عشان يخليك تدفع الزكا بتاع محصول السنة اللي
فاتت .. الله يخرب بيته .؟!!
كاظم :ـ ( وهو ينتر بيده بقرف .) .. طاب يا خويا غور بس هات البغلة.. واللا خدها
كمان مع البهايم .؟!
مطاوع:ـ ( وكأنه استراح للبراءة.) لاع .. أروح اجيبهالك ( ويذهب )
ـ ويضرب كاظم كفا بكف وهو في حيرة وغيظ .. ويكاد يكلم نفسه بصوت مرتفع قائلا (.. وبعدهالك عاد يا حمدان .!! .. والله وبقيت الحاكم بأمرك من الجبل عالبلد والست نجوع اللي حواليها ..!! إلا حد قادر يوقفك في سكه .. ولا الحكومة لاقيالها صرفه معاك .!! آه .. طبعا .. ما دام ماحدش عايبلغ عنك في حاجة .!! وحايبلغوا عنك كيف وهمه عايحبوك وعاملينك بطل .؟! وعايسموا عيالهم علي اسمك كمان ..آه .. مش بقيت مصلح زمانك.؟! ( ثم يضرب بكفه علي فخذه بغيظ ) .. لا والادهي كمان انه كان عاوز يناسبني ..!! .. ما يكونش عمل كده عشان مارضيتش أناسبه وأديله نظيرة .؟! يادي الوقعة .. هيه نظيرة دي مايجيلهاش غير واحد فقران وطمعان يا واحد متعافي وغشيم زي حمدان .؟! طب حمدان دا لو عطيته نظيره .. هوه صح من عيلة كبيرة ومبسوط وعنده طين وكل حاجة ـ بس لو بعد كده قاللي عاوز ورثها .. حاقدر اقوله لاع .؟!
يأتي مطاوع بالغلة مطهمة جاهزة لكي يمتطيها الحاج كاظم ويتجه من فوره حاملا غيظه إلي نجع السمايعه ، ولما كان نجع السمايعه هذا في حضن الجبل فهو آخر مكان يمكن أن يصل إليه أي احد سواء من المنطقة أو من خارجها إلي الشرق .!، وإلا دخل في محيط جبل حمدان ـ أو مقر حمدان بالجبل ، وهو الشئ الغير مسموح به ولا يحمد عقباه لمن يتجاوز هذه الحدود .! ويبعد هذا النجع عن ” نجع الدوايره ” أكثر من خمسة كيلو مترات ، معظمها طريق متعرج وعر التضاريس ” مدق جبلي ” .. قطعها الحاج كاظم علي ظهر بغاته ، وقصد من توه دار الحاج عبد الموجود السميعي ـ عمدة النجع وكبيره ـ والذي تربطه بحمدان صلة قرابة .
خرجت نظيره من بوابة الدار بعد أن سمعت صوت الحاج كاظم عاليا وهو يتكلم مع مطاوع عن الزريبه والبهائم و..و.. والخ وسالت مطاوع عما حدث وجعل الحاج كاظم يعلو صوته فرد عليها مطاوع حزينا
مطاوع :ـ البهايم كلها اتسرقت يا ست نظيره .!! .!! حمدان ابوالعين هوه اللي بعت
الحراميه القراري عشان يسرقوهم من غير ماحد يحس ويودوهم عنده في
الجبل ..
نظيره:ـ حمدان .!! وهوه حمدان شيخ منصر.؟! دايما يقولوا عليه راجل شهم ..ومش
بتاع سرقة ولا نهب .!!
مطاوع :ـ ماهو مش عياخد حاجه لنفسه .. هوه بس يسلط الحراميه علي اللي يتأخر
في دفع الزكا.. وأول ما صاحب الحاجة المسروقه يروحلو عشان يرجعها
يخليه يدفع الزكا ويوزعها علي الفقرا تاني .
نظيره :ـ بس برضو دا تبقي زكا بالعافيه وملهاش ثواب .!!
مطاوع :ـ ماهما الاغنيا ماعايجوش غير بكده .!! إنما أن كان عليه الراجل حمدان
مابيه غير انه عايغرم أجرة الحراميه من جيبه .
نظيره ( وهي تنظر إلي مطاوع بشك وتعجب )..هييه .!! طيب ياخوي يا مفلفس انته
ياللي عاتفهم كل حاجة ، والحاج كاظم دلوك راح الجبل لحمدان يعني ولا
إيه .؟!!
مطاوع :ـ ايوه امال إيه .. امال حايسيب بهايمه دي كلها .. لازما يروحلوه .. ويدفع
الزكا اللي عليه ويجيبهم وياجي .
نظيره :ـ وماروحتش ليه معاه يا قبران لا يعوزك في حاجه .
مطاوع :ـ ( باستهانة ) حايعوزني في إيه ..هوا يخلص من الزر والمتلت .
فتتركه نظيره وهي تنتر يدها في وجهه وتدخل إلي داخل الدار لتفكر فيما سوف يدور بين أخيها كاظم .. وبين حمدان .. فارسها القديم.!!
العمدة السميعي :ـ ( مرحبا ومهللا ) اهلا اهلا .. اهلا بالحاج كاظم ولد الأكابر
أنا قولت برضو عنك عاقل وحاتاجي تشرفنا النهارده .!!
كاظم :ـ (وقد عرف أن السميعي يعرف الموضوع ([16]) .مستنكرا ) . وبعدين بس .؟! .
وبعدين يعني في عميلك يا حمدان قريبك دي يا عمده . لادد عليك .؟!
العمدة السميعي :ـ ( وهو يهون الموقف ) .. ايه .؟! عشان حكاية البهايم يعني .؟!
ماهوانته برضو تلقاك ( ضاحكا ) صهينت عالزكا بتاع ..المحصول اللي
فات.. وللا بتاع البهايم دي كلها يا حاج كاظم .؟! مانته عارف .، حمدان
ماعيستناش في الحكاية دي .!!
كاظم:ـ ( مستنكرا ).. زكا .؟! برضك عاتقول زكا يا حاج عب موجود .؟! ..
ياخي قول فرده .. قول اتاوه .. قول فتونه .. قول أي حاجة غير حكاية
الزكا دي يا عمده .!!
العمدة السميعي :ـ ( بتعجب واستنكار مصطنع ) .. وه .!! ليه يا حاج كاظم.؟!
ما كل الناس عارفه إن حمدان ماعايخدش حاجة لنفسه واصل .!! وكل اللي
عاياخدو من الاغنيه والذوات اللي زيك .. عايديه تاني للفقرا والمحتاجين .،
وانته عارف إنهم كتير قوي في البلد والنجوع .. ودول برضك ليهم حق
علينا يا حاج كاظم .!!
كاظم:ـ ( باستنكار ) وه يا حاج عب موجود.!! وهوه يعني حمدان كان الحكومة
.؟! ماله هوه بالفقرا والمحتاجين .؟!
العمدة السميعي:ـ عاد أنا ماليش صالح بالحديت ده .!! ولما ياجي حمدان ابقي
قولهوله .،واهو حنا راح ينادمه من الجبل.. تلقاه علي وصول .!!
كاظم :ـ ( باستنكار ) حنه ..!! النصراني ده .. هوه اللي حايطلعله الجبل .؟!
العمدة السميعي :ـ وه دا صاحبه ودراعه اليمين .. طب دا حنا ده .. الوحيد اللي
يعرف سكة حمدان في الجبل .. وميآمنش لحد غيره .!!
ولم يكد كاظم ينتهي من كوب الشاي الذي كان يحتسيه بغيظ.. حتي دخل عليهم حمدان أبو العين ـ 35 ـ بقامته المديدة ، وهيئته المهيبة ، وملامحه الحادة وعينيه اللتان يشبهان عينا الصقر .، متقلدا بندقيته ” المقروطة زمنه.وهي سلاح ” رشاش ” حديث فيزمنه… ولكن قد يكون لقصر ماسورة الإطلاق عرف هذا النوع من السلاح في هذه المناطق النائية ” بالمقروطة ” ([17]) ..!!
وقف العمدة السميعي علي اثر دخول حمدان .. بل ترك مكانه الذي يجلس فيه كعمده لكي يجلس فيه حمدان .!! ولم يجد كاظم بدا من الوقوف أيضا .. بل مد يده إلي حمدان بالسلام ، ولكن حمدان تجاهله وذهب إلي المكان الذي كان يجلس فيه العمدة ، وخلع ” المقروطة ” من كتفه ووضعها بين ركبتيه وهو يجلس .، ونظر إلي كاظم الدويري نظره جعلت كاظم يتمني لو أن حمدان قد سلم عليه آنفا .. حتي لو ترك له الهائم كلها .!! ومرت فترة سكون لم يستطع كاظم ولا العمدة خلالها أن يبدأ احدهما الكلام.!! حتي تكلم حمدان .. وقال في صوت عميق .
حمدان :ـ مادفعتش الزكا بتاع المحصول اللي فات ليه يا حاج كاظم .؟!
كاظم:ـ ( وهو يحاول أن يكون متماسكا ).. ماناعادفع للغلابه اللي عندنا ف ” عرب
الدوايره ” .. لانهم أولي .. مش الأقربون أولي بالمعروف .! وللا ايه يا عم حمدان .؟!
حمدان :ـ ( بحده) ما حصلش يا كاظم ..!! دانته يا راجل مش عاتدي الأنفار اللي
عايشتغلو عندك في الغيط كروتهم طول النهار علي بعضها ..!! فين عرق
الأجير يا كاظم
كاظم :ـ ( وهو يبلع ريقه بصعوبة ) يووه .!! يا خي انته ربنا حاتحاسبني عالحلال
والحرام ..؟!
حمدان :ـ ( وهو يقبض علي ” المقروضة ” بغضب ) ..لاع أنا مش ربنا يا كاظم ..
استغفر الله العظيم .. بس أنا حمدان ابوالعين ..اللي ربنا بعته عشان ياخد
حق الغلابه منكم .
كاظم:ـ ( وهو يحاول أن يرقق نبرته ليمتص غضب حمدان ) .. بس برضه
..البهايم اللي خدتها كتيرة قوي ..ومش حكاية زكا يا حمدان .!! وعموما..
أنا مستعد ادفعلك اللي انته عايزه ..بس البهايم دي لازم ترجع .!! دي بتمن
المحصول بتاع الستين فدان كله .!!
حمدان :ـ والله اللي ما يرضاش بالكف يرضي بالنبوت يا كاظم .!! وانته ما دام مش
عاجبك نظامنا اللي ماشيين عليه خلاص .. انته حر عاد.!!
كاظم :ـ طيب يعني ايه الحال دلوك .؟! ( ثم يتوجه إلي العمدة السميعي ) ما تتكلم يا
عمده امال .!! ساكت يعني.!!
العمدة السميعي :ـ ما حدش ليه كلام بعد حمدان وانته عارف يا كاظم .!!
كاظم :ـ ( لحمدان ) يرضيك ألف جنيه يا عم حمدان ونخلصو من الحكايه دي .؟!
حمدان :ـ ( بغضب شديد ) أنا مش قاطع طريق جاي نساومه عالفرده يا كاظم أنا
حمدان ابوالعين ..وانته عارف أنا ولد مين وحداي أملاك وارض كد ايه ..
وكل الناس عارفه إني عادفع الزكا زيي زي غيري ..وللا ايه يا حاج عب
موجود .؟!
العمدة السميعي :ـ كل الناس عارفه انك عاتدفع اكتر من اللي عليك كمان وانته اسمك
ضبع الجبل الشرقي كله .. وكلمتك ماشيه عالكل .!!
حمدان :ـ أنا يا حاج كاظم اهه ..( رافعا بذراعيه لأعلي )..مش واخد حاجه غير
لقمتي وهدمتي وبندقيتي .. ساكن في ” خص ” في الجبل.!! وكل اللي
عاياجي من الزكا عايروح بعون الله واكتر منه عالغلابه والمحتاجين ..
وفيه ياجي ألف واحد في البلد والست نجوع يشهدو بكده .!!
كاظم :ـ يعني (.بتراجع ) ماحدش قال حاجة في رجولتك وشهامتك ولا أصلك وفصلك
يا حمدان .، بس يعني .. ( فيقاطعه حمدان بشده )
حمدان :ـ ما يلزمنيش الكلام دا منك يا كاظم يا دويري .!! ، والخلاصة إن الزكا بتاع
محصولك اللي فات من الستين فدان اللي راكبهم .. حوالي أربع تلاف
جنيه.، ونظامنا اللي ماشيين عليه..إن اللي يماطل في الدفع مره .. يدفع
المرة اللي بعديها الطاق اتنين غصب عنه ..!! ، يعني دلوك عليك تمان
تلاف جنيه يا كاظم ..هيه .؟!
كاظم:ـ ( بانزعاج شديد ) وه.!! تمان تلاف ؟!! ليه ؟! حرام عليك يا حمدان .. دول
نص فدان ارض يا راجل .. ما تتكلم يا عمده ؟!
حمدان :ـ الحرام انك تدخل محصول السنة عندك يكفي ألف بيت . وما تدفعش عنهم
الزكا .. وفيه ياجي ألف بيت في البلد والنجوع مش لاقيه البتاو الحاف يا
كاظم .!! وما حدش طلب منك غير الزكا اللي شرعه ربنا يا خي ..!! ايه
متعرفش ربنا ؟!
كاظم :ـ ( بمسكنة ) وهوه ربنا قال إن الزكا يتاخد بالغضب كده .؟!
حمدان :ـ ( بتهكم ) ..ايوه يا فصيح ..ربنا قال في كتحق.العزيز “بسم الله الرحمن
الرحيم وفي أموالكم حق للسائل والمحروم صدق الله العظيم.، خلاص ما
دام حق..يبقي لازم يتاخد بأي طريقة .!! وكل واحد بالطريقة اللي تنفع
معاه .!!
كاظم:ـ ( يتراجع )..يوه.، بس أنا ماعنديش المبلغ داكله اللي عاتقول عليه دلوك يا
حمدان ( يتجه للعمدة ) ..ماتحضرنا يا عمدة .؟!
السميعي :ـ (وكأنه يرجو حمدان ) ..إيه رأيك يا ضبع الجبل تستني عليه شويه ..لحاد
ما يتصرف ..هو حايروح فين .؟!
حمدان :ـ يا عمدة لو استنينا علي كل واحد من الاغنيا دول اللي مش هاين عليهم الزكا
..النظام اللي ماشيين عليه حايبوظ .!!والغلابة مش حايستنو.!! الجوع
كافر يا عمدة ..!!
كاظم :ـ ( وهو يقاطع ) وه ، واحنا يعني كنا خلفناهم ونسيناهم .؟! والله أنا عقلي
عايقوللي انك زعلان يعني من حكاية النسب ، يعني لما جيتني علي
نظيرة اختي وأنا يعني ما …
حمدان :ـ ( وهو يقاطع بحده ) لاع ..لا ياللي حطيت ايدك علي شباك النبي وقولت
جيرني يا محمد …!! وعاتحكي تاني في شرع ربنا .؟وعموما أنا كنت
عارف انك حاتخلط الحكاوي في بعضيها وتجيب حكاية طلبي لنظيرة
..ورفضك ليه .!! لكن (ويهب واقفا مشيرا إلي كاظم ) ويكون في
علمك..أنا اللي حايش الناس دي عنكم ..وانته حر .!!
كاظم:ـ (يتراجع )..يوه ما تقعد يا حمدان الكلام وخد وعطا ..( ثم يتجه إلي العمدة
السميعي ) .. ما تتكلم يا خي .؟!
العمدة :ـ اقعد يا حمدان واللي حاتحكم بيه ماشي علي كاظم وعلي غيره ..وعليه أنا
قبل الكل .!! وبلاش يا كاظم نجيبو سيرة النسب دلوك .!!
حمدان :ـ ( وهو يحاول أن يهدا ، ثم ينتر بيده في ضيق ) ..خلاص إذا كان كاظم ما
عندوش فلوس دلوك .. يبقي ندبحوا أربع عجول كبار .. وتتوزع لحومهم
عالفقرا والمحتاجين ..ويدفع هوه كمان اجرة الجزارين .. وبعد كده ياخد
باقي بهايمه .. وكمان يتعهد انه ما يتاخرش عن دفع الزكا محصول
محصول .. ماشي .؟!
كاظم:ـ ( وكأنه اسقط في يده ) الأمر لله.. ماشي يا عم حمدان .!!
وهكذا.. يرسل العمدة السميعي إلي الجزارين بالبلد فيأتيه أربعة منهم فيعهد إليهم بذبح أربعة عجول كبار من بهائم كاظم وتوزيعهم علي فقراء البلد والنجوع .. ويقوم كاظم بدفع أربعين جنيها نقدا للجزارين نظير أجرهم عن هذا العمل .، ويتلفع حمدان أبوالعين بعباءته ..السوداء ويمتطي فرسه الأسود .. ويذهب إلي قصره بالجبل الذي لا يعرفه احد سواه. والعمدة السميعي . وحنا النصراني صديقه وذراعه اليمين ..!
ويعود كاظم الدويري بباقي بهائمه إلي ” عرب الدوايره ” ومعه الخفير رفاعي واحد الكلافين من طرف العمدة السميعي ومعهم مطاوع الكلاف يقفون علي أطراف أقدامه من شدة القلق وهم ينتظرون عودة كاظم الذي خرج علي ظهر بغلته منذ الصباح الباكر نحو الجبل .!! بل كان الكثير من أقاربه من آل الدويري .. واهل القرية القريبي الصلة به .. قد تجمعوا أمام المنزل أيضا .. سواء للمواساة أو حتي للتشفي .!! أو حتي انتظار لرؤية ما إذا كان كاظم الدويري سيعود بماله الذي سرق من بيته ليلا .. ومن حنك السبع ـ أم سيعود بدونه .!! ويري مطاوع غبارا كثيفا يعلو علي أول الجسر فينطلق .. مهرولا ناحية الجسر وهو يصرخ..( الحاج كاظم جاي بالبهايم اهوه ..الله اكبر .. الله اكبر.) وينطلق وراءه بعض أقارب كاظم وبعض الأهالي.. حتي إذا ما اقتربوا من مكان الغبار وتبينوا فعلا كاظم ووراءه البهائم والكلافين الذين أرسلهم معه العمدة السميعي .. ولكثرة عدد البهائم لم يعرف احد أن البهائم جاءت ناقصة أربع رؤوس .!! وعادوا أمامه يهللون ويكبرون إلي أن دخل كاظم ببغلته.. ونزل أمام داره وانطلقت الزغاريد من كوثر وصفيه ونظيره ..وبعض النسوة المجاملات في مثل هذه الظروف .، وادخل الكلافون ومعهم مطاوع وكل هذه البهائم إلي الحوش الكبير ..، وعهد كاظم إلي مطاوع باستضافة الكلافين ورفاعي الخفير إلي الصباح ..، وبعد أن شكر جميع الموجودين أمام داره علي الاهتمام.. دخل إلي مخدعه بغرفة “صفيه ” دون أن يكلم أحدا في شئ .!! ([18])
بعد أن تناول كاظم إفطاره كالعادة مع زوجته كوثر وصفيه ومعهم أخته نظيرة بصحن الدار ..ذهبت نظيرة لعمل الشاي ولكنها عادت لتجد كاظم قد خرج إلي الغيط متعجلا، وقد دخلت صفيه إلي حجرتها لتري ابنها كمال، وضعت نظيرة كوبا من الشاي أمام كوثر ودخلت بباقي الصينية إلي حجرة صفيه.، مما جعل كوثر تأخذ كوبها وتذهب غاضبة إلي الطابق العلوي حيث غرفتها، دخلت نظيرة حجرة صفية باسمة مهللة كعادتها وهي تقول
نظيرة:ـ احلي شاي لأحلي صفيه.. أم المحروس كمال .!! ( تهم صفيه بالنهوض من
اضطجاعها علي السرير لاستقبال نظيرة قائلة بلهفة )
صفية:ـ وه !! جايبالي الشاي بنفسك يا نظيرة لحاد هنه ؟!! لاع دانتي نظيرة أخت
الحاج كاظم الدويري برضه .!! ( وتهم صفيه لتأخذ الصينية من يد
نظيرة..فترفض نظيرة قائلة )
نظيرة :ـ لا والنبي مانتي قايمة من مطرحك .. وانت الحبيبة أم الغالي ( تضع نظيرة
الصينية بجوار صفية.. وتذهب إلي الناحية الاخري من السرير ،
وتأخذ بين أحضانها كمال الذي كان قد قارب علي السنتين .. وتقبله
قائلة )
نظيرة :ـ داهوه ده اللي حايخبط علي بابي ويزورني عايبقي راجل ..
صفية:ـ (بامتنان ) يا رب يا نظيرة أشوفك في بيت العدل عن قريب.، أنا مش عارفه
انتي مستنية إيه علي نفسك .!! وانتي ما شاء الله عليكي يعني و..وألف
مين يتمناكي
نظيرة:ـ ( بيأس ) آه..حاعمل إيه عاد .!!ماهو علي يدك ياختي ..الحاج كاظم متهياله
إن كل اللي عايتقدمولي طمعانين في ورثي .!!(ثم تسترسل ) ..وبعدين
أنا كمان مش عاوزه حد كده من الفلاحين اللي هنه دول .!!
صفيه :ـ ( بخبث ) ..يووه ..!! امال ايه اللي في دماغك بس يا نظيرة ..؟!
نظيرة :ـ ( وهي تشرد بذهنها وتنظر بعيدا ) . اييه ، وإيه الفايدة دلوك ؟(ثم تسترسل
) عارفه يا صفية ..أنا نفسي احكيلك علي حكاية كده بس والنبي ..وحياة
كمال ..ماتقوليش عليه عبيطة .!
صفية:ـ ( باهتمام شديد ).. ياختي قولي ..سرك في بير ..وادينا عانتسلوا .
نظيرة:ـ (وهي تشرد بذهنها..تتذكر )..زمان ، قبل مانتي تتجوزي كاظم اخويا
بياجي سنتين كده ..خدنا كوثر ورحنا بيها “بير العين ” ..عشان حكاية
الخلفه يعني ، قوم واحنا قاعدين في الضلة جمب مقام “الشيخ سماعين ”
وكان كاظم راح مع مطاوع يجيبولنا ميه من البير ..قوم ياختي يعدي
علينا واحد راكب حصان اسود ومتلفح بشال اسود كبير وتحتيه ملفحة
بيضة ومش باين من وشه غير عنيه
صفية:ـ (بخبث ) الله..هيه الحكاية فيها راجل وراكب حصان ..
نظيرة :ـ (وكأنها ع تابه بتعليق صفية فتكمل ) وسايب يا بت من شاله الأبيض حته
طويلة كده عترفرف ورا ضهره علي جلابيته السوده .!! شكله من بعيد
ولا الفارس اللي في الحكايات
صفية:ـ ( بتلهف واستدراج )..يخرب مطنك يا نظيره .. هيه يا بت .. وبعدين
نظيرة:ـ (وهي تسترسل بشرود )..كان يا بت يا صفية ماسك لجام الحصان بايد ..وفي
الايد التانية بندقية “مقروطة ” ، وأول ما قرب علينا وشافني راح نازل من
علي حصانه ..طول وعرض وهيبه ..، وقرب عليه كده ..وبصللي حتة
بصة .!!خلت ركبي سابت.!! ومدريتش بنفسي وأنا ابص أنا كمان في
عنيه اللي زي عنين الصقر غير لما سألني بحس هادي كده ..لكنه مليان
رجولة وقاللي ..
الفارس :ـ انتو مين يا حرمة انت وهيه .؟! (قصده أنا وكوثر يعني..وكنت حاسخسخ
علي روحي يا بت ..لولا مسكت نفسي..ورديت عليه )
نظيرة :ـ وعتسال ليه ؟! مالك انت مين ولا مش مين .؟!
الفارس:ـ (وهو ينظر لها بإعجاب ودهشة ).. أنا..!! فارس بير العين وضبع الجبل
، وكل الناس اللي عاتيجي هنا ..عتيجي وهيه عارفه انها في حمايتي .!!
ايه ؟! مش عارفه أنا مين يعني ؟
نظيرة :ـ (وهي تحاول مواجهته بشجاعة وجرأة ) لاع ..مش عارفه ومش عاوزه
اعرف ..وروح شوفلك حد هزيل يكون مستني حمايتك ..
الفارس:ـ ( بدهشة ) وه.. وانت جريئة زيادة عن اللازم .
نظيرة :ـ يا عم عاقوللك روح لحالك ..قبل ما ياجي الحاج كاظم الدويري ويشوفك
عاتتحدت معانا كده ..تبقي حكاية .
الفارس :ـ ايه ده .كاظم الدويري ؟! وانت تبقي مرته عاد واللا أخته وللا إيه ؟
نظيرة :ـ ( بنرفزه )يووه ..أنا أخته نظيرة ودي مرته (وهي تشير إلي كوثر ) ..هيه
.ارتحت ؟يللا اتوكل عاد ..وبعد من عنينا .
نظيرة.ـ ( وهو ينظر لها وقد زاد إعجابه بها وبجرأتها ).. نظيرة .عاشت الاسامي .،
ومتجوزه علي كده يا ست نظيره وللا..
نظيرة :ـ (باستخفاف ) لاع وللا ..إيه عندك عريس ينفعني.(ثم تندفع قائلة ) ..انت يا
جدع انت ماعترفش العيبة .. ما تروح لحالك وتسيبنا في حالنا ..يووه.
الفارس:ـ ( وكان قد أعجب بها اشد الإعجاب.. وبجرأتها التي لم يتعود مثلها من أي
احد معه..فاقترب منها أكثر .. وكشف لها اللثام عن وجهه .. فلاحظ أنها
هي الاخري ..حيث تعلقت عيناها في عينيه ..وراحت تبلع ريقها بصعوبة
.، وكان هو أيضا قد انبهر بشخصيتها القوية .، وأنوثتها الطاغية..، وكأنه
لم يشعر بأي شئ حوله غيرها حينما واتته قريحة الشعر الذي كان دائما ما
يلح عليه في المواقف .. فلوي لجام فرسه علي يده واقترب منها وانشد
قائلا .)
الفارس:ـ وه.. داكنك المهرة الأصيلة اللي شاغله البال من بدري .؟ وحياة عنيكي
الجريئة ولونك الخمري .. دا كننه زوالك ..اللي نايم في عيني من
صغري .! أنام واصحاله من فجري ..أدور عليه .. لما طال صبري ..
و..(فتقاطعه )
نظيرة:ـ (وهي تقاطعه بحدة ) وه وه.. ماتتحشم يا جدع انت أمال ..!! وللا انادملك
علي اخويا الحاج كاظم .؟
الفارس:ـ ( وهو يتراجع ويقفز فوق حصانه ).. والله إن عطاني زماني .. لأعوض
اللي فات، وأصيدك يا غزال الجبل.. واطلب وصالك لو دفعت فيكي
الافات ([19])..
وتفيق نظيرة من حكايتها .. وتنظر إلي صفية التي كانت مصغية إليها بدهشة عارمة ، وكأنها تسمع قصة من حواديت زمان ..!! وتتنهد نظيرة بحرقة وحسرة قائلة ..
نظيرة :ـ بس يا صفية ياختي ..وراح راكب حصانه ..وزعبر .، وفضل يطل وراه
عليه لحاد ما غاب عن عيني ومن يومها ..وأنا عيني ما شايفاش غير
عنيه اللي بصللي بيهم من ورا الشال بتاعه ..، ووداني ما سامعاش غير
حسه ..والكلام اللي قالهولي ..لكن آه .! مش عاقولك حتقولي عليه
عبيطة .
صفيه :ـ ( وكأنها تفيق من حلم ) .. يخرب مطنك يا بت يا نظيرة ! كل دا يطلع منك
يا بت ؟ ومالقيتيش غير الفارس الملتم دا اللي ما حدش عارفه مين ؟ دا
تلقاه قاطع طريق وللا قتال قتلة .
نظيرة :ـ ( وهي تتذكر ) ما هي كوثر أيامها برضو قالتلي كده !! ، وقالتلي كمان
انه يمكن يكون اللي عايقولو عليه ” حمدان ابوالعين ” اللي عياخد من
الاغنيه بالعافية ويدي للفقرا وده اللي اكدتهولي الحاجة بخيته بعد كده ( ثم
تستدرك ) بس والنبي يا صفية أبدا .. العنين اللي شفتها دي مش عنين
واحد مجرم ولا قاطع طريق أبدا
صفية:ـ ( وهي تنظر لها باستغراب ). يا دي الوقعة ! أوعي يا بت تكوني عشقتيه .؟!
نظيرة:ـ ( باستنكار ).. وه .!! اخص عليكي .. أنا برده بتاعة الكلام ده .؟!،
وبعدين دي حكاية فات عليها سنين دلوك ؛ تلقاه هوه نفسه نسيها .
صفيه :ـ ( بخبث اهيي .؟!!) هوه انت لو نسيتيه كنت تحكي الحكاية دي كلها
.وبالحرقة اللي أنا حاسه بيها جواكي دي ؟!( ثم كأنها استدركت شيئا) آه
.. فكرتيني صح دنا عاوزه أسالك علي حاجة كده من بدري .
نظيرة :ـ ( باهتمام وبراءة ) اسألي يا ختي .. هوه أنا عادس منك حاجة .
صفية :ـ ايوه ..!! اللي اسمها الحاجة “بخيته الحلبية ” اللي عاتجيلك كل حين ومين
دي مش برده هيه الدلالة بتاعة سوق بير العين . !! وكل ما تاجي تاخدك
علي جمب كده وهاتك يا ودوده .؟!! أكيد هيه اللي عاتحكيلك علي حمدان
.. وتجيبلك أخباره .
نظيرة:ـ ( بانزعاج ).. وه .. وه .. !! ماتبقيش ظنانة كده يا صفيه عاد . متزعلنيش
منك امال .!! طب ده حتي من بعد حكاية بير العين دي بياجي شهرين
كده .. جاتني الحاجة بخيته وقالتلي ان حمدان راح قابل الحاج كاظم في
الغيط البحري حدا نجع السمايعه .. وخد معاه العمده السميعي عشان
يخطبني يعني .. وكاظم مرضيش واصل .!! عارفه ولا كأني سمعت
الحكاية دي .. لا .. إحنا ياختي ولاد أصول وما دام اخوي الكبير قال
لاع .. ومرضيش بيه .. خلاص.
صفيه :ـ ( بخبث ) يعني برده هيه بخيته دي اللي عاتقولك علي أخباره .
نظيرة :ـ ( وهي تظهر اللامبالاة ) وإيه يعني أهي حكاوي ما دام من بعيد لبعيد كده
.!! ( ثم تستدرك ) طب ماديك النهار لما جاتني بخيته آخر مرة .. قالتلي
إن حمدان بعد ما سمع بحكاية همام القاوي المرة اللي فاتت وان كاظم
مرضيش بيه هوه التاني .. راح حمدان طلق مرته ـ بت عمه ـ
علشان ما كانش عيحبها .. وما جابش منها عيال ؛ وانه ناوي يستعدل
الحال كده ويجيب العمده السميعي وياجي تاني للحاج كاظم عشاني .. )
ثم تسترسل ) .. بس أنا عارفه ..لا الحاج كاظم حيوافق ..ولا حايديللو
عقاد نافع حتي لو جالو ميت مرة .!! وأنا قولت للحاجة بخيته تقول
لحمدان خلاص ..ما يتعبش نفسه ، واللي بينا خليه في الستر . والنصيب
غلاب عاد
صفيه :ـ ( بمكر ) هالله هالله .!! والحكاية موصولة يعني.. ومرسال الغرام شغال ..
وإحنا ولا إحنا هنا يا عم.!!
نظيره:ـ ( باستنكار وغضب ) وه.وه. .!! لا اخص عليكي يا صفيه .!! برضو كده
؟! غرام ايه وزفت ايه .؟! أنا غلطانه اللي عاحكيلك علي سري .!! أنا
في الأول مش قولتلك إنها حكاية وراحت لحالها ، وان اللي مايرضاش
بيه كاظم اخوي أنا كمان مانرضاش بيه .. حتي لو كان ايه .!!
صفية:ـ (باستغراب ودهشة)..يخرب مطنك يا نظيرة .!! حيرتيني .!! امال انتي
دلوك عاتفكري في ايه .؟! خلينا ياختي في الحاضر .!!
نظيرة:ـ ( بهدوء.. وهي تنظر بعيدا إلي لا شئ .!) والله يا صفيه يا ختي .. أنا دلوك
.. زي مانتي شايفه ..عديت الثلاثين ؛ والحكاية اللي عاحكيلك عليها دي
خلاص مامنهاش فايدة .!! وكمان أنا بصراحة كرهت عيشة بلدنا دي .،
وكرهت بلاد الخلا كلها .! وحاسة كده إني يا ريت يكون نصيبي أعيش
في البندر .!!
صفيه :ـ ( وكأنها استدركت شيئا ) آآه .!! قولي كده .!! كانك عاوزه اخوكي كاظم
يوافق علي همام القاوي بتاع البندر .؟!!ماشي ، بس يا ريت مايكونش دا
هروب من حكاية حمدان ده .!!
نظيره:ـ ( بيأس وإقرار بالواقع.) ياختي .!! اللي في النصيب عاد يا صفيه .!!
صفية:ـ ( بمكر وثقة ) خلاص..سيبي الموضوع ده علي الله وعليه أنا ..( ثم تسرح
بعينيها وتشرد بذهنها ([20]) وهي تقول ) ..آه من النصيب يا نظيره !!
تذكرت صفيه في هذه اللحظة أيام أن كان همام أفندي القاوي هذا ـ 47 سنة الآن ـ والذي كان وما زال يسكن بالشقة التي أسفل شقة أسرتها بالمساكن الشعبية بالبندر ، وبحكم الجيرة وزمالته في العمل مع والدها بالمحكمة ـ فقد كانت تربطهم به صلة معينة ، واستغرقت صفيه في شرودها لدرجة أنها لم تتنبه لخروج نظيرة من الحجرة قائلة لها ( عن إذنك عاد يا صفية .. وتغلق الباب وراءها ) .. ويمر وقت لم تدرك صفيه طوله .!! تذكرت فيه كيف كانت قدماها ـ منذ خمسة عشر عاما ـ تقفان بلا إرادة منها أمام شقة همام أفندي القاوي وهي تنزل أو تصعد إلي شقتهم .!! ، علها تسمع صوته ..!! وكيف كانت تشعر بالارتياح حينما يأتي لزيارة والدها ..، وكيف كانت تستمع إليه باهتمام شديد وهو يحكي ماساته مع زوجته المريضة بالقلب ، والتي طال مرضها حتي انه فقد الأمل في الإنجاب منها بعد أن قال الأطباء كلمتهم بأنها لو حملت فسوف تموت في الولادة .!! ، وكيف كانت هي ـ أي صفيه ـ تتألم من اجله ، وتري فيه الرجل ” ملو هدومه ” .. الذي يتمتع بقدر من الشياكة والوسامة ، حتي إنها كانت تحسد زوجته المريضة عليه .!! وتري انه خسارة فيها .!! .. تذكرت صفيه أيضا كيف كان حزنه نبيلا علي زوجته بعد أن عاني هو أكثر مما عانت في مرضها.، وحزنه عليها بعد أن توفت أثناء ولادتها لابنه الوحيد منها ـ سالم 7 سنوات الآن ـ بعد أن أصرت رحمها الله علي الحمل والولادة رغم تحذير الأطباء لها.، تذكرت صفيه ضمن ما تذكرت كيف كانت تتمني لو أن همام أفندي فكر فيها كما فكرت هي فيه بعد وفاة زوجته.!! وقبل ارتباطها هي بالحاج كاظم.، وكيف انه .. أي همام كان قاسيا عليها حينما تقدم لخطبة نظيرة حينما رآها مع الحاجة كوثر والاستاذ راغب أثناء خطوبتها أي صفيه وزواجها من الحاج كاظم ، وها هو همام أفندي حتي الآن لم يتزوج وقد مضي علي وفاة زوجته أم سالم ما يقرب من سبع سنوات ، وها هو بعد أن قارب الثامنة والأربعين من عمره تدعوه الظروف مرة أخري .. ناحية نظيرة..، وها هي ـ أي صفيه ـ نفسها التي تتبينهما.تقرب بينهما .!! فهل لأنها تريد أن تخدم نظيره.؟! أم أن هناك دافع ينبع من داخلها لخدمة همام.؟! أم أن هناك دافع خفي لا تعرفه هي نفسها.؟!
سوق وزوار بير العين ..جمع كبير من الناس بازيائهم الصعيدية في الميدان او الويعاية الكبيرة التي توجد علي اطرافها بير العين والنخلة المبروكة وحمام بير العين المبروك ، في وسط الوسعاية تقريبا يلتف جمع غفير من الناس في حلقة حول رجلين قويين طويلين عريضين يلعبان لعبة العصاية .. وهي ما تسمي بلعبة التحطيب في بعض الاقاليم البحرية .، ولكن الرجلان يلعبان كما هو المتبع في هذه المناطق من الصعيد الجواني .. وكانهما في صراع حقيقي ، ويستخدمان في اللعب ما يسمي هنا بالشومة المجلبة ، كان الذي يسود الحلبة ويصول ويجول فيها بلا منافس هو سبع الرجال البلصفوري .، لم يكن الرجل طويلا ولكنه كان عضبا ضخم الجثة والراس والوجه مفتول الذراعين ، يلوح بالشومة المجلبة الثقيلة وكانها قطعة من الحطب الجاف في يده .،وها هو يتغلب في سهولة علي اخر الرجال الذين تصدوا له في السوق ” سوق وزوار بير العين ” وكاد الاهالي المحتشدون يياسون من ان يظهر من قريتهم او حتي القري المجاورة من يتصدي لهذا الوحش الكاسر .، وهنا .. يظهر من بعيد فارس ملثم علي حصانه الابيض ، ويتجه الناس اليه بانظارهم فيعرفونه انه ضبع الجبل الشرقي .. حمدان ابوالعين .. وفي لحظات كان حمدان ينزل من علي ظهر حصانه ويتخلي عن بندقيته المقروطة لاحد اقاربه الواقفين بين الناس ويتجه في حماسة إلي الحلبة ، وسط تهليل وتكبير الحاضرين وتشجيعهم له .، ويصرخ حمدان وهو يدخل الحلبة ( ايدك يا سبع الرجال .) فيتوقف اللعب او القتال .. وياخذ حمدان الشومة المجلبة من الرجل الذي كان يواجه سبع الرجال ، واشتعل حماس الرجل الضخم ” سبع الرجال ” وانتفخت اوداجه وكشر عن انيابه ، ولم يهتز حمدان بل كشر هو الاخر عن انيابه وراح يبادل الرجل نظرات الترهيب .، كان حمدان طويلا عريض المنكبين يبدو عليه علامات الشباب والفتوة ، يلبس الجلباب الاسود الصعيدي ويلف راسه بالشال الابيض الذي تتدلي منه قطعة تصل إلي نصف المتر وراء ظهره ، وكان الاخر ” سبع الرجال ” ضخم الجثة ثمين الوجه تبدو عليه القوة الفائقة والصرامة ، ويلف راسه ايضا بشال اسود صوف فوق عمامته الضخمة ، ويقترب الرجلان من بعضهما ويتبادلان نظرات التحدي ، ثم يبتعدان ويلفان حول بعضهما ، ثم يقتربان في هجوم سريع ويتناوشان بالشوم في حركات محسوبة ـ كاصول اللعبة ـ ثم يبتعدان ويلفان حول بعضهما في حركة دائرية ، واحد يسير للامام والثاني يرجع بظهره إلي الخلف هو الذي سيهجم اولا وعلي الثاني ان يصد هجومه .، وكان الهجوم من حمدان بعد ان ارتد من الرجوع للخلف في حركة بهلوانية سريعة لتتصادم العصي او الشوم القوية المجلبة ، وفي حركة ماكرة ينكث الرجل الضخم سبع الرجال علي ركبتيه علي الارض ، وبسرعة ومهارة يوجه ضربة قوية إلي ساقي حمدان ابوالعين ولكن كان حمدان يعرف او يتوقع هذا .!! فقد قفز لاعلي بسرعة فائقة لتهيف ضربة سبع الرجال وبسرعة فائقة ايضا ينزل حمدان بقدميه القويتين علي عصا الرجل الضخم وهي ممدودة علي الارض تقريبا .. مما يسبب للرجل سبع الرجال الما شديدا في يداه الممسكتان بالعصا التي انطرحت علي الارض تحت قدمي حمدان .، وقبل ان يفيق الرجل من دهشته لهذه الحركة القوية السريعة يفاجئه حمدان ويوجه إلي راسه ضربة .. ولكنها محسوبة .. تتوقف قبل ان تصل إلي ام راس الرجل بسنتيمتر واحد تقريبا .!! ، حيث لو نزلت بقوتها لشقت راس الرجل نصفين وقتلته في الحال .، وفي لحظة زهول الرجل الضخم يغمز حمدان عمامة الرجل فتقع علي الارض ويظل سبع الرجال عاري الراس وسط زهول الحاضرين الذين كادت تحتبس انفاسهم ويلقي الرجل شومته علي الارض رافعا يديه لاعلي في حركة تسليم .!، هنا يصرخ جميع الحاضرين في فرح وتهليل .. الله اكبر .. الله اكبر .. يسلم دراعك يا ضبع الجبل .. عاش فارس بير العين .. عاش البطل حمدان ابوالعين .وتنطلق الزغاريد من النساء ويدق الطبل والمزمار البلدي ، ويرقص الناس حول حمدان ابوالعين الذي يرفع شومته باستعراض للقوة في فرح المنتصر وسط هذه الجموع ، ولكنها ــ لشهامته وتمسكه باصول الرجولة والفتونة ــ يتذكر خصمه فيترك الناس الملتفون حوله ويدلف منهم ذاهبا الي الرجل الثمين الذي كان يقف بجوار الشجرة يجهز حماره ليذهب الي حال سبيله بانكسار .. يقترب حمدان من الرجل ويمد له يده في شهامة قائلا .
حمدام :ـ علي فين يا سبع الرجال ؟! اوعاك تكون زعلان .. العصاية طول عمرها
كده .. غالب ومغلوب
الرجل :ـ ما خلاص عاد ( بتسليم للامر الواقع ) .. ما عادش فيه سبع للرجال غيرك
في الشرق كله يا حمدان . ( ثم يكمل الرجل بحسم وهو يضع يده علي كتف
حمدان ) .. يحرم عليه اللعب في بير العين في وجودك يا ضبع الجبل
وفارس بير العين . وحامي حمي الشرق .
حمدان :ـ ما تقولش كده يا سبع الرجال .. انته برضو صيتك مالي الشرق والغرب ،
وما عاش اللي يجهل مقدارك .
الرجل :ـ تعيش يا ابو الشهامة ( وهو يشد علي ذراع حمدان )
حمدان :ـ عموما انته ضيفي النهارده ، والشمش قربت تغيب يا راجل وماينفعش تروح
دلوك بحمارك ده لحاد خميم عشان تعدي بالمركب وتروح علي بلصفوره
وينظر حمدان حوله مناديا ياواد سميعي .. يا صومعي .. وفورا ياتيه
شابان يبدو انهما من اقاربه مسرعين ، فيشير لهما قائلا ..
حمدان :ـ تاخدو الراجل سبع الرجال ده .. ضيفي .. تاخدوه علي المنضرة وتقدموله
احسن واجب لحاد ماجي .، واعملو حسابكم انه حايبيت حدانا النهارده .
الشابان :ـ ( بلسان واحد ) يا مرحب يا مرحب .. علي راسنا من فوق دا سبع الرجال
يشرف .. اتفضل يا عم سبع الرجال ويجر الرجل حمارته ويمشي بجوار
الشابين .
يعود حمدان إلي اهل بلدته الذين زاد حماسهم وتهليلهم بحمدان .. إلي ان
ينظر فجاة .. فيهم مسرعا .. نحو رجل ضخم مسن يراه قادما علي بغلته ، يقترب الرجل ببغلته فيهم عليه حمدان مهللا ..
حمدان :ـ وه .. اهلا يا عم الحاج عب موجود .. ايه يا عمدة اللي جايبك لحاد هنه
دلوك .؟!
العمدة :ـ جاي اشوفك بعدما وصلني الخبر انك غلبت سبع الرجال بتاع بلصفوره (
بسرور وفخر ) صح الكلام ده يا حمدان .؟!
حمدان :ـ وه .. ما مصدقش ياك يا عمده .؟! طاب اهو تلقاه وصل نجع السمايعة
عزمت عليه يبيت عندنا .. وبعت معاه الواد سميعي والصومعي ياخدوه
عالمنضره يضايفوه .. روح اساله
العمده :ـ ( بفرح وزهو ) يحرسك ربنا يا حمدان يا ولدي .. والراجل ده ماحدش قادر
عليه ابدا في الشرق والغرب .. وليه سنين عايلف الموالد والاسواق كلها ،
ويغلب كل العوالة والفتوات اللي يقابلهم .!!
حمدان :ـ وه ..مانا كمان عالف الاسواق والموالد وماحدش غلبني لحاد دلوك يا عمده
.. مفيش قدامي غير ابو الدقون بتاع خميم . ويبقي الزمن ده .. زمن حمدان
ابوالعين يا حاج عب موجود .
يرفض حمدان ان يركب حصانه بجوار العمده ـ ابن عم والده ـ الذي مازال راكبا بغلته ويصر علي ان يجر حصانه ويمشي بجواره ، ويتحادثان إلي ان يصلا إلي ” الخص ” الذي يقيم فيه حمدان حينما يريد ان ينفرد بنفسه بعيدا عن نجع السمايعه ، وهنا يعاتبهالعمده علي ابتعاده عن زوجته ابنة عمه .، فيتطرق الحديث بينهما إلي ان يقول حمدان ما بداخله من انه لا يحبها ، وانه لم ينجب ولا يريد ان ينجب منها ، وانها تغور بالخمس فدادين اللي وارثاهم دول .. فهو لا يحتاجهم فالعمدة والكل يعلم ان حمدان يترك ارضه كلها لاخوته فهو لا يهتم بالزراعة ، ثم يتطرق الحديث بينهما في اتجاهات كثيرة .. إلي ان يقول العمدة السميعي ( والله يا واد اخوي .. اهو كاظم الدويري الراجل .. شوف مبسوط وغني كد ايه .. واهو متجوز بت عمه الشيخ جابر الله يرحمه .. وليه دلوك اكتر من عشر سنين ماخلفش منها خالص .، واهو ساكت الراجل حايعمل ايه ؟! وهنا يسرح حمدان بنظراته إلي بعيد كانه تذكر شيئا مهما .. ثم يطرق بعينيه إلي الارض وهو يكلم العمدة السميعي قائلا بنبرة حازمة .. ( علي ذكر الحاج كاظم الدويري .. انا عاوزك كده يا حاج عب موجود تروح معايه بكره مشوار كده عاد عنده .. عايزه في حاجة مهمة ولازما تكون معاي .!!
الحاج كاظم ممتطيا بغلته المطهمة ..يقترب الآن من باب داره قادما من الغيط البحري .. تبدو عليه علامات الضيق ، وقبل أن ينزل من علي ظهر بغلته بجانب المصطبة يأتيه مطاوع الكلاف مهرولا وهو يقول .
مطاوع :ـ حمدالله عالسلامة يا عم الحاج .. الأستاذ راغب جه .. من البندر ونايم جوه
من العصر .
كاظم:ـ ( باستغراب ) وه.!! مش معود راغب اخوي ياجي ..في المعاد ده .!! اللهم
اجعله خير.؟!
يترك كاظم البغلة لمطاوع ويدخل هو إلي الدار.. ليجد الحاجة كوثر جالسه علي الكنبه في صحن الدار وبجوارها محمود ابن راغب ـ 5 سنوات ـ ، وعلي الكنبه المقابلة يتمدد راغب الدويري ـ 35 سنة ـ شقيق نظيره ، والأخ الأصغر غير الشقيق لكاظم ـ من والده ـ وهو يغط في النعاس ، يدخل كاظم فتهب كوثر واقفة مرحبة بكاظم في هدوء وهي تشير له علي راغب ما يوحي انه نائم .. ولا تريد إزعاجه، فيشير كاظم إليها بان تتبعه إلي غرفة ” صفيه “.!! تفاجئ صفيه بدخول كاظم عليها في غرفتها ووراءه الحاجة كوثر فتهم لاستقبالهما .. فيجلس كاظم علي الكنبه المقابلة للسرير قائلا .
كاظم :ـ خليكي يا صفيه زي مانتي ـ ( ثم يشير إلي كوثر ) .. اقعدي يا كوثر..
عاوز أقولكم علي حاجة كده .. اخد رأيكم فيها .!!
كوثر:ـ ( باهتمام )..وه .!! خير ..ايه .؟! خير يا خويه .. كاظم:اجعله خير.!!
كاظم :ـ ( بقلق ظاهر).. حمدان .! حمدان ابوالعين يا كوثر جاني تاني علي نظيره .!
صفيه:ـ ( باستغراب ).. هوه مش كان طلبها قبل كده وقولتولو مفيش نصيب .؟!
كاظم:ـ مانا قولتلو نفس كلامك ده . قاللي لاع . انا عرفت انك مش راضي تجوزها
لحد فقران يطمع في ورثها .، وانت عارف يا حاج كاظم اني مش محتاج
الحمد لله .، وكمان طلقت مرتي بت عمي وماجيبتش منها عيال .!!،
وادي الحاج عب موجود السميعي اهه ..يقولك .!!
صفية :ـ ( باستغراب ) ..وه .!! دازي ما يكون عارف عنها كل حاجة وهوا في
الجبل .!، المهم انته قولتلو ايه عاد بعد كده يا حاج .؟!!
كاظم :ـ ( وكانه يستغرب من نفسه ) ..ما تعرفيش يا صفيه ..طلعت في دماغي
روحت قايللو انها مخطوبة .!! راح طوالي قاللي مخطوبة لمين .؟!!
قولتلو مخطوبة وخلاص .!! قاللي لاع ..لازما تقوللي هوا يعني سر
.؟!! وللا يعني اللي خطبها ده حايكون احسن مني .؟!! مالقيتش فايده
روحت قايللو انها مخطوبة لهمام القاوي .!! اه ..اللي جه علي بالي .!!
كوثر :ـ ( بانزعاج ) وه .، يادي الوقعه .!!، وسدق الكلام ده .؟!!
كاظم :ـ ( وهو كانه يصور الموقف ) ..مانا بصيت يا كوثر لقيت عينه حمرت ..
وراح واقف علي حيله كده وقاللي .( انا برضو حمدان ..ضبع الجبل
الشرقي وفارس بير العين ..تفضل عليه همام ماعرفش مين .؟!! ماشي
يا كاظم .) وراح ماشي ينفخ ويفش هوا وعب موجود السميعي .!!
وتضرب صفيه كفا بكف متعجبه من تصاريف القدر .!! وكادت تقع
بلسانها قائلة انها منذ يومين فقط كانت تتحدث مع نظيره في هذا
الموضوع .!! وان نظيره نفسها بعد ان ياست من فارسها الذي شغلها
في بير العين .، ودون ان تعلم انه كان ومازال يحاول طلبها للزواج .!!
ويرفض كاظم .، فقالت صفيه
صفيه :ـ ( بعقل ورويه ) .. ودلوك طبعا يا حاج كاظم ما دام قولتلو كده .. يبقي
لازما كلامك ده يطلع صح .، وما فيش غير اننا نخللو همام القاوي
ياجي ونتمموا خطبته علي نظيره حالا .!! وللا حتي نعقدولهم بالمره .!!
كوثر :ـ ( في تعجل ) ..ومالك عاتتكلمي زي ما يكون الحاج خلاص وافق عليه
الفقران ده .!! وبعدين يعني حانروحو نقولوله تعالي اتقدم تاني ..
رضينا بيك ..بعد مارفضناه .!!
صفيه :ـ ( بهدوء ) ماتستعجليش يا حاجه كوثر .. سيبو موضوع انه يتقدم تاني دي
عليا اني .، لكن موافقة الحاج عاد ..اهوه .! اديكي شايفه يا حاجة كوثر
الموقف الاخراني ده .!! وبعدين يعني عايقولو ان همام القاوي دا عنده
نص فدان هنا في البلد غير وظيفته .. يعني برضه مش خالي ملك .!!
كوثر :ـ ( في نبرة تهكم ) وانتي عاتسمي النص فدان ده ملك .؟! اه ماهو اللي
مايعرفش يقول عدس .!!
صفيه :ـ ( وهي تنظر للحاج كاظم في عتاب ) ..ماشي .!! الله يسامحك يا كوثر .!!
( ثم تنظر إلي الحاج كاظم ) .. وبعدين يا حاج سيبو الحكاية دي علي
الله ثم عليه انا ان شاء الله .، انا حاروح عند مرت المرحوم ابويا
واخواتي في البندر يوم الجمعة اللي جاي .. وانتو عارفين ان همام
ساكن في الشقة اللي تحتيهم علي طول .، وبصنعة لطافه كده حاعرف
اخليه ياجي تاني
كوثر :ـ ( وهي تتذاكي ) طب مش يمكن يتملعن .. عايعرف ان احنا باعتينك ليه
..بعد ما رفضناه المرة اللي فاتت .؟!!
صفيه :ـ ( بتعقل ) .. لاع مانا حافهمه اني يعني صعبان عليه قعدته كده من غير
جواز ولا حد يعوله هو وولده اليتيم ده .. واني حاعمل فيه معروف
لاجل الجيرة والعشره .. واخلي الحاج كاظم يوافق عليه علي فرض ان
ليه خاطر كبير يعني عند الحاج كاظم ..مش ام ولده البكري .؟!!
كاظم :ـ (باعجاب وتامين علي كلامها ) يخرب مطن عقلك يا صفيه .!! اما لو صح
خلاتيه ياجي يطلبها تاني .. ساعتها حاقوله خدها وغور .!! حتي عشان
ما بقاش كداب قدام “السميعي ” وحمدان الزفت ابوالعين اللي حاططني في
دماغه
صفيه :ـ ( بثقة ) ..خلاص .. قوم بس انته غير خلاقاتك دول كده .. وروح اقعد مع
اخوك راغب .، وحتي ممكن تفهمه عالموضوع ..عشان هوه كمان يمكن
يساعد معاي ..مش اخوها شقيقها برضه .؟!
كاظم :ـ ( وهو يقوم ..بارتياح ) ..ماشي يا صفيه ..علي خيرة الله .
ويقوم كاظم إلي الدولاب لتغيير ملابسه ، وتقوم كوثر وتخرج من الغرفة صامته وغير راضيه .!! فهي وان كانت قد سرها موضوع زواج او ” انكساح ” نظيره من الدار ..الا انها شعرت بان
صفيه هي التي كسبت البنط ايضا في هذا الموضوع .!! ويخرج الحاج كاظم إلي صحن الدار ليجد اخيه راغب جالسا علي الكنبه ، وقد استيقظ من نومه .
كاظم :ـ حمدالله عالسلامه يا راغب يا خوي .. مرضيتش تاجي الخميس يعني ..
واخر النهار كده
راغب :ـ ( ضاحكا ) .. وه !! يعني اقوم امشي واجي بكره الجمعة ياخوي .؟!
كاظم ( باستدراك ) وه .. لاع ياخوي دا بيتك .انا بس عاطمن .!!
راغب :ـ لا ابدا .. بس اصلي انا مسافر بكره ان شاء الله علي مصر .. عشان اقابل
الاستاذ الدكتور اللي عاعمل معاه رسالة الماجستير دي .. فاقولت اجي
النهارده وابيت معاكم وامشي الصبح عشان احضر للسفر .
كاظم :ـ تنور يا خوي ..( وهو ينظر إلي نظيره ) ياللا عاد قوموا حضرولنا عشا
مليح كده عشان الكلام يحلي مع راغب اخونا يا نظيره.
نظيره :ـ ( وهي تنظر لراغب ) وه .. ونا حاستنه .؟! دامن ساعة ما دخل علينا وانا
علي طول قمت ودبحت ضكرين بط عفاي .، وبالكتير ساعة والوكل
يكون جاهز . (تاتي كوثر من الداخل .. وتتنحنح لتدخل في الكلام
..قائلة .)
كوثر :ـ لكن انته مش معود تتاخر في الغيط يا حاج .؟! دانته جيت كانت الشمس
غابت !! ايه اللي اخرك كده .؟!
كاظم :ـ ( بلا مبالاة ) .. ابدا .. دنا حنه كنت جاي من العصر .، غيرش قابلوني
جماعة معارف كده قاعدين مع الحاج عبدالهادي فواز علي المسطبه
اللي قدام بيته ..حلفوا عليه اشرب الشاي معاهم .. نزلت قعدت معاهم
والكلام خدنا مشرق مغرب .
كوثر :ـ ( باعتراض ) وه .. وهوه انت بقيت عتسساير كده مع أي حد يا حاج
؟!..الناس دي فاضية مورهاش غير مسك السيرة .
كاظم :ـ ( باعتراض علي كلامها ) .. لاع يا حاجة .. دول ناس كبارات ومحترمين
.. وبعدين الناس اليومين دول مفيش في خشمها غير سيرة غير حكاية
.مرواح السادات لليهود عاد عندهم ، واتفاق السلام اللي حايعمله
معاهم ده .!!، ومن السنة اللي فاتت لدلوك .. الناس مبطلتش كلام .
!! وبعدين دخلت في حكاية ” الانفتاح ” اللي داويشينا بيه ده ..
ومحدش فاهم عنه حاجة واصل
راغب :ـ ( وهو يضحك ) .. واللا عال . الناس هنا بقيت عتتكلم .. في كلام السياسة
الكبير ده .؟!!
كاظم :ـ ( باعتراض ضاحك ) ..وه .. ليه .؟! هوا احنا عايشين في دنيا تانيه غيركم
يا بتوع البندر .؟! ماحنا عانسمعوا الراديو .. وعاتجينا الجرانين .!!
صفيه :ـ ( وكانها تساند كاظم ) ..ايه والله .!! دا مش بس الجرايد والراديو .. داكل
اللي عايسافر البلاد العربية من عندينا هنه .. اول حاجة عايجيبها معاه
..التلفزيون ..،والفيديو كمان .!! بس ايه رايك يا حاج ..ان السادات ده
..طلع واعر .. ومكار قوي صح .!!
راغب :ـ ( ضاحكا بتعجب ) .. ايه ده .. ما شاء الله عليكي يا صفيه ..دانتي متابعة
السياسة مليح اهوه .؟!!
( تنظر صفيه إلي الحاج كاظم بابتسامة يملاؤها الزهو .. ولا تعلق .)
كاظم :ـ ( وهو ينظر إلي صفيه باعجاب ) ..وه انته نسيت يا راغب ان صفيه كانت
في الثانوية مع كوثر زمان وللا ايه .؟! ، وبعدين يعني هوا السادات
من جهة مكار ..هوا مكار صح .. لبد لليهود لحاد ما استعدل وفاجاهم
.. وعطاهم علي قفاهم .. وخلص القلم اللي عطوهولنا في الحرب اللي
فاتت .، بس يعني حكاية السلام مع اليهود دي مش لاده علي باقي
الدول العربية .. اللي وقفت معانا في الحربه دي لحاد مانتصرنه .!! ،
وقالو انهم حايقاطعونه .!!
كوثر :ـ ( باندفاع ) وه .. يقاطعونا كيف .؟! طب والناس اللي عاتروح تسترزق
عندهم وترجع محملة شئ وشويات ..تعمل ايه بعد ما الدول دي زعلت
منينا .. وقفلت بابها في وشنا وقاطعتنا زي ما عايقولو .؟!!
صفيه :ـ ( وهي تتنحنح كانها تجذب الانتباه اليها .!!) .. يعني هيه طبعا مقاطعة
الدول دي لينا قفل باب رزق عالناس ..لكن اهو السادات عملهم حكاية ”
الانفتاح ” .. اللي عايقولوا عليه ده .. وعايقولو انه باب رزق واسع .، (
ثم تتوجه إلي راغب ) ..لكن قوللي رايك يا استاذ راغب .. ايه حكاية
الانتفاح دي .؟!!
راغب :ـ ( وهو يعتدل في جلسته كانه سيقول كلاما مهما .) .. والله يا صفيه .. يعني
حكاية الانفتاح دي شرحها يطول .. لكن عموما تقدري تقولي كده .. ان
الحكومة عاوزه تفتح مجالات جديدة للاثتسمار .. للدول والشركات
الاجنبية .، وللمصريين برصه .. عشان تعمل مشاريع كبيرة هنا في
مصر .. عشان الناس تشتغل فيها .. ودي حاجة مليحة برضو .. بس
يكفينا شر الاستغلاليين .!!
كاظم :ـ ( وهو يفاجئ الجميع بتغيير الموضوع ) .. عاقولك ايه يا راغب ياخوي .. (
ينتبه الجميع ) .. صفيه عاوزه تروح بكره عند اخواتها في البندر ،
ابقي خدها معاك ، وحاتحكي معاك في حكاية كده .. عاوزك تخليك
معاها في الحكاية دي .، ويا ريت تخلصوها .. وانا موافق عليها .!!
راغب :ـ ( باستغراب ) ان شاء الله خير .، وعموما انته اخونا الكبير .. واللي توافق
عليه ..انا برضه موافق عليه يا ولد ابوي .
كاظم :ـ طب يللا عاد كفاياكم سهر ..العشا ادنت من بدري .!! وعشان تروحو
المشوار ده بدري .. وصفيه تاجي من عشيه ماتبيتش . ــ ويخلد الجميع
إلي النوم .، ولكن كانت هناك عيون هد جافاها النوم .!! انها عيون
نظيره ..التي راحت تفكر في دخول الحاج كاظم حجرة صفيه مع كوثر
وكلامهم الذي طال ..بعيدا عنها .!! ثم كلام الحاج كاظم مع راغب ..
بان صفيه سوف تتكلم معه في موضوع .! ماذا يجري من ورائها .؟!
انه اذن..موضوع يخصها .، ولا يريد احد ان يطلعها عليه في بدايته .!! ولم تكن نظيره علي بساطتها سطحية التفكير ، بل كانت في اغلب الاحيان تفهم ما يدور حولها وتصل بتفكيرها إلي بعض الحقيقة دون ان تسال احد .!! واغلب الظن انها قد فكرت في ان ما يخبئونه عنها لابد انه شيئا يخص موضوع زواجها .!!
قامت صفيه في الصباح الباكر ، واحضرت قفة مليئة باشياء ..لزوم زيارتها لاخوتها وزوجة المرحوم والدها ..، مثل السمن البلدي والجبن والبيض وخلافه .، كما تعودت في كل زياراتها المتكررة لهم .!!، وقبل الضحي ركبت ” الحلزونة ” مع الاستاذ راغب ، وفي الطريق شرحت له ما تم الاتفاق عليه بموافقة الحاج كاظم .، وما ستفعله هي كي تجعل همام القاوي يتقدم مرة اخري لخطبة نظيره ..، وافهمته انه لاجل مشكلو نظيرة .. اضافة لمشكلة حمدان ابوالعين الذي يطارد كاظم . ويلح في طلبها ..الا بما وصلت اليه من حل .، ثم ان همام هو انسب الذين تقدموا فعلا لخطبة نظيرة .، بل المحت صفيه في كلامها .. ان نظيره نفسها توافق علي همام .
ووافق راغب علي الخطة ، خصوصا بعدما فهم ان نظيره موافقة علي همام .، وذهبت صفية إلي شقة اهلها ، وذهب راغب إلي منزله بالبندر بعد ان عزم علي تاجيل سفره إلي القاهرة حتي ينتهي من موضوع شقيقته نظيرة
سالت صفيه واستقطت ، وعلمت ان همام ما زال علي حاله هو وابنه الوحيد اليتيم “سالم ” الذي لابد انه دخل المدرسة الان .. ارسلت اخيها ” جمال ” إلي همام في شقته الواقعة اسفل شقتهم بعمارة المساكن واوصت اخيها بان يقول لهمام ان ياتي ليشرب الشاي معهم لانها ـ أي صفيه ـ تريده في امر هام يخصه .!! واستغرب همام هذه الدعوة .. ولكنه جاء اليها مع جمال اخيها مسرعا .. وهو يكاد يقتله الفضول وبعد كثير السلام والسؤال عن الصحة والاحوال وخلافه ، وبعد ان شعرت صفية بالفارق الكبير بين همام اليوم وهمام الامس .، الذي كانت تختلق الاسباب لكي تراه .!! والذي كانت تحتفظ في طيات ملابسها بصورة الفنان ” كمال الشناوي ” وهي طالبة بالثانوي لوجود شبه كبير بينه وبين همام .!! شتان بين همام هذا الذي امامها الان وبين همام الذي كانت تعرفه منذ خمسة عشر عاما .!!.. ولكن علي اية حال هي تريد ان تؤدي خدمة لاخت زوجها نظيرة التي ارتضته زوجا لها ، وربما كان الاحري ـ بداخلها ـ ان تكون الخدمة الحقيقية لهمام .ليخرج من حياة البؤس والوحدة التي يعيشها مع ولده الوحيد اليتيم ” سالم ”
عرضت صفيه علي همام ان يذهب مرة اخري لطلب نظيره .. وكانها فكرة طرات علي ذهنها ومبادرة منها تستطيع ان تقف فيها بجانبه وصدقها همام .، ولكنها لم تجد الطريق سهلا كما كانت تظن .!!، بل وجدت همام القاوي لا يتحمس للفكرة ، بل كاد يثور لكرامته وهو يتذكر ما سمعه من اسباب رفضه في المرة السابقة .!!، بل قال لصفيه .. انه من نفس ” عرب الدوايره” ويعرف مدي غطرسة ال الدويري ، وانه في غني عن هذا الزواج ولكن صفيه العنيدة لم تياس .، وراحت تبسط الموضوع .، وتفهمه ان هذه المرة ستكون بالقبول لانها هي ستقف بجانبه إلي ان يتم هذا الزواج والمحت باهمية رايها عند زوجها كاظم .، فهي الان ام ” كمال ” ولده الوحيد البكري .!! ، بل المحت لهمام ان نظيره نفسها توافق عليه .!!، ولذا .. فهي تضمن له الموافقة .. ولكن عليه اولا ان يذهب معها إلي الاستاذ راغب في منزله القريب من هنا بالبندر .. اولا لاخذ موافقته لانه شقيق نظيره ويهمه مصلحتها ، وهو طيب القلب وسوف يوافق ويؤيدها عند الحصول علي موافقة كاظم .!! وعادت صفيه إلي عرب الدوايره وفي اليوم التالي ذهب همام القاوي إلي راغب في منزله في البندر ، وعرض همام جميع امكانياته بصدق ، وكان راغب شديد الشبه باخيه كاظم شكلا .، ولكنه كان يحملا في داخله شخصية اخري .. تتصف بالطيبة احيانا وبالسلبية احيانا اخري حين لا يعجبه امر من الامور .، ولما كان راغب دائما ما يفكر في امر شقيقته ويشفق عليها من قسوة الشعور ” بالعنوسة ” ، وتسرب سنين عمرها وهي علي حالها دون زواج ، وزاد اشفاقه عليها حين علم من صفيه انها توافق علي همام القاوي ، الذي يكبرها بما يقارب العشرين عاما ولديه ابن من زوجته السابقة يقارب الثامنة من عمره الان .!!، وتحمس راغب .. فقد كان عليه اذا ان يقوم بدوره في هذا الشان .، ولذا قام باصطحاب همام القاوي إلي ” عرب الدوايره ” .. وهناك سانده في طلبه حتي وافق كاظم علي مضض .، ولكن بعد ان اسر في نفسه شيئا ما .!!.. وكان الزواج علي وجه السرعة ، حيث لم يكن هناك ما يدعو للتاجيل .، او لاقامة الافراح والليالي الملاح كالمتبع .. نظرا لظروف العروسين .، واقتصر الموضوع علي اقامة ” وليمة ” عشاء للاهل والمقربين من الجانبين .
لم تكن نظيره في طفولتها وحتي قبل وفاة والدها الحاج محمود الدويري .. محل اهتمام من احد .!! وزاد هذا الاهمال لها من جانب اخيها كاظم .. عندما تولي المسئولية .. وزاد اكثر بعدما توفت والدتهما هي وشقيقها راغب ، ولم تكن نظيره في حينها قد اكملت العشر سنوات .. اما راغب فقد كان في الخامسة عشر من عمره .، وقد واصل الدراسة حتي حصل علي بكالوريوس الخدمة الاجتماعية من المعهد العالي بالقاهرة .، وكانت ظروف الاهمال قد جارت علي نظيره منذ الصغر فلم يهتم احد بادخالها المدرسة الالزامية بالقرية ، وبكت كثيرا حينما علمت ان عند ولادتها لم يكلف احد نفسه حتي عناء استخراج شهادة ميلاد لها .!! وضاعت عليها فرصة دخول المدرسة ، ولكنها رغم ذلك فقد كانت علي قدر من الذكاء الفطري جعلبها تصر علي الذهاب إلي كتاب الشيخ قطوش بالقرية .!!حتي اصبحت ” تفك الخط ” .، وكان راغب كثيرا ما يساعدها علي ذلك .، وعلي مدي السنوات .. اصبحت نظيره تستطيع القراءة في ” الجورنان ” الذي ياتي به راغب معه كل يوم جمعة من البندر ـ وان كان ذلك بصعوبة ـ بل اصبحت تستطيع الكتابة المكسرة إلي حد ما ، ولكنها استطاعت بعد ذلك كتابة اسمها كاملا بسهولة .!!
ذهب راغب لطلب الماذون ليعقد القران نظيرة وهمام ، وطلب الماذون شهادة ميلادها .!!، واضطر راغب بعد جهد جهيد ان يستخرج لها شهادة ميلاد ” ساقط قيد ” .!! بعد تسنينها عند طبيب الصحة .، وجاء الماذون وجلس في المنضره ليعد ” قسيمة الزواج ” في جمع من الناس .، ولم يكن الحاج كاظم يعلم ان اخته نظيره التي اهملها الجميع قد تعلمت كتابة اسمها بنفسها .!!، فعند استخراج شهادة ” التسنين ” .. جاء اليها وطلب منها ان تبصم علي ورقة بيضاء .!! حتي يتم ـ كما قال لها ـ عمل شهادة ” ساقط القيد ” التي طلبها الماذون .!!، وبصمت عليها نظيرة طائعة مختارة .. واثقة في اخيها الاكبر الحاج كاظم .!! ولكن عند عقد القران سال الماذون هل وكلت العروس احدا بدلا منها في التوقيع علي ” قسيمة الزواج ” ؟! ام انها ستقوم بالتوقيع ” بالبصمة ” عليها بنفسها .؟!! وذهب راغب اليها بالسؤال ظانا انها ستوكله هو .. او اخيها الاكبر كاظم وفوجئ راغب بانها ـ اعتدادا بنفسها ـ واظهارا لانها تعرف القراءة والكتابة طلبت ان توقع هي بنفسها وباسمها كاملا ثلاثيا امام الماذون وامام الشهود .!! وجاء الماذون اليها في غرفتها .. ووقعت باسمها كاملا ..” نظيره محمود الدويري ” ..، في حين كان كاظم مشغولا بالضيوف .، معتمدا في ذلك الامر علي راغب .!!
تزوجت نظيره اخيرا من همام القاوي .، وعاشت معه في شقة .. بالمساكن الشعبية بالبندر .، ترعاه وترعي ابنه سالم .، ورغم شعورها بالفارق الكبير بين هذه الشقة المتواضعة ” المخنوقة ” .. وبين منزلهم العامر بكل خيرات القرية في ” عرب الدوايره ” وبين انتظار المرتب المحدود اخر كل شهر .، الا انها تحملت راضية بنصيبها .. بل وجدت في همام القاوي ـ انسانيا ومعنويا ـ ” الرجل ملو هدومه ” .. كما قالت لها صفيه من قبل .!! وما كاد يحول علي زواجهما الحول حتي انجبت منه بنتا جميلة كادت تطير بها فرحا ـ لجمالها ـ ، واسمتها عفاف .، ومن حيث كانت هذه هي العادة في هذه المناطق من الصعيد ، فقد كانت نظيره قد اصرت علي ان تكون الولادة لمولودها الاول في بيت عائلتها ” بعرب الدوايره” .!! وبعدها بايام جاء المرسال إلي همام القاوي .. يبشره بولادة ابنته ” عفاف ” .، وفرح همام .. وذهب إلي مكتب الصحة بالبندر وسجلها .، واستخرج لها شهادة ميلاد باسم ” عفاف همام القاوي ” .، وقام بتصوير هذه الشهادة ” صورة طبق الاصل ” .، وذهب بالصورة إلي عرب الدوايره ـ وهناك طلب قطعة من القماش عمل منها كيسا صغيرا ” كحجاب ” .. وطبق صورة الشهادة ووضعها مع بعض الحبوب ـ علي سبيل البركة ـ في ذلك الكيس او الحجاب كما كان متبعا في بعض هذه المناطق وفي بعض الاحيان بما يسمي ” حجاب التوهة ” ([21]) .!! وعلق همام هذا الحجاب في رقبة ابنته عفاف .، وعاد سعيدا بزوجته وابنته الجميلة ..الي شقتهم بالبندر .، ولكن .. وهكذا الايام .. فلم يدم الحال كما يرام .!! فقد اعطت نظيره بعد ذلك .. كل اهتمامها ورعايتها لابنتها الجميلة التي اخذت الكثير من وسامة ابيها ، وشقاوة وذكاء امها .. حتي ذابت نظيره في حبها وتدليلها .. ونسيت او تناست واجبها نحو زوجها .!! حتي انها اهملت في نفسها ومظهرها كزوجة .!! مما اثر في نفس همام .. وكاد ينفر منها .، .. وكانت عفاف قد تجاوزت عامها الثاني بقليل حينما مرضت بالحمي .. ، وكادت نظيره تجن عليها .. إلي ان جاءتها المراة الحلبية ..” الحاجة بخيته ” .. التي نصحتها علي الفور بان تذهب بها إلي ” بير العين ” .!!
وكانت المراة الحلبية ” بخيته ” ـ ذات طبيعة مسلية وجاذبة .، فكانت دائما ما تحكي لنظيره الحكايات التي تستهوي النساء من سير الرجال الاقوياء .، وبالطبع كانت ” سيرة حمدان ابوالعين ” .. ضبع الجبل الشرقي .. وفارس بير العين .، هي السيرة الاكثر جاذبية علي لسان ” بخيته الحلبيه ” ..، واذان نظيره .!، ولم يكن غريبا ان تسرح نظيره في حكايتها القديمة مع الفارس الملثم الذي تحدث معها عند ” بير العين ” .. منذ ما يقرب من ست سنوات ، فقد كان اول من نظر في عينيها نظرة رجل اعجبته امراة .. ، بل كانت عيناه ونظراته اول ما جعل قلبها وانوثتها تضطرب وتتحرك نحو رجل .، ولكنها الان .، وبعد ان اصبحت زوجة لرجل اخر ، واما لبنت جميلة منه تزوب في حبها .. فهي الغالية عفاف .، فلم تكن في حل امام مجرد التفكير في ذلك الفارس القديم .، واشارت ” بخيته الحلبيه ” علي نظيره بان تذهب ” بعفاف ” إلي بير العين .، حيث اقنعتها بان ماء هذا البير مجربا كثيرا في شفاء الكثير من الامراض وخصوصا الحمي .!! .. وبسرعة شديده اقتنعت نظيرة بفكرة الذهاب بعفاف .. وفي اسرع وقت إلي بير العين .، ولكن قد لا تعترف هي نفسها ــ أي نظيره ــ انها في قرارة نفسها تحن إلي هذه المنطقة .!! فلربما .. قابلت هناك فارسها القديم صدفه .!!
لم يكن هذا كله جديدا علي نظيره .. التي كانت تعيش وتري صباح كل يوم اثنين وجمعة قوافل الزوار إلي الشيخ والبير .، وهي تمر في الصباح الباكر علي قرية ” عرب الدوايره ” .. قادمين من القري المجاورة والبعيدة .، وهم يركبون الدواب والعربات ” الكارو ” التي تجرها البغال والحمير ([22]) .. متوجهين نحو ” المدق ” او الممر الضيق الذي يتلوي كالافعي وسط الضخور وصولا إلي بطن الجبل ومقام ” الشيخ سماعين ” في الضحي .، واما القادمون من البنادر والمدن المجاوره فكانوا يستقلون ” الحلزونة ” اولا .. حتي اذا ما وصلوا إلي الممر الضيق .. اقلتهم عربات ” الكارو” ايضا والتي كانت تتواجد في هذا المكان بانتظارهم .، وكانت نظيره نفسها هي التي اوعزت إلي ” كوثر ” زوجة اخيها كاظم قبل زواجه من صفيه .. بفكرة الذهاب إلي بير العين ومقام ” الشيخ سماعين ” والاستحمام في حمام السبيل المخصص للحريم ([23])
.، حينما كانت كوثر تبحث عن أي وسيلة تساعدها علي الانجاب لتحقيق حلمها وحلم زوجهاكاظم ..، وذهبت نظيره مع ” كوثر ” بالفعل وكانت هذه هي المرة الاولي التي رات فيها نظيره ..” حمدان ابوالعين ” ..، دون ان تعرفه .، ولكن قيل لكوثر بعدها ـ انها لم تكن تعتقد اعتقادا راسخا في كرامات الشيخ ([24]).. ولا في السر الباتع ” لبير العين ” ([25]) .!! ولذا لم تنفع معها الزيارة .!!
لم يكن ” حمدان ابوالعين ” يكني بذلك الاسم لشئ ما في عينه مثلا .، بل علي العكس فقد كان حاد النظر جدا ، وعيناه تشبهان إلي حد ما عين الصقر ، وقد يكون ذلك ادعي لتسميته هذه ..، وربما ايضا كان ارتباطه بالجبل ، واتخاذه لمنطقة ” بير العين ” بالذات ليكون مقر اقامته المفضل بالخص الذي يقع علي اول الطريق اليها كانه حارس علي هذا الطريق .!! ودون ان يدري احد اين يكون او اين يذهب حينما لا يكون موجودا في ذلك الخض ..! او ربما كانت هناك اسباب اخري تتعلق بطفولته مثلا ..!، حيث كان حمدان قد اشتهر في صباه بانه اشطر اقرانه في صيد ” الظراظير ” بالنبله واجراهم علي صعود الجبل حتي ” بير العين ” بمفرده ، وحتي بعد غروب الشمس .!!، ورغم علم الجميع بان هذا المكان بالذات تخشاه الديابه والضباع بعد حلول الظلام مباشرة ،.. ولما اشتد عود حمدان وصولا إلي شرخ الشباب وامسك بالبندقية في يده ، سرعان ما اشتهر عنه انه من امهر ” النشنجية ” ..!!، حتي قيل عنه انه كان ينصب عود الحطب علي الجسر ويصيبه بالبندقية من بعد مائة متر او اكثر .، ولما كان حمدان هذا من عائلة لها كيانها وهيبتها في المنطقة كلها فقد نشا وله كيانه وهيبته .، بالاضافة إلي ما ورثه من مال ودوار ..، وارض زراعية بعد وفاة والده .، ولم يكن حينها قد اكمل السابعة عشر من عمره ولكنه ترك كل هذا لاخوته وذهب مذهبا اخر .، حمل عصاه او” شومته ” .. الطويلة الثقيلة .، والتي امعانا في جعلها قوية صلبة فقد كان يكسو طرفيها ” بالجلبة ” ( وهي جلد زيل الجاموس بعد الذبح ، حيث يقطع وتستخرج منه ـ العصاعيص ، ويسلخ الجلد ويتم تلبيسه في طرفي الشومة المراد تقويتها قبل ان يجف ويترك عليها حتي يجف ويتماسك فيها ، فيكسبها صلابة شديدة ) ، ولذا لم يكن أي احد يستطيع حمل مثل هذه ” الشومة ” او مسكها واللعب بها الا من كان ” عوالا ” .. أي انه ” حريف ” .. له باع في لعبة العصا .، قويا بحيث يستطيع ان يتحكم في قبضته عليها لانها بهذه الصورة السالفة الذكر لو نزلت بلا دراية علي راس الخصم لقتلته في الحال .!!، ولذا لم يكن حمدان يلعب العصا الا مع قرناءه ـ علي قلتهم ـ ممن يستطيعون حمل الشومة ” المجلبة ”
حمل حمدان ابوالعين شومته وراح يرتاد الموالد والاسواق ، فهذه هي الاماكن التي تقام فيها ” العصاري ” ..، او المباريات .. او ـ حلبات الصراع اذا جاز التعبير ـ بالعصا .!!، وذاع صيت حمدان وعرفت عنه الجراة الفائقة والرجولة النادرة في نصرة الضعيف .. حتي اخذ يتحرش عمدا بالاقوياء وخصوصا منهم الاغنياء .! فياخذ منهم ما يحتاجه الفقراء ..الضعفاء .! ([26]) ولكن اه من افة الصيت والسمعة .!! فقد اصابته بعد ذلك بشئ من الغرور .. حتي انه استمرأ هذا الصيت وهذه السمعة .، واعجبه خوف الناس منه وخصوصا الاغنياء الذين يتقون شره .، حتي اخذ يقف علي ” الجسر ” في مدخل بلدته هكذا جهارا نهارا ليقطع الطريق علي المارة من الاقوياء الاغنياء واهل العزوة منهم خاصة .! ويمنعهم من المرور بعد الغروب الا بعد ان يدفعوا ما معهم من المال سدادا للزكاة ..!! والتي كان قد فرضها عليهم وعلي اموالهم ومواشيهم وزراعاتهم وتقاعسوا في سدادها ..! وزرغم ذلك لم يكن هناك من يفكر في التصدي لحمدان او الوقوف في وجهه .!!، فمن جهة نجد ان الغالبية من الفقراء يحبونه ويتندرون بمواقفه ، ومن جهة اخري نجد الكبار والاغنياء يتقون شره ولا يريدون الدخول معه او مع عائلته الكبيرة في خصومات او ثار لا يحمد عقباه .! ثم انه وحتي الان لم يكن متهما بشئ رسمي امام الحكومة .!! حيث ان كل ما يقوم به من اخذ الاتاوة او ” الزكاة ” كما كان يسميها .. سواء كام ذلك قسرا ، او عن تراض ظاهري من الاغنياء .. فلا يقوم احد منهم بالابلاغ عن ذلك ” للمركز ” .. او حتي ” للنقطة ” القريبة منهم .!! ثم انه في الحقيقة ـ او بعض الحقيقة ـ لم يكن لياخذ هذه الاموال من الأغنياء لنفسه .، بل كان يقوم فعلا بتوزيعها ثانية علي الفقراء والمحتاجين ، وفي جميع الظروف التي يراها هو ملحة .، فهو في الحقيقة لم يصنع أبدا مثل مطاريد الجبل مثلا في المناطق الاخري .. الذين يهبطون من الجبل لأخذ الأموال غصبا ، ومن كل من يقع تحت طائلتهم سواء كان غنيا قادرا او غير ذلك .، ويعطونها لمن حولهم من العاطلين العصاة .. بحجة الفقر وهكذا يتحولون سريعا إلي ” عصابة ” كل همها السلب والنهب بزعامة هذا الطريد الشقي ، ولا محتاجا ولا هزيلا مقهورا حوله الظلم إلي مجوم .!! بل كان في داخله انسانا لا يطيق ابدا ان يري محتاجا ولا يهرع اليه بالمساعدة .، حتي لو ارتكب في سبيل ذلك اخطاءا يحاسب عليها القانون .!! فكم من ضعيف ظلمه جاره القوي وجار عليه فاستجار بحمدان فاجاره واعاد اليه حقه رغم انف ذلك القوي .، وكم من ارملة تقول بتباهي .. كان حمدان يرعاها ويرعي ابناءها ويغدق عليهم في السر من اموال ” الزكاو ” التي يحصلها حتي لا تحتاج لاراقة ماء وجهها .. لاحد .!!
كان حمدان جالسا عند ” الخص ” ( المبني من البوص والطين ) عند النخلة التي يفترق عندها الطريق إلي نجع ” السمايعه ” و ” طريق بير العين ” ، واذا بامراة في الثلاثين من عمرها تمر أمامه لاهثة .. باكية، ووراءها ثلاثة أطفال في عمر الزهور، وترفع المرأة يدها إلي السماء داعية بحرقة وحزن عميق..” حسبنا الله ونعم الوكيل .. حسبنا الله ونعم الوكيل .، يا رب انته عالظالم والمفتري وابن الحرام المستعفي .” ويهم إليها حمدان .. وينادي عليها بحسم ليستطلع أمرها.
حمدان :ـ يا مستورة .. انتي يا حرمه ياللي عاتولولي .!!
المرأة:ـ ( وهي تنظر خلفها لتري من ينادي عليها.. فلما رأت حمدان .. لملمت
نفسها .. وواجهته بحرقة وجرأة .) .. نعم .!! نعم يا ضبع الجبل ياللي
مقوي ناسك عالغلابه .!!
حمدان :ـ ( بدهشة ) وه .!! كيف يا وليه عاتقولي كده .؟! أنا.؟! أنا حمدان اللي
قايم ميزان العدل في الجبل والنجوع .. مقوي ناسي عالغلابه .؟! مين انتي
وحكايتك إيه ، ومين اللي ظلمك وعاتتحسبني فيه قوي كده .؟!!
المرأة:ـ ( بانكسار وصوت يقترب من النحيب.) .. أنا يا ضبع الجبل .. عطيات ..
بت متولي الخولي .. جوزي الله يرحمه عرفان الكلاف .. اللي كان
عايشتغل عند الحاج عب موجود السميعي العمده
حمدان :ـ وه .. الله يرحمه عرفان .. كان جدع زين وابن حلال.. ( ثم وهو ينظر
إلي الأطفال الثلاثة من حولها ) .. ودول عيالك منه عاد .؟!!
عطيات:ـ ( وهي تكفكف دموعها.) .. ايوه يا سي حمدان .. أكبرهم اهوه صبي يا
دوب نجح في الابتدائية ..وحايخوش أولي إعدادي في خميم السنة الجاية إن
شاء الله .، ودا لسه ف سنة تانية ابتدائي ف ” نجع السمايعة الابتدائية ” ودي
عيشه لسه ما راحتش المدرسة .!!
حمدان :ـ ( بإعجاب وتعجب ) .. بس والله باين عليكي ناصحة وواعية .، ومراعياهم
زين .. ومدخلاهم المدارس اهوه .!!
عطيات :ـ مالهومش حد يا ضبع الجبل غير ربنا .. قولت العلام ينفهم .!!
حمدان :ـ لكن مقولتليش إيه حكايتك .. ومين اللي ظالمك .؟!
عطيات:ـ ( بحرقة مصحوبة بالخوف.) زناتي أبو حامد .. قريبك يا ضبع الجبل .!!
حمدان :ـ وه !! ليه .!! ماله زناتي بيكي يا وليه .؟!
عطيات:ـ (وهي تحكم طرحتها السوداء علي وجهها وتسترسل ).. انته عارف يا
ضبع الجبل .. عرفان جوزي ـ العمر الطويل ليك ـ كان راجل فقير.،
عايشتغل حدا العمدة السميعي ، يا دوب فاتلنا ست قراريط عانزرعوهم
برسيم وعايشين منهم عالبتاوه الحاف .. عشان اقدر اصرف عالعيال دي
في المدارس .!! وكافيين خيرنا شرنه .، حتي ناس ف ” عرب الخور ”
كانوا عايزين ياخدوني حداهم مارضيتش .، قولت أديني عايشه اربي
عيالي في حمي أهل السمايعه ..و
حمدان :ـ ( وهو يقاطعها ) ياجو ..علي راسنا من فوق .، امال إيه الحكاية .!!
عطيات :ـ مانا جيالك يا ضبع الجبل .!! .. الست قراريط دول.. جنب ارض الزناتي
أبو حامد من غربه .، عالجسر يعني .، قوم يتصور .. يا سي حمدان
يطمع فيهم بتوع اليتامي .!! ولما مارضيتش أبيعهم ليه بتراب الفلوس ..،
يقوم عاوز يتجوزني .!! ويقوللي قال مالك انتي بالزرع والقلع .، انتي
زينه وصبيه .. تعالي أتجوزك.. وتعيشي حداي انتي وعيالك في الدار .!!
( ثم وهي تكفكف دموعها ) .. يرضي ربنا ده .؟!
حمدان :ـ ( بعجب ) وه .!! بس الراجل لغاية كده يعني.. ماقالش غير شرع ربنا ..
هوه الجواز عيب ولا حرام .؟!!
عطيات :ـ ( بجرأة ) لاع .. ما قولناش عيب ولا حرام ، بس لما يكون واحد كبير في
السن ومتجوز مرتين من اكبر كبارات الناحية .. ، وعنده عيال كتير ودار
كبير.، ويتجوز واحده غلبانه زي حلاتي معاها تلات عيال .. مش برضو
يبقي وراه غرض .؟!!
حمدان :ـ قصدك غرضه الست قراريط بتوعك ياعني .؟!!
عطيات :ـ ( بجرأة ) وياخدني أنا .. وعيالي فوقيهم .!! نشتغلوا خدامين لحريمه
وعياله في الدار .. وآخر الليل ياخدني .!! واسمي مرته .!! ويبقي خد
الشيلة كلها علي بعضها .. والاسم جواز .!!
حمدان :ـ ( بتعجب ) .. وه !! دانتي واعيه وواعره قوي ..!! بس والله ليكي حق ..
لكن مش مرضتيش وخلاص . ؟!!
عطيات : ـ لاع .. وخلاص كيف عاد .!! ـ لما مرضيتش .. خللي رجالته
يحرتوا الست قراريط بتوع اليتامي جمب أرضه ويتلفو البرسيمات وعاوز ”
يسوقهم ” من ضمن زراعته كمان .!! وعيني في الخل ..!! اه .. مش واحده
غلبانه مالهاش ضهر .؟!
حمدان : ـ ( بنخوة عارمة ) .. لاع .. الغلبانه ليها ربنا في الأول وفي الآخر..وليها
بعد كده حمدان أبو العين ، يجيبلها حقها من عين الجعيص .. حتي لو
الزناتي أبو حامد قريبي، تعالي معاي .،
ويتلفع حمدان أبو العين بشاله الأسود .، ويتقلد بندقيته ” المقروطة ” في كتفه .، ويشير إلي المرأة ” عطيات ” أن تمشي وراءه هي وعيالها ، متجهين إلي دار الزناتي أبو حامد .( وقد كان الزناتي هذا ..ابن عم والد حمدان .. أي في حكم عمه) .. وهناك .. في قلب دار الزناتي يقسم حمدان أن لن يسكت علي ظلم هذه المرأة المسكينة هي وعيالها حتي لو كان الظالم قريبه ، وأرغم الزناتي علي دفع مبلغ خمسين جنيها كاملا للمرأة تعويضا لها عن الزرع الذي أتلفه لها .، واخذ المرأة ودفع لها مبلغا آخر فوق ما أخذه من عمه الزناتي واشتري لها جاموسة ” عشر ” وثلاث معيز ، وكلف أحدا ببناء خص بالطوف لتجلس فيها عندما تكون في زرعتها .. وتركها بعد أن طيب خاطرها .. وأعطاها الأمان والحماية .!!
هذا هو حمدان أبو العين علي الوجه الآخر .!! فهل كان هذا منه إيمانا وتقوي .؟! لم ير احد حمدان وهو يرتاد المساجد .!! هل كان ميلا إلي العدل وتطبيق الأمان الاجتماعي.؟! لم يكن حمدان بالمتكلم القارئ لنقول انه قرأ أو تأثر بشئ من هذه المصطلحات .!!، فهو كان قد ترك الدراسة وهو بالإعدادية .!! ، هل كان هذا طبعا .. مجبولا في شخصيته ورجولته وشهامته ، وإحساسه بأنه الاقوي ..، وانه لابد أن يكون الكبير فعلا في هذه المنطقة النائية البعيدة عن أعين الحكومة.؟! .. نعم .. قد يكون هذا التفسير الأخير هو الأقرب إلي العقل والمنطق في تصرفات حمدان أبو العين .!! وشيئا فشيئا.. صار حمدان هو العمدة الحقيقي .. ـ الغير متوج رسميا ـليس علي قريته فحسب بل علي كل القري المجاورة بالمنطقة كلها.. حتي ضاق به كل عمد هذه القري .. وحقدوا عليه واضمروا له الشر .!! بل العجب أن أهله وكبار عائلته هم من كانوا أكثر الناس ضيقا به.!! وكرها لأفعاله
.!! رغم أن أفعاله هذه هي التي قد أسبغت عليهم المزيد من السمعة والهيبة.!!
وإذا لقد وصل ” حمدان أبو العين ” إلي هذه المكانة وهذه السمعة والسطوة بما كان يتمتع به من عوامل القوة والمهابة .. فهو لم يكن يجمع حوله عصابة أو رجالا تابعين يأتمرون بأمره .. أو يحرسونه في مقره مثلا .، بل كان علي درجة من الثقة والاعتداد بأنه ليس في حاجة إلي شئ من هذا القبيل .!!، .. ورغم ذلك كله .. فإننا نستطيع القول بأنه ما كان ليصل إلي هذه الدرجة من السطوة لو كان بمفرده.. دون ذلك الداهية الخبيث .. ” العفريت ” .. ” حنا النصراني ” .!!
كانت هناك علي الجانب الآخر من النيل ـ غربا ـ أخبار عجيبة .. تتواتر عن شخص يدعي ” حنا النصراني “.. كان أكثر من رأوه وعرفوه يسمونه ” العفريت ” .!! فقد كان ” حنا ” هذا قصير نحيفا.. قليلا في عين من يراه لأول مره.!! لكنه كان سرعان ما يزرع الخوف في قلوب من يحتقرونه و يزدرونه بعيونهم لضالة جسمه.. وهم بالنسبة له الأقوياء الذين يتمتعون بالطول وبسطة الجسم .، عند أول معركة يدخلها معهم .، فسرعان ما يكتشفون أنهم أمام عفريت لا قبل لهم به.!!
كان ” حنا ” هذا ” اجروديا ” .. والاجرودي هو من لا ينبت له الشعر في وجهه أو ذراعيه أو صدره .!! بل كان حنا يزيد علي ذلك بأنه لا ينبت له في حاجبيه أو أهداب عينيه إلا شعيرات خفيفة صفراء .!! وكنت إذا رايته تعتقد انه ” اعشي “.. أو ضعيف النظر.. حيث كان يفتح عينيه بصعوبة .، وإذا فتحهما لا تري إلا ثقبين صغيرين.. خضراوين القاع وسط جفنين يشوبهما الاحمرار.!! ، وعلي الرغم من ذلك فقد كان ” حنا ” حاد النظر جدا .، ومن أحرف أهل زمانه في هذه المنطقة بالذات ” في النشان ” .!! وكأنه كان يستعيض ما ينقصه من القوة الجسمانية ” بالحرفنه ” والمهارة وخفة الحركة ، حيث اشتهر بتلك الوثبة المهارية التي كان يقوم بها حينما يريد أن يوجه إلي خصمه ” الضربة القاضية ”
ولعبة العصا هذه .. كانت بالصعيد شئ أخر .. فهي هنا ليست لعبة بحرفية الكلمة .، وإنما هي شئ أشبه بالقتال .!! فهم يمارسونها في عنفوان كبير .. ويستخدمون فيها ” الشومة ” .. بدلا من العصا .، ولذا كان الخطأ فيها أثناء اللعب .. أو القتال.. قد يؤدي إلي عجز الخصم أو موته .!! .. وكان لهذه اللعبة مشاهيرها .. من ” الفتوات ” .. الذين يرهبهم الناس لقوتهم وحرفنتهم الفائقة .. مثل الضمراني والمدني وأبو الدقون في اخميم ، وأبو خضير في سوهاج وبلصفوره ، والجبالي في قنا .. وهكذا ، ولكن لكم أن تتصوروا كيف لهذا الاجرودي الضعيف النحيل .. أن تفوق شهرته كل هؤلاء في فترة زمنية قصيرة.!! ولم يكن يزيد عنه شهرة في هذه المنطقة إلا ” حمدان ابوالعين ” .. من حيث ” الحرفنه ” مع القوة الجسمانية مع الجرأة والسطوة .، ولكن كان ” حنا ” كما قلنا .. يستعيض عن قصر طوله وضالة جسمه بهذه الوثبة التي اشتهر بها.. حينما يوحي إلي الخصم بأنه سيوجه إليه ضربة بالعصا في ساقه مثلا.. ثم إذا به يقفز في الهواء كالعفريت.. ويفاجئه بضربه في رأسه تفقده توازنه .. وينهي ” الدور “.!!
ولم يكن تفوق حنا في لعبة العصا هو كل إمكانياته.، بل اشتهر أيضا بالبراعة في ” النشان ” وسرعة التصرف وخفة الحركة عند المأزق .، أو الموقف الحاسم.، واشتهر أيضا ” بالحرفنه “الفائقة في سرعة تكتيف ” الصيدة ” بالحبل وشل حركتها .، حينما كان يصعد الجبل ليصيد الثعالب وينتزع أسنانها بعد أن ” يكتفها ” و” يشكمها ” بالحبل.، ويعرضها حية علي الناس .!! شئ أشبه بالخيال .!! ولكن هكذا كان ” حنا النصراني ” الذي أصبح ـ لكونه مسيحيا ـ أكثر شهرة من غيره.، وقد يرجع ذلك لتأفف المسيحيين في هذه المنطقة بالذات عن هذه الأعمال والأشياء التي يعتبرونها إجراما .!! حيث كان معظمهم من التجار البارعين في تجارتهم والصاغة الأغنياء والمزارعين الذين يملكون الأراضي الزراعية وغير ذلك .، فكان حنا لذلك شيئا مغايرا في هذه الآونة.!!
سمع ” حنا النصراني ” بالطبع عن ” حمدان ابوالعين ” .، وتمني أن يقابله.، وفي قرارة نفسه تمني أن يصاحبه .، وإذن لأصبحا معا .. اخطر ثنائي.. إذا اجتمعت القوة مع البراعة.، والأصالة مع الذكاء .. لا شك أنهما سيكونان معا قوة لا قبل لأحد بها.!! وسمع حمدان أيضا عن حنا ، وتمني أن يراه ويلتقي بذلك ” العفريت ” الذين يقولون عنه .!! والذي تكثر حوله الحواديت .، ولم يدر في ذهن حمدان ما دار في ذهن حنا من تكوين الثنائي معه .، فحمدان ابوالعين لم يكن .. كما قلنا وعلي حد تقديره لنفسه ـ في حاجة لأي مسانده من احد، ولا هو يفكر في تكوين عصابة مثلا يرهب بها أهله وعشيرته.، بل هو حامي حماهم .، وقويهم وكبيرهم .، فكيف يستعين عليهم بأي احد.؟! وهكذا كان دافع حنا إلي الالتقاء بحمدان اقوي ، وأكثر تفاعلا .، وفعلا .. ذهب ” حنا النصراني ” إلي منطقة ” بير العين ” .. لا شئ في ذهنه إلا لقاء حمدان .
” تريزا ” .. فتاة مسيحية من ” نجع الخور “.. القريب من ” عرب الدوايره ” .. تعدت تريزا هذه سن الخامسة والعشرين من عمرها .. ولم تتزوج .، رغم أنها الرشيقة الشقراء التي يظهر جليا لم يتأملها جمالها الطبيعي الأخاذ وأنوثتها الطاغية.!! لكنها كانت يتيمة وفقيرة.. رثة الثياب والمظهر.، مما كان له أثره بالطبع في إخفاء ذلك الجمال الطبيعي إلي حين.!، شكت ” تريزا ” حالها إلي جارتها ” أم حسين ” .. التي رقت لحالها وتعاطفت معها..، فهي تعلم أن ” تريزا ” جارتها قد أصبحت يتيمة الأبوين وليس لها إخوة ولا أخوات .، وأنها فقيرة.، ولذا فهي في أمس الحاجة لان تكون في عصمة رجل يتزوجها ويتكفل بها ويصونها.. ولكن أين ذلك الرجل الذي يرضي بمثل هذه الفقيرة المعدمة اليتيمة التي أشرفت علي العبوسة .؟!! حكت لها ” أم حين ” عن السر الباتع ” لبير العين ” .!! ، ونصحتها أن تذهب إليها وتستحم في حمامها المبارك.. لعل النحس الذي يلازمها ينفك عنها.!!.، وفي يوم جمعة .. اصطحبت أم حسين ” تريزا ” .. إلي ” بير العين ” .
سوق وزوار بير العين ..، هرج ومرج في الساحة الكبيرة أمام ضريح ” الشيخ سماعين ” ، أناس من جميع القري والنجوع المجاورة ومن بعض البلاد البعيدة نوعا ..، باعة جائلون ، وباعة يفترشون الأرض في جوانب السوق .. وعند ” النخلة المبروكة “..، وحول البئر .، وأمام ” الحمام ” و ” السبيل “..، تدخل السوق امرأتان تتدثران.. كل منهما في بردتها السوداء .، وتمسك أحداهما في ذراع الاخري كأنها تخاف أن تتوه منها في الزحام .! ، وكان من الواضح أنهما تأتيان إلي بير العين لأول مرة .. فقد كانتا ” أم حسين ” و ” تريزا ” ..، أخذت ” أم حسين ” تنظر حولها .. ووقعت عيناها علي امرأة في الخمسين من عمرها .. تنادي علي بضاعتها .، فهي تبيع قطع الأقمشة وحاجات النساء.، وواضح أن هذه المرأة من المتمكنات في هذا المكان.!! إذن فلتسألاها عن كيفية الدخول في هذا الزحام ـ إلي حمام بير العين .؟! وبعد أن تعرفتا علي المرأة التي تبين لهما أنها ” الحاجة بخيته الحلبية ” ([27]) ..البائعة المشهورة التي تزور البيوت ببضاعتها وتأتي إلي هنا يوم السوق .، وتعاطفت الحاجة بخيتة مع ” تريزا ” حينما علمت قصتها من أم حسين .، وكانت قد أبهرت بجمالها الذي لا يخفي علي خبيرة مجربة مثلها أن تقدر وتعرف هذا الجمال.. مهما اختفي وراء الفقر ورثاثة المظهر .!! وكانت بخيتة هذه من اشد النساء إعجابا وتهافتا علي النساء والفتيات الجميلات .!! ولكنها كانت.. لأصلها الوضيع.. كثيرا ما ينقلب إعجابها إلي الغيرة القاتلة.!!
أرسلت بخيته احد الصبية لينادي لها ” باتعة ” .. خادمة ” حمام النساء “من خلف السبيل ، وجاءت ” باتعة ” .. لتغمز لها بخيته بعينيها .. فتفهم الأولي مقصد الثانية .!! ، وتمسك ” باتعة ” بذراع ” تريزا ” وتأخذها ـ هي وأم حسين ـ ناحية حمام الحريم .، وفي الطريق .. تنظر باتعة إلي احد الشباب المتسكعين بالسوق ، وتغمز له بعينيها ، فينظر الشاب إلي تريزا .. فينبهر بجمالها .. ويكاد لا يستطيع أن يبلع ريقه، وينادي بدوره علي اثنين من السباب زملاءه في التسكع وينبهر الآخران.، ويشير الجميع إلي باتعة ، وكل يفرد أصابع كفه الخمسة .!! بما يعني أنهم جميعا سيدفعون خمسة قروش.، في مقابل تمكينهم من الفرجه علي هذه الجميلة التي ستدخل الحمام .. وهي بداخله عارية .!!، واخذ الشباب ثلاثتهم يتلمظون ويتهافتون.، وقال احدهم للآخرين
الأول :ـ يابوي .!! شايفين ياد انته وهوه ..وشها ..، وايديها ..، بياض القشطة .!! ،
امال جسمها من جوه ايه .؟!!
الثاني:ـ ( وهو يتلهف ).. يابوي يابوووي .. اموت وأشوف رجليها وصدرها ..و
.. و .. مكشوفين.. اف يابوووي .!!
الثالث:ـ بس.. يخرب مطنكم .. لأحسن البت تاخد بالها .!! بس ياكش تكون الفقرية
باتعة فهمت .. وحاتشيل الطوبة اللي في خرم الحيط .، وتخلينا ندخلو من
الخرابة اللي ورا الحمام .. عشان نتفرجوا عالجمال ده .؟! بس أنا الأول
.!!
وكان ما حسبه الشبان قد حدث .!! فقد تنبهت تريزا إلي حركاتهم وإشاراتهم .. وان كانت قد حسبتها معاكسة لها.!! فتوجهت إليهم بالتوبيخ علي قلة أدبهم .!، وثارالشبان الثلاثة .، وسرعان ما تحول الموضوع إلي مشاجرة بالشتائم .. حتي كاد الشبان يتحرشون بالفتاة بأيديهم .!! ولكن بسرعة جاءت إليهم ” الحاجة بخيته الحلبية ” .. التي لم يكونوا قد ابتعدوا كثيرا عنها وحالت بينهم وبين الفتاة وأم حسين.، وجذبتهم إليها قائلة
بخيته :ـ تعالي هنا جنبي انتي وهيه ، دول باين عليهم نشالين .!! اقعدي ياختي جنب
الفرش بتاعي .. وأنا حابعت اجيبلهم ضبع الجبل .. حمدان ابوالعين ..
وأخليه يربيهم.!
أم حسين :ـ ( في ذهول لما حدث ) إحنا ياختي كلمناهم .؟!! دول قعدو يلفو حوالينا ويعاكسو البنية ..!!
تريزا :ـ ( بزهق ) .. خلاص يا أم حسين.. خلاص يا حاجة بخيته .. أنا خلاص مش عايزه ادخل الحمام .. ياللا بينا نروحوا يام حسين .
بخيته :ـ ( بحمية ونخوة ) وه .. ليه .؟! عشان شوية العيال دول .؟! طب لو كانو رجاله صح .. ليستانو لما ياجي حمدان ابوالعين .!!
وكان هذا الحوار قد ترامي إلي سمع رجل غريب أخر.. دخل السوق لأول مرة منذ قليل..، رجل قصير ، قليل الحجم ، يضع ” شومة ” قد تكون أطول منه علي كاهله بالعرض ، معلقا يديه الصغيرتين علي طرفيها عند كتفيه ، كان يمشي بالسوق وكأنه يبحث عن شئ ما .!! وتلفت انتباهه هذه الأصوات النسائية الزاعقة وهؤلاء الشبان الثلاثة وهم يشيرون بأيديهم بإشارات غريبة، ثم.. ها هي المرأة البائعة تتوعدهم ب ” حمدان ابوالعين ” .!!،
وينظر الرجل إلي جوار المرأة فيجد الفتاة الجميلة تقبع كالعصفور الخائف ، وها هو يسمع المرأة وهي تنادي باسم ” تريزا ” .!! ” تريزا ” .؟!!.. إذن فهي مسيحية، وبتحمس الرجل.! ويذهب ناحية الشبان الثلاثة في غيظ قائلا
الرجل :ـ ( بنبرة حازمة متوعدة ) متيالله ياد ..انته وهوه تروحو لحالكم .! عاتتشطرو علي واحدة ست
وينظر اليه الشبان الثلاثة في بلاهة واستهتار ، فقد كان الرجل قليلا في عين من يراه لأول مره .!! ويقترب منه احدهم ويمد يده إلي صدره ممسكا تلابيبه.. ثم يهزه بعنف قائلا..
الشاب:ـ وانته مالك انته.؟! يعني حاتعملي فيها راجل قدامهم .؟! وكمان ماسكلي
شومة أتقل منك .!! هاها .( ويضحك الآخران ) ويفور الدم في عروق
الرجل، فيمسك بيده اليمني يد الشاب ويلويها بقوة ليتخلص منه.. ثم يدفعه
إلي الأمام حتي يكاد الشاب ينكفئ علي ظهره .!!ثم يرفع الرجل شومته ليهوي بها علي راس الساب ، لكنه يتذكر انه لو نزل بها علي راسه لقتلته في الحال ، فينزل بالشومة علي الارض ضاربا الشاب في كعب قدمه ، فينحني الشاب علي قدمه صارخا آه ، فيغمزه الرجل بطرف الشومة في جنبه ، ليقع الشاب علي الارض وهو يتلوي من شدة الالم .!!
ويهرع الشابان الاخران لنصرة زميلهم .. فيهجمون علي الرجل ، وياتيه احدهم من الخلف فيطوق عنق الرجل بزراعيه الفتيين ويجذبه للوراء ، في حين هم الاخر ليمسك بالشومة التي يقبض عليها الرجل بيد من حديد .. يريد الشاب ان ينتزعها منه .!! ، ولكن كانت قبضة الرجل اقوي .. وكان ان قفز الرجل لاعلي مرتكزا علي الشاب الذي يمسكه من الخلف .. ضاربا قدميه في بطن الثاني الذي يمسك لينتزعها منه .. فينطرح الشاب علي ظهره ، ويلقي الرجل ذراعه اليمني للوراء ليمسك براس ورقبة الشاب الاول الذي مازال يمسكه من الخلف ،وجذبه جذبه قوية وهو ينحني به للامام .. فيلقي الرجل بالشاب امامه علي الارض ..، وبسرعة يشرع الشومة ليهوي بها عليه .. فاذا الشاب يزحف علي الارض مبتعدا في زعر شديد .!! وانهار الاخران وذهلوا.. ثم اسلم ثلاثتهم اقدامهم للريح .. هاربين من هذا ” العفريت ” .. الضغير الحجم .!!
وعاد الرجل منتشيا إلي حيث تقبع المراة ام حسين والفتاة تريزا بجوار البائعة بخيتة الحلبية ..، مزهوا بانتصاره علي هؤلاء الشبان الثلاثة المتهورين ..، ونظر إلي تريزا قائلا
الرجل :ـ ماعلش .! دول برضهم شوية عيال..واهم اتربوا.!!
تريزا :ـ ( باستغراب ) والله برضه تشكر ، لكن انته من هنا يا عم .؟!
الرجل :ـ لاع .. انا من الغرب ..( ثم وهو ينظر في عينيها ) بس كاني اقدامي
ساقتني النهارده عشان اشوفك واربيلك ولاد الكلب دول .!
ولم يكن منظر الرجل يغري أي امراة بالنظر اليه اكثر من هذا .!! فاشاحت تريزا وجهها عنه ، بعدما لمحت في كلماته الاخيرة شيئا من المعاكسة .!! اهو الآخر ؟!! .. فيتوجه الرجل الي بخيتة الحلبية ـ التي كانت آنفا تهدد الشبان بابلاغ حمدان عنهم وتتوعدهم به .، قائلا لها ..
الرجل :ـ ( باستفسار ) .. وانتي يا حاجة ..، كنت سامعك عاتقولي للحلوة دي يا ” تريزه ” ..!! وللحاجة دي ” بام حسين ” .. امال حضرتك عاد اسمك ايه .؟!
بخيتة :ـ ( باستغراب ) ..وه !! وانته عاتتسمع علي كلامنا وتعرف اسامينا ليه .؟! .. ويهمك في ايه تعرف اسمي انا كمان .؟!!
الرجل :ـ لا ابدا .. بس انا اصلي يعني غريب عن هنه .. وبصراحة كمان .. سمعتك عاتقولي حمدان ابوالعين .، وانا جاي عشانه .!!
بخيتة :ـ وه .. وانته عاوز حمدان ف ايه .؟! حد داسلك علي طرف .؟! مانته زي العفريت اديك .!! ولسه فايت في تلاته شبان زي العجول .!! وخالليتهم فروا من قدامك زي الفران .!!
الرجل :ـ لاع .. انا مش عاوز حمدان في حاجة زي كده ..لاع .!!انا عاوز اتعرف عليه .. عشان مصلحة كده يعني .!!
بخيتة :ـ عموما ياخوي بالجوده .، انا خالتك الحاجة بخيتة .، ولما ياجي حمدان ابقي اعرفك عليه .. وحاحكيلو عاللي عملتو معانا ده .، وهوه حايقدر دا تمام .، لكن دانته حتي مقولتليش انته مين .؟!!
الرجل :ـ حاتعرفي يا حاجة بخيته انا مين .. لما ياجي حمدان .!!
ولم ينه الرجل كلامه .. حتي تعلقت عينا ” بخيتة ” بالقادم من بعيد علي فرسه الاسود .، وتشير المراة الحلبية اليه بيدها مهللة قائلة ..
بخيتة :ـ ( بفرحة ظاهرة ) .. وادي حمدان ضبع الجبل وصل اهوه . ويقترب الفارس .. حتي يقف بفرسه بجوارهم .، وينظر الي الرجل .. والي الشومة الطويلة الثقيلة التي في يده .!! والتي لا تتناسب مع حجمه الضئيل .!! ثم يشيح بوجهه عنه متجها الي بخيتة قائلا .
حمدان :ـ ( بجدية وحسم ) امال فيه ايه .؟! باعتالي ليه يا بخيتة .؟!
بخيتة :ـ ( في تودد ) حمدالله عالسلامة يا ضبع الجبل . ماعلش ياخويه .!! تعبناك .!! هوه بس كان فيه شوية شبان كده عايعاكسو البنيه دي ، لكن الجدع ده ( وهي تشير للرجل ) ضربهم .. وادبهم ..، وخلاهم يفروا من قدامه زي الفران .!!
وينظر حمدان الي الرجل الواقف بجوارها باستغراب .!! فمنظره لا يوحي ابدا بما تقول بخيتة .!! ولكن حمدان سالها من باب التجمل قائلا ..
حمدان :ـ ( وهو ينظر للرجل باستهانة ) .. ومين عاد الجدع ده .؟!!
وهنا ينتصب الرجل ، ويعتدل في وقفته معتدا بنفسه ضاربا علي الارض ضربة خفيفة بطرف الشومة ..!! ثم قال بثقة .
الرجل :ـ ( بنبرة هادئة واثقة ) .. انا حنا النصراني يا ضبع الجبل .!! ـ ويصمت الجميع .!!، وتنظر تريزا .. الي ذلك الرجل الذي يقول انه حنا النصراني ..!! بعجب .. واعجاب ..!! مرت عليها لحظة لم تدر ان كانت قد اندهشت .. ام فرحت .. ام .؟!! اهو مسيحي اذن .؟! مثلها .؟!! ها هو اذن مسيحي في هذه المنطقة ـ يقف امام ” حمدان ابوالعين ” ضبع الجبل الشرقي كله ..، ويقارعه بكل هذه الثقة والكبرياء .!! ” حنا النصراني ” .؟!! .. انها لم تر او تسمع بمثل هذا من قبل .!! .. ولكنها افاقت حينما رات حمدان يلف لجام فرسه علي يده .. ويدور به في مكانه في زهو وعزة .، ثم ينظر الي حنا هذا ..قائلا .
حمدان :ـ (بلا مبالاة ) حنا النصراني .؟! آه ! حنا اللي عايلعب العصاية في الاسواق ؟! بس هنا مش سوق عصاية يا خنه !!
حنا ( في تودد) والله يا حمدان .، انا اصلي سمعت عنك كتير ..، وجاي هنا عشان اشوفك .( ثم يستدرك ) .. يا ضبع الجبل .!!
حمدان :ـ ( بترحيب باهت ، وهو ما زال علي ظهر حصانه ) ..اهلا ..وسهلا .!! ( ثم ينظر حمدان الي الفتاة الواقفة في صمت بجوار بخيتة قائلا ) امال الصبية دي مين يا حاجة بخيتة .؟!!
فتبادر ” تريزا ” بالرد قبل ان تتكلم بخيتة عنها ..
تريزا :ـ ( بتودد .) انا تريزا يا ضبع الجبل .، من نجع الخور اللي جنب عرب الدوايرة .، نهار ابيض عشان شفناك النهارده .!!
حمدان :ـ( ضاحكا ) وه !! تريزا .!! كمآنه حنا اتحر عليكي .!!
وغما وخوفا – من سماح حمدان لهذه الفعلة .!! وبسرعة حمل حنا الرجل .. وطرحه على بطنه فوق ظهر بغلته.. وربطه عليها.. وساق البغلة فمشت البغلة في صمت.. فهل كانت البغلة تحفظ الطريق الذي طالما مشت فيه وصاحبها حيا على ظهرها ؟!! يبدو ذلك ..!! فقد مشت البلغة بصاحبها ميتا على ظهرها حتى وصلت به على مشارف الطريق المؤدي إ لى مدخل “أخميم” وفوجئ الناس بالبغلة وهي تمشى على هذا الحال – لا يلوي على شئ.!!، وكانت قد ابتعدت كثيراً بجثة صاحبها المنطرحة على ظهرها عن مكان الحدث بمسافة كبيرة حينما علمت الحكومة، ولم يدر أحد من أين أتت، وهكذا كثفت الحكومة بحثها عن الجاني فيما حول المنطقة التي وجدت فيها البلغة على مشارف أخميم.!!
وكان أهل القتيل أناس ضعفاء.، لا يملكون في مثل هذا الأمر شيئا. وضاعفت الحكومة بحثها عن الجاني.. ولكن دون جدوى.. وقيدت الجريمة ضد مجهول.!! وضاع دم الرجل المسكين بلا ثمن.!!.
وفي ليلة بعد عدة شهور من هذه الجريمة.، جاء “حنا” إلى حمدان، وجلس بين يديه ينتحب .!! فتعجب حمدان – وفهم أن حنا لابد قد قام بعمل فظيع وجاء “ليعترف به”.. لأنه لا يستطيع السكوت عليه..!! وفعلا فقد أنهار حنا – واعترف لحمدان أنه هو الذي قلت الرجل الأخميمي.. “إبراهيم القماش”.. حين خنقه بشال عمامته بهدوء- فماتت الرجل في يده!! ودون أن يقصد قتله ، ولكن كان الرجل يستحق ذلك لأنه راح يشتم عليك يا طبع الجمل ويهدد بإبلاغ الحكومة عني وعنك.!! فهل يستطيع حتى السكوت لى ذلك.؟!!، وبالغ “حنا” في الأسف. وفي طلب العفو من حمدان بل طلب الأمان والحماية.!!.!!، وثار حمدان حتى كاد يفقد صوابه.. والنقط “المفروطة” المعلقة على الحائط بجواره .. ولولا سرعة حنا في الهروب من أمامه لكان حنا في عداد الأموات !!، وانتظر حنا- حتى هدأت ثورة حمدان، وعاد إليه بعد ثلاثة أيام ليقول له أنه يريد أن يسلم نفسه للحكومة .. إذا لم يعف هو- أي حمدان عنه.!!، وأسقط في يد حمدان.، ولكنه أخذ على عاتقه جمع مبلغ كبير من المال، ويرسله بطريقه لا تثير الشك حوله ولا حول حنا.!!، وفعلا.. كان أهل الرجل القتيل أحوج إلى هذا المال من ثأره..، فأخذوا المال.. دون أن يعرفوا .. أو حتى دون أن يسألوا عن القاتل، وبلغوا أساهم.. ودماء رجلهم .!!
لم يكن الثنائي الخطير” الذي سعى إليه حنا مع حمدان أبوالعين هو الشيئ الوحيد الذي بات يجمعهما.!!، بل كان هناك شئ آخر يجمع بينهما..، والغريب- وهما اللذان قهرا الجبل، وأرهبا قلوب الفتاة أن يكون ذلك الذي جمع بينهما هو الحب.!! ليس الحب بينهما.، فليس هذا غريباً.. بل الغريب .. هو أن يقع “حنا” في حب “تريزا” كما كان حمدان – يسهر الليالي .. لا يرى أمامه إلا خيال نظيره.!! .. فلو عدنا قليلاً للوراء – لوجدنا أن حنا – بعد أن استتب له الأمر بمصاحبة حمدان، كان يذهب في كل يوم سوق إلى “بير العين” ، ويظل يجوب السوق يبحث عن “تريزا” والغريب أنها هي الأخرى كانت كثيرا ما تأتي إلى السوق وتدخل الحمام.!!، وتخرج وفي نفسها تتمنى أن تصادف حنا.!! ولولا الحياة ، ما الذي منعها- لسألت عنه” الحاجة بخيته الحلبية”.!!، ولكنها جسدت.. لعل ذكره يجرى على لسان الحاجة بخيته بالصدفة فيتطرق الحديث عنه بالصدفة أيضا.!!، ولكن كأن المرأة الليئمة “بخيتة” كانت تقرأ السؤال في عينيها.. فتسكت من ذكره أمامها.!!، ومرما يقرب من الثلاثة شهور على هذا الحال.، إلى أن جاء اليوم الذي ذهبت فيه “تريزاً” إلى سوق “بير العين” وصممة على السؤال عن حنا..، وإذن لتسأل الحاجة بخيته، أو حتى باتعة خادمة “حمام الحريم”.. وليكن ما يكون.!! ، لقد قال لها وهو يوصلها إلى مكان “عرياني الكارو” في المدة السابقة أنه جاء إلى هنا ليبقى في هذا المكان وهذه المنطقة مع حمدان أبوالعين .!! إذن أين هو .؟! هل غضب عليه حمدان وطرده من المنطقة والسوق.!! وفجأة ..تجد تريزاً نفسها أمام الحمام.. وتتمادي على “باتعة” فتأتيها سرعة.!!، وقبل أن تسألها.. تبادرها اللئيمة قائله.. .
باتعة:- تعالى في حضني ياقمر إنتي.. (وتأخذها بائعة في أحضانها وتقبلها قبلات حارة .. حتى ترتاب “تريزا” في أنها قبلات نسائية.!! وتتخلص منها لتسألها عن .. حمدان.!! ثم عن حنا .. قائلة).
تريزا: قوليلي صح يا باتعه.؟! هوه حمدان أبوالعين مش عايجي هنا اليومين دول واللا إيه..؟!!
باتعة:- وده.. وإنتي عايزه حمدان صنيع الحبل في لميه يا تريزه ؟!
تريزاً: لاع.. أصلى يعني ربما العيال اللي عاكسوني المرة أللي فاتت يظهرو ثاني.. وبعدين حتى، لجدع اللي اتخانق معاهم يومها كأنه غريب مش من هنه .. وراح لحاله.!!
باتعة: ( وهي تشهق في ميوعه ولؤم.).. هالله هالله.. أيوه كده.. !! قولي إن قصدك عالمعدول “حنه”… (ثم وهي تشيرين بيدها).. آهو. ياختي قاعد حدا النحلة .. (فنتظر “تريزا” إلى حيث أشارت باتعة)
تريزاً:- وهي تتصنع اللامبالاه.) يووه.، يا عم واباين عليه صايع وقاعد فاضي ما ورا هوش حاجة-= ما لنا وماله .!! أنا حاروح أشوف الحاجة بخيته كده فحاجة.. وآجيلك أخوش الحمام.
باتعة:- (ويبدو أنها لم تهتم.) .. روحي ياختي براحتك.!
وتذهب تريزا ناحية المكان الذي تجلس فيه الحاجة بخيته – وتنظر وراءها حتى إذا ما وجدت باتعة قد ابتعدت ولم تراقبها انرحفت بسرعة نحو النخلة حيث يجلس “حنا”.. واقتربت منه.. فإذا هو جالس على جزع النخلة وفي يده عود من الحطب. يعبث به في الأرض.. سارحا شارد الذهن..، فأتته من خلفه النخلة.. واقتربت حتى وقفت أمامه فلم يرها وهو ما زال في شروده.!! وحمدت حتى رفع وجهة لأعلى .. ورآها.. ويا لها من لحظة .!! لقد كاد حنا يصرخ من المفاجأة.!! بل لعله كتم صرخته في داخله حتى لا يفتضح أوه .. ,أمرها .!! ووقف يصافحها .. وكادت كفه تلتقص بكفها البيضاء الصغيرة.. لولا أنه سجنها في لطف وحياء وهي تنظر حولها، ونظر حنا في عينيها فكاد ينس نفسه.. ولكنه تمالك قائلا.. .
حنا: ازيك يا تريزه”. ؟! فينك؟! أو يلك ثلاث شهور وشويه.
تريزاً: إزيك أنته يا حنه؟! انته يا عم اللي فينك.؟! أنا جيت هنه أدي التالثة مرة آهه من يوم ما … (وتسكت).
حنا:- (بتأثر) وآه .. طب وأنا ما خليتش حته ما ضورتش فيها عليكي .. كل يوم سوق.. وكنت على شويه حاسأل عنك الحاجة بخيته وللا باتعه بس ما رجنيتش يعني … !!
تريزا: (بدلال وخبث) وبما تتعب نفسك وتدور عليا ليه.؟!
مش آوينا لما نتقابلوا بالصدفة فيسلمو.. وخلاص.!!
حنا:- (بتأثر واستغراب) وه.!! كأنك مش حاسة بنا عاد يا تريزه..!! طب وأنا يمكن اتجن لوغيبني عني المدة ديي كلهاتاني.!!
تريزا: (وقد أحست به فابتسمت في سعاده) سلامتك باس حنه.. (ثم تستدرك )طب أقوالك.. أنا خوش الحمام.. ولما أطلع استناني عشان تمشى معاي لغاية العربيات الكار.
حنا:- (وكأنه ينفث أشواقه) حاستنانكي على نار.!!
وابتسمت تريزا بسعادة وهي ترمي إليه نظرة صائبة من عينيها.. قبل أن تدلف بسرعة ناية حمام الحريم …) وأدخلت “باتعه” ..، وبعد أن خلعت تريزا ملابسها ودخلت إلى الحوض .، نظرت إلى الإناء الذي ستأخذ منه الماء فوجدته فارغاً. !! فصرخت في باتعه.. .
تريزا:- يجرب مطنك ياباتعه.. الجردل فاضي .. وأنا قلعت.!!
باتعه:- ياختي حالن اجيبلك فيه من البير. واستاني دقيقتين.!!
تريزا:- دقيقتين.؟! وحافضل على كده عريانه لغاية ما تجي.؟!
باتعه: وه.. عريانه فين؟! مانتي قاعدة بخلاقاتك الجوانيه آهه.؟!!
تريزا:- وهن يا مفتريه (ضاحكه) عاوزاني أقلع خالص بالص.؟!
باتعه:- (وهي تنظر إلهيا بشهود!!) وفهيا غيه احنا مش حريم زي بعض؟!
-وتقترب منها “باتعه” في تلهف على جسمها الذي في بياض الشمع ووسط دهشة تريزا .. راحت باتعة تنظر في تلهف – ذكوري – إلى باقي أجزاء جسم تريزا الحساسة.!! وإلى أنوثتها الصارخة.، حتى أحست تريزا- الحساسة.!! وإلى أنوثتها الصارخة.، حتى أحست تريزا- بغرابة – أنها أمام نظرات رجل وليس امرأة – فخافت .. وبسرعة أحاطت صدرها بذراعيها.. ململة تهديها..وضمت فخذيها.. وتكورت على نفسها.. وكأنها تخبئ جسمها من عيني رجل.!! ، وتلاحظ باتعة خوف “تريزا” فتضحك .. وتتمادي في الضحك قائلة:
باتعة: إيه يا حزينه مالك.؟! إنتي خايفة منى وللا إيه.؟! بكونش حد قالك إني حنكر خنته وللاحاجة.؟! لاع.. آهه ياختي .. (وترفع باتعة قميصها لتظهر لـ”تريزا” أنوثتها الداخلية) إيه ؟! اطمنتي ياختي..؟!!
تريزا: عاقولك إيه!! .. إنتي تقصري في الحديث .. وتروحي تملى الجردل وتاجي في دقيقة واحدة. أنا جابرو كده.!! وعارفه لو طوليت .. حاقوم البس خلافاتي.. وأطلع.
باتعة:- (ضاحكة) ياختي حاضر.، يوه.. أقولك – فومي اقفي الباب على روحك من جوه على ما أجيلك.
- وتقتنع “تريزا”.. وتعمد إلى علمة ملابسها التي كانت قد خلعتها بجوار الحوض.. فتأخذهم في صدرها وهي تقوم عارية إلى الباب. وكأن المهم أن تداري الجزء الأمامي من جسمها فقط.!!، وأثناء قيامها ناحية الباب .. تغافلها باتعة.. وتنزع “الطوبه” التي كانت تسد الفتحة في حائط الحمام لتستخدمها عند اللزوم.!!، وهي فتحة لا تزيد عن فتحة أو حدقة العين، ولكنها كافية إذا نظر أحد من خلالها وهو خارج الحمام أن يرى من تستحم بداخله بكل هيأتها وكامل تفاصيلها. وهي عارية..!!، نزعت باتعة الطوبة الموضوعة على الفتحة وعادت مسرعة إلى الباب ومعها الجردل” وخرجت “وأغلقت “تريزا” الباب وراءها .. وعادت إلى الحوض مطمئنة على نفسها وجسمها العاري الذي راحت تتحسسه بمتعة.!!، فهي بمفردها.. داخل الحمام.!!
- عند البئر وجدت باتعة” حنا يقف بجوار النخلة.، وكأنه ينتظر ولدة متعثرة داخل الحمام.!! فذهبت إليه بضحكتها الماكرة.
باتعة :- (في فكر) إيه- نفسك تشوف اللي عمرك ما حاتقدر تشوفه ولا تحلم بيه.؟!!
حنا:- (باستغراب) إيه.. قصدك غيه بالك نفس أشوفه.؟!
باتعه:- (وهي تشير بيدها إلى داخل الحمام).. بدر البدور المنور.!!
حنا: (يبلغ ريقه بصعوبة .. وقد فهم قصدها.) قصدك يعني .. تخليني أشوفها وهيه قالعه خالص في الحمام؟!
باتعة: (بضحكة ماكره) وهية على الطبيعة ..خالص بالص.. إيه.. عاوز.. هات إيدك على خمس قروش صاغ.
حنا: وه.. برضك حاتأخدني منى أنا يا مخبوطة في مخك أنتى ..؟!!
باتعة: إيه.. بدر البدور المنور.. ما تستاهلش تدفع فيها ربع ريال.. وتشوفها وهيه – على الطبيعة.. “خالص بالص”.؟!!
وينصاع حنا .. فتأخذه باتعة – بعد أن ملأت الجردل” – وتريه المكان خلف الحمام وتشير له على الفتحة في الحائط..، وتقول له إنهاقد نزعت الطوبة من الفتحة التي بالحائط وأفرغت نقطتين مع زجاجة المخدر على الماء “بالجردل” لكي تسبح “تريزا” وتخلع كل ما عليها.. ويستمتع هو بمشاهدتها وهي عارية تماما.. خالص بالص”.!!
ولكنها- إذا لم يعطيها الخمس قروش صاغ التي طلبتها – ستضع الطوبة مكانها وتسد الفتحة.!! “ليرى العجب فقد كانت باتعة تدعك في جسم “تريزا” وخصوصا في مناطقه الحساسة بطريقة تثير الشهوة، وكانت تريزا تنأوه في شد وقد تكون من تأثيرا المخد الذي وضعته فمنا باتعة في الماء حتى أنهت استحمامها.، وخرجت من الجسم فلم تجد حنا في مكانه عند النخلة حيث قال لها أنه سينتظرها .!! فأين ذهبت؟! واختارت تريزا- ولم تجد بدا من سؤال باتعة عنه – رغم محاولتها اخفاء شعورها عنها- ابقاء لغمزها ولمزها- وتضرب باتعة بيدها علىصدرها. فقد تذكرت أنه قد يكون ما زال عنه الفتحة..، وبسرعة قالت لتريزا أن تنتظرها هنا بجوار النخلة ربما يعود .. وستذهب هي لترى .. ربما ذهب خلف البئر يقضي حاجته مثلا.!! وصدقتها تريزا.. وذهبت باتعة..
وكما توقعت .. وجدت حنا مازال عند الفتحة خلف الحمام.!! ولكنه كان قد أنهار على نفسه تماماً، كان جالساً.. أو بالأحرى “مبطوطاً” على فخذيه بالأرض.. ما دا ساقيه أمامه مسندا ظهره إلى الحائط.. جاحظاً عينيه في لهاش شديد.!! ما هذا ؟!! وتثقول له باتعة.. (قوم يا فتيل.. لا تريزا” تشوفك كده تاخد بالها.!!) وتنظر إليه ضاحكة وهو يخرج يده من فتحة الجنب في “جلابيته”.!! قائلة له بتمتلك”..!! وفهمت باتعة بالطبع ما حدث.، وراحت تضحك بشدة على حنا الذي راح .. على نفسه – لمجرد رؤية تريزا عمارية من الثقب الصغير بالحائط.!!، وتنبه حنا لنظرات وضحكات باتعة من ينظره لهكذا.، فتظاهر بأن قطرات من كوب الشاي قد اندلعت على حجره ولم تجف بعد – مثلا..!!، وعاد حنا مع باتعة.. ليجد تريزا.. بعد خروجها من الحمام.. وكأن أنوارا من الشفق الأحمر تنبلج من وجهها الناصع البياض.. فتكسو خدودها بحمرة التفاح الطازج الشهي القضيم.!! وينظر إلى شفتيها فكأنهما كيزي تان في طبق من ثمرات الفل اليانع.!! يا لروعتها وجمالها الذي تسجد في جسمها الرائق البص المتناسق .. حتى كاد وهو ينظر إليها بنهار مرة أخرى..!! ولكنه تماسك .. حتى قال لها.. في أدب جم.
حنا :- حمام الهنا ياتريزه.
تريزاً: (بامتنان) هناك الله يا حنة.. هيه.؟! إيه رأيك.؟!
حاتاجي توصلني عاد زي المرة اللي فاتت .. وللا وراك حاجة.؟!
حنا: (بلهفة).. لاع.. حاجي طبعا.. ورايه إيه يعني.؟!!
تريزا: (باستعجال) طب يا للاعاد .. عن إذنك يا باتعة.!!
باتعة: (بضحكة ماكره).. إذنك في إيدك ياختي .. خاللي بالك منه.
وتمشى تريزا بجوار حنا.. مزهوه كأنها في جاور حامي الحمى، ..!! وهي لا تعلم أنه كان منذ دقائق في حالة من الانهيار .. خلف الحمام.!! .. وعند عربات “أنه رد”. طلب منها”حنا” أن يصطحبها هذه المرة في مشوارها إلى بلدها.. فهي بمفردها هذه المرة وليس معها أم حسين. وهو يخاف عليها من الطريق.!!، وكانت نظرة تريزا لحنا قد تبذلت فوافقت .. وكانت على وشك أن تطلب منه أن يساعدها أو حتى يرفعها بساديه من تحت ابطيها لتصعد وتجلس على العربة.!! لولا أنه – في حركة أعجبيتها- قد شبك أصابع يديه في بعضها .. وانحنى ليجعل كفيه المتشابكين بقوة – في مستوى ركبتيها- قاصداً أن تضع قدمها على كفيه ويحملها إلى أن تصعد وتجلس على “التحاور”- ثم يقفز هو قفزة قوية ليستقر بجوارها على حافة “الكارو” .. قد كادت تريزا تذوب فيه نتيجة لهذه الحركة التي اعتبرتها أكثر تعبيراً وإثارة لها عما كانت هي ستطلب منه.!! وأصبح حنا في نظر تريزا جميلا، ووسيما. أكثر من أي رجل آخر في العالم.!! بأهيك عن أنه أيضا مسيحي.!! ومعنى ذلك أنه لا مانع .. فما المانع . بل لقد أصبحت تتمنى .. أن يطلبها للزواج.. فها هو يصطحبها إلى بلدها. وربما إلى منزلها .. خوفاً عليها من الطريق.!! فليأتي معها إذن ، فلربما استطاعت أن تجعله يحبها كما تشعر هي بحبه الجارف..!!
ونظرت تريزا إلى حنا الجالس بجوارها على العرب الكار، وبادرته قائله.
تريزا: لكن مش غريبة يا حنا واحدزي حمدان ابوالعين ده يآمن لواحد نصراني زيك ويخليه دراعه اليمين.؟!
حنا: وغريبة ليه؟! هيه الفتونة كمان فيها نصراني ومسلم.. أنا مش شايف الحقيقة إنه حتى عايفتكر في الحكاية دي واصل .. واحتى ساعات لما يكون عايكلمني يقوللي صلى عالينبي (وينطلق حنا في الضحك فتضحك تريزا قائله..).
تريزا: وه … !! عاينس أنك نصراني.. واسمه حنه ؟!
وااله بابن عليه راجل مليح، .. بس أوعي بعد كده تروح تصللي معاه!!
حنا: بالعكس.. وا ساعات بكون يوم جمعه ويكون هوه عاوز يروح يصلى ضهر الجمعة.. يقوللي.. ياخي روح شوفلك كنيسة صلى فيها.. حاتقعد كده .. فقري دنيا وآخره…؟!!
وتضحك تريزا من هذه القفشة وهكذا كان الطريق….
وهكذا كان الطريق من سوق بير العين إلى “نجع الخور” القريب من “عرب الدوايرة” قصيرا جداً نظرهما.. رغم أنه استغرق وقته بالتمام – حتى وصلا..!!
.. وهناك بالقرب من المنزل الذي تعيش فيه “تريزا” وكانت الشمس قد غابت .. بل كان الظلام قد بدأ يرخي جناحه على “نجع الخور” كأنه يتضامن مع ما يريده” “حنا”.. دون تصريح!! فلما اقتربا من الدار.. أظهرت “تريزا أنها تخشى أن يراها أحد من الجيران ، وخصوصاً، أم حسين” التي دائما ما تأتي لتطمئن عليها،…!! وكاد حنا يفقد الأمل.. لولا أن تريزا” بادرت باظهار قلقها عليه أيضا من العودة في هذا الظلام.. إلى “بير العين”..، ولكنها .. ويا للحيرة.. إنها فتاة عذراء .. تعيش بمفردها .. فكيف تستضيف عندها رجل مثل حنا؟! وفهم حنا ما يدور في رأس “تريزا” فبادر بإزاحة تلك الهواجس عنها .. بأن قال لها بحزم.. إنه يفضل أن يذهب وحده في هذا الظلام.. ولا يخشى أن تأكله الضياع.. فذلك أهون عليه من أن تخاف “تريزا” الحبلية منه- ولا تأمن على نفسها من وجوده معها في منزلها.!! وأطمأنت تريزا .. بل طلبت منه أن يدخل منها ليبيت ليلته عندها حتى الصبح وليذهب مبكراً دون أن يراه أحد.!!، ودخل معها..، ولم يكن المنزل منزلا بالمعنى .. ولكن كان أشبه بالحوش المبني بالطوب اللبن، والمسقوف بالطين والجريد ليس فيه إلا حجرة واحدة بجوار باب المنزل على يمين الداخل.. ثم “قاعة” في آخر “الحوش” أو المنزل- تسمى “الحاصل” وهي الحجرة التي ليس لها فتحات أو نوافذ اللهم إلا فتحة الباب الصغيرة..!!، وكان كل ما بالحجرة الأولى بجوار الباب الخارجي للمنزل وهو مصطبة عليها حصير وقطعة من السجائر المصنوع.. على “القول اليدوي” من بقايا وقطع الأقمشة القديمة..!!،
وقود دخول حنا .. اشترطت عليه “تريزاً” أن ينام هو في هذه الحجرة الخارجية بجوار باب المنزل، وسوف تنام هي في “الحاصل”.. بالداخل”…!!
ووافق حنا شاكراً.، واشعلت تريزا لمبة الجاز “العويل”.. وتركته لينام على المصطبة، ودخلت هي إلى حجرة الحاصل بعمق الدار من الداخل، .. ولكن هل سينام هنا.؟! وهل ستنام “تريزا”..؟! إنهما على أية حال.. حبيبان يشتاق كل منهما للآخر.، وقد جمعهما بمفردهما وأغلق .. عليهما باب منزل واحد.!! فهل سيئا ما.؟! وحتى لو كان كل منهما في حجرة تبعد عن الأخرى.. خطوات.؟!!.
أخذ حنا يتقلب على المصطبة .. حتى كاد يضرب رأسه في الحائط التي بجانبه لكي تغفل عينه عن رؤية خيال تريزا ..!! ولكن لم يفلح.، فبعد ما جاهد نفسه جهاداً عنيفاً، وكان الليل قد تجاوز نصفه الأول.. هاهو يقوم من على المصطبة ويخرج من الحجرة ويجلس في صحن الدار على الحصيرة الوحيدة المفروشة فيه.، ويشعل سيجارة راح يزفر وخانها ساخنا من جوفه.!!، ولم تكن تريزا أحسن حالا منه.، وكأنها قد أحست بزفراته مع دخان السيجارة ، فخرجت بدورها – وقد أحست لأول مرةبأن حجرة الحاصل تكاد وتخنقها.!! – إلى صحن الدار.، وهي في قميصها “الصيفي” أو “جلا بلتها” القصيرة الداخلية التي كانت تنام بها .!!، وفي يدها لمبة الجاز العويل”، الأخرى.، واقتربت من حنا .. ووقفت بجواره صامتة، ونظر هو أليها وهو جالس .. فهاله جمال قدها واعتدال وانخراط وانسياب فخذيها وساقيها وقد شفت تقاسيمها خلف “الجلابية” الخفيفة القصيرة التي أتت بها –
وعلى ضوء اللمبة” الخافت المتراقص مع “العويل” !! وبدون نطق بالكلام.. نطقت الحواس.، وعلقت تريزا “اللحية” في مسمارها بالحائط.، وعادت لتقف بجواره كما كانت غم باورته بقولها- (في صوت يملاؤه الخوف والرغبة):- مالك يا حنة.!! عاوز تشرب وللاحاجة.؟! ، ولم ينطق حنا..!! بل نظر لأعلى إليها فهي ما زالت واقفة.، ورغم الظلام فقد التقت العيون..، وشعرت تريزا بأن الأنثى تثور في داخلها، وآه لو كان حنا زوجها الآن ولكن إنها لا تريد أن تفعل أبيه “خطية” !! إنها تريزا المتدينة التي تذهب إلى الدير كل صباح وتقابل فيه الرهبان الطيبين المتطهرين .!! الزاهدين للدنيا وبهرجها.!! وتبيع لهم الطعام .. أي أنهم يأكلون من يدها .. لا .. لن تفعل الخطية”.. وهمت أن تخطو للداخل تاركة حنا مع صمته وسيجارته.. وشعر هو بها قبل أن تتحرك . فمد يده بسرعة وأمسك ساقها فوقفت ..!! وقالت بصوت متحشرج (حاجيبلك ميه من الدير تشرب.) فقال لها.. (لأن أنا ظهوري ناشف وعايز أشرب.. بس مشه ميه.!!) وراحت يده تسيح على ساقها ..، حتى سرت في جسدها الفائر قشعريرة الرغبة التي أهتزت علىأثرها.. ولكنها سكتت.!! فارتفع حنا بيده لأعلى نحو فخذها… وظل يرفع يده في الملامسة حتى استدارت تريزا وأمسكت بيده تمنعه من الوصول إلى مكان أعلى.!!، لكنه.. أصر على الوصول .. فانهارت.. وصوت إليه ليحتضنها بعنف.. وراحت شفتاه تبحثان عن شقتها ويداه تبحثان عن.. كل شيئ فيها.. حتى احتضنته هي هذه المرة بعنف.!! وتداخلا في بعضها كأنهما جسدا واحداً يلتف بعضه على بعضه.، وراحا يتمرغان على الحصير.. في نشوة عارمة.، .. ولكن .. فجأة.. ينتقص حنا.. وينفك عنها..!! ويقم ليستند بظهره على الحائط .. ويضع كفيه على وجهه.. ويجهش في البكاء.!!..!!
وذهلت تريزا”.!! ما هذا.؟! أهو مخلص في حبها والخوف عليها – لأنها عذراء- إلى هذا الحد.؟!! من من الرجال في هذا الزمان مثل حنا.؟! من يستطيع أن يمسك نفسه في مثل هذا الموقف وهذه الظروف ليحافظ على حبيبته وشرفها وطهارتها- فهي العذراء – غير حنا.؟! يا لروعتك يا حنا.!! وراحت تريزا تبكي وهي تقول بكل ما لديها من الحب (أنا عاحبك يا حنة.. انته مش حاتتجوزني عاد؟!) ويخرج صوت حنا مصحوبا بالنحيب .. (بكرة .. بكرة لازم نتجوز ياتريزه- واحنا ونصيبنا عاد!!) إذن ماذا.؟! لقد كانت على وشك الانخراط معه في النشوة الأخيرة.!! ولابأس إذن ما دام هو حبيبها الذي سيتزوجها غداً.!!، وزحفت على الأرض نحوه وقربت وجها من وجهه حتى شعر بحرارة ابقاسها، وراحت بيدها تلامس جسده و..، ولكنها لاحظت أن حنا لا يتحرك من شيء !! أكثر منا الأحضان والقبلات..!! حت ادت تسأله (رغم حيائها) غما حدث منها حتى ينفر منها هكذا.!!
ولم تصل تريزا إلى تفسير أقوى من تفسيرها بأنه يمسك نفسه عنها ليحافظ عليها لأنها مازالت بكراً.. حتى يتزوجا.!! وارتاحت لهذا التفسير!! فقامت وعلمت نفسها.. ثم مالت عليه وقبلته في جبينه ورأسه- وأخذت اللحية في يدها ودخلت إلى “الحاصل”.!!
في الصباح الباكر.. جاءت تريزا إلى صحن الدار فلم تجد حنا فظنت أنه دخل لينام على المصطبة داخل الحجرة – ولكنها فتحت الحجرة فلم تجده أيضا بها.!! وكان حنا قد خرج متسحبا مع أول نسمة للفجر، وقبل أن ينقشع الظلام.!!
زاد هذا الموقف من حب “تريزا” لحنا.. وتقديرها له .!! فهو إذن يحبها بعنف وطهارة.، فهو لم يستغل الموقف.. وحافظ على غذريتها وعفتها.، وأصبحت تريزا تنتظر يوم الجمعة بفارغ الصبر كي تذهب إلى “بير العين” لا لشيئ إلا لترى حنا.. وتبثه أشواقها وجدته فلما قابلته، .. هو أياض على نفس الحال.، ولكنه أوعز إليها أنه ينتظر حتى يجهز لهم بيتا هذا في نجع المسمايعه.!! وانتظرت .، ولكنها لاحظت أنه يبثها مع أشواقه لها. برته وشعوره الخفي بالعجز وقلة الحيلة.!! لماذا ؟! إنها لا تطلب منه أن يجهز لها بيتا كما نال.. يكفيها أن تعيش معه في بيتها الذي في “نجع الخور”.، إنها لا تطلب منه إلا أن يذهب معها إلى الكنيسة لعمل” الإكليل” وإعلانا الزواج.!! ثم أنها تكسب ما يكفيها من بيعها للأشياء التي تبيعها للدير.، وهو لن يعجز عن تدبير ما يكفيهما أيضا.. ثم أن الحب..”. الذي جمع بينهما.. سيكون هو أحل زاد لهما.. في جميع الأحوال.!! إذن ماذا..؟! ماذا هناك يجعله هكذا .. متقاعساً عن أي خطوة نحو زواجهما المقدس؟!!
وظلت “تريزاً” على حيرتها .. إلى أن جاء ذلك اليوم الذي قابلته فيه عند “بير العين” كعادتهما، وتطرق الحديث بيهما.. فقالت له .. من ين ما قالت.. أنها أصبحت تخاف على نفسها من طلوعها إلى الدير في الجبل بمفردها، وأنها أحيانا تتخايل بشخص يراقبها من بعيد..، فتسرع خائفة ناحية الدير.، فكيف تكون هي تريزا”.. حبيبة وخطيبة “حنا”. البطل.. ويتركها في هذا الخوف.؟! .. ولماذا لا يأتي معها دب عدها في حمل ونقل الأشياء التي تبيعها لسكان الدير (مثل الحين الأخضر، والحليب الطازج، والرايب والبيض والخضراوات والعيش البلدي المخبوز.. إلخ). ثم إنه هو في أشد الحاجة إلى بركة ومباركة هؤلاء الرهبان الأطهار الطيبون بالدير.!! ووافقها ..، وذهب إلى الحاجة “بخيته الحلبية” .. يطلعها على أنه سيذهب مع “تريزا” إلى الدير ثم يعود.. فلربما سأل عنه حمدان فتخبره بخيته عن مكانه.!!، وذهب حنا مع “تريزا” إلى الدير حاملا عنها كل ما تحمله إليهم.، وهناك كان التصيب به كبيرً، والحفاوة بالغة.!! حيث كانت “تريزاً” قد حكت “لرئيس الدير” عن حنا وبطولته وشجاعته ووقفته من أجلها، ونديته لحمدان أبوالعين.. صنيع الجبل.!!، و…و…، وكان ذلك من دواعي فخرهم واعتزازهم به.، وأغدق عليه الرهبان بالدير كل عطف، وباركو حبه وخطبته لتريزا.، وتمنوا لهما أن يسرعا بعمل الإكليل وإعلان الزواج المبارك المقدس.، وفي طريق العودة ..، وكانت أشواق حنا قد التهبت.. ونظر حوله فلم يجد أحداً على الطريق سواهما.. ونظر إليها نظرة فهمتها وأحست هي الأخرى بها..ن ولا شعوريا راحت “تريزاً” تنظر أسفل الطريق المتدرج من باب الدير حتى أول الطريق إلى النجع، دعم حنا عينا “تريزا” وهما زوجان ناحية “الخص” الذي يقبع على جانب الطريق.، والذي كان قد أقامه ذلك الرجل العجوز الذي يزرع قرابة الثلاث قراريط بجانب الطريق القريب من الترعة..، كان الرجل يزرع الحرص والفجل وبعض الخضروات الأخرى.، .. ويأتي ليستريح في ذلك “الخص” وقت القبلوة، وقبل غياب الشمس يغلق بابه بقطعة من الحبل” يشبكها” في حائط “الخص” بمسمار، ويتركه هكذا ويذهب إلى منزله في النجع.!! فهو لا يحتفظ فيه بشيئ أكثر من حصير يستريح عليها في الظل.. وحره المياه. ، لمح صناعيتا “تريزا”.. وهما تروحان ناحية “الخص”. وفهم ما يجول بخاطرها.. وواققها بنظرة منه، وألمح إليها أن تذهب هي أولا إلى الخص”. وجلست هو يراقب المكان من حوله أثناء ذهابها.. فلربما كان أحد غيرهما هنا يلمح دخولهما..!!، واطمأن ألا أحد يراهما.. وذهب وراءها.. ودخل عليها”الخص” وأغلق من الداخل.. وما أن نظر إليها حتى ارتمى بجوارها على الحصير.، ونسيا ما حولهما.. وضرب إليه وضمته إليها بشوق جارف – وأراحا في –
وبياهما الخاصة بها- حتى خلع حنا جلبابه الطويل الذي يضايقه .!! وخلعت تريزاً” أيضا جلبابها الأسود الطويل، وظلت بقميصيهما “البيتي” الذي غالبا ما تنام به.!! وما إن نظر حنا إلى ذراعيها العاريتين، وصدرها الغائر المتفجر من فتحة القميص الواسعة.. حتى أرتمى في أحضانها.. وكان ينزع عنها حتى ذلك القميص الداخلي، الذي تخيل أن يعوق تلامسهما وتلاصقهما وأحضانهما الملتهبة.. ، لولا أنهما .. فجأة .. أحسا بأصوات تأتي من بعيد وتقترب نحوهما.!! إنها هنا ذات زاعقة ضد أحد.!! من يا ترى.؟! من في هذه المنطقةيهتفون هكذا ضده.!! وخافوا أولما خافوا – على الدير، وسكانه.. واقتربت الأصوات.. وتبينت شيئا فشيئا. إنها تقول في وضوح الآن.. (الموت للفجرة …) ..، (لابد من رجم الفاجر والفاجرة..). لا .!! لابد أن يخرج حنا ليستطلع الأمر إذن، وهم ليلبس جلبابه.. ولكن ها هي الأصوات قد اقتربت منها جداً.. إنها توشك أن تقتحم عليهما الخص”.. الأمر إذن يخصهما.!! وإذن هما المقصود بالفاجر والفاجرة..!! اتقذنا يا مخلص..!!
وبسرعة علم حنا جلبابه في يديه،، وتفع “تريزا” مثله فتأخذه جلبابها في يديها ويخرجان من الخص هكذا.. بما كان عليهما من ملابس تعتبر في هذه المناطق ملابس داخلية.!!، ويا للمصيبة .!! إن الأصوات الزاعقة الثائرة كانت فعلا تقصدهما فها هم بعض الشباب من أهل المنطقة يتبعونهما.!!، بل يجرون خلفهما. وتتعثر “تريزاً” إذ كانت تجرى حافية على الرمال والجص في الأرض الجبلية، !!، ووقعت فأمسك حنا بذراعها يقيمها من عثرتها وانكشف خلال ذلك ساقاها وفخذاها.. فهاج الشباب الثائر أكثر وأكثر..، وضاعف حنا وتريزا من جريمهما حتى وصلا إلى باب الدير بعد أن كادت أنفاسهما تتقطع.، وأخذا يدقا من الباب الكبير المغلق بشدة.، وينظران خلفهما فيجدان الأهالي يتكاثرون ويهرعون ثائرين نحوهما.. وهما على باب الدير .. حتى اقتربوا منهما. بل أصبحو على بعد خطوات منهما حينما فتح باب الدير.. وألقى “حنا” وتريزا” نفسيهما داخله على آخر رمق.!! لقد ارتحيا على الأرض داخل الدير رميا لا بأس .. حتى يتمكن من فتح لهما – من إغلاقه بسرعة.!! .. وجاء “رئيس الدير” ونظر إليهما – ولكن هذه المرة باحتقار شديد.!! وسرعان ما انقلب الإعجاب بحنا إلى تطران اشمئزاز وتحقيره.!!
بل فكر رئيس الدير لحظة أن يفتح الباب ويلقي بهما خارجاً وليفتك بهما الثائرون .، لولا أنه خاف على نفسه وزملاءه وتلاميذه.. سكان الدير الطيبين.، فهو لا يضمن هؤلاء الغوغاء في مثل هذه الظروف.!!، واختار الرجل الطيب- ماذا يفعل؟! وأنقذه حنا من التفكير.!!، حين قال له بسرعة إن عليه أن يقوم بالاتصال بالتليفون- وأعطاه الرقم – بمنضرة العمدة السحيص لإبلاغ حمدان أبوالعينين ليأتي فورا إلى هنا- فلن يستطيع أحد إخماد ثورة هؤلاء الغوغاء خارج باب الدير – إلا حمدان.، ويرفع الحاج عبدالموجود السميعي سماعة التليفون عنه، ليحد من يكلمه يقول في لهفة شديدة (خالك حمدان يحلق حنا النصراني في الدير القبلي على وجه السرعة .. حنا واقع في مصيبة وما حدش يقدر يحلقه غير حمدان.)،
.. وفي أقل من ساعة.. كان حمدان أبوالعين يقف بفرسه أمام الدير وسط الجموع الغاضبة – يسأل ماذا حدث..؟! وأنيحنا.؟!.. أين حنا؟!!.. وجاءه الرد من ذلك الشاب الواقع بجوار باب الدير فتأهبأً .. قال الشاب.. إنه هو نفسه الذي اعتدى عليه “حنا” وضربه بالسوقة لمجرد أنه نظر إلى تريزا.. وعاكسها بكلمات بسيطة .!! وها هو حنا نفسه اليوم” يفجر” معها في الخص”. .!!، وهؤلاء الأهالي – كلهم شاهدوه وهو يهرب معها من “الخص”. بملابسهما الداخلية.!!، وإذن لابد – يا ضبع الجبل- من رجمهما معا.!! وصرخ حمدان أبوالعين في الشاب (اخرص .!! مالك انته بالحكاية دي..؟!.. أنا نفس حادخل أشوف الحكاية إيه. ياللا .. يا للا انته وهوه .. كل واحد يروح يشوف مصلحته، وأنا أللي حاعمل اللي حاشوفه صح.، يا للاه..، ياللاه !!، ويتفرق الجميع، ويمشى الشاب وكل من مه من الثائرين، ويطرق حمدان أبوالعين باب لادير قائلا.. (افتح يا سيدنا .. أنا حمدان.) .. ويفتح سيدنا – رئيس الدير –الباب- ليدخل حمدان بفرسه.. ويغلق الباب فوراً خلفه.!! وينزل حمدان من على ظهر حصانه ويسأل فوراً.. أين حنا.؟! أين هنا؟!.. فيجيبه الراهب الطيب بأن حنا “وتريزا” بخير.. وهما الآن يستريحان بغرفة مكتب رئيس الدير الغريبة من هنا.. ولا شيئ هناك.، وكان رئيس الدير قد أمر من قبل بإدخال حنا وتريزا إلى الداخل ليغتسلا، ويرتدي كل منهما جلبابه الخارجي الطويل.!!، وقد فعلا..، ودخل حمدان مع الراهب ورئيس الدير إلى حجرة لا تبعد كثيراً عن الباب الرئيس للدير عن الداخل.، هي حجرة مكتب رئيس الدير.، وفيها نظر حمدان ليجد حنا وتريزا .. يجلسان على أربكة خشبية.. ولكنهما ينكسان رأسيهما كأنهما ينتظران حكم الإعدام.!!، وزعق حمدان في حنا يغيظ شديد.
حمدان: (صارخاً بغضب) قوم.!!.. قوم ياس حنا يا للي عايقولو عليك.. وراع حمدان أبولعين اليمين .!!.. قوم..!!
- -ويفر حنا واقفا.. ولكنه ينظر بأس إلى حمدان.. ثم إلى رئيس الدير.. ثم يريد وجهه عنهما ليجهش في البكاء.!!، في حين تهرع “تريزا” إلى ركن بعيد بالحجرة لتنزوي على نفسها وكأنها تريد أن يبتلعها الحائط.!! وتخبئ وجهها بكفيها.. وتجهش هي الأخرى في البكاء وهي تقول بحرقه .. (والله يا بونا .. والمسيح الحي ما حصل.. حاجة.!!، )، وكأن الراهب الطيب قد رق لحالهما فتوجه إلى حمدان قائلاً …
رئيس الدير:- حلمك عليهم يا حمدان يا ولدي. !! ما نته عارف.. العشق ياما هد جبال وذل، رجال.!! وعموماً برضها – وتشكر الرب- ملحوقه.، إن شاء الله ملحوقه.!!
حمدان:- يا سيدنا .. حنا دا.. أنا كنت عامل حسابي أنه .. حايكون بكائي.. ويسدعني في أي ظرف.!! ليه؟!
رئيس الدير:- (في نبذة عطف).. صدقني يا ضبع لاجبل.. حنا وتريزا.. كانوا لسه ماشيين من هنا بعد ما اتفوقا عالجواز..، وأنا نفسي وعدتهم إني حاشرف على إكليلهم عند راعي الكنيسة الانجلية في ضميم.!! وأهي “تريزا” بتقول ما حصلش حاجة..!!
حمدان:- (بعد أن هدأ قليلاً . لهذا الكلام) .. يعني رأيكم إيه دلوك .. يا سيدنا .؟! أنا تحت أمرك.. وكمان مصلحتهم تهمني.!!
رئيس الدير:- (برقة وطيبة قلب ظاهره).. كل خير إن شاء الله .. يا ولدي يسترو عليهم.. والرب راعينا وراعيهم.، انته بس عليك إنك تأمن خروجهم لحاد الكنيسة في ضميم.. وأنا حاتفق مع القيس الراعي هناك.. بعملهم الإكليل والفرح على حساب الكنيسة.. .
حمدان: (بحميه) وه .. واحنا روضافين يا سيدنا.. واحنا غالي عليا قوي.
رئيس الدير:- (باستدراك) وانته برضو فيك بركة يا ولدي..!! أما إن كان على الجواز نفسه.. آهي تريزا عندها بيتها و”نجع الخور” .. ينفع وما هم وضا جدع ويستاهل ..واحنا برضه حانساعدهم على كد ما نقدروا.،
حمدان:- (وقد اقتنع بكلام وحكمة سيدنا).. ماش كلامك يا سيدنا .. حدد انته بس المعاد مع الكنيسة في حميم.. وأنا يومها اللي حاجي بنفس وأصيب معاني حصانتاني.. واركبهم همه التنين عليه وازفهم بالطبل والزمار لحاد هناك.. ولحاد ما يتم الكليل في الكنيسة.. ونرجعوا بينهم.. ويبقى حد يقول عليهم كلمه.
رئيس الدير:- (وقد سره كلام حمدان).. يباركك الرب يا حمدان ..خلاص.. خد حنا معاك.. وخا للي تريزا تروح بيتها مدام في حماية الرب وحمايتك .. يمكن تحب ترتب حالها قبل الجواز.!!
حمدان: (وكأنه تذكر شيئا) .. لاع.. أنا حاجهز لهم مطرح حدانا في نجع السمايعه، وبعد ما يتجوزو.. ويبقى خيار اجلها مسئول.. عنها. يبقو يروحوا بيت تريزاً في “نجع الخور”. بس انته يعني تخاللي تريزه عندك.. وأنا حاخد حنا معاي.. وابقى بعتلي حد يبلغني بالمعاد اللي حا تحدده مع الكنيسة في حميم..”.
- ووفي الحبيبة تريزا على ظهر الحصان حتى نجع السمايعه.!!، حيث كان حمدان قد دبر لهما حجرة ملحقة بالمنضرة الكبيرة هناك، ليعيش فيها حتى يتدبر أمرهما. في منزل تريزا.. بنجع الخوره، ولكن .. لم يكن قد مضى شهر على زواجهما حينما ذهب حمدان كعادته ليطمئن عليهما. ويغدق عليهما من أموال “الزكاة” التي حصلها في غياب حنا حين كان الأخير مشغول بأمر زواجه .. حتى فوجئ “بتريزا” تبكي بكاءاً مراً.. من معاملة حنا ، وضربه لها كل يوم على أتفه الأمور .!! وتعجب حمدان .. أين ذهب الحب.؟!!.
- كان حمدان يجلس تحت النخلة “الضكر” .. الوسطى فيما بين الثلاث نخلات التي في “المفارق” بالقرب من مبني “الطوف” الذي دائما ما يقضي فيه ساعة ا لقيلولة قبل أن يذهب إلى مقره- الذي لا يعرفه أحد- بالحبل قبل أن يهبط الظلام.!!، جلس حمدان في ذلك اليوم ساهماً.. يتأمل حاله ووحدته.!! فها هو قد شارف على الأربعين من عمره..، وليس له زوجة ولا ولده.!! فقد كان طلق زوجته- ابنة عمه- من أجل أن يكون اعزباً حيني يتقدم لنظيره.!!، صحيح أنه لم يكن يحب زوجته هذه، وحتى لم ينجب منها.، ولكنه لم يفكر في طلاقها إلا بعد أن رأي نظيره.، وتعلق في أهداب عينيها.، وها هو الآن يجلس وحيداً.. في حين أن “حنا النصراني” تابعه الذي يأتمر بأمره.. غارق مع زوجته تريزا الجميلة في العسل.!! ، وها هو.. “حمدان أبوالعين”.. ضبع الجبل.. الذي يفرض – من وجه نظره- العدل بقوته وهيبته وسلطانه على المنطقة كلها- محروم حتى من مجرد زوجة تؤنس وحدته وتقوم على طلباته.. ويمارس معها طاقته وحقه كرجل.، وأي رجل.!! ولكن ها هي قد ضاعته أخلافه في الجب والزواج بمن أحب.، ولم يعد له أمل في الحبيبة!! ما هذا؟! هل يغار حمدان من حنا. !! والسعادة التي تعيش فيها مع تريزا.؟! لا.. كان حمدان يجب حنا.. ولا يطيق حتى أن يسمح لنفسه بمجرد الغيرة منه. ولكنه كان فقط يأس لحالة إذ لم يستطع وهو “حمدان ابوالعين”.. أن يفوز بمن أحبها وملكت قلبه وحواسه كلها.. كما فعل حنا.!!
هاجت بواعث حمدان.. وراح يردد.. فيما بينه وبين نفسه بعض ما يرتجله من “الزجل” في نظيره.، وها هو يزداد به الوجد حتى علا صوته دون أن يشعر بنفسه وهو يقول:
حمدان:-
|
يا نظيره فينك تعالى.. |
واطيفك جاي على الخاطر. |
|
|
آه يا غزال.. والحرده ز |
ي التاج.. تنطق على القورة. |
|
|
والكحلة في العين.. تلاغي |
العين.. والشفة مطبورة |
|
|
أنا ضبع الجبل فارس بير |
العين.. وحداكي قليش خاطر. !! |
|
|
وعجبي.!! |
- وكان حنا يعلم بالطبع ما يعانيه حمدان من هذا الحب، وهذه اللوائح التي تلازمه، وكان يشفق عليه من هذا الحب، ويخاف أن يتسبب ذلك في ضياع هيبة حمدان التي هي سندهم الوحيد في فرض سيطرتهم على المنطقة، فلو ضاعت هذه الهيبة من قلوب الناس.. إذاً لضاع كل شيئ.!! وكان حنا قد جاء في هذه اللحظة إلى مكان حمدان، ووقف على مقربة منه- حينما كان حمدان ينشد ما يقول دون أن يشعر بحنا.. وفوجئ حمدان بحنا وهو يخرج له من خلف النخلة التي بجواره .. صائحا.
حنا: ويعدين يعني في أمرك العجيب وا يا ضبع الجبل.؟!!
احنامش حا نفوقو عاو من حكاية الحب دي.؟!
حا نسيبو مصالحنا.. ونقعدو نقولو شعر في الحريم؟!! ثم يضرب حنا “شومته” في الأرض في غيظ قائلا..
حنا :-
|
حاتعيش يا صاحبي سرحان |
وتعيش يا صنيع ساكت”. !! |
|
|
العشق هدك يا حمدان |
وخكي قليبك كتاكت.!! |
يميل حنا ليلتقط شومته من الأرض، ويقوم وهو يدقها في الأرض في ضيق وحنق، وشفقة على حمدان قائلا..
حنان: يا ليل يثايه .. وفيك الهلف يتمشى.
الضيع تايه جعان.. والديب عايتعش ، .!!
- ويقترب حنا من حمدان الجالس على الأرض ساهما. ويمسك ذراعه.. لينهض معه. فيطاوعه حمدان.. ويقف وهو يقول:
حمدان: معلهش يا ظهر.. إعمل فيه ما بدالك.
كاظم على البير وأنا العطشان ما زقاني..
وأنا ابوالعين.. يا ظهر .. خد بالك.!!
ويمشى حمدان وهو يتؤكأ على كتف حنا .. ثم يهيج قائلاًَ..
حمدان: آه يا نظيره.. فينك أشوفك كيف .؟!
يا غزال وشارد .. وهادك هلف مش عالكيف…
بالنبلة صادك .. وأنا الفارس وماسك سيف.
ويتعثر حمدان وهو يتكئ على كتف حنا.. فيقول حنا بسرعة .. “باسم الصليب..”!! صلب طولك أمال يا ضبع الجبل.. يووه.!!
فيقول حمدان بأس ومراره.
حمدان: البير نشفت يا حنا… والضبع ما بك ريقة.
أنا كنت صنيع حمدان… والخلق منى فـ ديقه..
وصبحت قط حمدان … ما تقول ياحنا الحقيقة..
تؤثر كلمات حمدان الأخيرة في حنا تأثيراً بالغا.. فيكاد يبكي.. ولكنه – يرفع جهه في وجه حمدان .. بعد أن يتماسك .. قائلا.
حنا:- ما تشد حيلك يا بوالعين.. الدنيا دي زي طاقة ..
عاتطل منها علىكل زين… وآهي العين ياما عشاقه..،
والظهر قلاب بابوالعين… ومصير الحي يتلاقه .!!
* * * * *
- وهكذا كان يعيش حمدان أبوالعين” ضبع الجبل الشرقي وفارس” بير العين”.. منذ أن فقد الأمل في حبيبته نظيره الدويره..، ولكنه كان دائما ما يتلمس أخبارها عند بخيته الحلبية.. ودائما ما يبحث عنها في “زوار”
بير العين، .. لعله يصادقها، وإن كان يوقن في قراءة نفسه – أنه لن يستطيع لو صادقها- أن يقترب منها.!!
كان حنا قد اتفق مع زوجته “تريزا”.. على الوقوف بجانب حمدان في محنت. فهو الذي حما هما في محنتهما، وكان زواجهما هذا بفضل وقفته الرجوليه وشهامته في حمايتهما من أناس الذين شاهد وهما وكادوا يفتكون بها.. أثناء لقائهما و”الخص” عند الدير.،ومساندتهما أمام “رئيس الدير” الذي كاد يتخلص منهما بإلقائهما للغوغاء خارج الدير.. لولا وصول حمدان.!!،.. كان حنا يطلب من زوجته “تريزا” أن تجهز الطعام الفاخر لحمدان كل يوم – “وآهو كله من خيره” .. وتأتي به إلى “البني الطوف”.. الذي يقبع فيه حمدان وقت القيلوله.، وكانت “تريزا” تفعل ذلك راضية ومقتنعة بفضل حمدان عليها..، وعلى حنا، وراحت “تريزا” تسرى عن حمدان أثناء ذلك.، وتتجاذب معه أطراف الحديث عن النساء في “بير العين”. وعن الحاجة “بخيته الحلبية” وحتى عن “باتعه” خادمة حمام الحريم.، وعلى ذكر باتعه.. حكت له “تريزا” عن حكابنها داخل الحمام.. حينما خلعت ملابسها كلها ثم وجدت “الجردل” الذي ستأخذ منه الماء فارغاً ..وكيف أن “باتعة” تركتها هكذا عاريه تماما.. إلى أن ذهبت وأحضرت الماء من البئر.، وكانت هي خائفة و.. و..، وتطرق الحديث بالطبع عن نظيره، وراح حمدان يشكو “لترزا” لواعجه وخبه واشتياقه إلى نظيره وإحساسه بالوحدة من بعدها..”. وانتظاره وكأنه على الجمر لليوم الذي يراها فيه.!!
وهكذا .. حتى تطرق الحديث بين حمدان وزيراً.. إلى علاقاتها – أي علاقة تريزا الزوجية بحنا.!! ولماذا بقسو عليها ويضربها.؟!، وراحت تريزا “تشكو لحمدان من سوء معاملة حنا لها.. وأنه دائما يهينها ويضربها على أنفه الأسباب.!!، وراحت مرة بعد مرة- تكشف له عن كتفها وظهرها لتربه آثار الضرب المبرح.!! وراح حمدان يواسيها.. حتى رق لحالها..، وتعجب .!! كيف يستطيع حنا أن يضرب هذه الجميلة الرقيقة الضعيفة..؟! كيف هان عليه أن يضربها حتى يترك هذه الآثار على هذا الجسد الجميل الرقيق.. الذي هو نعمة ما بعدها نعمة.. بين يديه ولا يقدرها.؟!!، ولكن حمدان كان .. في نفس الوقت – لا يستطيع أن يفاتح حنا.. أو يعاتبه في شئ كهذا !! فهو بذلك كأنه يفشى سر المرأة التي ائتمنته على أسرارها مع زوجها.!! ولكن تريزا” يوما بعد يوم- كالنت تتمادي منى شكواها من حنا.!! حتى لمح حمدان في عينيها حزنا وأسئ شديداً.. وتعاسة.!! وتساءل.. لم كل هذا ؟! واهتز حمدان وهو يسمع من “تريزا” أن حنا عاجز عن مطارحتها الفراش.!!، وأنه ليس لديه ما لدي الرجال .. حتى العاديون منهم..، وأنه –أي حنا – كل ليلة يهجم عليها وهي عارية معه، ثم سرعان ما ينهار ويتصبب عرفاً، ويبعد عنها دون أن يفعل شيئا.. وهو يجهش في البكاء.!! !! ثم يقوم بعد ذلك لينهال عليها ضربا .. لإحساسه بعجزه عن معاشرتها..، وما ذنبها هي.. إنها تتحرق شوقا إلى المعاشرة الزوجية.. ولا تدري ماذا تفعل.؟! إنها تعيشه.. تعيسه.!! وراحت تبكي أمام حمدان بكاءاً مراً..!!
.. وقال حمدان في نفسه يا للعجب.؟!!.. أهذا هو حنا الذي كان هو نفسه –أي حمدان- يحسده على زواجه وسعادته مع هذه الجميلة الفاتنة؟!! وكأنه حمدان قدنس مصيبته ليفكر في مصيبة حنا.!! ولكن وجد أن مصيبة “تريزا” أكبر.!! فما ذهب هذه الجميلة أن تعيش هكذا .. طول عرها.. دون أن يطفئ شوقها الأنثوي الذي هو حقها في الحياة.؟!! مكان تعاطف حمدان مع “تريزا” أكثر.!!
وراح حمدان يرسل حنا في المشاوير” البعيدة – بعد أن كان يشفق عليه بعد الزواج.. ولا يرهقه بمثل هذه المشاوير” .. حتى يبيت كل ليلة في حضن زوجته وحبيسة “تريزا” ولكن – والحال هكذا.. كما حكت تريزا” نفسها.. فما فائدة أن يبيت معها.؟! يلي على العكس .. فمن الأحسن أن يبيت بعيدا عنها.. على الأقل لتتجنب الضرب كلما عجز عن معاشرتها.. ليثبت لها أنه رجل.!! وهو تعلم أنه رجل من الخارج .. وأنه بطل في المعارك ..، ولكن أين رجولته معها.. كامرأة..؟!!
-*-*-*-*-
كانت نظيره الدويري”.. قد عقدت النية على الذهاب.. بابنتها “عفاف”- ذات السنتين من عمرها- إلى “بير العين”.. آملة في شفائها من مرض الحمى.. بعد أن نصحتها بذلك” الحاجة بخيته الحلبية”.،
وبعد العصر من يوم الخميس.. لحقت نظيره وبصحبتها “عفاف” بآخر ميعاد للحلزونة” التي تقوم من البندر إلى الشرق.، ووصلت “عرب الدوايرة” قبيل الغروب.، واقتربت من منزلهم. منزل آل الدويري- وهب الكلب الأسود الضخم الذي يرابض بجوار الطلبه، وخافت عفاف واختبأت في أمها.. مما جعل نظيره تصرخ في الكلب” بسر الجرح والتعديل (“ونادت مرتين على مطاوع الكلاف. الذي جاء مسرعا وهو يلقي قطع الطوب علىالكلب، ويصرخ فيه “بسر جره”. وسكت الكلب بعد أن استشعر أن القادمين ليسوا غرباء.!! وبدأ مطاوع يهلك ويرحب بنظيره وابنتها.، إلى أن دخلتا إلى المنزل.، ودخل مطاوع وراءهم بنادي بأعلى صوته:-
مطاوع:- يا حاجة كوثر.. يا حاجة صفيه.. بام كمال.. يام كمال.. !!
وكانت صفيه هي الأقرب لسماع مطاوع فجاءت من الداخل مسرعة.
صفية:- (بانزعاج) .. فيه إيه يا مطاوع.؟! مابك عاتزعق كده ليه،؟!
وتفاجئ صفية بنظيرة وابنتها “عفاف” تجلسان على الكنبة.. بصحن الدار.، فتواصل كلامها مرحبة مهللة.،
صفية: وآآه.، أهلا يا نظيره.. كما نها الدنيا منوره.؟!
نظيره:- (وهي تقف وتفتح ذراعيها لصفيه) منوره بيكي بام كمال.. وتسرع صفية إليها وتأخذها بالأحضان والقبلات الحريمي المعتادة، ثم تميل على عفاف وتأخذها في أحضانها قائله.. .
صفيه:- عفاف! ازيك يا غالية بابث الغالية.، صلاة النبي عليكي.. إيه الحلاوة دي يا مضروبه.. الله أكبر..!!
-وتحكي نظيره إل صفية عن مرض “عفاف” بالحمي، وعن السخونة الشديدة التي تأتيها كل ليلة، ونيتها في الذهاب بها غدا إلى بير العين، وهنا – تأتي كوثر من الداخل فترحب وتهلك بنظيره وابنتها بالأحضان ، ثم يقطع الكلام والسلام صوت الحاجد كاظم قادماً من الخارج وهو يأمر مطاوع بأخذ البغالة لإدخالها إلى الحوش، ثم يدخل عليهم فبكاهئ بنظيره، فيرحب بها ويسألها من حالها وحال زوجها همام معها، فتطمئنه على الأحوال.، ثم يسألها..
كاظم:- إيه أمال.. مش عوايدك تاجي آخر النهار كده.؟!..
صفيه:- (فكأنها تأخذ زمام المباردة بالكلام من نظيره).. البت عفاف ياخويه قال إيه اسم الله عليها عندها طرف رحمه الله ، فأجابه عشان بيت وتروح فيها الصح بدري على بير العين.، (ثم تسترسل).. إيه رأيك يا حاج- ما بالمرة أروح معاصا بالواد كمال.. نزوره البركة..؟!!
كاظم:- (وهو يمتعض) بير العين.؟!!.. أنا ما عنديش اعتقاد في الكلام ده.!!
وبعدين كمال كبر عالحاجات دي!!، عنده ست سنين يعني حايروح المدرسة على أول السنة الجديدة إن شاء الله.
نظيره:- يا خويه اسم النبي حارصمه وصاينه.. هوه فيه أمال.؟!، ما تخليهم يا حاج يا جو معانا.. الروحة إن ما نفعتش .. شئ حاتخصر.!! وبعدين إحنا حانخضرو ضهر الجمعة هناك وناجو على طول.،
كاظم:- (وهو يحاول تغيير الكلام) كمال كان ورايا .. دخل مع مطاوع عشان يشوفه وهوه عايربط البلغة ويحطلها العليقة.،
صفيه: (باستعطاف) ما نروحو معاهم وبس ياحاج.!! أصله كمال كان ديك النهار جسمه حمي شويه كمان..!!
كاظم:- (نزولا على رغبة حبضه) خلاص.. إذا كان كده.. يبقي يروح معاكم كمان مطاوع، يجيبلكم عربية كار” مخصوص تاخدكم من هذه .. وترجعكم.، وبعدين قومي دلوك حضرولنا العشاء.. والصباح رياح.
(وتقوم حطبه وهي تنادي على “البت سعديه” زوجة مطاوع التي جاؤا بها بعد زواج نظيره لتساعدهم في المنزل، ثم يدخل عليهم كمال.. فيسلم على عمته نظيره.. ويفرح “بعفاف” ويلاعبها.،
وفي الصباح الباكر من اليوم التالي –الجمعة– قام كمال مبكراً ليوقظ عمته نظيره وابنتها عفاف، فقد بات يحلم بالرحلة التي قرروها ليلة أمس إلى “بير العين”، وكان مطاوع قد اتفق مع “عربجي كارو” ليأتيهم في الصباح الباكر، وكانت العربة” لها سقف من القماش المنصوبة على أربعة قوائم مثبتة في أركان العربة.، وليذهب معهم مطاوع ويعود بهم قبل الغروب، وها هو مطاوع يستعجلهم فقرأتت العربة أمام الباب وأخذ هو “الفقه” المليئة بالعيش وبعض الأطعمة، والحصير، وجره الماء البارد من “الطلمبة”، .. وتذكرت كل من صفية ونظيره.. كل في بردتها السوداء، وأخذتا كمال وعفاف بجوارهما.، ووصلوا إلى منطقة بير العين في وقت الضحى.، وأختار مطاوع مكانا بالظل خلف ضريح الشيخ، وفرش فيه الحصير، وجلس الجميع يتفرجون على السوق ، والقادمون من القرى والبنادر- وهم لا يفعلون شيئا بعد زيارة الشيخ والسبيل والحمام- سوى التسكع وشراء الحاجات، مثل الفول والحمص والحلوي، وبعد صلاة الظهر- يتدافع الزوار حول البئر حيث يكون الشيخ قد خرج وأخذ من ماء البئر وتؤضأ منها لصلاة الظهر، فإذن قد نالت البركة كل ماء البئر.؟؟، يتدافع “الزوار” وكل منهم معه إناء يقدمه لخادم البئر الذي يسحب الماء من البئر “بالدلو” المربوط بحبل طويل ملفوف حول “بكرة خشبية” تسمى “الجبن”، ويقوم خادم البئر بتوزيع ما يسحبه من البئر على الآنية المقدمة إليه بالترتيب.!!، ويأخذ مقابل ذلك قرش صاغ أورغيف عيش بلدي كبير.
جلست نظيره بجواره صفيه تتجاذبان الحديث في كل شئ.، وجلست عفاف بجوار أمها، وكان الهواء الجبلي الجاف.. مع “طرطشة” الماء الذي يلقيه الزوار على رؤوس أطفالهم ووجوههم.. ويترك على الأرض مما يجعل الجو ليطفا. يدعو للنوم .، وجاء مطاوع “بالمعاد المبارك” من “بير العين” وأخذت نظيره رش على وجه عفاف وتصب على رأسها، وكذلك تفعل مع كمال.. ثم ما لبثت عفاف أن راحت في النعاس بجوار أمها في حية راح كمال يسأل أمه عن كل شيئ يراه، أمامه.!!،
راحت نظيرة” تنظر حولها تبحث بين الرائمين الغاوين عن “الحاجة بخيته الحلبية” ..، فهي التي أقنعتها بالحضور إلى هنا، ووعدتها بأنها ستكون معها.. وأنها ستحاول أن تدلها على “فارسها القديم الذي حكت عنه”. حتى تراه ولو من بعيد.!! ،وها هي قد لمحتها من بعيد، فقامخت نظيره وتعللت لصفية بأنها ستذهب إلى “المرحاض” الغريب من هنا- خلف السبيل-، وأسرعت لتقابل بخيته”.، وقابلتها بخيتة بترحاب شديد وأسرت إليها أن “حمدان” هنا الآن.!!، وأنها حالا ستذهب وتأتي به لتسلم عليه، ولكن بيدأ عن هنا .. فليكن عند “الحمام الحريمي”..!!- وكان حمدان على علم بقدوم نظيره من الحاجة بخيته وينتظرها بفارغ الصبر.،
وجاء حمدان مسرعاً مع “بخيته” لمقابلة نظيرة، ولم تفاجئ نظيره بأن حمدان هو نفسه الفارس الملثم الذي قابلها ونظر في عينيها ونظرت في عبدليه اللتان لم تستطع نسباتهما منذ جاءت مع كوثر- منذ أكثر من ثمان سنوات.!!، وتركتها المرأة الخبيثة “بخيته ” بحجة ما..، وراح حمدان يذكر نظيره بلقائهما الأول، ويقول أنه منذ ذلك اليوم لم ينس وجهها الصبوح ولا عينيها الجريئتين الجميلتين، ولا جرأتها عليه حينما كلها !! وقال أنه قد ذهب مرتين إلى أخيها كاظم ليخطبها منه ولكن كاظم رفض ولا بدري لماذا.؟!
وتمادي حمدان في الشكوي لنظيره من النار التي تأكل قلبه شوقا إليها، وعذابه في بعدها.، وتعجبت نظيره كثيراً لما سمعت!!، فهي لم تكن تصدق. وإن كان سرها ذلك.. أن حمدان أبوالعين بهذه الرقة وهذه المشاعر الفياضة ناحيتها ، وسرها أن تكون محبوبة ومطلوبة من فارسها القديم الذي سحرتها عيناه من قبل وعاشت تحلم به، وسرها أيضا أن يكون تمارسها هذا هو “حمدان أبوالعين” الذي انبهرت يسيرته ورجولته كل النساء اللائي سمعن عنه قبل أن يرونه.،
وأفاقت نظيرة من سرحانها لتسمع كلام حمدان الذي ما زال يبثها أشواقه. حتى كادت أن تقع فريسة لكلماته الساحرة، وبهذه الجرأة والصراحة.. (التي قد تكون بخيته الحلبية هي التي شجعته عليها !! ، والتي جعلت تظهره.. تشعر بالدوار اللذيذ.، حتى كادت تنس نفسها ورتمي في أحضان حمدان !!، ولكنها ، فجأة تمالكت نفسها، وحفلت فيه، وذكرته بأنها اللآن متزوجة ولا يحق لها التفكير في غير زوجها ووالد ابنتها..، وأنها أيضا بنت محمود الدويري.. الأصيلة بنت الحسب والنسب التي تعرف الأصول ولاترضي العيب على نفسها.. مهما كان حبها .!! ومهما دق قبلها له.!!، وتركته بسرعة .. وعادت إلى صفية وكمال، وعفاف التي ما زالت نائمة على الحصير بجوارهم.
ذهب حمدان أبوالعين وقابل” الحاجة بخيته” وكان في حالة يرثى لها من الحزن والشوق والهيام، وتأثرأ بكلمات نظيره الأخيرة.. عندما قالت له.. مهما كان حبها، ومهما دق قلبها.!! إذن فهي تحبه كما يحبها .. ويدق قلبها كما يدق قلبه لها.!!، وقال:” دبريني يا حاجة بخيته.” “أعن إيه.؟!! حاتجن واشوفها تاني”. !! وتفكرتبخيته..، وسرعان ما مالت عليه وأسرت إليه بفكرة جهنمية، وطاوعه على الفور ودون تفكير امتطى حصانه وراح لينفذها.
في طريق العودة .. كان السرور باديا على الجميع، وقد شغلهم مطاوع بغنائه ونكاته مع “العربجي”.، وملاغاته لكمال وعفاف.!!، وفجأة يقترح العربجي أن يسلك بهم طريق “الكوبري” .، وهو الطريق الذي تعلوه على الجانبين أعداء الذرة التي تغطي من يمشى بجوارها.!!، فقد كان هذا الطريق.. رغم خطورة.. أقصر من طريق نجع السمايعة بكثير.، ووافته مطاوع في توجس.!! وسلكوا هذا لطريق الضيق وسط الزراعات، والمتجه “للكوبري” المواجه لقربتهم.. “قرب الدوايرة” مباشرة.!! فهل كان ذلك من ترتيب الغدر.؟! أم أنه من ترتيب “الحاجة بخيته” وحمدان.؟! لا أحد يدري.!!، فها هو رجل ملثم يخرج عليهم ويتبعه اثنان آخران. شاهرين أسلحتهم في وجوه الراكبين على العربة “الكارو”، وأوضح لهم أنه لا يريد شيئا منهم إلا الولد. “كمال”.، وأنه سوف يحافظ عليه كعينية- كما أمره حمدان ضبع الجبل-، ولكن سيأخذه رهينته حتى يدفع والده كاظم ما عليه من الزكاة عن المحصول الجديد، والتي قدرها حمدان مبلغ ألفين جنيه.!!،وتعجبت نظيره.!! إذ كيف يفعل حمدان معها ذلك وهو يعرف أنها مع الولد كمال ابن أخيها.!! ولم يستطع أحد منع حنا النصراني من أخذ كمال، وسط صراخ أمه صفية وعجز مطاوع والعربجي ودهشة نظيره وانعقاد لسانها حتى عن الصراخ، أو كاذا ج؟؟؟؟؟؟؟؟؟ جري لحمدان ؟!، وما الذي دعاه لخطف كمال بهذه الصورة وهو الذي كان منذ لحظات بيتها غرامة وأشواقه.؟!!
كانت بخيته الحلبية تحرص بكل ما لديها من المبكر والدهاء والشر على إرضاء حمدان.، وكانت دائما ما تعرض عليه خدماتها من كل لون.!!، فقد كانت تعرض عليه.. خصوصاً في الفترة الأخيرة بعد أن طلق زوجته. جذب الساقطات الجميلات إلى المنطقة من أجله.، وعرضت عليه أن يذهب هو إليها في البندر متخفيا. المقابلة إحداهن التي كانت من أسرة عريقة هناك.؟؟،وهكذا.. ولكنه كان دائما يرفض الانجراف معها في الرزيلة التي لم تكن في طبعه.؟!
فهو في نظر نفسه ونظر الجميع.. “حمدان أبوالعين”.. الذي ما زال يرهبه الجميع لرجولته وشهامته وبعده عن “العيب” فهو ميزان العدل في المنطقة.!!
وكانت بخيته هذه لشدة فقرها وعوزها وانكسارها لمعرفة الناس لأصلها الوضيع، كثيراً ما تشعر بالحقد على النسوة اللائي يعتززن بأصولهن وشرفهن وعلو شأنهن.!! فكانت تتحين الفرص للإيقاع بهن في الخطأ، ولذا كانت تهتم جداً بوصل الود بين حمدان ونظيره، حتى بعد زواج نظيره من همام الفاوي.،
وكان حمدان كما قلنا قد غضب واشتاط شوقا على شوقه حينما تركته نظيره.. بعد أن أعطيته درساً في الأصول عند “همام الحريم” وذهب من فوره إلى “بخيته”.. يتدبر معها الأمر، وأقسم لها أنه سيعطيها ما تريد.. لو أنها بأي حبلة استطاعت أن تستميل قلبها إليه ونقابله مرة أخرى في أي مكان.!!، وطمعت المرأة في عطايا حمدان السخية.، وأعلمت فكرها ومكرها. حتى أسرت إليه بفكرة خطف كمال.. ، وعلهيا بعد ذلك تنفيذ باقي الخطة التي ستأتي بنظيره طائعة بين يدي حمدان.!!
-دخلت نظيره وصفيه – وورائهما مطاوع ممسكا بين عفاف – إلى منزل كاظم الدويري تؤلو لأن وتصرخان، وتحكيان ما حدث لهما في طريق عوتهما من “بير العين” وكيف أن حمدان أبوالعين” كلف تابعيه بخطف كمال.!! حتى يدفع كاظم مبلغ الفين جنيه.. ما عليه من الزكاة المتأخرة.. !! وكان كاظم يجن لخطف ولده الوحيد، وثار في وجه نظيره واتهمها بأنها السبب، وثار في وجه صفيه وأتهمها بالإهمال في ابنها، وسمع كلام نظيره في ذهابها معها في هذه الرحلة المشئومة .!!، وأقسم عليهما أن تغربا عن وجهه.. ولا تدخلا بيته قبل أن يعود كمال.،
ومن ليلتها عادت “نظيره” مصطحبة صفية” إلى البندر، دخلت الأولى إلى شقتها لتحكي لزوجها همام، ودخلت الثانية لتحيك لزوجها أبهيا وإخويها عما حدث وكان.، وعلم همام الفاوي، وقد كان برغم فقره وكبر سنه شهماً قويى العزيمة والشكيمة.، ذهب مبكراً إلى “عرب الدوايره” ليقف بجانب نسيبه في محنته، وأخذ يحرض أهله، وأهل كاظم، وأهل القرية كلها على الوقوف في وجه حمدان أبوالعين، والذهاب إليه وتخليص كمال من يده ولو بالقوة.!! ولكن الأهل جميعا تقاعسوا متعللين بخطورة الفكرةعلى كمال نفسه.، ولم يجد همام بدا من الذهاب إلى المركز للإبلاغ عن اختطاف كمال على يد حمدان أبوالعين واستشهد بمطاوع والعربجي.، وعلى ذلك قام المركز بتجهيز قوة مكونة من ضابط وخمسة عساكر بالسلاح، ومعهم همام الفاوي ومطاوع والعربجي ليكونوا دليل القوة إلى المكان الذي حدث فيه الاختطاف.، وذهبت القوة إلى نجع السمايعة لاصطحاب عمدتها عبدالموجود السميعي معهم وتهديده إذا لم يرشد عن مكان حمدان وتابعه، وعلم حمدان بذلك، منزل من الجبل، وأخذ معه “حنا النصراني”.. وأختبء للقوة في “غيط الذرة” قبل وصولها إلى دار العمدة السميعي.!!، وعند مرور القوة عليهما وهما في مخبأهما لأمراهما أحد، راحا يطلقان النار على القوة بكل شراسة ولكن الضابط أسرع بعربة القوة حتى وصل إلى أول طريق المفارق، وأنزل العساكر ليطلقوا النار على مصدر الإطلاق الذي جاءهم..، ولكن أني للعساكر الغرباء أن يعرفوا مسالك هذه المنطقة وسط. عيدان الذرة العالية التي يختبئ فيها حمدان وحنا.؟!، فراحوا يطلقون بعشوائية وكتافه، حتى لمح الضباط من بعيد .. رجلان مسلحان وهما يجريان ناحية الطريق المؤدي إلى الجبل، فلملم القوة واستقل العربة بهم وراء الرجلين الذين كانا بالفع لحمدان وحنا.، ولكن العربة لم تستطع الصعود بهم إلى أكثر من بداية المفارق، فاضطر الضابط إلى ترك العربة، ونزل العساكر وأخذ الجميع يجرى في المدق الموصل إلى جبل الشيخ سمعان، ولكن كان “حمدان وحنا” في المستوى الأعلى فكانت القوة والعربة في مرمى رصاص حمدان وحنا المختبأين وراء ضريح الشيخ وهم يطلون وابل الرصاص حتى أحبط العساكر ولم يعرفوا من أين يأتهم بأنهم الرصاص.، وسمع الجميع صوت “فرقعة” أكل من صوت الرصاص.!! وكان ذلك صوت كاوتش السيارة التي معهم؟، فقد أصابه رصاص حمدان وحنا.، وأجهد العساكر وقد أصابهم الإحباط أكثر بعد تعطل السيارة الوحيدة التي معهم، ولكن الضابط الشجاع لم يأبه بشيئ وراح يتقدم ناحية ضريح الشيخ وهو ويطلق الرصاص في كل اتجاه من مسدسة الميري..، وكان قد اقترب من الضريح حينما سكت المسدس في يده!! فقد نفذت ذخيرته.، وينظر الضابط خلفه
ليجد نفسه وقد ابتعد كثيراً عن العساكر والعربة، ولم يدر بأن أحد العساكر قد أصيب في ذراعه فأخذه زملاءه ورجعوا به إلى العربة، وكان مطاوع قد أصيب في ساقه ليسقط خلف العربة.!!، وقف الضباط لا يدري ماذا يفعل.!! ويخرج حمدان من وراء الضريح ويقترب من الضابط بعد أن تأكد من نفاذ زخيرته.، وراح حمدان أن يضحك بهستيريه في وجه الضباط، وكانت هذه أول مرة يتجرأ أحد ويبلغ عنه الحكومة.، وتأتي إليه هنا. بالجبل.!!، ولكن هنا هو قد انتصر على الحكومة.!!، وفي لحظة شهامة. تأتي لحمدان خصوصاً في وقت انتصاره- يلقي حمدجان صاحبتين من ذخيرة مسدسه إلى الضباط قائلا له في زهو وعجرفه (عموماً ياحضرة الزابط.. أنا برضوا حمدان أبوالعين.. أبوالشهامة والجدعنه.، خذ لرصاصتين دول حطهم في سلاحك.. لا حسن وانته معاود يطلع عليك ديب ولا ضبع.. بس ابقى فتكر دي..!!).
وهكذا .. أصبح “حمدان ابوالعين” أسطورة الجبل”، وكثرت عنه الحكايات ونسبت له البطولات ، وأصبح خلال أيام معدودة- البطل الذي هزم الحكومة.!! – في نظر العامة-، وزاد حزن كاظم الدويري وهمه على ولده كمال، وهمه لإصابة خادمة المطيع المخلص مطاوع، ولكنه أرجع السبب في ذلك كله إلى أخته نظيره.، وابنتها عفاف.. ثم إلى زوجها همام القاوي بعنجهيته الفارغة.!! وإصداره على إبلاغ المركز!!، وما إن تكلم مع أخيه راغب الذي كان متواجداً معه منذ بداية المحنة. حتى أشار راغب إليه بدفع الذي كان حمدان فداءاً لكمال.، وسارع كاظم ومعه راغب وهمام الفاوي أيضا.. إلى العمدة السميعي ، فهو الوحيد الذي يستطيع الاتصال بحمدان الآن.!!
وبكل سريه- طلب كاظم من العمدة أن يتوسط عند حمدان ليأخذ مبلغ الألفية حين، ويعود بولده كمال.، وكان العمدة السميعي قد نال ضمه ما ناله من المأمور والمركز. – تحذيراً شديداً.. إذا لم يتعاون مع المركز في القبض على حمدان.!! ولكن العمدة السميعي.. الذي كان في حكم عم حمدان.. تركهم في المنضدة وذهب ليعود بعد قاربة السائمين قائلا لكاظم بأن حمدان قد رفع الفدية إلى خمسة آلاف جنيه .!! وذلك تأديبا له على إبلاغ المركز.!! وأسقط في يد كاظم .. وحيث لم يكن معه ذلك المبلغ الكبير الذي يشترى أكثر من ربع فدان أرض زراعية في حينها، ولا حتى يستطيع تدبيره في وقت قصير !!، وعاد كاظم ومن معه.. بخيبتهم.، بدون كمال.!!
*-* * * * *
كانت نظيره بمفردها في شقتها بالبندر – حيث كان سالم ايضا مع والده عند أقاربه في “عرب الدوايره” ليكون قريبا من الحاج كاظم في محنته- حينما جاءت إليها الحاجة “بخيته الحلبية”.. وكأنها صدفه. !! حيث لم يكن قد جاء يوم الجمعة التالي، وهي لا تذهب إلى سوق بير العين إلا يوم الجمعة ، ولذا فهي لم تكن – من وجهة نظر “نظيره” .. قد سمعت بشيئ مما حدث.!!، وحكت لها نظيره عما فعله حمدان، وكيف أنه قد خطف منها كمال ابن أخيها ..!! وهو من كان يومها يبثها غرامة وهيامه.!! وهل هذه هي الشهامة والرجولة التي كانت دائما ما تحكي لها عنها؟! ، وهنا جاءت الفرصة سانحة للمرأة الحلبية لتنفيذ باقي خطتها التي أضمرتها لإرضاء حمدان.؟!، وراحت المرأة تراوغ نظيره ونفسه على شهامة ورجوله حمدان ومروءته.!!، وأنه يستطيع أن يقف أمام الحكومة والدنيا كلها .. ولا يستطيع أن يكسر بخاطر امرأة تقع في عرضه من أجل شيئ ولو كان فيه حياته.!!، فما بالك وإذا كانت هذه المرأة هي نظيرة التي عشقها، ووقع أسير هواها.؟!!، وراحتالمرأة الحلبية تنصح نظيره بأن تذهب بمفردها إلى حمدان وتقع في عرضه أن يعطيها كمال ابن أخيها – حيث أنها كانت هي السبب في ضياعه.!!، وسوف ترى، وراهنتها أنه لا يوجد في الدنيا من يحيها أكثر منه، وأنه سوف يعطيها كمال ويقوم بتوصيلها إلى أول الطريق في سلام.!!، وصدقت نظيره كلام بخيته الحلبية، حيث كان ذلك آخر خيط من الأمل لإعادة كمال.، واصطحبت نظيره ابنتها عفاف في اليوم التالي دون علم أي أحد.، وذهبت مع المرأة الحلبية.. في رحلة انتحارية. إلى “بير العين”، وعند المفارق يخرج عليهم “حنا النصراني” فتقول له “بخيته ” أنها تريد حمدان في أمر ضروري يخصه مع هذه المرأة، وأنها ستنتظره عند حمام الحريم في سوق بير العين، وهناك.. ولم يمر عليهما وقت طويل حتى أني حمدان، وعلى الفور قالت له نظيره في عتاب قاس .. أنها صدقته حينما قال أنه يحيها، وصدقت ما سمعته عنه من الشهامة والمروءة، فكيف يخطف منها ابن أخيها بين تابعة “حنا النصراني” وقالت له في ضعف أنها تقع في عرضه أن يعطيها ابن أخيها لتعيده إلى أبيه .. لأنها كانت السبب.!!.، وبكت نظيره أمام حمدان الذي سرعان ما لا نت حوانحه ورق لها، بل كاد يميل على يديها ورأسها يقبلها ندما لكي تسامحه ووعدها أنه حالا سيذهب ويعود لها بكمال لتأخذه معها.. إكراماً لمجيئها..!! مرسي الغالية التي لا يستطيع أن يرى دموعها .. أو يرفض لها طلبا مهما كان .!!
وأنه قد يحارب المركز والدنيا كلها، ويفرض على كاظم خمسة آلا فاحين”.. ولكنه لا يستطيع أن يقاوم نظرة الاتهام في عينيها. ، وذهب حمدان لإحضار كما أن.، وجلست نظيره وبجوارها عفاف.. على حافة باب “حمام الحريم” وجلست بجوارها “بخيته الحلبية”.، وكانت نظيرة قد اطمأنت شيئا ما لكلام حمدان، وراحت تمنى نفسها بالعودة بكمال إلى كاظم الذي ثارت وجهها وطردها من منزل أبيها لأنها السبب.، وراحت المرأة الحلبية تجاذبها الحديث، وتمنيها وتزهو بأن فكرتها الصائبة هي التي أعادت لها كمال، وأنها لا تقول إلا ما فيه الصالح لها..!!، وامنت نظيرة على كلامها، فاستغلت المرأة الفرصة، وأمتنعت نظيرة بأن تدخل الحمام لتستحم بالماء المبارك بئرا يعود حمدان بكمال.!! ولما كانت نظيره قد أسرت -من قبل- إلى المرأة الحلبية بجفاء وجفا وعشرتها الزوجية مع زوجها همام في الفترة الأخيرة، فقد أكدت المرأة الحلبية على أن ماء البئر المبارك الذي ستستحم به داخل “حمام الحريم” هو الذي سيعيد إليها طراوة جسمها وجاذبيتها ويجعل زوجها همام فيها نت عليها بعد أن تعود مباشرة !!، وغاب حمدان حتى أحست نظيره بالملل ولم يكن معها بالمكان كله إلا بخيته ، وابنتها عفاف” ووجدت نظيهر نفسها تميل إلى موافقة المرأة على دخول الحمام في هذا الهدوء..!! وأحضرت لها بخيته “دلوأ” مملوءاً بالماء من البئر، ودخلت معها إلى الحمام، وأشارت إليها أن تخلع ملابسها لتهيل عليها الماء، وراحت تداهنها بكلماتها الرقيقة المعسولة.، وأخرجت المرأة من عبها زجاجة قالت أنها زجاجة عطر مخصوص ، وأفرغت الزجاجة في ماء “الدلو”..، وأخذت قرش منه على وجه ورأس نظيره.. حتى تخلع باقي ملابسها، ولكن نظيره أصرت أن تبقي بملابسها الداخلية. الرقيقة الشفافة- فهي لا تستطيع أن تقف عارية تماما أمام أي أحد، حتى لو كانت امرأة مثلها.!! وأفرغت المرأة باقي الزجاجة في الماء- حتى تراخت نظيره- وراحت تشعر بالدوار.!!
فقد كانت الزجاجة مملوءة بسائل مخدر.!! وشعرت نظيرة بالتراضي والخدر في رأسها وجسمها، وراحت تغني، وسايرتها المرأة الحلبية في الغناء، بل راحت تدخل اسم حمدان في كلمات الغناء فتبتسم نظيره..!!
-كان حمدان قد وصل في هذا الأثناء ، ووقفق خارج الحمام.. بينما كان حنا يقف بعيداً بالحصان ومعه كمال.. ريثما يشير إليه حمدان بالحضور، وسمع حمدان غناء نظيره.. وسمع اسمه يتردد فيما بين كلمات أغانيها.. !! ويا للعجب.!! إنها إذن تغني له.!! وهاجت نفسه شوقأ لها.. وكانت المرأة الحلبية قد تأكدت من سريان المخدر في رأس نظيره.. وأنها في سكرتها وغنائها لن تشعر بخروجها- أي خروج بخيته- من الحمام وتركها..، فقامت وخرجت لتجد حمدان على باب الحمام، وأفهمت المرأة بأن نظيرة قد استحمت وليست ملابسها، وخرجت إلى الفناء الذي خلق الحمام لتجفف نفسها على المصطبة، وأنها تريد حمدان أن يدخل إلهيا ليجلس معها بعض الوقت لتجاذبه الحديث فيما بينهما بعيدا عن عيون أي أحد.. حتى بخيته، وصدقها حمدان، فهو قد سمع بنفسه غناء نظيره وهي تذكر اسمه في غنائها .، وفكر حمدان في فكرة يداعب بها نظيره فتدثر بعباءته السوداء وأدخل رأسه فيها.. حتى أصبح كالمرأة الطويلة التي تتذكر في بردتها.!! وأراد حمدان أن يذهب ليدخل على نظيره من الباب الخلفي للفناء الذي تجلس فيه لتجفيف نفسها كما قالت له بخيته، ولكن بخيته أوصت إليه بأن لماذا يلف كل هذه “اللغة” فليدخل من هنا – أي من باب الحمام الخارجي- ويخرج من الباب الداخلي الموصل من داخل الحمام إلى الفناء ليجدها مباشرة على المصطفية تجفف نفسها.. وتغني له.!!، ودخل حمدان الحمام وما أن نظر إلى الحوض حتى فوجئ بنظيره فيه وهي شبه عاريه..!!
فأنزل العبارة من على وجهه وهو ينظر في ذهول..، فقد كذبت عليه المرأة الحلبية وقالت أنها قد لبست ملابسها ودخلت إلى الفناء لتجلس علىالمصطبة تجفف نفسها..، وكاد يعود أدراجه إلى الوراء ليخرج بسرع من الحمام.. لولا أن نظيرة في هداه اللحظة كانت قد لمحتهه وصرخت في فزع.. فاقترب حمدان منها ليهدئ من روعها.. فقامت وصى في فزعها وارتباكها لتمسك بملابسها الخارجية التي خلعتها بجوار الحوض لتستر جمسها العاري تقريبا.. ولكن كانت حركتها ثقيلة من أثر المخدر، ولم تتوازن في وقفتها..، وها هي تنزلق قدمها للأمام على أرضية الحمام.. لتنطرح بطولها وجسمها شبه العراي على الأرض، وتصطدم رأسها بالأرض لتقول آآه.!! ولكنها كانت آهٍ ضعيفة يخالطها الدوار من المخدر، ومن الصدمة .!! ومال عليها حمدان بسرعة يدفعها، واضعا ذراعه اليمنى تحت ظهرها العاري تقريبا، وأمسك بيده الأخرى ذراعها وكتفها العاري تماما.. محطيا بذراعه صدرها الذي خرج معظمه من قميصها الداخلي نتيجة الوقعة.، .. وراحت نظيرة تتأوه بين ذراعيه بكشل مثير.!! وراح هو يقسم لها أنه لا يعلم أنها على هذا الحال حينما دخل عليها، وأن بخيته قد قالت له ..، ولكن نظيره راحت في هربانها وطال تأوهها.!! ولم تحاول حتى القيام لتلم نفسها.!! وظن أنها ترتاح لهذا الوضع بين ذراعيه.!! ونظر حمدان إلى هذا الجسم المثير شبه العاري، والشعر الأسود الطويل المبلل السائح على وجهها.، فراح يقسم لها أنه سيتزوجها بأي طريقة ولو تحدى العالم كله.. لو أنها حصلت على الطلاق من ذلك العجوز همام الفاوي.. واقتربت أنفاسه الحارة من وجهها فشعرت نظيرة بلهيبها وراحت وهي في دوارها وخدرها تقاومه وتحاول التخلص من ذراعيه ولكن بضعف وإعياء يثيره أكثر وأكثر.، حتى كان كلامها همسا ورفضها ومقاومتها تمنعا ظنه حمدان “غنجا” وإثارة.!! ونسى حمدان أنه حمدان .. فارس بير العين، وحامي الحمى صاحب المرءوة والشهامة.!! و؟ن أنها تريده ، وتفعل كل ذلك لإثارته.!! فهو لم يكن يعلم بما فعلته بخيته ولا بوضع المخدر في ماء الاستحمام.!!، وهكذا.. ثارت بواعثه وهاجت رجولته وبلغ ريق حرمانه.، وشمر جلبابه واضعا طرفه .. في فمه.!! وحاولت نظيرة القيام. ولكنه مال عليها. وأخذت تقاوم في ذعف وهو يظن أنها تثيره !! حتى خارت قواها.. ووقعت تحته كأنها في غيبوبه.ن وراحت نظيرة كأنها في حلة لذيذ من تأثير المخدر وتأثير ما آثاره حمدان في جسدها من قشعريرة الرغبة.، وازدادت حركاتاه اللاشعورية تحته حتى زاد لهيبه أكثر، وظن أنها تستمتع معه فراح يطيها المزيد..!! حتى شعر هو بالارتواء، وكانت قد خارت قواهافهدأت حركتها فظن أنها أيضا قد ارتوت.!! فقالم عنها، وحيث لم يعد يستطيع المزيد.!! ثم ..، وكان حمدان قد أفاق لنفسه فقام يلملم ملابسه في دهشة وذهول ملاحد\ث..!! ولكن.!! إنه لا يستطيع أن يبقى حتى تفيق من هذيانها وكأنها ما زالت تحمل.!!، وتطرق إلى ذهنه الشك في أنها ربما كانت فعلا في غيبوبة.، وأن المرأة الحلبية ربما تكون قد وضعت لها شيئا مخدراً جعلها هكذا.، وأن حركاتها هذه لم تكن غنجا لإثارته، وأنها وقعت تحته غصباً عنها.. وأنها وأنها..! وضرب بيده على رأسه.. وأخذ عباءته وخرج من الحمام ليجد بجنبه الحلبية في انتظاهر وعلى وجها ابتسامة ماكرة.، وفهم حمدان تدبير المرأة. وبغرم ما عنده من غيظ منها بصق في وجهها، وراح إلى حنا الذي كان واقفا بالحصان، وبكمال بعيداً ، وأوصاه أن يعطي كمال إلى نظيره ويوصلها إلى أول الطريق المؤدي إلى “غرب الدوايرة”.!!
دخلت المرأة الحلبية بخيته على نظيره، وقد فهمت بالطبع ما حدث وبحركة مكر وخبث نظرت إليها متهللة الوجه في فرح ظاهر.!!، وكانت نظيره قد أفاقت إلى نفسها بعض الشيئ وأخذت تلبس ملابسها الخارجية، ونظرت المرأة إليها لتجدها في حالة من الحزن الشديد، والدموع تترغرغ في عينيها، وكأنها تهمس إلى نفسها.. هل كان ما حدث لها حلما – أم حقيقة.؟! يالهوتها لو كان ما حدث هذا حقيقة.!!، وفهمت المرا’ الحلبية الخبيثة ما يدور في ذهن نظيره.، وبسرعة اصطنعت على وجهها البشرى وقالت مهللة مستبشرة.
بخيتة: إيه.؟! إيه الحال؟! حلمتي بحاجة ,أنتي نايمة؟!
نظيرة: وهي تنظر إليها بانكسار وهلع.. وتلطم وجهها).. حال؟!
حال إيه وزفت إيه؟! يالهوتي .. يالهوتي.. !! إنني يا وليه سبتيني .. وغورتي على فيه؟!
بخيته:- (وهي تصطنع البراءة) ما نالقيتك مداروخة ونعسانه. قولت أسيبك تنامي شويه، بعد مارشيت عليكي الميه الطاهرة.. إيه مالك.؟! هوه حصل ولك إيه؟! وبنهلك وجهها) والنبي أنا حاسه كده إنه ألف مبروك .. المراد حصل.!!
نظيرة: (بدهشة وانزعاج).. مبروك على إيه؟! ومراد إيه اللي حصل ..؟! الله يخرب بيتك. إيه ياو وليه اللي جاب حمدان أبوالعين هنه في الحمام بعد ما انتي خرجت على طول، وسبتيه يدخل عليا الحمام كيف وأان كده يامرة إنتي .؟! قولي (وهي تصرخ في وجهها).
بخيته: ( وهي تستنكر بشدة) حمدان .!! وإيه اللي حايجيب حمدان هنه جوه حمام الحريم.؟! داكان الشيخ يطوقه.!! وبعدين هوه مش ركب حصانه قدامك وراح يجيبلك كمال. (ثم وهي تمعن في مكرها.. فترسم على وجهها الفرحة).. آآه.!! وايبقى اللهم صلى عالنبي حصل.، والشيخ طلعلك في هيئة حمدان. يا ألف مبروك ، يا ألف نهار أبيض، الشيخ طلعللك يا نظيره وزارك في الحلم (وتطلق المرأة في عبها زغروده.!!).
نظيرة: (في براءة .. وحيرة وعدم تصديق .. ولكن كأنها تريد أن تصدق).. وه!! كيف ده.؟! هوه الشيخ عاياجي للواحد كده!! عبانا بيانا .. ويكلمها وتكلمه.. وهيه صاحيه كده..؟!
بخيته: (باستنكار) صاحيه.!! صاحية كيف؟! ماناسا يباكي في سابع نومه.!! وقولت اسيبك يمكن تحلمي بالشيخ يزورك – وأنا سيبتك وخرجت محصوص عشان كده.!!
نظيره: (باستغراب) إهيه.!! والشيخ ياجي في صورة حد نعرفه كمان !!
بخيته: (بتأكيد) أقال إيه؟! ياجي للواحدة في صورة واحد تكون عزيز عليها قوي يعني جوزها مثلا لوعاتجبه.!!، أو حبيب قديم تكون له فاكراه..!! ياكش يا نظيره يكون الشيخ جاكي في صورة حمدان.. (وتضح بخيته)
نظيرة: (ببلاهه واستغراب).. وه!! معقوله دي.؟! ويحصل كمان آآ؟!!
بخيته: (وقد فهمت قصد نظيره) أيوه أمال إيه .. ويا بختها كما لو كان اللي جاها الشيخ في صورته دا.. نام معاها.!! يبقي معناه إن جوزها حايجيها ويموت فيها.. وينام معاها في الحقيقة وتحبل قفيه.!! والنبي يا نظيره ألف مبروك .. ما تحرفيش عاد من الحلاوة.!!
نظيرة: (في لهجة تمني).. أما لو كان اللي حصل واحلم صح. ليقالك الحلاوة صح .
بخيته: (فيقه وتأكيد) .. روحي على بيتك.. وحا يلقي جوزك مستانيكي على نار وينام معاكي.. وبعد شهرين بالكثير حا تحلبي .. وابقى فابليتي .!!
* * * * *
وتخرج نظيره من الحمام مع الحاجة بخيته متفائلة .!! وتجلس معها بجوار النحلة بانتظار حمدان.. ليعود لها بكمال ابن أخيها . الذي أنت من أجله.، ولكن حمدان لم يعد.، بل جاء إليها “حنا النصراني” وفي يده كمال، وفي أدب جم يسلمها كمال في يدها قائلا..
حنا: كمال آهو ياست.. ضبع الجبل حمدان كلفني اسلمهولك في إيدك.. وطلقني كمان أحرسكم لحاد أول الطريق العمومي.
بخيته: (بفرحه وثقة) آآهه.!!، مش قولتلك أنه حمدان لما يوعد يوفي ؟!
نظيره: وهي تأخذ قال في حضها.. وقد هدأت وكأنها نسيت ما حدث).. . طلب يا للا بينا، وعلى كل حال ابقي بلغ حمدان أن لامي وشكري ليه..
حنا: ماشي.. يا للا بينا قبل الضلمة عشان الشمش غابت آهه. – وأمسكت نظيره بيد كمال وخطت خطوتين بجوار بخيته.. وفجأة توقفت صارخة كأن حية لذغتها، ونظرت حولها في زعر وذهول وصرخت “عفاف”.. !! عفاف بني فيه يا بخيته.؟!! وفزغت بخيته من المفاجأة..!! وفزع حنا.. وأخذت بخيته تدور حول نفسها .. وتدور حول المكان، وكادت نظيره يغمي عليها من الخوف والهلع فقد تذكرت أخيراً أنها نسيتها حينما دخلت الحمام مع بخيته. وتركتني خارجه..، وصرحت نظيره وهي تلطم وجهها (يا لهوتي يا عفاف.. يا لهوتي عليكي يابتي.. لا يكون خطفها ديب ولا ضبع واحنا جوه.!!. وانهارت على الأرض وهي تهيل على رأسها التراب.، وأخذ كمال يبكي.!! وأخذ “حنا النصراني” .. ينظر ويلف حول المكان وهو يعلن كل شيئ!! ويسأل نظيره في غيظ (يا وليه كيف تغفلي عن بتك وتسيبيها تمشى بعيد عنك وحدها كده في المكان اللي كله خطر ده؟!!، وذهبت بخيته الحلبية لتبحث عن عفاف بجوار البئر.، ويسأل حنا بغيط وحتبق..(يعني هية كبيرة كدا.، وتعرف تمشى وتبعد عن المكان قوى كده.؟! فتجيبه نظيره في نحيبها واستجدائها..
نظيرة (في هلع) سنها سنتين يا خويه.!! يا دوب عا تمش.!! احنا انلهينا في الكلام أنا وبخيته في حكاية كمال.، ومشت هية من جنبينا.!! ما حسناش بيها. يالهوتي يا لهوتي عليكي يا عفاف يا بتي.
حنا: بس الدنيا دلوك خلاص حاتضلم، والحتة دي عاتنزل فيها الديابة والضباع من بعدها تنزل الضلمة على طول.!!
وأخذ حنا يلف ويدور حول المكان ، وابتعد عن نظيره ليبحث عن بخيته، فانزعجت نظيره وهرولت عليه في هلع وخوف، صارخة..
نظيرة: (وهي تصرح بهستيريا) ما تسبنيشي وحدي هنا يا خويه، يا لهوتي .
حنا : (في زهق وضيق) ، يووه، ما أنا أدبني معاكي يا ست!!، وهيه الوليه بخيته التانية دي غارت فيه؟! دي ليلة سوده باين عليها.!!
وتأتي بخيته من بعيد صارخة مولولة .. لتقول لنظيره في حزن شديد
بخيته: (وهي تولول منتحبة) يا ليلة سوده ياختي وليله شوم.. من يخلف ربنا عليكي يا نظيره ياختي.. الليل خلاص ياختي دخل علينا.. البت مش باين لها أثر.!! يا للا بينا نمشو دلوك من هنا قبل الديابة والضباع ما تنزل علينا..، وآهو حنا ضروري حايبلغ حمدان باللي حصل.، ومن شقة النور حمدان حيغلب علهيا الحيل لغاية ما يلقاها.!! وإنا حاجيله بكره أدور معاه.!! وإن شاء الله أحيبها لك معاي.!!
-وأنهارت نظيرة وأسقط في يدها..، وكانت قد حف خلقها من البكاء والعويل، ولم تجد بدا أمامها سوى أن تعود بكمال.. وتترك أمرها لله في عفاف ..!!، ويحرسها حنا النصراني إلى أن تدخل أول الطريق إلى “عرب الدوايرة”.، في حين ذهبت “بخيتة الحلبية” إلى منضرة العمدة” في نجع السمايعه”، لتبيت ليلها وفي نيتها أن تعود صباحا مبكراً قبل الشمس إلى نفس المكان.. لتبحث عن عفاف..!! وفي نيتها أن تعود صباحاً مبكراً قبل الشمس إلى نفس المكان.. لتبحث عن عفاف..!!
-تدخل نظيره إلى منزل أخيها كاظم صارخة قولوله.، قائله بأنها قد عادت بكمال من حنك السبع، ولكنها قد ناهت منها عفاف.!! وراحت تصرح في وجه كاظم بأنها قد فرت كمال بابنتها عفاف، التي تاهت منها في الجبل في الليل، وأنها لابد أن يكون قد أكلها ويب أوضيع من الجبل.!!، وآآه يا عفاف بابتي.!!، ونجمع حولها أجعل المنزل فحكت لهم كيف أنها قد أحست بأنها السبب عن خطف كمال، فذهبت بمفردها – مع ابنتها – إلى حمدان ووقعت في عرضه- حتى أعطاها كمال.!! ولكنها كانت من شدة ارتباكها في هذا الموقف قد نسيت عفاف.. فمشت عفاف من جوارها دون أ، تدري بها.!! وتاهت في الجبل.، وآآه يا عفاف يا بتي.!!، واختار أهل منزل الدويري.. هل يفرحون بعودة كمال.؟! أم أنهم يحزنون ويأسون على عفاف السكينة التي لابد أكلها ضبع؟!!.، .. ولكن همام القاري كان قد شعر بالآلام تعتصر قلبه على ابنته الطفلة التي بالكاد أكملت السنتين، فثار في وجه نظيره زوجته التي أجعلت في ابنتهما الوحيدة ، حتى لو كان من أجل كمال، وقال لها في حسم وهو يكاد ينفجر غيظاً وغضبا.. أن تبقي في بيت أهلها، ولا يريد أن يراها قبل أن تعود عفاف.!!
تبقي في بيت أهلها، ولا يريد أن يراها قبل أن تعود عفاف.!!
-كانت نظيره- حينما قامت إلى الحمام، بعد أن أقنعتها بخيته بذلك- قد نسيت ابنتها عفاف القابعة بجوارها ، فلما دخلت نظيره، ومعها الحاجة بخيته –الحمام- بكت عفاف وخافت..، وقامت تمشى وحدها.. بخطوات الطفولة البرئية ناحية البئر.!!، فوجدت الجردل المعلق بالحبل في بكرة “الجيدة”، فأخذت الطفلة تعبث به، وتضع قدمها بداخله دون وعي.، وإذا “بالجردل” ينجرف بها ويهوي داخل البئر حتى يصطدم بالماء في عمق البئر، ولكنه لم يغرق بها.؟! بل أخذ يطفو بها على سطح ماء البئر؟! وكانت عفاف قد أغمي عليها داخله.!!
-ولم تكن خيوط الضوء قد تمكن من قبل السماء حينما هرعت المرأة الحلبية إلى المكان بجوار البئر، وكانت قد لاحظت بالأمس هي تبحث عن عفاف. أن غطاء البئر لم يكن موضوعا جيداً ليغطي فتحة البئر بالكامل.، وأن هناك فتحة كبيرة في “فم البئر” ما زالت غير مغطاه، وتكفي هذه الفتحة لسقوط الطفلة مثل عفاف فيها.، .. وعلى الفور ذهبت المرأة إلى البئر ونظرت بداخله.. ، فوجدات أن “الجردل.” أو الدولو المربوط بالحبل في الجبيد” قد تدلى بداخل البئر حتى آخره، وجذبت الحبل لأعلى فوجدته ثقيلا.!! وإذن لابد أن يون مملوءاً .. إما بالماء.، أو بشئ آخر.. قد يكون عفاف.!!، وأدارت المراة الجبيد” بكل قوتها ليلتف عليه الحبل ويرتفع “الجردل”.، وتفاجئ بخيته أن عفاف داخله.. مغمي عليها.!!، وبسرعة أخرجتها لتدفئها، ولاحظت أن قدمها تسيل منها الدماء – فغسلتها، وربطتها بقطعة من “طرحتها”.!!
وأفاقت عفاف وأخذت تبكي مناودية على أمها.!!، ولكن المرأة لاطفتها ولغتها داخل عودتها.. وسكتت عفاف التي كانت في حالة من الإعياء ، ولعدم إدراكها عشيت.!!، وانتظرت المرأة على أول الطريق حتى تأتي عربة “كارو” لتركيها إلى “عرب الدوايرة”، ولكنها فجأة تلمع في ذهنها فكرة خبيثة.!!، حيث فكرة أن تذهب بالطفلة إلى بيتها _ بالغربة الغريبة من سوهاج- ، وتخبئها عندها حتى تنظر فيما تفعله بها من ذلك. لتستفيد من هذا الموضوع بقدر ما تستطيع.!!، وفعلا . حرقت المرأة الحلبية نظرها عن ركوب” الكارو” .. وانتظرت حتى جاءت “الحلزونة” التي تذهب في ألو ميعاد لها إلى سوهاج مبكراً، وركبت المرأة وفي حضنها داخل بردتها تسكن عفاف باستسلام وضعف، وفي الطريق إلى سوهاج.. أخذت المرأة الحلبية تفكر كيف لها أن تحتفظ بهذا الطفلة في بيتها.. وهي التي أصبحت عجوزاً وليس بعها أبناءاً صغاراً.. حتى تمكث عفاف معهم ولو لفترة..!!، وإذن كيف ترد على أسئلة جيرانها حينما يسألونها عن هذه الطفلة؟!!، ونزلت بخيته في سوهاج، وكانت قد استقرت أن تذهب بعفاف إلى جرجا.!!، حيث ابنتها “رضية” التي تسكن بإحدى القرى التابعة لمركز جرجا، مع ابنتها وبنتيها.. بعد أن مات زوجها، وكانت رضية هذه تقوم بنفس مهنة “أمها بخيتة” في بيع الحاجات الحريمي متجولة في البيوت.!!، وقبل أن تدخل بحنين على ابنتها “رضية” بالطفلة عفاف.. أخذت تدس يدها في ملابس الطفلة وتنظر في رقبتها وأذنيها.. عليها نجد شيئا من الذهب كحلق مثلا، ولكنها لم نجد شيئا.. إلا خيط رفيع بتدلي من رقبة الطفلة وبوطأ فيه “الحجاب” وبسرعة قطعت المرأة الحلبية الخيط، وفتحت الحجاب فلم تجد فيه إلا بعض الحبوب..، وصورة من شهادة ميلاد “عفاف”.!!، وبسرعة وجتعه بالمرأة الورقة في الحجاب وخبأته في عبها. ، حتى لا يعرف أحد.، ولا حتى ابنتها “رضية” حقيقة الطفلة.!!، وقالت بخيتة لابنها رضية.، أنها وجدت هذه الطفلة تائهة في بير العين، ولم يستدل أحد على أهلها.!! فقالت لنفسها تعمل فيها ثواب !!، وتأتي بها إلى هنا.. لتعيش وسط عيال ابنتها وأخوها لله..!!، وحتى إذا ما ظهر لها صاحب فستأخذ منه حلاوة رجوعها، وتقتسمه معها – أي مع ابنتها رضية.!! ، وبسرعة قبل أن تطول عينها عن نظيره. ، عادت بخيته إلى سوهاج، ومنها إلى “عرب الدوايرة”، ولم يكن وقت الظهر قد فات بكبير حينما كانت بخيته تجلس مع نظيره في منزلهم، قواسيها وتأخذ بخاطرها.، وتتعجب كيف أن حمدان أبوالعين لم يعثر على عفاف ويأت بها حتى الآن؟!! هل تقاعس عن البحث عنها، ؟! أنهم إذن قد خدعوا لمبه.!!، وقامت الماكرة في غضبت وه يتقول بأ،ها لابد أن تذهب إلى حمدان في نجع السمايعه وتحثه على البحث عن عفاف .!!، ولكنها . ركبت إلى البندر .. وعادت أدراجها.. إلى بيتها في سوهاج.. وكان الأمر لا يعينها في شيئ.!!.
مكثت نظيره في بيت أهلها في “عرب الدوايرة” ما يقرب من الشهر ونصف، وهي لا تكاد تشعر بشئ أو أي أحد حولها من شدة حزنها على ابنتها عفاف.، ولم تكن تفكر في شئ أو في أحد.، ولا حتى زوجها همام، الذي غضب منها وهجرها منذ ليلة غياب “عفاف”..، حتى كان ذلك اليوم الذي شعرت فيه نظيره بآلام “المغص” في بطنها، وغثيان في معدتها وميل إلى “القيئ” الذي تكرر كثيراً!!. ما هذا يا ربي.؟! سألت نظيره نفسها في ذهول..!!
إن ذلك يشبه أعراض الجمل.@@، ولكن كيف وهي لم تذهب مع زوجها..، ولم تن تنام معه حتى قبل غياب عفاف بفترة كبيرة.؟!! هل كان ما حدث في بير العين..آآه..؟! يا دي الوقعة السوده.!! آه لو كان وراحت نظيرة تفكر في الخطة!!، وكيف تفقدها على الرجل الطيب زوجها همام ؟! ثم كيف يكون بالجمال لو أنه ترادي في عناوة ورفض عودتها إليه في أسرع وقت، فلو تأخرت عن هذا الوقت فسوف تنكشف أيضا فقد مضى عليها أكثر من شهر ونصف هنا فماذا تفعل؟! يا لهوتها!!، وفكرت في أخوتها وشرفهم، وعزهم وجاههم.، ويا لهونا..!! هل تذهب إلى ترعة الفاروقين.. وتلقي بنفسها لتموت قبل أن يفتضح أمرها.؟! أم تذهب ثانية إلى الجبل. لعمل يصادفها جنيه جائع فيلتهمها.، ولكنها أيضا.. وفي الحالتين سوف تثير التساؤل ، ثم ها هي قد أطلعت”الحاجة زفته” بخيته كمان” على حملها.!! “يووه” لماذا فعلت بنفهسا كل هذا ؟!! فما هي قد وضعت نفسها تحت رقمة بخيته.!! فماذا تفعل ؟!!، وأنستها حيرتها الجديدة.. حزنها على عفاف.!!.، وأخذت تتواري في حجرتها عن صفية وكوثر.. قدر الإمكان.، ولكن جاءت الأيام التالية لتؤكد ما كانت تخاف منه.!!، وتأكدت فعلا من أنها حامل ، فهي نفس الأعراض التي كانت ثقافي منها في حملها الأول –في عفاف- !! ماذا تفعل ؟! ياساتر يا رب. والله يعلم ويشهد أن ما حدث في “حمام الحريم” في بير العين مع حمدان لم يكن بإرادتها.. باب لم تكن في وعيها..، وقد خدعتها المرأة الحلبية بخيته وقالت لها أنه حلم بالشيخ.!!، وقالت يا رب.. استدني يا ستار .. يرني يا مدبر الأمر.، وفجأة .. تسمع نظيره صوف صفية وهي تنادي عليها- فترد نظيره من داخل حجرتها وتدعو صفية إليها.، فتأتي وهي تعاتبها على عذلتها.، وأنها لابد أن تخرج وتترك أمرها لله.!! وبكت نظيره بحرقة .. ثم كفكفت دموعها وقالت لصفية ما معناه.. أنها فقدت عفاف، وفقدت أيضا زوجها الشهم همام القاوي.. الذي لم تسأل عنه منذ أن غضب منها لفقد عفاف.!! فهل ستظل هنا.. وتتركه وحده في هذه الظروف ؟! وفهمت صطبه ما تريده .، وفوراً قالت لها..
صفية: والله أنني بت حلال يا نظيره.. ؟! إيه رأيك إن أخوك فحين راغب ه يره.!! وعاوز يا خبرك ويؤديكي لجوزك ويصالحكم بنفسه!!
نظيره:- (باستنكار ظاهري).. وه!! أنا اللي اروحلوه؟! مش باجي هوه ياخدني .. ويحمي وشتى قدام اخواني.؟!
صفيه:- (وهي تنصحها) يا عبيطة.. الراجل من حقه يزعل على بته .. إللي ضاعت منك برضو.!! وبعدين ولاد الأصول هوما إللي لازم ناجي منهم البداية بالحسنى،!! قومي يا للا اطلعي كده.. واقعدي مع أخوكي راغب وهوه حايرتحك تمام.
-وقامت نظيره مع حبقة لتخرج إلى صحن الدار.. لتجد شقيقها راغب وتسلم عليه.، فيواسيها، ويقول لها أن الأصول أن لا نترك الرجل همام بعد وقفته معنا، ولا نسأل فيه هكذا.!! لا .. لابد أن تأتي معي .. وتذهب إليه وتصالحة وربنا يعوض عليكم”.
ورفعت نظيرة وجهها إلى السماء وقد فارت الدموع في عينيها – تحمد ربها.، وقامت من فورها ولملحت حاجاتها، وأخذت معها من خيرات منزل الدويري “قفة” مليئة، وذهبت مع راغب إلى منزل زوجها همام وهناك استقبلها الرجل الشهم بكل ترحاب قائلا بأن هذا أمر الله وعلى الله العوض.!!، وكان طبيعياً أن تنام معه في هذه الليلة بعد غيابها عنه طوال الفترة الماضية.!!
وتربنت له في ليلتها هذه!!، وهكذا .. ظلت تخفي شعورها بالحمل حتى ظهر عليها جلبا بعد شهرين من رجوعها إلى زوجها همام، وبشرته بأنها حامل.!!، وأنها رأت في المنام رؤية جميلة، ولابد أن الله سيعوضهما عن عفاف خيراً، وقبل الولادة فوهت نظيرة أنها من الممكن هذه المرة أن تكون الولادة على سبعة شهور فهي تشعر بذلك.!!، وبالطبع فالولادة على سبع شهور حمل وراده.!!، وصدقها الرجل كما صدقها الجميع، وجاءت نظيره بابنتها الثانية “عواطف”. وخرج بها همام الفاوي وشعر بأن الله قد عوضه حالا .. عن عفاف.!!، وذهب فوراً إلى مكتب الصحة ، وأخرج لها شهادة ميلادها. عواطف همام الفاوي”.؟!
كان “حمدان أبو العين” يغفو – كما تعود وقت القيلولة – داخل “الخص” او المبنى “الطوف” الخاص به عند المفارق.، وعلى فراشه الخشن الذى لم يكن سوى حصير، وفوقها سجادة بدائية من “بواقى” الأقمشة معزولة على النول اليدوى.، ولكن لفرط انبساط جسمه وصحته وعافيته لم يكن يشعر بخشونة ذلك الفراش.!
وكانت “تريزا” كما أوصاها “حنا” قبل ذهابه فى مشوار قد يستغرق اليوم كله.. قد أتت حاملة على رأسها “قفة” فيها طعام الغذاء لحمدان.، واقتربت تريزا من باب “الخص”، ونادت على حمدان كما تعودت قبل أن تدخل عليه، ولكنه لم يرد.!، فدخلت عليه،. لتفاجئ به منطرحاً على ظهره غافياً – فهو لم يكن ينام بعمق !!، متحللاً من جلبابه الخارجى، مكتفيا “بالسروال” الذى ينزل إلى الركبتين.ن والفانلة القطنية الداخلية ذات الفتحة الواسعة حول الرقبة وعند الصدر فى ذلك اليوم الحار.، وكادت تنادى عليه ثانية ليصحو.، ويأخذ منها ما أتت به من أجله، ولكنها.. وكأنها قد بهرها .. أو لنقل أعجبها منظره وهو على هذا الحال.!! فسكتت، وأنزلت “القفة” من على رأسها، ووضعتها جانبا، وجلست على مقربة من الباب.، وراحت “تريزا”.. تنظر بشغف إلى ذلك الوحش النائم.، بطلوه وذراعيه المفتولين وصدره العريض الذى تتوسطه جزيرة من الشعر الأسود بما يوحى بمظهر الفتوة الذكورية.، ولم تكن “تريزا” فى النهاية غير أنثى، وفى داخلها نفس بشرية أنثوية.، فقد راحت عيناها .. ولنقل بدون قصد .. تتفحص ذلك الرجل المنطرح أمامها فى مظهر رجولى جاذب لاى أنثى، وتحولت عيناها فيه حتى وقعت.. وتركزت.. ولنقل بدون قصد أيضا.. على منطقة “السروال”.!!، وهالها ما رأت ..، فهل تمنت لحظتها أن يكون حنا له مثل ما رأت فى سروال حمدان.؟!، ولكن من أين “لحنا” .. ذلك النحيل القليل.. أن يكون له مثل ما رأت فى حمدان وهو نائم.؟!، فما باله لو كان … مثلا مثلاً.. فى وضع إثارة مع امرأة.؟!، ولا ندرى .. هل تخيلت تريزا.. أو تمنت فى هذه اللحظة أن تكون هى هذه المرأة.؟!، فهى كما نعرف لا ترضى على نفسها “الخطية”.!!، ولكن أمنيات النفس شيئ آخر.!!، فقد راحت نفسها توسوسها بأن لو كانت مثلاًً.. تحت رجل مثل حمدان.. هل كانت ستظل على بكارتها وعذربتها رغم زواجها منذ ما يقرب من عام.؟!!، إنها فعلاً كان قد انبهرت بمهارة “حنا” القتالية مع الشبان الثلاثة الذى “عاكسوها”.. فى زوار بير العين حينما جاءت لأول مرة مع “أم حسين”.، وأحبته وتزوجته رغم ما بينهما من فارق – شكلاً وموضوعاً- ولكن اكتشافها لعجزه عن معاشرتها الزوجية شيئ آخر.!! فهى فى النهاية أنثى، ولا بد لها من ممارسة أنوثتها – المتفجرة هذه – مع رجل.!! ليس أى رجل، وتمنت لو أن حمدن يظل هكذا على غفوته أطول وقت ممكن لكى تظل هى تنظر إليه، فهى تستمتع بمظهر رجولته وفحولته الواضحة “أداتها” وعلاقتها أمام عينيها.. حتى لو من بعيد.!!، ولكن ها هو حمدان يتقلب فى نومه ويكاد يصحو، فخافت تريزا لو أنه استيقظ ورآها بالقرب منه.. فما ذا يظن.!! فقامت وخرجت خارج “الخص” وراحت تنادى عليه بصوت مرتفع.. حتى أفاق وقام من غفوته.. ونظر إلى “القفة”.. وإلى “تريزا” الواقفة خارج باب “الخص”.. فقال وهو يتمطى:
حمدان: أهلاً يا تريزه.. يابو دانا تاعتبك معايه كده.؟!
تريزا: وهى تقترب قليلاً .. لا … مفيش تعب ولا حاجة.. بالهنة. وقام حمدان يلتقط جلبابه ويرتديه بسرعة .. وهو يبدى أسفه وخجله من منظره أمامها هكذا…!! ثم قال:
حمدان: ما علش يا تريزاً … غفلت شويه.. (ثم وهو ينظر لها فى بساطة وعفوية) ما تاجى من جوه تقعدى.. واقفة ليه كده.؟!
تريزاً: (وكأنها كانت تنتظر دعوته.. فدخلت قائلة) عاوز حاجة يا ضبع الجبل..؟!
حمدان: (وقد أحس بنبرة صوتها).. عامل إيه معاكى “حنا” اليومين دول.؟!!
تريزاً: (بيأس وتعاسة).. آهو على حاله يا ضبع الجبل..، نصيبنا كده.!!
حمدان: (وكأنه يواسيها).. صحيح كل واحد ونصيبه.، لكن أنتى.. مش معقول حاتفضلى على كده طول العمر يا بت الناس.. شوفولكم حل.!!
تريزاً: (بإحباط).. حل إيه عاد.. مانته عارف .. الجواز عندينا.. فى دينا يعنى.. عقدة حريره.. مالهاش حل.!!
حمدان: (بنبرة عاطفية) والله يا تريزه.. أنا مش عاقسيكى على حنه.. وأنتى عارفه حنا غالى عليه قوى.. بس أنتى كمان صعبانه عليه.!!
(ثم يسترسل وكأنه وجد لها حلاً).. ما تسألى يا تريزه .. فى الدير .. يمكن أبونا “بولس”.. الراجل الطيب ده.. يعرفلك حل.؟!!
تريزاً: (فى حيره) ما قدرش ياسى حمدان.. (وكأنه تجاذب الحديث قد رفع الكلفة!!) .. ماقدرش أكشف وشى كده وأحكى لحد عالكلام ده.. !! أنا حكيت معاك عشان انته اقرب واحد فى الدنيا ليه.!! (ثم تستدرك).. ولحنه.!!
حمدان: (وهو يشجعها) وه.. المسائل الواعرة دى عايزه جراءة.!!، وبعدين يا ستى … قولى أنك عاتحكى عن واحدة صاحبتك.. قالتلك على حكايتها.. وانتى عاتسألى ليها.!!.
تريزا: (بيأس).. آخى يا سى حمدان.، يعنى أنا حالقى حد يتجوزنى بعد كده لو حتى طلقونى من حنه.؟!! ما نته عارف الحال.!!
حمدان: (وقد نظر إليها نظرة أحست بها.!!) وه !! دانتى يا تريزا أحسن راجل يتمنى تراب رجليكى.!! (ثم يسترسل وكأنه يتضاحك معها).. طب أقولك.. !! تتجوزى واحد مسلم.؟! وتفضلى على دينك.؟!
تريزا: (باستغراب وسذاجه).. وآه.!! كيف ده.؟! ينفع يعنى إن النصرانيه تتجوز مسلم؟! وتفضل على دينها.. نصرانيه.؟!!
حمدان: (بتأكيد) أمال .!! وياما مسلمين أتجوزوا حريم نصارى .. وكل واحد على دينه.!! ككل واحد يعيد ربنا زى ما يقول دينه.، وأهو ربنا واحد.!! (ثم يسترسل) طب دا سيدنا محمد “صلى الله عليه وسلم”.. أتجوز نصرانيه على دينها.!! لغاية هيه ما أسلمت من نفسها بعد كده.!!
وتسرح تريزا: فى كلام حمدان.. ولكنها فاجأته بقولها…
تريزا: (وهى تتزاكى) لكن قوللى يا ضبع الجبل… انته طلقت مرتك بت عمك ليه.؟! عشان نظيره.؟!! وللا فيه حاجة تانى.؟؟!
حمدان: (وهو يبتسم) إه.!! والله أصلها كمان كانت فلاحه قوى كده.. وغشيمة..!!، والواحد يعنى كان نفسه فى واحده تكون.. (وهو ينظر إليها فتحس بنظرته). حاجة كده تفتح النفس.!!
تريزا: (وهى تنظر إليه بطرف عينيها) والله انته تستاهل أحسن واحده فى الدنيا يا ضبع الجبل.، حد يطول حمدان أبو العين.؟!!
وكانت تريزا تجلس القرفصاء.، وكانت “جلابيتها” ذات الحجر الكبير الواسع قد تزحزح طرفها لأعلى حتى ظهر ما فوق ركبتيها وجزء داخلى من فخذيها. (باستدارتهما وبياضهما الناصع.!!، وكانت “تريزا” منهمكة فى تجاذب الحديث وكأنها لم تنتبه لما ظهر منها!!، حتى لاحظت حمدان وهو نظر فيها خلسة.. ويبلع ريقه بصعوبة.!!، فكأنها انتبهت.!! فضمت فخذيها وسحبت طرف “الجلابية” على ركبتيها .. ثم قامت قائلة.
تريزا: (وهى تنظر له بابتسامه كأنها كشفته).. طب أفوتك بعافيه عاد يا ضبع الجبل.. عاوزو حاجة اعملها لك قبل ما مشى.؟!!
حمدان: (فى خجل وقد فهم أنا كشفت نظراته فيها) لاع.. مع السلامة انتى.. وأبقى سلميلى على حنه.. وماتنسيش تسألى عالموضوع اللى قولتلك عليه.!!
(((()))))
وتمشى “تريزا” ذاهبه إلى منزلها.. وتترك حمدان فى “الخص” .. بعد أن ودعها بنظراته.!! وكان كل مهما قد اختزن فى داخله من الآخر – شيئاً ما.!!.
ذهبت “تريزا”.. إلى الدير كعادتها.. لتبيع لهم ما يلزمهم من الأشياء التى تحملها إليهم كلما تيسر لها ذلك.، ولكنها فى ذلك اليوم… لم يكن البيع لهم هو هدفها الوحيد.!! حيث دلفت بعد ذلك إلى حجرة رئيس الدير.. الراهب الطيب “أبونا عاذر).، وراحت تحكى له عن مأساة صديقتها.!! التى تزوجت منذ أكثر من عام ومازالت على بكارتها وعذريتها.!! فقد اتضح لها أن الذى تزوجته لا يستطيع معاشرتها وليس عنده أى شئ من الهمة التى يهم بها الرجال على النساء.!!، وبهت الراهب الطيب من جرأة “تريزا” “الطيبة”. على وصف ما وصفت .!!، ولكنه أجابها بما تمليه عليه أمانته الدينية.، فقال لها أن على صديقتها هذه أن تذهب إلى كنيسة “أبو سيفين” فى أخميم.، و”تعترف” أمام كبير القساوسة بها.، وتكون على استعداد للكشف عليها – بمعرفة الكنيسة – لإثبات حقيقة ما تقول.!!، فإذا ثبت صحة كلامها.. ترسل الكنيسة إلى زوجها هذا … , “يعترف” أيضاً أمام كبير القساوسة، فإذا اعترف بعجزه.. يتم إثبات ذلك فى محضر ويتم توثيق المحضر فى المحكمة.. ليتم الانفصال فى هدوء.، أما إذا أنكر ورفض الانفصال .. يتم مواجهته بتقرير الكشف الطبى على “المعترفة” الذى يثبت أنها ما زالت بكراً بما يثبت عجزه، ويتم إرفاق الكشف الطبى مع محضر الكنيسة.. ويتم التوثيق فى المحكمة.. ويتم أيضاً الانفصال رغماً عنه.!
وكأن الأنثى تفرجت فجأة داخل تريزا . !!، لو لنقل تفجرت فى نفسها بارقة أمل بأنها يوما ما … سوف تستمع بأنوثتها التى كادت تنساها .!! وراحت تطلع حمدان أبو العينين على ما قاله لها الراهب فى الدير، وأنها تنوى القيام بعمل ما قاله لها ..، وكان أن شجعها حمدان على رغبتها هذه … وأوصى “بخيتة الحلبية” بأن تسحصبها معها – فى غاية السرية – إلى أخميم.. حيث قالت لها تريزا.. أنها تريد شراء حاجات لها من سوق القيسارية بأخميم لا تجدها فى سوق بير العين.، وهناك.. قالت تريزا أنها تريد أن تدخل إلى “كنيسة أبو سيفين” للزيارة “بالمرة”.ن وانتظرتها بخيته فى الفناء الواسع، فى حين دخلت تريزا إلى حجرة كبير القساوسة بعد أن سألت عليها.، ولكن طال انتظار بخيتة.!!، حتى انشغلت فدخلت تسأل عن تريزا.. وقابلتها ولكن فوجئت بخيتة بان تريزا تغير نبرتها وهى تقول لها.
تريزا: روحى انتى روحى يا خالتى بختيه..!! أنا لازم أبيت هنه فى الكنيسة، ولو سألك عليه حنا قوليلو.. إنى حاقعد فى الكنيسة لحد ما ياجى هوه ياخدنى بكره.. الصبح بدرى.!!
بخيتة: (فى زهول).. وه.. ليه؟!! وإيه الداعى إنك تبيتى هنه.؟!!
تريزا: (برجاء حاسم) ما علش ياخالتى بخيته.. أرجوكى.. إعملى معروف زى ما عاقولك كده.. وبعدين حاتعرفى كل حاجة.!!
بخيتة: (بانزعاج).. يادى اليوم اللى مش فايت.!! وأقول إيه لحمدان.. إللى مآمنى عليكى..؟!!
تريزا: (بهدوء) لاع ما تخافيش .. هوه حايعرف.، بس انتى همتك.. تخاللى حنا ياجينى بكره.. مش حا يسيبونى فى الكنيسة هنه.. إلا لو جه حنا.. وخدنى من هنه..!! سامعه؟!!
بخيتة: (باستسلام) ما شى يابتى.. ولو إنى مش فاهمه حاجة.. خلاص.. أمشى أنا عاد عشان الحق الحلزونة.!!
تريزا: (وقد تذكرت شيئاً) آآه..، عاوزه منك كمان حاجة تانية يا .. خالتى بخيتة.، تدينى علوان بيتك اللى فى صوهاج.. عشان عاوزه ازورك.. وأقولك على حاجة كده بينى وبينك.!!
بخيته: (باستغراب) بيتى.؟! بس بيتى مش فى صهاج نفسيها.!!
تريزا: (بزهق) أمال فين .. يا خالتى بختية عاد.؟!
بخيتة: بيتى فى النجوع اللى قبلى صهاج.. من غرب الترعة الكبيرة، بلد اسمها “نجع الرواشدة”.. وهناك تقولى فين بيت الحاجة بخيتة الحلبية، أى حد يجيبك.!!
تريزا: (بارتياح) خلاص.. أنا حفت العلوان.، روحى انتى عاد عشان ماتتأخريش.. وأوعى حنا يتأخر عنى بكره.، مع السلامة.
وتسلم بخيتة الحلبية على تريزا.. وتتركها بالكنيسة فى اخميم وهى تشعر بأنها.. لاول مرة.. لا تفهم شيئاً.!!، ولكنها تذهب إلى نجع السمايعة.، وتقابل حمدان لتحكى له عن كل ما حدث فى خوف شديد.!!، ولكن حمدان يضحك ..!!، ويرسل حنا.. إلى أخميم – بعد أن يغير حنا هيأته وملابسه خوفاً وتحسباً لاى شيئ.!!، ودخل حنا كنيسة “أبو سيفين”، فى اخميم.. وهناك فوجئ بان كبير القساوسة يطلب منه أن “يعترف”.!! بماذا؟! فواجهه بتريزا.!!، وهاج حنا وكاد يجن للمفاجأة التى لم تخطر له على بال.!! ولكنه الآن فى الكنيسة.!! وقد قالوا له اذا أنكر فسوف تقوم الكنيسة بالكشف الطبى على تريزا – بمعرفتها- فلو ثبت انها مازالت بكرا عذراء كما قالت.. فعليه الرضوخ لطلبها بالانفصال.!! وإلا حدثت شوشرة قد يتدخل فيها البوليس.!!، فالأحسن له أن يعترف بدون شوشرة.، وخاف حنا من سيرة البوليس، واعترف وهو يكاد يبكى بأنه عاجز عن معاشرتها معاشرة الأزواج، وأن هذا أمر الله وليس له ذنب فيه.!!، وأثبت القسيس كلام حنا فى محضر وذهب معهما مع اثنين من الشمامسة إلى المحكمة لتوثيق ذلك المحضر.، وتم انفصال حنا عن تريزاً.. فى هدوء.!!
نظرت تريزا إلى حنا فوجدت دموعه تفور فى عينيه الحمراويين.. فقالت له فى هدوء وعاطفة.!! أنها قد أشفقت عليه من هذه الحالة التى هو فيها – حالة الهياج الجنسى “على الفاضى”!!، وأنها خافت عليه أن تضره هذه الحالة جدا فيما بعد.!!، فقررت الانفصال عنه لتريحه من هذا العذاب.!!،وأنها لن تتزوج أحداً من بعده لأنه أول رجل فى حياتها وأول من أحبته فى دنياها.!!، ولذا فهى قد قررت أن تذهب إلى أقاربها فى أسيوط غداً، وتذهب بعد ذلك إلى “دير المحرق”. فى غرب أسيوط .. لتعيش فيه بقية عمرها.. راهبة.!!، وراحت ترجوه أن ينساها .. ولا يسأل عنها بعد ذلك أبداً..!!
وعاد حنا إلى نجع السمايعة.. و “بير العين”.، ليحكى لحمدان خيبته.!! وأنه لم يتزوج مرة أخرى أبداً.!!، فكل النساء خائنات، وأنه سوف يعيش باقى عمره فى خدمة بير العين والجبل.. وحمدان.!!
ذهبت “تريزاً” إلى سوهاج، ومنها إلى “نجع الرواشدة”.. قاصدة منزل الحاجة “بخيتة الحلبية”.، وهناك حكت كل شيئ لبخيتة.، والتى ستكون بالطبع أمينة على هذا السر على الأقل خوفا من حمدان.، وقالت “تريزا” لبخيتة أنها ستظل عندها .. فى منزلها هذا .. إلى أن تأت لها بحمدان، ولكن طبعاً… فى السر والكتمان الشديد.!!، ووعدتها بخيتة أن تحفظ سرها.. وأن تأتى لها بحمدان هنا.!!
ذهب حمدان أبو العين إلى نجع الرواشدة” قاصداً منزل بخيتة الحلبية .. وفى الطريق بدل ملابسه بملابس “رجال الحلب” .. جلابية مقلمة حرير سورى.. وطاقية بيضاء، ولاسة حرير.، .. ولف ملابسة التقليدية فى صرة.. كأنها أشياء يبيعها كالحلب.!!، والتقى حمدان بتريزا فى بيت بخيتة الحلبية،.. وأعلنت بخيتة على جيرانها أنها تستقبل أقاربها الغائبين عنها منذ فترة، وأنها.. ستزوجهم عندها..، وهناك حكت بخيتة إلى عمدة “نجع الرواشدة” أنهم – أى الحلب – يتزوجون فيما بينهم “عرفيا”.. أى بدون توثيق لاوراق الزواج، وأنهاتريد تزويج قريبها هذا “عرفيا” أمام العمدة والشهود وذهبت تريزا مع حمدان إلى دار العمدة، وقالت له أمام الحاضرين.. “قبلت زواجك”.. وهكذا .. أصبحت تريزا زوجة لحمدان.. وظلت – كما قال لها – على دينها.، ووعدها أن يشترى لها منزلا خاصاً بها ..هنا.. فى “نجع الرواشدة”.. بالقرب من منزل بخيتة، ويفرشه لها، وسوف يعودها ليلة الخميس من كل أسبوع.!! حيث فهم الجيران والناس فى “نجع الرواشدة” انه “يسرح” ببضاعته فى البلاد ليبيع “بضائع الحلب”، ويعود إلى بيتة كل يوم خميس ويذهب إلى “سرحته” يوم الجمعة صباحاً ليلحق سوق “بير العين”.!! بل راحت بعد ذلك هى نفسها – اى تريزا – بجلب بعض البضائع لبيعها فى المنزل.!!
وراح حنا يحاول نسيان تريزا.، وساعدته “باتعة” خادمة “حمام الحريم” فى بير العين على هذا النسيان.. بطريقتها المعروفة.!! وراح “حمدان أبو العين” ينسى “نظيرة الدويرى”.. او يتناساها… وساعدته “تريزا” – التى كانت له خير سلوى – على هذا النسيان.. بدنياها الجديدة.!! كما رأت “تريزا” مع حمدان دينا لم تكن تحلم بها…، وخصوصاً بعد أن اخذها من “نجع الرواشدة” واشترى لها منزلاً فى “نجع الحويتى”.. القريب جداً من مدينة سوهاج نفسها.، دون حتى أن تعلم بخيتة الحلبية أين ذلك السكن الجديد لحمدان وتريزاً.!!
(((( ))))
قاربت “عواطف” الان على الثمانى سنوات من عمرها.، وأصبحت حديث الكل فى مدرسة “النهضة” الابتدائية بالبندر، وهى ما تزال بالصف الثالث الابتدائى، فالكل يتندر بحلاوتها و “لماضتها” وشقاوتها فى المدرسة.، وكان آخر يوم فى الدراسة حينما عادت عواطف وهى تحمل شهادتها المكتوب عليها “ناجحة ومنقولة للصف الرابع”.. ، ووصلت إلى مدخل العمارة “بالمساكن الشعبية”.. لتصعد السلالم” وهى تحمل حقيبتها المكتظة بكل ما لديها من كتب وأدوةات مدرسية.!!، ومن فرط شقاوتها أخذت تقفز على “السلالم” قفزاً.!! فكان أن التوت قدمها، وانزلقت على السلالم وراحت تصرخ حتى خرج الجيران من “شققهم”، وخرجت أمها نظيرة صارخة.، وحملها بعض الجيران وسارعوا بها إلى المستشفى المركزى القريب نوعاً من المساكن، وتم اسعافها وعمل “رباط ضاغط” على قدمها.، وعادت إلى المنزل لتستقبلها امها بالدموع واللهفة.، .. وبعد ساعات قليلة ن اليوم نفسه عاد همام القاوى والدها من المحمة وفتح باب الشقة بالصالة وهى تمد ساقها امامها على “الكنبة” والرباط الضاغط يكاد يخبئ قدمها كلها.!!، ويلقى الرجل بكيس البرتقال الذى فى يده على طرف الكنبة وينهال على ابنته بلهفة وعاطفة جياشة وهو يسأل فى دهشة عما حدث.، وجاءت نظيرة من الداخل وحكت ما حدث، وحمد الله على الحال، ثم ألقى بجسدة على الكنبة بادئ الارهاق ، ظاهر الاحساس بالهم والغم.!!، وسالتهت نظيرة عن سبب ما تراه بادياً عليه قائلة.
نظيرة: مالك يا راجل.؟! مش عوايدك تيجى بدرى كده.؟! (ويصمت همام مبديا بحركة من يده عدم رغبته فى الكلام، فتكمل نظيرة سؤالها)..
نظيرة: يووووه..!! يا راجل مالك مهموم كده؟! كل دا عشان عواطف.؟! يا خويه .. بكره تروق وتتنطط زى العفريته.!!
عواطف: (وهى ترد بشقاوة) أنا برضه عفريته يا مامام.؟!! والعفاريت فى بلدكم “عرب الدوايرة”.. إحنا هنا فى البندر.. ما عندناش عفاريت.!!
نظيرة: (وهى تضحك ملئ قلبها..) طيب يا مو لسان طويل.، بس لما ياجى كمال واد خالك كاظم وأقوله.. وأشوف كلامه إيه معاكى.؟!
عواطف: (بتأثر.!!) كمال.!!، وهوه فين .؟! يا ريته ييجى يشوفنى وأنا كده!!
نظيرة: ما هو حاياجى بكره الجمعة وحدة.، (ثم وهى تستدرك) صح يا همام دا امبارح كان لاربع.. واحنا ماجيبناش حاجة من السوق.!! داحنا..
همام: (وهو يقاطعها) يا نظيرة.!!، أنا راصى وجعانى..، إعمليلى شاى.. وتعالى ورايه جوه حاقولك على حاجة.، (ويقوم الحجرة ثائرا يده بضيق!!)
نظيرة: (باستغراب).. ماله يا ختى الراجل ده.؟! (ثم تدخل وراءه الحجرة لترى ماذا يضايقه هكذاً.. فتجده جالساً على طرف السرير.. واضعاً يده على خده كأنه فى هم ثقيل.. فتبادره قائلة)..
نظيرة: (باهتمام) إيه يا خويه اسم الله عليك.!! فى حاجة حصلت معاك فى الشغل مضايقاك وللا إيه.؟!
همام: (بيأس وهم ثقيل) شغل.؟!! ما خلاص.!! عليه العوض فى الشغل.، وفى العمر كمان يا نظيرة.!! النهاردة جانى جواب المعاش.!! زى ما كون .. كنت ناسى وماحسبتش الايام.!! والنهاردة كان آخر يوم.!!
نظيرة: (وهى تهون عليه) ياخويه بركه اللى انته طيب.، وماله المعاش.؟! دانته حتنور بيتك وتفضالنا.. وكفاياك عاد شغل وهم.!!
همام: (بنبرة يأس) يانظيرة المعاش مش حاينفع.، وأدى انتى شايفه الواد سالم لاعاد نافع فى صنعه ولا فى مدرسة.. ولا حتى فى الكورة اللى كان غاويها.. بعد رجله ما انكسرت من تلاث سنين.!!
نظيرة: (بزهق) يا خويا ما تطربقهاش على دماغنا كده.!! ربك ما عاينساش حد.، وبكره سالم يلقى شغل و… ،والبيت يعنى.. آهى عاتدبر.!!
همام: (بعزة نفس) ما هو انا مش حاستنى لما تروحى لكاظم تسحتيلنا منه.!!
نظيرة: (بشمخة ثقة وغضب) يشحتنا دا إيه.؟! ليه هو انا مش ليه ورثى فابويا وحقى.؟! هو عايدينا حاجة من عنده.؟!
همام: (وكأنه يريد إنها الكلام) .. طب روحى بس شوفى عواطف.. تكون امت عالكنبة..!!
نظيرة: تلقاها نعست.، خليها عالكنبة .. نام بس انته وبكره يعدلها سيدك.. إتاخر كده شويه..!! (وتدخل معه فى الغطاء.. ثم بعدها يخلدان الى النوم.!!).
وفى الصباح الباكر .. جرس الباب فى شقة نظيرة وهمام يضرب.. ولا أحد يرد.!!
همام: (وهو يوقظها) يا نظيرة.. يا نظيرة.. يا وليه قومى شوفى مين عالباب.؟!
نظيرة: (وكأنها ما زوالت نائمة) باب إيه بس يا همام.. مين اللى حايجينا بدرى كده.؟!
همام: يا ستى قومى عاقولك الجرس وجع راصى.!!، وعوواطف رجلها وجعاها .. مش حاتقدر تقوم تفتح الباب.!!
نظيرة: (وهى تقوم من السرير متضجرة) يووووه.. فيه حد ياجى يوم الجمعة بدرى كده.!! .. أيوه ياللى عالباب.، (وتخرج من الحجرة لترى عواطف وهى تحجل نحو الباب.. فتقول لها ضاحكة، يخرب عقلك يا عواطف.!! أكيد حاسة أنه دا كمال.!! (عواطف تفتح الباب، وتهلل فرحة بالقادم قائلة.)..
عواطف: أهلاً يا كمال.. (ثم بعتاب) لساك جاى.. وانا رجلى مكسورة من امبارح.؟!
كمال: (وهو يهم عليها بلهفة)، ووووه.. سلامتك يا عواطف.. إيه اللى حصل.؟!!…(ثم يستدرك) يوووه كنت حانسى مطاوع بره.!!، (يفتح ضافتعى الباب..) .. خش يا مطاوع ودخل الحاجات اللى معاك.. على مهلك.، (ويدخل مطاوع.. حاملاً على رأسه “قفة” كبيرة مليئة ومغطاه “بفوطة كبيرة.).
نظيرة: (وكانت ما تزال واقفة تنتظر .. فتقول فى تأفف مصطنع).. يووه.. يا ولدى تعبان ليه.؟! ما كل حاجة عنيدنا هنة.، والله فيها بركة امك صفية دى.!!
كمال: وه ه ه … هو انا تعبان لحد غريب؟!، دا خيرك وحاجتك يا عمتى.!!
نظيرة: ربنا يطرح فيك البركة يا ولدى.. مانا قولت زمان.. ما حدش حايخبط على بابى غيرك ياكمال عاتكبر وتبقى راجل.. وأهو حصل الحمد لله.!!
يأتى عليهم من داخل الحجرة همامن فيسلم على كمال بترحيب شديد…، ثم يدخل سالم عليهم سالم وهو يضع “فوطة” على كتفة ذاهبا الى الحمام… فيسلم على كمال بحرارة قائلاً:
سالم: أهلاً يا بو الحاج كاظم…، أخوش الحمام واطلع.. نفطرو سوا.. ونروحوا نصلوا الجمعة مع بعض و.. بعدين… (فتقاطعة عواطف)..
عواطف: (وهى تشيح له بيدها) إيه..؟!! هوا جايلك انته بس وللا إيه.؟! (تضحك نظيرة من كلام عواطف، وتذهب الى الراديو الموضوع على الرف المعلق بالحائط.، تفتحه على نشرة الاخبار.. الراديو يذيع اخبار الحرب بني العراق وإيران.!!).
همام: (بضيق) يادى الحرب اللى مش عايزه تخلص دى بين العراق وإيران.!!، المسلمين سابو اليهود.. أعداءهم الحقيقييي، وقاعدين يحاربو بعض.!! عرفت إنى طلعت معاش يا كمال.؟!.
((((()))))
كان سالم وكمال عائدان من صلاة ظهر الجمعة “بمسجد سيدى كمال الدين” باخميم، يمشى سالم فى صمت وهو ينظر الى الارض ويضرب قطع الطوب التى يجدها بجوار قدمه.!!، ينظر اليه كمال بدهشة ويسأله.
كمال: إيه حالك يا سالم.؟! سرحان كده وعاتفش وتنفخ.. مالك منكونش زعلان إنى حا تغدى عنديكم النهاردة.؟! (ويضحك)
سالم: (بزهق) يووووه… ، فايق انته وعاتهزر.!!، طبعاً.. هو انته يعنى حاسس بحاجة.!! مانته واد كاظم الدويرى.!!
كمال: (بدهشة) ووه ه ه إيه الغلط دا يا سالم.؟! يعنى مش حاسس بحاجة.؟! ما عنديشى إحساس يعنى.؟!
سالم: (باستدراك).. يوووه.. لا ياخى ما قصدشى .، بس انته ما سمعتش الراديو… وهو عايذيع اخبار حرب العراق وإيران.؟!!
كمال: (بدهشة)ووه .. !! وانته يعنى خلاص بقيت سياسى وعاتفهم فى كلام السياسة والحرب.. مالنا احنا بالكلام ده.؟؟!
سالم: يا عم سياسة إيه.؟! مش باقولك انته مش هنه.!!
كمال: (بغضب) ما تتكلم مليح امال يا سالم.؟!!.. انته فاكرنى صغير يعنى.. ما انا راجل جنب آهووووه.. ورايح تالتة اعداد ياخى.!!
سالم: (بهدوء ويأس) .. يا كمال انته مش واخد بالك .. عمك همام اتحال على المعاش .، وانا كلمت واحد وعشرين سنة ومش نافع فى حاجة.
كمال: طب وانته ىف ايدك ايه دلوك تعمله..
سالم: فكرت يا كمال يا خويا فى حكاية السفر للكويت لاقيتها عايزه فلوس يامه.!! والعراق عايروحوها دلوك بالجواز.. من غير فيزا ولا حاجة.!!، بس آهى الحرب مش عايزة تخلص فيها.، وكما حتى.. والله يا كمال ما احتكم على ثمن تذكرة الطيارة عشان اروح.!!
كمال: وابوك همام حايرضى يخليك تسافر.. دا ما حيلتوش غيرك.؟!!
سالم: يا عم كمال.. ابويا عنده عواطف بالدنيا.!!، وبعدين يعنى هو أنا نافعه فى حاجة.؟!.. دانا مليش عازه معاه واصل.!!
كمال: (وهو يفكر) والله ياخى انته عندك حق تسافر.. بس يعنى.. طب اقولك .. انا ممكن اتصرفلك فى مبلغ كده.. ولما ربنا يفتحها معاك وتاجى.. تبقى تديهونى.. إيه رأيك.؟!
سالم: (و9هو يضحك) إيه محوش قرشين من مصروفك يعنى.. ياعم.!!
كمال: يخى صبرك إلا بالله..!!، انا عندى عجل صغير كده مربيه فى الحوش مع بهايم ابوى.. حاقول لابوى إنى حانزله السوق واشترى مطرحة “شبة”.!! وبعدين أديك تمنه واقول لابوى إنى بعدما بعت العجل.. مالقيتش “شبة ” فى العدل.
سالم: ولو سألك على تمن العجل.؟! وبعدين هو العجل الصغير يتاعك دا حايجيب كما يعنى.؟!
كمال: حاقوله.. إنى شايلهم مع امى.. وحاقول لامى أنهم وقعو منى فى السوق .!! وهيه حاتتستر عليه.!! ودا.. يجيبلوه ياجى ميتين جنيه دلوك.!!.. كبير كده (وهو يشهر بيده لحجم العجل)
سالم: (وكأنه وجد مخرجاً).. والله يا كمال يبقى معروف ما نسهوش طول عمرى
كمال: يا عم بس ربنا يسهلك الامور.. يوم الاربع اللى جاى حاجيب معاى العجل وتستنانى فى السوق نبيعوه.. وخليها على الله…
000000
نجح كمال فى امتحان الشهادة الإعدادية، وذهب لتقديم اوراقه الى المدرسة الثانوية القريبة من عمارة المساكن التى فيها شقة عمته نظيرة، وكان مسروراً لانه بالطبع سيكون قريبا من عمته.، من عواطف.، وها هو قد انهى تقديم الأوراق، وذاهب الآن عند عمته ليزف إليها ذلك الخبر ليفرحها.، وقبل وصوله يصادف أمامه فى الشارع “همام افندى”.. زوج عمته.. فيندفع إليه مهللا..
كمال: ازيك يا عم همام افندى.، دانا رايح عندكم عشان ابشر عمتى وعواطف انى خلاص قدمت علامدرسة الثانوية اللى جنبيكم دى.،
همام: اهلاً.. أزيك انته يا كمال.. وازى امك وابوك..؟!
كمال: بخير، أللا سالم صح ما بعتش جوابات من العراق لغاية دلوك
همام: (باقتضاب) لا لسه يا ولدى.. آه .. الغايب حجته معاه..!!
كمال: (بتأثر) ماعلش إن شاء الله ربنا يطمنك عليه.، أمال حضرتك رايح فيه دلوك.. عايز حاجة اجيبها لك انا…
همام: (بنبرة منخفضة يائسة) رايح الشغل يا ولدى.. هو اللى زيينا.. وراه إيه غير الشغل.. الحمد لله.!!
كمال: (باستغراب) شغل.؟! شغل إيه هوه حضرتك مش طلعت عالمعاش.؟!
همام: طلعت يا ولدى .. بس لما شتغل كده عند واحد مقاول فى سوهاج… آهوووه الواحد يلقى حاجة يعملها.. وقرشين يساعدوا عالمعاش.!!
كمال: (ببراءة) وماله يا عمى… الشغل همه ونشاط.. ربنا معاك..!!
ويفترقان ليذهب كمال إلى عمته نظيرة فى شقتها.. فيفاجئ – بعد دخنوله بان عمته تجلس على الكنبة ساهمة، واضعة يدها على خدها فى هم تقيل.!! فينزعج كمال ويجلس بجوارها يسألها باهتمام.،
كمال: إيه يا عمتى.؟! مالك قاعدة مساهمة كده ليه.؟! أمال فين عواطف.
نظيرة: (وهى تنفخ حيرتها) مافيش يا ولدى .!! آهى عواطف جوه… وتأتى عواطف من الداخل، وقبل أن ترحب بكمال يسألها…
كمال: إيه يا عواطف.؟! فيه إيه.. مالها عمتى.؟!
عواطف: (بلا مبالاه) أنا عارفه..!! آ÷ى كانت بتتكلم مع أبويا.. وبعدين هوه خرج.. وهيه قعدت مسهمى كده معارفاش مالها.!!
كمال: ماهو عمى همام قابلنى بره.. وقاللى حتى انه رايح الشغل عند واحد مقاول كده فى سوهاج.. وانا حتى قولتلته وماله.. الشغل همه ونشاط ومش عيب.! فتقاطعه نظيرة التى تخرج عن صمتها بحدة… قائلة،
نظيرة: آآآآه ه ه طبعاً… وماله مش عيب.!! برضو مش عيب يا كمال لما جوز… عمتك نظيرة بت محمود الدويرى.. اللى وارثة من أبوها خمس فدادين يروح يشتغل عند واحد مقاول.. زى كاتب كده.. وهوه فى السن ده.؟!
كمال: (ببراءة) وه .، وهو الشغل عيب يا عمتى.؟ّ! يعنى يقعد فى البيت احسن.؟!،
نظيرة: (وقد شعرت بان كمال لا يعى ما تقصده).. لا مش عيب يا ولدى (ثم تحاول أن توصل له ما تعنيه) بس لما يكون واةحد كباره كده زى عمك همام ويشتغل عشان يعرف يعيش..، ومرته ام بته معاها خمس فدادين واخدهم اخوها.. ومعارفاش تطول منهم حاجة.، يبقى عيب يا كمال.!!
كمال: (ببراءة ايضا).. طب يا عمتى متورحى لابويا .. وتقوليلوه إنك محتاجة ورثك.، هوا يعنى حايقولك لاع.. مالكيش عندى حاجة.؟!!
نظيرة: (وكأنها أدركت عدم فهم كمال للامور)… والنبى يا كمال .. إنته اصلك طيب.. وباينعليك مش عارف حاجة عن طبع ابوك.!!، إذا كان راغب عمك.. وآهو اسمه راجل ملو هدومه.. مش قادر يقول على ورثه اللى عند ابوك.!!
كمال: (بلهفة) فكرتينى يا عمتى.. دا المفروض اروح اسلم عليه قبل ما يسافر هوه وولده محمود اللى ما عا يسألش على حد وه ه..!!
نظيرة: وه .. ما عرفتش حايسافر ميته عشان حكاية الدكتوراه اللى خدها دى قال.. وحيبقى، استاذ كبير قوى فى مصر.
عواطف: (بفرح) يا حلاوه ه .. يعنى خالى راغب حايبقى استاذ كبير فى مصر يامه.؟!
نظيرة: (بفخر) يا سلام على خالك راغب دا يا عواطف.. طول عمره طيب كده وابن حلال.. وربنا حايديلوه على كد نيته( ثم تستدرك) .. يووووه.. كنت حانسى،احضرلكم الغده.. تتغده انتى وكمال.!!
عواطف: وانا حاجيب الكشتينه.. نتسلوا على ما عمليلنا الغده.. ماشى يا عم كمال..؟!! ثم (تسترسل وكأنها تذكرت شيئاً)، … صح فاكره ياما.. الحلم اللى حكيتلك عليه زمان؟!
نظيره: (ضاحكة) زمان.؟! هو انى لسه بقى فى عمرك زمان يا بتى.؟! آآآآه ه .. فاكره… لما قولتيلى انك قعدتى تبكى فى الحلم لما خالك كاظم خد منك الجزمة وعطاها لكمال.
عواطف: (بنرفزة) ما كنتش بابكى عالجزمة.. بكيت عشان خالى هو اللى قلعهانى وقال إيه دى جزمة كمال.. إنتى حافيه زى ابوكى.!!
كمال: (باعتراض) انا برضه حاخد جزمة بنات؟! دانتى حلملك يفور الدم.!!
عواطف: (وهى تنتربيوجد لكمال).. وانا مالى مش خالى هوه اللى قال.!!
نظيره: (وهى تسرح فى كلام عواطف) .. وخدما منك يا عواطف.؟!
عواطف: (ببراءة) .. أيوه يا ماما خدها.. وعطاها لكمال.. بس كمال مارضيش ياخدها.
نظيرة: (بارتياح) طيب .. بركه انه ماخدهاش.. ماهو كمال اصلو طيب.. ومايرضاض ياخد حاجة مش بتاعته.. مش كده يا كمال يا ولدى.؟!.
كمال: (ببراءة) وه ه .. طبعاً يا عمتى.. انا ماخدش حاجة بتاعة حد.، وخصوصاً لو بتاعة بنات.، وبالاخص كمان لو بتاعة عواطف.!
عوطف: (ببراءة) عارف يا كمال.. انا لغاية دلوك حاسه إنى رجليه وحصانى من الارض الملهلبة.. وانا باجرى ورا خالى حافيه.. وابكى عالجزمة.
نظيرة: (وهى تنظر إلى عواطف بقلق) خير يا بتى .. والمكتوب يصير.. بس المهم لما كمال مارضيش ياخدها.. خدتيها انتى وللا سبتيها انتى كمان.؟!
عواطف: (بتأكيد) لا مالفيت من ورا خالى وخدتها..!! بس لما قولت لكمال خد.. لبسهانى.. بص فيها وقال إيه تقوللى.. داتريها قديمه !! ورحت صحيته.!!
نظيرة: (بتوجس) خير يا بتى.. اللهم اجعله خير يا رب.
كان الأستاذ راغب – شقيق نظيرة – حاصلاً على بكالوريوس المعهد العالى للخدمة الاجتماعية بالقاهرة.، وعمل بهذا البكالوريوس كأخصائى اجتماعى بالمدرسة الثانوية بالبندر.، ولكنه واصل دراسته من خارج المعهد واثناء عمله.. وحصل على الماجستير، ثم حصل أخيرا على الدكتوراه فى نفس التخصص.، ولذا فهو مشغول الآن بتحضير نفسه للانتقال بأسرته كليا إلى القاهرة حيث تم قبوله ليعمل مدرسا.. ثم استاذا –كما كان يتمنى – بالمعهد الذى تخرج منه، وكانت مشغولياته هذه سبباً فى انشغاله عن زيارة شقيقته نظيرة فى الفترة الأخيرة، وابنتها عواطف التى يحبها جداً ويقول انه سيزوجها لابنه محمود عندما تكبر، وهذا ما كان يغتاظ منه كمال كاظم لدرجة انه لم يكن يشعر بالود ناحية محمود ابن عمه الوحيد.. ويغار منه.!!
رجع كمال من البدر إلى “عرب الدوايره” وهو يشعر فى قرارة نفسه أن هناك شيئ ما.. جعل عمته نظيرة على غير عادتها معه.!! فهذه المرة لم تكن فرحة به، ولابدخوله الثانوية العامة القريبة من منزلها..!! لكن كمال وهو الصبى الذى لم يتطرق اليه الشك فى حب عمته له، لابد وانه أيقن مصداقية ما طرحته عمته نظيرة أمامه من أمور.، إذ بالعفل كيف تكون هى نظيرة أخت كاظم الدويرى والده الثرى الوجيه، والتى ترث خمسة فدادين غير الأملاك الأخرى، وتعيش هى وزوجها وابنتها عواطف فى هذا الضنك الذى يراه ويلمسه.؟! فها هو يرى همام افتدى زوج عمته يذهب ليعمل كاتباً عند أحد المقاولين لكى يحصل آخر الشهر على جنيهات قليلة يسد بها مع المعاش الضيئل متطلبات العيش الضرورية.!!،
وكان أن ادخر كمال كل هذه التساؤلات فى نفسه إلى أن جاءت الفرصة سانحة له مع أول سؤال توجه به والده كاظم إليه بعد عودته من البندر، حينما دخل كاظم من الخارج ليجد ولده كمال جالساً على الكنبة فى صحن الدار، وكان كمال سارحاً حتى لم يشعر بقدوم والده فقال له كاظم..
كاظم: (وهو يشير له بيده) هوى.. سارح فين كده.؟! اللى واخد عقلك!!
كمال: أبداً يا بوى.. دا بس جه على بالى كيف عاقدر اعيش فى البندر وحدى لما خش الثانوية.. وآجى يا دوب كل جمعه.!!
كاظم: وه ه .. هوا دا اللى شاغلك. مانته حاتقعد فى بيت عمك راغب.. وبعدين ابقى تعالى وسط الاسبوع هيه المسافة بعدت.. دا كلها نص ساعة فى الحلزونة.، وآهو بيت عمتك قريب عليك كمان.!!
كمال: لاع ما قصدشى على بعد المسافة.. بس آهو عمى كمان سافر باسرته كلها وحايعيش فى مصر، وعمتى كمان يعنى!! هيه ناقصه هم.؟!
كاظم: ليه يا خوى مالها.؟! هم ايه اللى عندها….
كمال: يا بوى دول عايشين بالعافيه يادوب.!! دا حتى عمى همام راح يشتغل عند واحد مقاول زى كاتب كده عشان يقدرو يعيشو.!!
كاظم: (بتأثر واسترجاع للماضى) آآآآه ..،ما هو دا اللى قولتو زمان.. يا ولدى.. همام دا ماكانش لنظيره اختى.. لكن إه .. نصيبها عاد.!!
كمال: (وهو ينظر بعيدا عن والده) طب يا بوى.. هيه عمتى نظيره دى مش اختك وليها ورث عند.؟! ليه سايبها تعيش فقيرة كده.؟!!
كاظم: (بغضب شديد) وآ آ ه.!! كماآآآآل.!! مالك انته بالكلام ده.؟! مش عاوزك تتكلم فيه تانى واصل، ومش عاوزك كمان تروح عند عمتك نظيرة دى اصل .. خلاص.؟!.
كمال: (بخوف ولعثمة) وه..!! دانته زعلت قوى كده ليه يا بوى.؟!! انا عاقول الكلام اللى سمعته منها أمبارح.!!
كاظم: (بصوت مرتفع وغضب) كمان.!! هيه اللى حكت معاك فى الحكاية دى. . .طبعاً.، ما نظيره خالاص عينها فتحت .، وعايزه تطالب بورثها.!! طب. زقسماً بالله .. ما اسمع انك رحت عندها تانى.. لانته حر.. سامع.؟!
(وينظر كمال إلى والده بدهشة.، ولكنه لم يجد كلاما يرد به.. فيلزم الصمت)
000000
تبدأ الدارسة ودخل كمال الصف الأول بالمدرسة الثانوية، وكان يتمى أن يجد عمه راغب وابن عمه محمود بها.، ويشعر كمال بالغربة، ويشتاق لرؤية عمته نظيرة وعواطف.، وينسى تحذير والده ويذهب بعد انتهاء اليوم الدراسى مباشرة إليها. فتقابله بكل ترحيب، وتعاتبه على غيابه كل هذه الفترة عنها.!!
وإذن لم يتبقى لكمال بالبندر سوى منزل عمته نظيره.، وفوقها شقة زوجة جده لوالدته.واخواله منها.. جمال وزينب.، أما الحاجة لطيفة.. زوجة عم والده.. ووالدة الحاجة كوثر زوجة والده “القديمة”.. فلم يكن يعرف منزلها.!!
راح كمال يفكر فى عمه راغب الذى كان طيب القلب مسالماً.. لا يحب المشاكل إلى درجة السلبية أحيانا والذى كان يحبه جداً.. كما كان يحب شقيقته نظيرة وابتنها عواطف جد جداً.، فقد كان ودوداً واصلاً لرحمه معها..
ولكن .. ها هو راغب قد هجر الصعيد كله..، وراح ليعمل ويسكن بالقاهرة حيث مستقبلة العلمى والوظيفى.، واكتفى بالخطابات التى يرسلها إلى أخته نظيرة فى المناسبات يطمئنها على صحته وصحة أسرته، ويطمئن هو عليها وعلى عواطف، وعلى همام افتدى.، والسلام ختام.!!
ماذا تفعل نظيرة بن العز وهى ترى زوجها المسن يذهب يومياً إلى سوهاج، وأحيانا مرتين فى اليوم.. فى مشوار مرهق بالنسبة له، ليعمل كاتباً بسيطاً، ويأتيها ببضع جنيهات قليلة تضعها آخر الشهر على جنيهات المعاش.. فلا يكاد يكفى متطلبات العيش الضرورية.!!، ولم تجد نظيرة بداً من الذهاب إلى أخيها كاظم.. لعله يتعاطف معها ويعطيها.. ولو بعضاً من ميراثها عنده.. تستعين به على حياتها.!!
000000
لم يكن مطاوع الكلاف قد وجد العناية الكافية فى علاج ساقه التى أصيبت فى المعركة مع حمدان أبو العين والبوليس حينما أرادوا تخليص كمال منه.، حتى “الغرغرينة” فى ساقه وتم قطعها.، وظل يمشى على “عكازين” .. إلى أن عجز تماماً عن العمل.!!
وحزن كاظم على عجز مطاوع الذى كان يعمل عنده بإخلاص منذ سنوات طويلة، والذى أصابه هذا العجز بسبب ذهابه مع البوليس لتخليص كمال من يد حمدان أبو العين.، ولذا رأى كاظم انه من الواجب عليه رعاية أسرة مطاوع، فساعد زوجته ببعض المال، واخذ ولده عامر إلى بلغ الثانية عشر من عمره الآن .. ليعمل عنده بدلاً من والده.، ولم يكن يعلم أن عامر هذا قد دخل المدرسة الإعدادية ويجتهد فى دراسته.، ولكن لا بأس فليعمل ليساعد والديه وإخوته على المعيشة، ويواصل تعليمه أيضا.!!، وكان كاظم يشجعه وفاءاً لوالده الذى كاد يضحى بعمره من اجل إنقاذ كمال.،
وكانت الشمس قد انحدرت نحو الغروب. .حينما كان الحاج كاظم عائداً من الغيط، وها هو ينزل عن ظهر بغلته وينادى “عامر” ابن مطاوع .. فيأتى عامر مهرولاً.، تاركاً كتابه الذى كان يقرأ فيه، على حافة القفص الجريد الذى يجلس عليه بجوار الشجرة العتيقة أمام منزل الدويرى.. فى انتظار الحاج كاظم..
عامر: حمد الله عالسلامة يا عم الحاج.. عارف مين عندك جوه.؟!
كاظم: مين يا وش الخير.!! (ثم وهو يناوله حبل الصريمة) خد جر البغلة عالحوش .. وحطلها العليقة.
عامر: الست نظيرة اختك يا عم الحاج.. هيه وبتها عواطف.
كاظم: (بضيق) طيب يا خو الله يبشرك.!!، مش عاقولك يا وش الخير.!!
يدخل كاظم إلى الدار ليجد أخته نظيره وابنتها عواطف تجلسان على الكنبة بصحن الدار وبجوارهن زوجتاه كوثر وصفية.. وهن يتجاذبن الحديث..
كاظم: (بفتور) اهلاً يا نظيرة.. عاملة أيه.؟!.. أزيك يا عواطف.؟!
نظيرة: (مهللة) أهلا يا حاج كاظم يا خوى.. حمد الله على سلامتك من الغيط.
عواطف: أهلا يا خالى .. حمد الله عالسلامة.. آمال فين كمال.؟!
يجلس كاظم على الكنبة المقابلة.، وقبل أن يرد على عواطف تبادره بقولها..
عواطف: بالك يا خال .. أنا نفسى فى يوم كده أروح معاكم الغيط.. عشان العب واجرى أنا وكمال طول اليوم.!!
كاظم: (وهو يصدها بحركة من يده) تلعبى معاه كيف يعنى.؟! هوه كمال لسه عيل معاكى.؟!! دا بقى راجل وفى الثانوية العامة.. يعنى مش فاضى لحد.!!
وتكاد نظيرة تنفجر غيظا وغضباً.. وهى ترى ابنتها قد انكمشت محبطة من رد خالها الجافى عليها.!! ولكن نظيرة الزكية تماسكت حتى لا يتطرق الكلام إلى موضوعات أخرى تشغلها عن الموضوع الاساسى الذى أتت من أجله.!!
لكن صفية – أم كمال – لم يرضها ما حدث من زوجها كاظم فتنظر اليه قائلة..
صفية: (بنبرة عتاب) إيه يا حاج.. مالك عا تقوم فى البنية كده ليه.؟! ما هو واد خالها ومن زمان قولت يلعب معاها.!! وهو فين كمال.؟!
كاظم: (وهو يحاول تخفيف حدة الموقف).. أنا عارف.؟! الواحد خلايقه دايقه اليومين دول وما بقيش حامل حاجة.!! متزعليش يا نظيرة…، كمال آهو جاى ورايه.. جايب شوية حشيش للبهائم عالحمارة.. راح يدخلهم الحوش
نظيرة: (بأنفه وتمنع) يا خويه.!!.. عموماً أحنا جينا شوفناكم وراجعين البندر طوالى عشان ما نقدروش نبيتوا.. ونسيبوا همام افندى لحاله هناك.!!
صفية: (بعشم وجدية) كلام إيه ده اللى عاقوليه عاد يانظيرة.؟! لاع دانتو تبيتو وبكرة تقضو معانا اليوم كله هنه كمان.. وه ه ه.!!
كاظم: (وهو يحاول ترضية نظيرة) ودا كلام برضو.. وهوا يعنى فيه حلزونات ولا طرومبيلات حتى للبندر دلوك.؟! وه ه .. انتى زعلتى وللا إيه.؟! قوة يا صفية حاضرولنا العشا.. بلاش جلع عاد.!1
قال كاظم جملته الاخيرة وهو ينتر بيده.. ويقوم ليدخل حجرة صفية.، وتنظر نظيرة إلى صفية وكأنها تقول لها (عاجبك كده.؟!).. وقبل تتكلم صفية بشئ .. يدخل عليهم كمال ليفاجئ بعمته نظيرة وبجوارها عواطف.. فيهرول ناحيتهما مهللاً مسروراً بمجيئهما ومرحباً بهما..!!، وبعد العشاء. تأتى صفية بصينية الشاى..، ويجلس الحاج كاظم على الكنبة المواجهة للكنبة التى تجلس عليها نظيرة.. ثم يسألها وهو ينظر إلى السقف.!!
كاظم: وإيه حال همام افتدى معاكى اليومين دول.؟!
نظيرة: (باقتضاب) زين الحمد لله.. يسلم عليك.!!
كاظم: وعامل إيه فى الشغل مع المقاول اللى عايروح يشتغل عنده ده.؟! ياكشى يكون عايديلو مهية مليحة كده.؟! (وكأن نظيرة قد وجدت فرصتها لتدخل فى الموضوع الذى أتت من أجله.. فتقوم من مكانها وتجلس بجوار كاظم قائلة فى تودد.!!).
نظيرة: والله ياحاج كاظم يا خوى.. الحال يعنى الحمد لله.، بس الراجل بصراحة يعنى .. كر يا عينى وما عادش قادر على الشغل ده.، والمعاش ولا عايقضى حتى نص أشهر.، وعواطف كمان آهى كبرت وبقيت مصاريفها وطلباتها كتير.. و…
كاظم: (وهو يقاطعها بغلظة) يوووه.. !! انتى كل ما تاجى تسمعنيى الموشح ده.؟!
نظيرة : (بانكسار مصطنع) هو وه !! مش عاتسألنى يا حاج.. أكدب عليك يعنى.؟!
كاظم: (بضيق) خلاص خلاص.. وانتى مروحه ابقى خوديلك كيلتين قمح.. على شوية سمن على.. (فتقاطعة نظيرة بحدة.. وكأنها قد فاض بها الكيل).
نظيرة: أنا ما عاشمتش يا حاج كاظم يا خوى.!!، انا نظيرة بنت محمود الدويرى .. اللى وارثه من أبوها خمس فدادين بحالهم… و.. (فيقاطعها كاظم بحدة).
كاظم: على مهلك يا نظيرة.!! مانتى عارفه أن مفيش مخلوق حايقدر ياخد حاجة من ملك الدويرى .. طول ما نا عايش .!!
نظيرة: (بحدة وانفعال).. وأنا مش حد يا كاظم.. أنا أختك نظيرة.. وده ورثى اللى شرعهولى ربنه.. وما قدرش احرم نفسى واحرم راجلى واحرم بتى الوحيدة.. واسيبهولك.!! تقبله على ولدك الحيلة يا حاج.؟!
كاظم: (وهو يحاول أن يكون هادئاً) أنا .. يا بت ابوى.. قلت اللى عندى.. وعقلك فى راسك، وعالعموم أنا عايز أنام راصى وجعانى.. قومى نامى دولوك.. الصباح رباح.. هيه…!!
صفية: (وهى تلقتط خيط لكلام من نظيرة) .. خلاص يا نظيرة..!! سيبى الحاج دلوك.. والصبح يحلها ربنه، خش نام انته يا حاج، وحامى ويبرد.،
ويذهب الجميع الى النوم.، ولكن نظيرة العنيدة كانت كأنها لم تنم.، فصباحاً مبكراً توقظ ابنتها عواطف.. وتخرج دون علم أحد..!!، وأول شيئ تفعله بعد مقابلتها لزوجها بالشقة فى البندر.، ان طلبت منه بكل حزم ان يرفع قضية ميراث على أخيها كاظم بورثها عنده.!! الذى يريد ان يأكله عليها.!!
ولكن همام القاوى برغم فقره وحاجته لم يكن طامعاً أو له ضمح فى ميراث زوجته.، بل حاول ان يثنيها عن عزمها على رفع القضية، وعاد يقول لها انه رجل مسن ولا يقوى على الجرى فى المحاكم “بحبالها الطويلة”.، وكان رأيه الذى اقنعها به ان تذهب الى عمدة “عرب الدوايرة” ليجمع بدوره بعض كبار البلدة مع كاظم من خلال “قعدة حق” على ان يقوم كاظم باعطاء اخته مبلغا من المال يتناسب مع ميراثها.. ولو من بعيد.!! بما يسمى فى عرف هذه المنطقة باسم “الرضوه”.. مقابل تنازلها عن نصيبها فى الميراث.، ولكن نظيرة العنيدة قد وافقته على الذهاب الى عمدة “عرب الدوايره” ولكن كان فى نفسها شيئ آخر.!!، فقد ذهبت بالفعل الى العمدة الشيخ عبدالرحن ابو دياب.، ليس من اجل “الرضوه” بل من اجل ان تبيع له نصيبها فى ميراثها وحقوقها فى الاملاك كلها.. عند كاظم.!!
العمدة: بس يا نظيرة يا بتى الحكاية دى واعره قوى..!! والناس تلوم عليه فيها لو اشتريت منك.، دا برضو الحاج كاظم الدويرى حد يقدر يشترى ارض أبوه؟!، وبعدين كيف حاشترى الخمس فدادين بتوعك وهمه فى حيازته وعايزرعهم.!!
إيه حاشترى سكر فى ميه يا بتى.؟!
نظيرة: (وهى ترفع من قدره لتستدرجه) آمال ان مكانش الحاج عبدالرحمن ابو دياب عمدة البلد وكبيرها. .هو اللى يحل المعقودة.. مين عاد غيره يحلها.. ويشترى الحاجة اللى فى خشم السبع عشان يحل المشكلة.!!
العمدة: والله يا نظيرة يا بتى.. انا اقدر اشتريهم منك فى حالة واحدة بس.!!
نظيرة: 0بلهفة).. قول يا عمدة.؟!!
العمدة: إنك ترفعى بيهم قضية ورث.. والمحكمة تحكملك .. ساعتها اقدر اشتريهم منك وبتمن مليح كمان.. بدل ما “قعدة الحق” تحكملك بمبلغ “رضوه” عشر أطناشر ألف مثلاً.. فى الخمس فدادين.!!.
نظيرة: (باستغراب) عشر أطنار… ليه حادينى حق نص فدان بدل الخمس فدادين.؟! وبعدين انا جيالك ليه آمال.. مش عشان معاوزاش أرفع قضيا ولا يحزنون.!! هو انا حمل محاكم يا حاج.؟!!
العمدة: وه .!! آمال حاتسبتى حقك كيف.؟! مش يمكن يكون معاه ورق يقول انه مشتريهم منك قبل كده وللا حاجة.؟!
نظيرة: (بدهشة) وه .. جايه انصب عليك انا يا حاج عبدالرحمن ولا إيه.؟!
العمدة: انا مقولتش كده لا سمح الله.. لكن الحق حلو.. وماعنديش كلام تانى عاد.؟!
نظيرة: (وهى تقلب بيدها بيأس) حق.!! هوه دا الحق.؟! عليه العوض يا عمدة.؟!
وتقوم نظيرة من دوار العمدة وهى اكثر تصميماً على اخذ حقها.. واذا كان ولابد من رفع القضية فليكن.!! وإذا كانت المحاكم “حبالها طويلة”.. فليكن بالها اطول.!!
ولكن العمدة ..الذى فهم من قيامها من امامه باديا عليها التصميم والعزم على شئ ما. فكر فى الامر بطريقة اخرى.. ، حيث وجد ان الخمس فدادين فى حيازة الحاج كاظم.. وهو رجل مقتدر ولن يتركهم بالساهل ابداً..!! وحتى لو حكمت لها المحكمة فسوف يقوم كاظم بشرائهم بالشفعة.!!، وعلى الفور ارسل العمدة من يبت فى اذن كاظم بان اخته نظيرة جاءت الى العمدة لكى تبيع له ورثها.. ولكن العمدة رفض تقديراً للحاج كاظم.، وبالفعل وصلت هذه المعلومة كما أرادها العمدة الى آذان الحاج كاظم.، فذهب كاظم الى العمدة شاكراً له هذا الموقف وقدم له (هدية) عبارة عن “شبه” أى جاموسة صغيرة لم تلد بعد.!!
00000
كانت نظيرة قد احبطت بعض الشئ.. حينما لامها زوجها على هذا التصرف الذى فعلته بذهابها الى العمدة وعرضها بيع ميراثها له.؟! ولكنها لم تنس ابداً حقها ولن تنساه مهما طالت الايام.!!، وظلت فى كل مناسبة تحرض زوجها على رفع قضية الميراث،
وكانت عواطف قد دخلت الصف الثانى الاعدادى.. حينما كان كمال قد التحق بكلية التجارة جامعة أسيوط، وكان همام القاوى فى هذه الاثناء قد انصاع اخيراً لرغبة زوجته نظيرة.. وقام برفع قضية الميراث باسمها ضد أخيها كاظم.. عن طريق أحد المحامين من معارفه القدامى.. اثناء عمله بالمحكمة.!! وبعد ان قام – بجهد جهيد – باستخراج “علم الوراثة”، ولم يسمع كاظم او يعلم بشئ.. من ذلك الا حينما اتى اليه “المحضر” كى يسلمه الاعلان بموعد الجلسة.!! ليستلم كاظم الاعلان وهو فى دهشة كبيرة.. ولا يكاد يصدق.!!
يدخل كاظم منزله وهو يكاد يتعثر فى خطواته من الدهشة.، ويجد زوجته كوثر جالسة على الكنبة فى صحن الدار، فيقف فى وجهها وهو يلقى بورقة “الاعلان” بجوارها فى غضب وضيق .. قائلاً..
كاظم: آدى آخر سماع كلام الحريم يا كوثر.. (فين صفية هيه كمان تاجى تشوف شورتها ودتنالنين.؟!!
وتلتقط كوثر الورقة وتنظر ليها باندهاش.. فى حين جاءت صفية من الداخل على أثر سماعها كلام كاظم قائلة..
صفية: وه.. ايه يا حاج.. مالك يا خويه كفالله الشر.؟!!
كاظم: (فى صياح) فاكرين لما قولتكم زمان.. بلاش همام الزفت دا لنظيرة.؟! قولتولى لاع.. دا همام راجل زين ونظيرة عاقلة.!!
صفية : (بلهفة) وه.. ماله همان ده كمان.. عمل ايه؟!!
كاظم: (وهو يرمى الورقة فى وجهها) فاكره يا صفية لما قولتلك دا راجل بتاع محاكم وفقراا. وحايوز اختى نظيرة عشان تطالب بورثها.!! قولتيلى دا مووظف وليه معاش.. ومعرفش إيه.؟!
همام القاو.!! اللى مفيش فى عيلته كلها واحد عنده فدانين طين.. عاوز ياخ منى انا خمس فدادين حتة واحدة.. عشان اختى بقيت أمرته .. على آخر الزمن.!!
كوثر: (وهى تحاول تهدئته) يا حاج استهدى بالله أمال.. وشوف حاتعمل ايه فى الاعلان ده.؟! هيه يعنى خلاص المحكمة حكمتلها.؟!
000000
كان كاظم الدويرى قد جاوز الستين من عمره.، كما كان همام القاوةى ايضاً قد تجاوز الخامسة والستين، ولكنهما انا عنيدين فيما بينهما..!! ذهب كاظم الى احد المحامين الكبار.. من اقارب الحاجة لطيفة والدة زوجته كوثر بالبندر، ومعه ورقه الاعلان، فقال له المحامى” عليك ألا تحضر فى أول جلسة، وحتى لو حكمت لها المحكمة اول مرة.. أطعن أنت فى الحكم وقدم أى ورقة تقول فيها ان نظيرة قد باعت او تنازلت عن نصيبها فى الميراث.. مقابل “رضوة” مثلاً.، وبذلك تضطر نظيرة اذا كانت تقوى الاستمرار فى المحكمة .. ان ترفع قضية طعن بالتزوير فى هذه الورقة المقدمة منك..!!، وهلم جراً..، !! وقد كان.،
فقد تذكر الحاج كاظم الورقة التى كان قد أعدها لمثل هذا اليوم.. وقدمها للمحكمة، وكان مضمون هذه الورقة ان نظيرة قد تنازلت بكامل إرادتها عن ميراثها كله والبالغ خمس فدادين.. لاخيها كاظم.. مقابل مبلغ وقدره (100) وقد ارتضت به فى وجود الشهور (فلان وفلان) واصبحت خالصة بحقها وليس لها اى حق فى المطالبة باى ميراث لدى اخيها كاظم.!!
وعلمت نظيرة وعلم همام القاوى من محاميها.. بأمر هذه الورقة المقدمة من كاظم.. وكادت تجن.!!، وألح عليها همام بالسؤال.. ربما كانت قد أعطت أخيها هذه الورقة ونسيت منذ فترة كبيرة مثلاً.!!، وأكدت نظيرة وأصرت انها لم تفعل.!! .. على ذلك قام محاميها بالطعن بالتزوير فى هذه الورقة المقدمة من كاظم.، وقامت المحكمة بإحالة الورقة الى خبير البصمات.!! بعد ان طلبت الشهود وكان من بينهم العمدة عبدالرحمن ابو دياب، والشيخ على الخفير.!!،
وكانت الطامة الكبرى.. حينما جاء تقرير خبير البصمات بان البصمة الموجودة على الورقة هى بالفعل بصمة نظيرة محمود الدويرى.!!، واصبحت الورقة صحيحة وحاسمة للنزاع.. وحكمت المحمكمة برفض دعوى نظيرة وإلزامها بالمصروفات.!!، وهكذا اسسقط فى يد نظيرة التى اسلمت امرها لله..، واخذت ابنتها وزوجها وذهبت الى شقتها فى ذهول.
وهكذا.. شعركاظم بانه انتصر على اخته نظيرة وزوجها همام “القاوى” بتاع المحاكم.!! وتملك بحكم المحكمة “للخمس فدادين ميراث اخته ) ولا منازع بعد ذلك.!!، وأقام لذلك “ليلة ذكر” امام منزله “بعرب الدوايرة”.، احضر فيها منشداً معروفاً.. ودعى اليها اهل قريته والقرى المجاورة كلها، بل قام بأخذ “خروف كبير”.. ليذبحه على عتبة “الشيخ سماعين”.، وخروف آخر ليذبحه على عتبة “سيدى ابو القاسم الاخميمى” بالبندر.!! وزادت عهذه الاعمال بالطبع من شهرة كاظم الدويرى وسمعته.!!، لكن همام القاوى العنيد لم يسكت.، حيث قام بعمل استئناف للحكم من جديد.!! وكان كاظم واثقا من نفسه فلم يأبه لذلك.، وقد انشغل بان راح بعد الصرف للترشيح لعضوية مجلس العشب.!! بعدما رأى من تزاحم الناس البسطاء حوله وثناؤهم عليه بالكرم والخيرية التى ظهرت عليه مؤخراً.!!، وراح كاظم يزور العائلات والقرى المجاورة كلها.، ويتبرع لبناء المساجد والمدارس.، الابتدائية الصغيرة بها.، ويعلن انه سيكون “النائب” الذى ينتظرونه طويلاً.!!، وأنه سيكون خادماً للجميع.!!، وفكر همام فى طريقة يوقف بها هذا السيل الجارف من الاكاذيب التى يلقيها كاظم على الناس وهو الآكل لحق اخته.، وظلمه الفاحش لها.. والمزور فى الاوراق ليأكل حقها.!!، وكان ان تذكر همام واقعة هروب كاظم من العسكرية بعد تجنيده.، وكيف انه ظل متهرباً .. ويدفع والده محمود الدويرى للعمدة وللخفراء وللمباحث حتى لا يخبروا عنه.!!، حتى بلغ من عمره اثناء وثلاثين عاماً حينما قبض عليه وحكم عليه بالحبس (…) وغرامة مالية كبيرة دفعها والده فى حينها، وكانت قضية الهروب من الجندية فى حينها “مخلة بالشرف”.. (وهكذا قام همام القاوى فعلاً بالإبلاغ الى مككتب قبول طلبات الترشيح، وفى آخر يوم من فترة الطعون فى المرشحين.)
وأسقط فى يد كاظم هذه المرة.!! وعلم بعدها بان همام القاوى هو الذى قدم فيه البلاغ.، وحرمه من الترشيح لمجلس الشعب.. بعد ان بذلك مناجل هذا الترشيح كثيرا من الجهد والمال.، وذهب كاظم الى همام القاوى فى شقته بالبندر..، وأمام زوجته نظيرة.. قام بتهديده والاعتداء عليه بالالفاظ الجارحة.، بل قاله له فيما قال اما زوجته.. انه لو كان رجلا – ومن ظهر ابوه – فليضع قدمه فى عرب الدواير.!! وأنه – أى كاظم – سوف يكسر رجله اذا رآ÷ فى البلد.!!.. ولم يكن همام القاوى ضعيفاً.. رغم فقره .. ولا جباناً.، بل كان عنيدا قوى الشكيمة ، وكانت له عائلته الكبيرة عدداً وإن كانوا فقراء.، وسمع اقارب همام بهذا الهديد فاصروا على ان يأتى همام ويظهر بالبلد امام الناس جميعاً.. لانه من العار عليه وعليهم ان يحكم عليه كاظم الدويرى بهذا.. وفعلاً ذهب همام القاوى ولم يهتم بتهديد كاظم، بل تحداه ان يفعل معه شيئاً.!! ووصل الخبر الى كاظم الذى ذهب من فوره الى همام.. وقابله عند الجامع، ومازال الناس لم ينفضوا بعد الصلاة.، ووجه اليه بعض الشتائم والتهديدات التى وصلت الى ان أقسم كاظم انه لو رأى همام مرة ثانية فى البلد سوف يقتله.!! !! !!، وأن ديته عنده رصاصة بقرش صاغ.! !!، وتجمع اقارب همام…، وكادت تحدث معركة كبير.. لولا ان تدخل العمدة لفض الموضوع ولكن كاظم تماديا فى عجرفته وعنادة قد اقسم ثانيا انه سيقتل همام القاوى.. مهام كان الزمن..ّّ
00000
لم يكن كمال كاظم راضيا عما يفعله ابوه مع عمته نظيرة وزوجها الطيب همام القاوى..، فقد كان كمال فى طبعه يشبه إلى حد ما .. عمه راغب. فى هدوءه ورزانته وسلبيته فى بعض الأحيان.!!ن ولذا.. لم يكن كمال يذهب فى فترة دراسته بالكلية بأسيوط كلها.. الى عرب الدوايرة الا حينما يحتاج الى النقود..!!، بل كان يأتى من أسيوط فى بعض الاحيان ويذهب عند عمته نظيرة، ويعود ثانية إلى أسيوط دون ان يذهب الى “عرب الدوايرة”.!!، وفى المرات التى كان يذهب فيها.. الى منزله ووالده .. فكانت ليأخذ من والده اقصى ما يستطيع من المال وما أكثر الحجج والطلبات التى تطلبها الدراسية فى الجامعة و.. والمعيشة فى اسيوط والأسعار الغالية. .. و.. ، كما كان يأخذ ايضاً عن طريق والدته صفية كل ما يستطيع من المال.. ومن كل ما يستطيع حمله من خيرات المنزل.. من سمن وجبن وطيور مذبوحة وقمع مخبوز وخلافه.، ولا يعلم والده كاظم بان كمال بأخذ كل هذه الاشياء ويذهب بها الى عمته نظيرة فى البندر.!!، والتى بدورها لم ترفض على اعتبار ان هذه الاشياء من حقها.، وهكذا لم تنقطع صلة كمال بعواطف طيلة مدة دراسته بكلية التجارة بأسيوط.، وكانت الخطابات ايضا بينهما متواصلة.، وبعد ان كانت هذه الخطابات تتضمن السلامات والسؤال عن صحة الوالدة نظيرة والوالد همام والأحوال لمحوقات والشكوى من تعنت الوالد الحاج كاظم.، اصبحت هذه الخطابات شئياً فشيئاً تتضمن الشكوى من الغربة والوحدة.. والاشتياق إلى الاهل الاعزاء الذين لا يستطيع البعد عنهم.!!
وشئيا فشيئاً… أصبح هؤلاء الاعزاء الذين لا يستطيع البعد عنهم هم عواطف.. وعمته نظيره وعمه همام.!! وكان رد عواطف فى خطاباتها اليه يشجعه على التصريح أكثر فأكثر.!!، ولم لا.؟! وهى التى شبت وترعرع عودها، وفا جسدها، وها هى قد بلغت الان السادسة عشر من عمرها وتستعد لدخول الصف الثالث الثانوى، ووجدت نفسها تشتاق إلى كمال بإحساس يختلف عن ذى قبل.!!، وخصوصاً حينما كان كمال يصف لها كيف انه قد اصبح على مشارف الحلم الذى يحلم به طول عمره.. بعد الانتهاء من امتحان البكالوريوس هذا العام.!!، وكانت قد فهمت أن هذا الحلم الذى يتحدث عنه هو حلم الزواج بها.، وكانت هى ايضا تحمل فى داخلها كماً موازياً لحلم كمال.. وإن كان حلم عواطف يزيد على حلم كمال.. بمقدار ما يملكه والده من الارض والاملاك والعز.. فى البيت الكبير..!!
كان أمس الثلاثاء هو آخر أيام الامتحانات التى أداها كمال بثقة فى النجاح، وحزم أمره وحاجاته للعودة من اسيوط.، ولكن فكر فى أن الوقت سيكون متأخرا حال وصوله إلى سوهاج.. ثم إلى .. بندر الشرق..، ليذهب إلى عواطف.. وعمته.. قبل الذهاب إلى “عرب الدوايرة” .، ولذا قرر أن يبيت ليلته فى أسيوط ليذهب مبكراً .. ويلحق اليوم الأربعاء من أوله عند عواطف.!!، وليذهب بعد ذلك إلى “عرب الدوايره” قبل .. المغرب.. حيث آخر ميعاد للحلزونة المتجهة إلى قرى الشرق.!!
كان كمال حساساً الى الدرجة التى لم يكن يذهب إلى منزل عمه وعواطف – خصوصاً خلال السنة الماضية – إلا فى يوم الجمعة، حيث يكون والدها همام متواجدا فى المنزل يوم أجازته من عمله عند المقاول.، وكان قد عود نفسه على ذلك، بل رتب مواعيد قدومه من أسيوط على هذا.، ولكن هذه المرة فالأمر مختلف ، فهو قد انهى دراسته وأصبح ينتظر النتيجة الواثق منها، ليكون حاصلاً على البكالوريوس،ثم أن كلام عواطف فى خطاباتها الأخيرة كان مختلفاً.، حيث قالت له فى آخر خطاب لها نصاً “إذا كنت أنت تنتظر انتهاء الدراسة والامتحانات لكى تعود إلينا لترانا.. فنحن أيضا ننتظر رجوعك بفارغ الصبر”.!! وإذن لا بأس أن يذهب إليها .. أو إليهم.. اليوم الأربعاء.!!
وصل كمال إلى مدخل العمارة السكنية بالبندر، وقبل أن يدخل نظر لاعلى نحو شباك شقة عمته بالدور الثالث لعله يرى عواطف وهى تنظر من الشباك او البلكونة.، ولكنه وجد الشباك مغلقاً ولا احد بالبلكونة.!! واضطر أن يضع حقيبته الثقيلة على كتفه ليستطيع صعود السلم بسرعة.!! ومن على باب الشقة وهو يلهث، ولم يستطع الانتظار فدق الباب مرة اخرى، ولكن لا احد يرد.!! هل مازالت عواطف ، وعمته نظيرة نائمين؟! الساعة الان تجاوزت الحادية عشر صباحاً.!! ودق الباب مرتين.. وبعنف هذه المرة.، ولم يرد أحد من داخل الشقة، ولكن جاءه الرد من أعلى حيث فتح باب شقة الدور الرابع.. شقة أرملة جدة لوالدته وأخواله.، وخرجت منها سيدة عجوز ونظرت لاسفل .. وهى تقول بصوت ضعيف مبحوح..
أرملة جده: مين.؟! .. مين اللى بيخبط على باب همام افندى.؟!
كمال أنا .. انا كمال يا مرت جدى.. إزيك.؟!
أرملة جدة: كمال؟! تعالى يا كمال ياولدى اتفضل.. ما حدث قاعد عندك.!!
كمال: إهه.!!.. أمال عمتى وعواطف راحو فين دلوك.؟!
أرملة جده: تعالى بس.. هات شنطتك وحاجتك دى وتعالى .. وأنا حاقولك.!!
صعد كمال فى دهشة، ودخل مع مع أرملة جده إلى الشقة التى عاشت فيها والدته صفية من قبل زواجها بوالده كاظم، وما أن استقر على الكنبة التى بجوار الباب حتى أعاد السؤال…
كمال: يعنى حايروحوفين دلوك عمتى وعواطف يا مرت جدى .. ما طب عرفنا عمى همام فى الشغل.، لكن همه راحو فين دلوك.؟!
ارملة جده: (باستغراب) يووووه.!! يا بنى انته مشغول قوى عليهم كده ليه.؟! تلقاها بس راحت تقضى حاجة من السوق .. مش النهاردة الاربع.؟!!
كمال: طب وعواطف؟!! يعنى حاتكون راحت معاها…؟!
ارملة جدة: يوووه..!! انته ما تعرفش أن عواطف كمان بتروح الشغل فى سوهاج.
كمال: شغل.؟؟! شغل إيه يا مرت جدى؟!! عواطف عاتشتغل.!! (وهو يضحك). عواطف تستغل؟! سلامة عقلك يا مرت جدى.. انتى كبرتى وللا إيه.؟!
ارملة جدة: يوووه..!! عاطف عواطف.!! وبعدين ياواد انته انا برضو كبرت.؟! دانا احييى من امك صفية اللى مربياها على كتفى ده.!! باقولك عواطف بتشتغل ففى مل “جزم” فى سوهاج.، وبتروح كل يوم الصبح مع ابوها .. وترجع معاه آخر النهار برضه.!! يوووه..!!
كمال: (بدهشة) عواطف .؟! عاتشتغل فى محل “جزم” فى سوهاج.!، ليه.؟!
ارملة جدة: يا بنى العيشة بقت صعبة قوى.!!، وعمك همام كبر.. ومعاشه قليل.، هايعملوا ايه بس؟!! آهى منها تساعد ابوها فى المشوار رايح جاى ومنها تشتغل أى شغلانة تطلع منها بقرشين يساعدوا .. حتى فى مصاريفها هيه.، اصلها ياخويه عاتيش عالموضة.!!
وشرد كمال بذهنه بعيداً.. مذهولاً لما سمع .، ولكنه أفاق من شروده على صوت وهى تقول:
أرملة جدة: إهه.، لما اقوم اعملك شاى.. (ثم جلست وكأنها استدركت شيئاً) إللى ما سألت حتى على خالك جمال وللا خالتك زينب.؟!
كمال: (بأسف) يوووه.!! معلش يا مرت جدى.. الواحد مستغرب على حكاية شغل عواطف ده.، إزى خالى.؟! مش عايزورك ويودك دايما كده هوه ومرته.؟! وخالتى زينب عامله ايه مع جوزها.؟!
أرمله جده: كلهم بخيريا ولدى ويسلموا عليك… الحمد لله.. الناس حاتعمل إيه آهى خالتك زينب اتجوزت معاى هنه فى الشقة.. وهيه وجوزها فى الشغل دلوك.. ومش ملاحقين على طلبات نفسهم.!!
كمال: مانا عارف يا مرت جدى.. ماهى امى عاتقوللى على كل حاجة لما تاجى عنديكم تزوركم.. الله المعين.!1
ارملة جدة: فيها الخير امك صفية دى والله..، بت حلال.. ربنا يفرحها بيك.. (ثم وهى تصغى بأذنها وكأنها لتسمع شيئاًمن بعيد).. آهى عمتك نظيرة كأنها جات.، سمعاها وهى عاتفتح باب شقتها.، س والنبى ما تنزل تروحلها الا أن شربت الشاى عندى.!!.
كمال: (وقد ظهر عليه الارتياح).. ماشى يا مرت جدى.. بس أدى خبر لعمتى.. إنى عندكم هنه وآجى..
يقوم كمال ويخرج خارج الشقة وينظر لاسفل من بير السلم وهو ينادى على عمته نظيرة.. فترد عليه من خارج باب شقتها.. فيخبرها بانه اتى اليهم ولم يجدهم وانه سيشرب الشاى عند “مرت جده”.. وسيأتى لهم حالاً.!!
واستغربت نظيرة من مجئ كمال فى هذا الوقت.!! وهذا اليوم الاربعاء!! فهو دائما ما كان يأتى لهم يوم الجمعه، فما الذى أتى به على غير العادة.؟! وإذن لابد سيعرف – اذا لم يكن قد عرف من “مرت جده” – بموضوع شغل عواطف فى محل الاحذية بسوهاج.، ولكن لا بأس.، فليعرف!!، وليعرف كذلك أبيه كاظم.. لكى يدرك مدى ما آلت اليه حال اخته نظيره بنت محمود الدويرى عين أعيان “عرب الدوايرة”..، وأنها قد اضطرت لتشغيل ابنتها الوحيدة عواطف فى محل احذية بسوهاج لكى تساعد والدها المسن.، وتساعد بأجرها فى مصروف البيت، ومصروفاتها هى الشخصية.، وأن هذا ليس عيباً..، وإنما الافتراء وأكل حق الاخت مكسورة الجناح هو العيب نفسه.!!.
كان كمال يجلس مندهشاً ولا يكاد يصدق ما يسمعه من عمته، ولم يجد ما يرد به عليها.، ولم يستطع حتى الانتظار إلى أن تأت عواطف وأبيها من الشغل.!!، بل أخذ شنطته وذهب ليلحق بميعاد “الحلزوننة”.. ليكون فى “عرب الدوايرة” قبل العصر.، ودخل كمال المنزل على أمه صفية التى فرحت به وأخذت تسأله عن الامتحانات.، ولكنه لم يكن يفكر فى شيئ سوةى حال عمته نظيره وحبيبته عواطف.، وألمح على والدته أن تفاتح والده كاظم فى موضوع ارتباطه بعواطف التى يحبها، فها هو قد أنهى… دراسته الجامعية ، والنتيجة مضموننة إن شاء الله وسيحصل على البكالوريوس.، ولم تعارض صفية.، ولكن الامر كله فى يد والده كاظم الذى لا يحب نظيرة اخته ولا ابنتها عواطف.!! بل يكره أباها همام القاوى كرهه للعممى.!! ولكن ما باليد حيلة.. فأمام الحاج كمال.. اضطرت صفية لمفاتحة كاظم فى موضوع ارتباط كمال بعواطف،. وكانت العاصفة.
ثار كاظم وأرغى وأزبد.. واتهم نظيرة بانها تريد أن تستولى على أرضه وأملاكه كلها عن طريق آخر.!!، وهو أن تأخذ ابنه الوحيد منه وتزوجه لابنتها.. ابنه “الفقران” همام القاوى.. وبعد أن فشلت فى الحصول على أى شيئ منه،، أى من كاظم.. عن طريق المحاكم.!!
صفية: (باستعطاف) يا حاج دى برضها اختك راحت وللا جات.!! والواد بيحب بت عمته عواطف اللى ملهاش ذنب فى حاجة..!! دى مليحه قوى يا حاج.. وجميلة ومتعلمه.. و… و…
كاظم: (يقاطعها بثورة وهياج) .. انتى باين عليكى اتجننتى ياوليه.!! جميلة ايه وزفت ايه.؟! حصل ايه فى الدنيا.؟! عاوزه كمال واد كاظم الدويرى .. ياخد بت همام القاوى الشحات ده.؟!!
صفية: (وهى تحاول تهدئته) .. يا خويه انته حر فى ولدك وبت اختك.. انا مليش دعوة.!! المشورة والقوول ليك يا خويه.!!
كاظم: (وهو يحسم الموضوع).. ب قسماً عظماً.. ما اسمع انه راح تانى عندهم… وكسر كلامى ده لاكون “مقرده”..!! (وتعنى انه سيجرده من الميراث)..
والتزمت صفية الصمت، وعاش كمال فترة عصيبة لا يدرى ماذا يفعل .؟!، فهو يحب عواطف ابنه عمتهت وهى كذلك.، بل كان قد تعلق بها وتعلقت به منذ الصغر، وكان ايضا يحب عمتهت نظيره ويذكر لها موقفها عندما عرضت نفسها للخطر وذهبت إلى حمدان أبو العين فى الجبل لتقع فى عرضه.. حتى أعادة – أى كمال – لها، ثم انه يرى فى طباعها وطباع عمه راغب ما هو اقرب إلى طباعه هو من طباع ابيه كاظم القاسية.!!، بل كان ايضا يقدر زوج عمته – همام القاوى – ويذكر له شهامته ووقفته القوية التى سمع عنها، عندما راح همام يحرض الاهل من آل الدويرى وآل القاوى على الصعود لحمدان بالجبل لتخليصه منه.، وعندما أبلغ البوليس ولم يهتم بعداوة حمان أبو العين له بعد ذلك .. صحيح أنه – اى كمال – كان صغيراً اثناء ذلك ولكنه يتذكر كل ما قيل امامه فى هذا الموضوع.،
ولكن كمال راح ايضا يفكر فى موقف همام القاوى حينما وقف فى وجه ابيه وتحداه امام الناس، وأبلغ عنه لجنة الانتخابات بانه كان متهربا من التجنيد وتسبب فى عدم قبول ترشيحه لمجلس الشعب.!!، صحيح أن همام كان له العذر فى منواقفه هذه .. ولكن كاظم الدويرى هو ابيه.، وهو الشخص الوحيد فى هذه الدنيا الذى لا يملك الا أن يحبه.. حتى لو اختلف معه على كل شيئ.!!
وفكر كمال ماذا يفعل.؟!!.. لابد أن يجد طريقة يثبت بها لواحده انه اصبح رجلاً تجاوز الواحد والعشرين من عمره.، وانه يستطيع أن يعتمد على نفسه.!!، وهداه تفكيره إلى أن الحل هو أن يذهب إلى احدى الدول العربية كما فعل الاخرون، وكما فعل سالم ابن همان القاوى، وإن كان قد انقعطت اخباره بعدها.! ولكن لا .. فهو .. أى كمال.. يحمل شهادة جامعية وسيكون وصعه فى أى بلد عربى أفضل ممن ذهبوا وهم لا يحملون شهادات مثله.!!، وانتظر كمال حتى ظهرت النتيجة ونجح.، وذهب لسحب أوراقه من الجامعة فى أسيوط..، وعاد بالشهادة ولكنه لم يستطع زيارة عمته ولا عواطف بالبندر فى طريق عودته كما أن يفعل.!! حيث كان باراً بقسم والده إلى أن يتغير الحال باذن الله.، ولم يصبر كمال كثيراً .. حتى وافته الفرصة حيثما اتصل به عمه راغب ليبارك له على النجاح ويطلب منه أن يأتى إلى القاهرة لقضاء بعض الوقت معهم ومع محمود ابن عمه.، وذب كمال إلى القاهرة، وكان فى نيته .. بعد زيارة عمه.. أن يبحث عن “عقد عمل” بالكويت، ولكنه وجد الحصول على عقد العمل بالكويت يختاج ايضا إلى مبلغ كبير وصل إلى ألفين جنيه بما فى ذلك من مصروفات السفر الاخرى.!! فاضطر كمال لاطلاع عمه على ما فى نفسه وشرح له ما حدث من أبيه حينما اراد خطبة عواطف بنت عمته التى يحبها ، وفاتحه فى حاجته إلى المبلغ الذى يمكنه من الحصول على “عقد عمل” بالكويت ليعمل هناك ويعود وقد اصبح يستطيع الاعتماد على نفسه – على الاقل مادياً – فى مسألة زواجه بعواطف.، ولكن عمه راغب لم يكن باستطاعته مواجههة اخيه كاظم حال علمه بانه هو الذى ساعد كال ولده الوحيد على عصيانه.!! ووجد راغب حلاً وسطاً، وهو أن يظل كمال معهم فى بالقاهرة ليعمل مؤقتا بالشركة الاستثمارية التى يعمل بها ولده محمود ، وليترك ولو لفترة موضوع عواطف.!! وهكذا أرسل كمال إلى عواطف يطمئنها ويعرفها بأنه يعمل الان فى شركة من شركات الانفتاح ، ويعيش مع همه راغب فى منزل بشارع شبرا بالقاهرة، وأرسل لذلك إلى والده ووالدته بذلك.!!
ولم يخف على نظيرة وابنتها عواطف وزوجها همام ما حدث مع كمال من والده.، ولذا لم تكن نظيره ناقمة ولا عاتبه على صفية حينما علمت انها تأتى لزيارة اخوتها وأرملة والدها فى شقتهم التى تعلو شقة همام ونظيرة مباشرة.، دون أن تدلف اليهم او حتى تسلم عليهم.!! بل التمست لها العذر فهى فى النهاية تنفذ امر زوجها كاظم.!!
حصلت عواطف على مجموع الثانوية العامة يؤلها لدخول كلية التربية بسوهاج كما كانت تأمل امها.. لان ذلك هو الانسب لظروفها وظروف والدها الفقير المسن.، ولكن عواطف اصرت على دخول كلية الحقوق بأسيوط.!!، وسالتها امها.. وسألها ابوها.. لماذا؟! ولم تستطتع التصريح لهما بما فى نفسها، وشعورها بالصعف حيال حق امها عند خالها..، وضعف والدها المسن فى متابعة القطية بالمحاكم حتى ضاع حقها..!! والاكثر من ذلك إيلاما فى نفسها.. هو ذلك الحلم الذى مازال يطرق هاجسها بين الحين والآخر..، والذى كانت قد حلمت به وهى طفلة.. وهى تجرى وراء خالها تبكى بعد أن حرمها من حذائها قائلاً انه حذاء كمال.!! اما هى فلابد أن تمشى حافية مثل ابيها همام.!، بل مازال احساسها بلهيب الطريق المؤدى إلى البيت الكبير “بعرب الدوايرة” يلهب قدميها حتى الان.!! وإذن فهى تعرف دوافعها لدخول كلية الحقوق، ولا تدرى كيف تشرح ذلك لواديها.، واصرت على ذلك ونفذت غرضها، وانصاعت نظيرة وانصاع همام لرغبة عواطف العنيدة. “بنت سبعة” التى لم تتحملها امها فى بطنها اكثر من سبعة شهور.!!، وكذلك كان من بين اسباب موافقة نظيرة على موافقة عواطف فى رغبتها انها كانت قد تقدمت باوراقها إلى كلية الحقوق باسيوط ولكن بطريق الانتساب.!!، ولذا فهى سوف تتمكن من مواصلة عملها فى محل الاحذية بسوهاج، وتطل يوميا امام عينها فلا تذهب إلى اسيوط الا قليلاً عند الضرورة..، وان عملها بسوهاج سيظل ولا ينقطع مرتبها منه الذى اصبح اساسيا فى مصروفات البيت… ومصروفات عواطف نفسها الشخصية.!!
شبت عفاف.. او “نعيمة” ما اسمتها المرأة الحلبية .. مع ابناء وبنات رضية بنت بخيته الحليبة على أن رضية هذه وهى أمها، وابناءها هم اخوتها والحاجة بخيته هى جدتها لامها.،.. ولما كانت نعيمة قد شبت رائعة الجمال فقد خافت عليها رضية من ابنائها الذين يكبرونها.. ويعلمون انها ليست اختهم، ويذكرون يوم أن جاءت بها جدتهم بخيته لتعيش وتتربى معهم.!!، ولكن كيف تفرط رضية فى نعيمة التى اصبحت بين يوم وليه هى الكل فى الكل.!!، فهى التى تبيع وتشترى البضائع بشطارتها وجمالها وحلاوة لسانها.. وتأتى اليها بالارباح الوفيرة التى لم تكن رضية تحلم بها طول عمرها.، لقد اصبحت “نعيمة”.. من اشطر الحلبيات على الاطلاق، واصبح لها زبائنها الذين يثقون فيها وفى بضاعتها، ولا يشترون الا منها.!!، كما يثق التجار الذين تأخذ منهم البضائع – فى سوق “القيسارية” بسوهاج وجرجا فى كلمتها.، فهى تأخذ منهم البضائع بالاجل،.. وتتعامل معهم بالامانة والشرف والصدق وكلمة الشرف التى اقوى من كلمة الرجال ومن “الورق” نفسه.!!، حتى اصبح لها اسمها وسمعتها الطيبة بينهم جميعاً، وبعد أن كانت تتعامل بالمئات اصبحت معاملاتها تتعدى الالف والالفين من الجنيهات فى ذلك الوقت.، وتأخذ البضاعة وتخزنها فى بيت جدتها لحين ايام الاسواق، بل اصبحت هى تعطى الحلبيات البادئات اللاتى لا يملكن رأس المال ليبعن هذه البضاعة لحسابها.، وهكذا…، اصبحت “نعيمة الحلبية” لجمالها وشطارتها وامانتها حديث “القيسارية” بسوهاج وجرجا بل والاسواق فى كل البلاد المحيطة.. وهتى التى لم تصل العشرين عاماً من عمرها حتى الان.
ولما كانت “الحاجة بخيتة الحلبية”.. او جدة نعيمة كما كانت نعيمة تعلم .. قد اصبحت عجوزاً قاربت على السبعين من عمرها .، ولا تقدر على ارتياد الاسواق اصبحت تجارتها قاصرة على البيع فى منزلها “بنجع الرواشدة” القريب من سوهاج ورأت نعيمة أن تكون بارة بجدتها.. فقد وافقت على الفور حينما عرضت عليها جدتها “بخيتة” أن تعيش معها وتباشر لها تجارتها وتعولها فى كبر سنها.!!، وأخذت نعيمة من جدتها “بخيتة” رأسمالها الذى تجاوز ألالف جينه فى ذلك الحين.، واضافت عليه ما كان معها من رأس مال.، وتوسعت فى تجارتها حتى كاد منزل جدتها يضج بالبضائع والزبائن.!!،
كانت نعيمة بع دالانتهاء من قضاء مصالحها “بالقيسارية” بسوهاج كثيرا ما تحب أن تتجول بالشوارع خصوصاً التجارية لتتفرج على البضائع بالمحلات الحديثة، وكذلك تلك التى تباع على الارصفة من البضائع المستوردة والمهربة من بورسعيد حيث كانت قد اصبحت منطقة حرة.. وفى يوم نمن هذه الايام تصادف أن وقفت “نعيمة” امام “فترينة” احد ملاحت الاحذية للفرجة.، وتفاجئ برجل فى الخمسين من عمره يخرج لها من المحل ويكلمها..
الرجل: (ببشاشة تصحبها الدهشة).. أهلاً أهلاً.. ما تتفضلى من جوه المحل.، اما متهيألى انى اعرفك قبل كده.!!
نعيمة: (باستغراب شديد).. إيه يا خويه ده.؟! تعرفنى منين يا عم انته.؟!
الرجل: مفيش حاجة يا بننتى.. انا بس بقول أن يمكن شوفتك فى القيسارية عند الحاج ابراهيم بتاع الحراير.،
وقبل أن تتمادى “نعمية” فى رفع صوتها على الرجل الذى مازال فى دهشته تأتى عواطف من داخل المحل على أثر سماعها صورت الرجل الذى كان هو صاحب المحل الذى تعمل به، وتنظر عواطف إلى الفتاة الواقفة مع الرجل صاحب المحل بملابسها التى تدل على انها “بائعة حلبية” ، وتفتح عواطف فمها مندهشة.. بل هكذا فعلت “نعيمة” وهكذا فعل الرجل.!! حيث تبين للجميع أن هناك شبها كبيراً من ملامح الفتاتين .!! رغم أن احداهما فى “لبس حلبية” والاخرى “مودرن”.، ورغم أن “نعيمة” كانت اكثر شبيها بالاستاذ “همام القاوى”.. الذى لم تكن نعيمة تعرفه بعد.!!،
نعيمة: (فى تعجب) سبحان الله.!! انتى مين يا شابه.؟!! داحنا زى ما نكون اخوات.؟!
عواطف: (وهى تنظر لها من اعلى لاسفل). اخوات.؟!!
نعيمة: (بشهقة استنكار) ياختى ما تتخضيش كده.!! داحنا ولاد تسعة برضه وبعدين احنا تجار وكسيبه يعنى.!!
وتذكرت عواطف فى هذه اللحظة ما كانت تسمعه من امها عنها انها “بت سبعة” فصمتت
الرجل صاحب المحل: (وهو ياخذ نعيمة إلى داخل المحل) يا بنتى اهلا وسهلاً.. انا عارفك.. مش باقولك انى شوفتك عند ابراهيم بتاع قماش الحرير فى “القيسارية”. دانتى شاطره وتاجره.. والكل بيشكر فيكى. .تعالى اهلا اهلا…
وأرادت عواطف أن تتعرف اكثر على الفتاة، فذهبت وطلبت لها “واحد عصير” من المحل المجاور…، وهكذا اعلمت عواطف من الفتاة أن اسمها نعيمة، وانها تعمل فى تجارة البضائع الحريمى وتأتى دائما إلى سوق القيسارية بسوهاج وأن جدتها الحاجة بخيتة “الحلبية” التاجرة المعروفة.!!، وكذلك قالت عواطف انها عواطف بنت همام القاوى وامها “نظيرة الدويرى” وتعيش ىف اخميم “بندر الشرق”، وانهم اصلا من “عرب الدوايرة”.
وذهبت نعمنة لحالها بعد أن وعدت عواطف بزيارتها كلما جاءت إلى سوهاج، وأنها أحست ناحيتها بانها كما لو كانت اختها فعلاً.!!، وفور عودتها إلى المنزل .. حكت عواطف لامها نظيرة ما حدث بالتفصيل ، وباستغراب.!!
كان حمدان أبو العين يمر بحصانه.. ووراءه حنا النصرانى.. على “زوار بين العين” …، وتقع عينه على تلك الفتاة الرائعة الجمال التى تبيع “الطرح” و”الحرد”… وقطع الاقمشة المزركشة.، فسأل عنها حنا ليقول له انها بائعة حلبية اسمها “نعيمة”..، تأتى من “الزوار” لبيع بضاعتها هذه… ولكنها شغلت بجمالها كل من يأتى إلى الزوار من الرجل، بل أن هناك شباباً يأتون خصيصاً يوم “الزوار” من أجلها.. لرؤيتها ومعاكستها ومغازلتها..!!، ولكن – يا ضبع الجبل – رغم انها حلبية “وفيها الطمع يعنى”..، الان انها جادة فى معاملاتها خصوصا مع الرجال.!! فهى ليست كالحلبيات اللائى يتكلمن ويتحركن فى شيئى من الابتزال والميوعة التى تطمع الرجال فيهن.!!، وينزل حمدان أبو العين من على حصانه.، ويقترب من الفتاة.. ويسألها مباشرة:
حمدان: (وهو ينظر اليها باستغراب وكأنها تذكره بشيئ معين).. انتى مين يا حلوه.؟!
نعيمة: (بلامبالاه) .. نعم.؟!! هيه…!! مالك يا عم انته مين ولا مش مين.؟1 احنا يا عم جايين هنا نبيعو.. ونسترزقوا وبس..، مش لازم نتعرفو..!!
وكأن هذه الكلمات قد حركت فى حمدان أبو العين شيئاً او حنينا قديماً .. ولكنه لم يفطن إلى مصدره.!!، فنظر اليها ساهماً…، ولكن حنا النصرانى لم يحتمل جرأة هذه الفتاة على حمدان فتحمس قائلا..
حنا: (بغضب) وووه.!! ما تردى مليح على ضبع الجبل يا بت.؟!!
حمدان: (وهو يشير إلى حنا ليسكت) سيبها يا حنا .. كلامها عايفكرنى بأعز الناس (ثم يسأل الفتاة) .. إنتى معرفنيش يا حلوه.؟!.
نعيمة: (بتهكم) لا والله ما حصلش الشرف!!، حتكون معين يعنى.. حمدان أبو العين؟!!
حنا: (وهو يكاد ينفذ صبره) هوه بعينه حمدان أبو العين يا عديمة النظر.!! وانأدبى عاد لا يكون آ×ر يوم فى عمرك النهاردة.!!
نعيمة: (وهى تنظر إلى حمدان فتراه شامخاً .. فتتغير ملامحها ونبرة صوتها..). يوووه.. يقطعنى.!! طب دا كده يبقى حصلنا الشرف صح.!!، مش تقول يا حامى الحمى.!! دانته مش ضبع الجبل وبس.. دانته فارس بين العين وتاج راس الجبل كمان.!!
حنا: (باستغراب) عجايب.. شوف يا خو البت.!!
حمدان: (وهو ينظر لها باعجاب شديد) وااااه.. !! ما نتى عاتتكملى مليح آهههه.؟!
نعيمة: (وهى تنظر اليه ايضا باعجاب) .. ما تكلمش ميح كيف مع حمدان ابوالعين..؟! طب دانا ياما سمعت عنك من جدتى بخيته، وكان نفسى اشوفك من زمام.!!
حمدان: (باستغراب ودهشة) حدتك بخيتة.؟!! بخيتة مين.؟!! الحاجة بخيته الحلبية.؟!
نعيمة: (وهى تمئ برأسها بلايجاب) .. أيوووه.. لازماً تعرفها.. ما هى عاتيجى هنا من زمان..!!
حمدان: (بتأكيد) الا أعرفها .!!، هيه فين المقصوفة دى وفين أراضيها..دانا متحوحشها..!!
نعيمة: ما هى كبرت فى السن عاد.، ماعادتش تقدر تسرح فى الاسواق.. لما نبيع فى بيتها فى البلد
حمدان: (باستغراب) شوف الايام لما تلف كيف يا حنا..!!، يعنى انتى جدتك الحاجة بخيتة.؟! يا ألف مرحب.!! طب ياللا تعالى معانا عاد.. انتى ضيفتى النهاردة.. (ثم يشعر إلى حنا) ياللا ياحنا ساعدها تلم بضاعتها دى وهاتها وتعالى ورايا..
نعيمة: (وهى تحاول الاعتذار عن الضيافة).. لاع.. معلش.. ما قدرش أتأخر عن جدتى.. دى قاعدة وحدها فى البيت .. وتتشغل عليه..!!
حمدان: (باستغراب) وووه.!! حد برضو يرفض عزومة حمدان.؟!! يا لللا يا للا وإن كان على جدتك بخيتة.. أنا برضو عاوزها ضرورى.. إدنى بس علوانها لحنه وهوه يبعت يجيبها “بالطرومبيل” مخصوص لحاد هنه..!!
وفى ظرف ساعتين تكون هنه.. دانا متوحشها وعاوزها ضرورى.!! ولم تجد نعيمة بداً من الذهاب مع حمدان وحنا إلى منضرة السميعى، وأعطت عنوان جدتها بخيتة “لحنا”.. الذى أرسل فورا من يأتى بها من قريتها “نجع الرواشدة” وفى سرية كاملة.، وفى ظرف ساعتين على الاكثر كانت بخيتة الحليبة تجلس فى منمضرة السميعى مع حمدان وحنا والعمدة السميعى بالطبع، وبعد العشاء. والمسامرة، طلب حمدان أن يتكلم مع بخيتة فى موضع على انفرا.!! ويخرج الجميع ماعدا نعيمة.!! فينظر اليها حمدان.. وبدلا من أن يطلب منها الخروج هى الاخرى… اخذ الحاجة بخيتة من يدها وذهب بها إلى الحجرة المجاورة .. وترك نعيمة فى المنضرة، ولكن نعيمة كانت قد توجست من هذا الموقف.!! وأثار فضولها، وأحست أن هناك موضوعا يخصها.!! وإذن لا بدلا أن تعرفة، فاقتربت من باب الحجرة التى دخلها حمدان مع جدتها بخيتة، واصغت بكل حواسها.!! وكانت بخيتة فور دخولها مع حمدان قد بادرته قائلة..
بخيتة: (وهى تنظر فى عينى حمدان) إإيه..؟!! مالك يا حمدان.؟! البت نعيمة حليت فى عينك وللا إيه.؟!! دى لسه عيله يا راجل وانته داخل عالستين سنة..!!
حمدان: (فى لهفة شبابية على غير عادته) إنتى عايزه الحق يا بخيتة.. البنت دى حلوه قوى..!! ومش عارف ليه فكرتنى بنظيرة الدويرى.. فاكره يا بخيتة (بتحسر).
بخيتة: (بخيت) فاكره ياحمدان..!! وبلاش تجيب سيرتها دلوك.!! وقوللى عاوز إيه من نعيمة كده بالمفتشر، ومين غير لف ودوران.!!.
حمدان: (بثقة) مانتى عارفة يا بخيتة إنى ماليش فى الحرام.، والبت دى يعنى.. عاجبانى قوى.. وعاوز اتجوزها.. نحب تبقى نسيبة حمدان أبو العين.؟!!
بخيتة: (بخبث) وووه.. !! ليه.؟! انته زهقت من “تريزاً” وللا إيه.؟!
حمدان: (وقد تغيرت سحنته إلى الغضب ونظر بعيداً).. تريزة.؟! الله يرحمها..!! ليه هو انتى ما تعرفيش اللى حصل معاها يا بخيتة.؟!
بخيتة: (وهى تضرب بكفها عل ىصدرها بألم وحزن) يا عينى.!!.. هيه ماتت.؟! إيه اللى جرالها المسكينة دى.؟! يا خسارة يا تريزه.!!
حمدان: لاع… دا موضوع طويل ابقى اقولك عليه بعدين.، خالينا دلوك فى نعيمة.. قولتى ايه يا بخيتة.؟! ومرت فترة صمت.. اخذت فيها بخيتة تضع يدها على خدها تارة ، ثم على رأسها تارة وهى تفكر فى حيرة شديدة. وفجأة قالت بثقة وهدوء..
بخيتة: (وهى مازالت مطرقة)… ما ينفعش.!! ما تجوزلكش يا حمدان.. !!
حمدان: (بانزعاج وغضب) .. وه…!! عاتقولى ايه يا خرفانه.. انتى.. ما تجوزليش كيف يعنى.؟! إيه “(بتهكم) راضعه معاى يعنى.؟!!
بخيتة: (وهى تحاول تهدئته) حاقولك يا حمدان.. بس صبرك عليه.!! حاقولك عالسر اللى شايلاه فى عبى من عمر نعيمة دى.!! بس عاوزه منك الامان.، وبينى وبينك نربنا .. (فيقاطعها بضيق)
حمدان: (بتعجل وصوت مرتفع) وووه.. ما تقولى ياوليه.. سر إيه وبتاع إيه.؟! وهنا.. كانت نعينة الواقفة بالقرب منهم خارج الحجرة تتصنت قد وصل إلى سمعها ما قالته بخيتة من أن هناك سراً يخصها اى يخص نعيمة. .فأصاخت السمع وألقت بأذنها وكل حواسها لتسمع بخيتة وهى تقول.
بخيتة: (بثقة مصحوبة بالحزن) البت دى يا حمدان مش بت بتى..!! دى تبقى عفاف بت نظيرة الدويرى.!! اللى تاهت منها فى بير العين.. يوم ما جاتلك عشان حكاية كمال واد اخوها.!! فاكر ياحمدان.؟!
حمدان: (بدهشة شديدة). وووه وه.. !!، يخرب بيتك يا بخيتة..!! ولما عاتقولى انها تاهت منها فى الجبل.، ايه اللى جابها عندك.. وكيف عاتقولى انك جدتها.؟!!
بخيتة: (باستعطاف) مش عاقولك عاوزه منك الامان.. ويبقى بينى وبينك ربنا..
حمدان: (باستغراب وقرف) قولى يا بخيتة قولى.. ياما وراكى اسرار..!
وحكت بخيتة الحلبية لحمدان أبو العين .. كيف انها قد عادت بمفردها فى باكورة صباح اليوم التالى.. يوم أن تاهت عفاف من نظيرة.. واخذت تبحث حتى وجدت عفاف معلقة فى “جردل البير” فأخرجتها، ووجدت فى قدمها جرحاً عميقاً “من حافة” الجردل.. فربطته لها بقطعة من شالها.، وبدلاً من الذهاب بها إلى امها نظيرة.. اخذتها معها إلى بلدتها واعطتها لابنتها “رضية” لتربيها مع عيالها.!!..
وكانت نعيمة فى هذه الاثناء قد وصلت إلى حالة من الذهول وهى تسمع حكايتها من بخيتة الحلبية، وإذن هى عفاف بنت نظيرة الدويرى وليست بنت رضية.!! وعاشت عمرها كله إلى الان “حلبية” .. وهى الاصيلة بنت الاصول.!!، آآآآه يا بخيتة يا بت الــ.. وحزمت نعيمة أوصارها ودارت بعينها فى المكان بسرعة تبحت عن مخرج للهرب.، وأفاقت لنفسها وهى تسمع حمدان وهو يقول..
حمدان: (بدهشة واستغراب وقرف). يخرب بيتك يا بعيدة وبت ابوكى داحتى نظيرة كان باين عليها صاحبتك قوى.. جالك قلب كيف (وهو يرفع يده ليضربها على رأسها كأنه يبطش بها).. تحرميها من بتها ياوش الاجرام انتى….
بخيتة: (بخبث) ماهى اتلهت بعد كده فى الحبل الجديد، وخلفت البت الثانية اللى معاها دلوك.. عواطف.. ونسيت عفاف.. اللى هيه نعيمة اللى قاعدة بره دى.، وانته عواز تتجوزها بالعافية يا حمدان.!!
.. وفزعت نعيمة.. او عفاف.. من هول ما سمعت.. إذن عواطف التى قابلتها فى محل الاحذية بسوهاج وقالت أن امها نظيرة الدويرى .. هى اختها فعلاً .. سبحان الله.!! وسيطرت فكرة الهروب بسرعة على تفكيرها.. فلم تستطيع الانتظار لتسمع أى شيئ آخر وأخذت تخطو وتتسحب إلى الخارج.. بعد أن اخذت فى يدها.. “الملاية” او “البردة السوداء” التى كانت تتدثربيها بخيتة..!! ولقت نفسها كأنها واحدة من نساء القرية.. وهربت إلى أول الطريق العمومى.. !!، وكان حمدان مازال يتحقق من كلام بخيتة ويحاورها فى هذا الموضوع بدهشة قائلاً…
حمدان: هيه نظيرة خلفت تانى من العجوز القفران همام ده.؟!
بخيتة: (بخبث) لاع.. وانته الصادق.. خلفت من حمدان أبو العين.؟! وللا نسيت انته عملت فيها ايه فى “حمام بير العين” يا حمدان.؟!!
حمدان: (وهو يضرب بيديه على رأسه فى عصبية) يخرب بيتك وبيت ابوكى يابت الكلب .. عاتقولى إيه.؟!! قصدك نظيرة حبلت منى انا يعنى..؟!! ط
بخيتة: (بثقة) وحياتكن يا ضبع الجبل.. بعد شهر ونصف من ليلتها عرفت انها حبلة ، منك.. وكانت لسه فى بيت ابوها فى عرب الدوايره.!!، عشان همام كان حالف عليها بالطلاق فى تيال ما ضاعت منها عفاف.. اللى هيه نعيمة دى.!!
حمدان: (وقد ظهر عليه انه صدقها) يادى الوقعة السودة.!! وبعدين.؟! علمت إيه المسكينة.. فى الحكاية دى بعد كده.؟!!
بخيتة: (باستخفاف بالامر) أبداً يا خويه.!! اول ما حست بالحبل… .. راحت لجوزها.. ومعاها راغب اخوها.. وصالحته.. ولعبت عليه ونامت معاه من ليلتها..!!.. عشان يعنى عايبان عليها الحبل بعد كده.. يبقى من جوزها همام.!! أما إيه .؟! واعيه.!!، وأول يا خويه ما ولدت على سبع شهور.. قالت إنها بت سبعة.!! والراجل همام ياعنينى فرع بالبت الجديدة وقال دنه ربنا عوض عليه بيها من عفاف.!! وسماها عواطف.، وطلعلها شهادة ميلاد باسمه، وهيه بتك انته يعلم ربنه.!!
حمدان: (وهو يقوم من مكانه يضرب كفا بكف..) دى حكاية ولا الحواديت
بخيتة: عرفت ليه عاقولك ما ينفعش تتجوز نعيمة ياحمدان.. عشان عفاف دى تبقى اختب عواطف بتك اللى من صلبك من امها نظيرة.!! فهمت.؟! .
وقام حمدان مذهولاً… لايدرى ماذا يفعل.، وخرج من الحجرة تاركاً بخيتة ليدخل إلى المكان الذى ترك فيه نعيمة بالمنضره.، ولكن اين نعيمة.؟! ونظر حمدان حوله فلم يجدها.. وخاف حمدان أن تكون نعيمة.. او عفاف.. قد سمعت كلام بخيتة عن حكايته مع نظيرة.!! يادى الوقعة السودة.!!، وجنجنونه وهو يأمر “حنا” وكل الموجودين بالبحث عن “نعيمة”.،!!، ولكن أيا نعيمة.؟! لقد كانت قد هربت بالفعل.. منذ أن سمعت قصتها من بخيتة وعرفت اسمها الحقيقى وأصلها وفصلها وأمها نظيرة الدويرى ووالدها همام القاوى..!! ولكنها لم تكن قد صبرت – لحسن الحظ – حتى تسمع بقية قصة امها مع حمدان، وهربت قبل أن تحكى بخيتة هذا الموقف وجن جنون حمدان، واخذ يبحث مع رجالة عن نعيمة.. التى عرف انها عفاف بنت نظير ةالدويرة ..!! فكيف يتركها هكذا شريدة.؟! تتقاذفها الرياح.. وربما اضطرتها الظروف لتحكى بالسر الذى عرفته عن امها مع حمدان …!! ويامها من مصيبة.!!. وعاد حمدان إلى بخيتة الحلبية بعد أن يأس من العثور على عفاف بالقرية او حتى بالاماكن القريبة منها، ولكنه كان قد اشتاط غضباً حتى يتطاير الشرر من عينية، اذ كيف اخفت هذه الملعونة عنه هذه الفتاة، وسرولاده نظيرة لفتاة اخرى هى ابنته ىف الحقيقة.؟!، وطوال هذه السنيين كلها.!! وعاد حمدان إلى بخيتة كالاسد الذى يزأر فى غضب، ونظر اليها.. فى أى عينيها أنه لو أفلتت منه هذه المرة فقد تزيع هى سر لقاءه بنظيرة وتفضحهما.. فهو وإن كان حمدان الذى يرهبه الجميع.. الا انه يكره الفضية ويخافها..!! وغلت الدماء فى عروقة وهو ينظر إلى بخيتة القابعة امامه كالفأرة الجرباء.. ولكنه لم يشأ أن يطلق عليها رضاص بندقيته “المفروطة” .. التى لم يرفعه أبداً الا فى وجه الرجال الاقوياء العتاة.!!، وأنهال على المرأة الحلبية ضرباً بكلتايديه على وجهها وكل جسمها .. حتى فقدت وعيها..، وظن انها ماتت.. فنادى محل “حنا النصرانى” ليأخذها ويلقى بها على سفح الجبل عند بير العين لتلقى مصيرها.
000000
بعد أن عاد “حمدان” إلى هدوءه جلس فى منضرة السميعى.. وراح يبكى فى داخله دون أن يشعر به أحد..!!، فقد مر على ذهنه ما فعلته بخيتة الحلبية من أجله فى كثير من المواقف، وطوال فترة كبيرة من الزمن.!!، وآخر مواقفها معه حينما كان لها دورها الكبير فى زواجه من “تريزا”، !! تريزا..؟! آآآآه ه .!! “الله يرحم تريزه.. ويرحم أيامها عاد.”.!!.
كانت تريزا تعيش – منذ أن تزوجها حمدان” اسعد ايام حياتها.. خصوصا بعد أن اشترى لها منزلاً خاصاً فى قرية “نجع الحويتى” غرب سوهاج..، وكان حمدان يعودها كل ليلة خميس متخفياً حتى عن “حنا” .! ولكن حنا بخيتة لاحظ غياب حمدان فى هذه الليالى.. فراح يراقبه.!!
ولم يكن من الصعب على حنا “العفريت”.. بعد ذلك أن يتخفى وراء حمدان حتى اكتشف الامر كله.، وبعدها بفترة بسيطة.. كانت “تريزا” المسكينة تصرح وحدها فى ذلك المنزل، وتمسك بطنها وهى تقول “سكاكين عاتقطع فى مصارينى يا ناس.!!”.. ولا أحد يسمع ، ولا أحد يجيب!!، حتى اضطرت وهى تتلوى من الالم أن تدق الباب على اقرب جيرانها طالبة منهم المساعدة فى توصيلها إلى بلدها.. نجع الخور.. القريب من منطقة بير العين، والدير الشرقى.. وهناك لم تجد من يستقبلها الا جارتها “أم حسين” التى كانت قد ذهبت بها إلى “بير العين” لاول مرة.!!، أخذت ام حسين تسهر عليها وتعالجها ببعض الاعشاب و “الوصفات البلدى”.. راحت تقلى لها “الشيح” مره، و “حلف البر” مرة اخرى، ولكن ظلت حالة “تريزاً تسوء .. إلى أن توفت، وجاء طبيب الصحة ليقول انها ماتت نتيجة “هبوط حاد فى الدورة الدموية”.. فقالت له ام حسين وهى تبكى “ما هو لازم ياجيها هبوط يا بيه .. هيه المسكينة كانت عاتكل حاجة ليها كان ميوم.؟!!”… وصرح الطبيب بدفن الجثة..، ولم يعلم احد حتى الان .. هل وضع لها “حنا”. السم فى طعامها بعد خروج حمدان من عندها.؟!!
وذهبت ام حسين إلى سوق بير العين، وقابلت حنا وحكت له عما حدث لتريزا المسكينة..، فراح حنا يكبى بكاءاً مراً..!! وظل يبكى حتى لاحظ عليه “حمدان” فسأله عن سبب بكائه المستمر .. فحكى له حنا عن ما سمعه من “ام حسين” عن تريزا فراح مدان يبكى ايضاً.. ولكن فى داخله..!!.
هربت عفاف –التي كانت نعيمة منذ ساعات– من ضيافة حمدان أبوالعين بعد ما سمعته في حواره مع “بخيته الحلبية” .، وأخذت تجرى وتختفي وتجرى وتتخفى ..، إلى أن وصلت أولى الطريق العمومي، وإذا بها تجد “الطرومبيل” .. الذي أتت به “بخيته” من بلدتها. ما زال واقفا بانتظار أن يأخذ أي راكب إلى سوهاج بدلاً من عودته فارغاً، وبسرعة ركبت عفاف “السطر ومبيل”- وأخرجت للسائق جنيها كاملا .. وطلبت منه أن يذهب بها حالا من هنا.!!، وانطلق بها السائق فوراً إلى سوهاج، ولكن عفاف فكرت في أنها لو ذهبت إلى بيت نجيته – التي كانت جدتها منذ ساعات – فمن الممكن أن يلحق بها من أن أو خنا النصراني” أو أي أحد من طرفه بعد أن عرفوا المكان حينما أحضروا بخيته” ونزلت عفاف من “الطرومبيل” في سوهاج، وفوراً استقلت القطار المتجه جنوباً ونزلت في جرجا ..!!، وهناك حكت “لرخبتة”- التي كاغنت أمها منذ ساعات – ما كان من حمدان أبوالعين –العجوز الفلاح الخرفان- الذي يريد أن يتزوجها بالقوة وطلبها من جدتها نجبته.!! لولا أنها هربت منهم، ولم تذكر عفاف أي شيئ عما سمعته عن حقيقة أصلها، بل تعمدت أن تخاطب “رضية” على أنها أمها.”، وتناغوبها فيمابين كلامها بكلمة “يامَّ”. !! وطلبت منها – واستعطفتها أن تخبأها عنهم حتى لو وصلوا إلى هنا عن طريق جدتها بخيتة التي تركتها عندهم.!!، وظلت “عفاف” في بيت “رضب الحلبية” لبضعة أيام حتى اطمأنت إلى أن حمدان لا يعرف مكانها، وحتى لبو كان قد ذهب ليبحث عنها في بيت بخيتة “فإنه بالطبع لم يجدها .. وانتهى الأمر .، وذهبت عفاف بعد بضعة أيام أخرى إلى سوهاج، ودلفت في جذر إلى بيت بخيته لتستطلع الأمر فلم تجد بخيته ولا حتى أي أثر لرجوعها من عند حمدان. !، وأخذت عفاف تبحث في حاجاتها. وخصوصاً بالأماكن التي كانت بخيتة تحتفظ منها بالأشياء المهمة.! ووجدت عفاف الحجاب الذي ذكرته بخيته في كلامها مع حمدان فخرقته بأسنانها وأخرجت منه ورقة، وكانت هذه الورقة صورة من شهادة ميلادها التي تقول أن اسمها” عفاف همام القاوي” . .، والأم نظيرة محمود الدويري، وكادت تقع مغشيا عليها لولا أنها تماسكت بسرعة .، وأخذت كل ما وجدته من النفوذ التي كانت معظمها تخصها هي .. حيث هي التي كانت تقوم بالتجارة كلها تقريبا .، وذهبت من فورها إلى أقرب محل كبير لبيع الملابس الجاهزة الحريمي واشترت لنفسها “فستانا” من النوع المتوسط و”الجشمة” .، “وشنطة يد” حريمي، ووضعت على رأسها إيشارب بكسو رأسها وعنقها وينساب على كتفيها، ووضعت على عينيها نظارة بيضاء من نوع” حفظ النظر” جاهزة.!!، وأصبحت عفاف مثل الموظفات الحديثات أو طالبات الجامعة اللائي يخرجن بمثل هذا الزي في المدن الصعيدية في ذلك الوقت .، وبعد أن تمكنت من هيأتها ذهبت إلى محل الأحذية الذي قابلت فيه عواطف.!!، ووجدت عواطف بالمحل فأخذتها جانبا .. وذكرتها بنفسها أنها هي “نعيمة” التي كانت قد تعرفت عليها من قبل أيام وكانت تلبس لبس “حلبية”، وحين طلبت لها “واحد عصير قصب” على سبيل “الأمارة” .، وحين وعدتها بأن تأتي إلهيا مرة تانيه، وها هي قد جاءتها .، ولكنها هذه المرة تريد أن تذهب معها لتتعرف على أمها نظيره الدويري.!! واستغربت عواطف بالطبع، ولكن لجدية وإلحاج “عفاف” أنهت عملها بالمحل واستأذنت من صاحبة وأخذتها – وهي لم تعرف حقيقتها بعد – وذهبت بها إلى أخميم .، ودخلت بها على أمها نظيره، وذهلت نظيره 10 وأخذت تنظر إلى الفتاة الجديدة مرة، وتنظر إلى عواطف مرة 110 وهي لا تكاد تصدق ما ترى .!! وبدهشة وذهول قالت نظيرة “ما به دين يا عواطف “؟!.
وقبل أن تنطق عواطف بإدرتها عفاف قالة في ثقة “أنها عفاف يامَّه”.!! وراح الجميع في ذهول ..!! عفاف.!!، يامَّه.!!، وأنهارت نظيره على الكنبة، وأتت لها عواطف بكوب ماء بارد ورشته على وجهها …!! فأفاقت لتجد عفاف تجلس بجوارها … فسألتها مرة أخرى ..” مين أنني يا بتي.؟!! فحكت لها عفاف ما علمته من حكايتها حتى آخر دقيقة قبل أن تهرب من حمدان أبوالعين بمنضدة السحيص .، وأخرجت عفاف، حجاب التوهة” أوالحجاب الممزق الذيب أخرجت منه الشهادة” شهادة ميلادها” .. وقرأتها عواطف … “عفاف همام القاوي”. وصرخت نظيره ..” عفاف بتي”.!! وراحت تبكي بحرقة وهي تحتضن ابنتها عفاف، وتمطرها بوابل من القبلات في كل جزء منها .. في رأسها ووجهها وعنقها وكنفيها .. وكلها … !! ووسط ذهول عواطف التي لم تكن تعلم عن هذه القصة إلا ما كان يذكر أمامها نادراً .. عن أختها عفاف التي ولدت قبلها وتاهت في جبل “بير العين ” … قبل أن تولد هي- أي عواطف – واسترجعت عواطف إحساسها تجاه هذه الفتاة التي تشبهها تماماً حينما بأنها لأول مرة في ثبات حلبية … في محل الأحذية .، لقد أحست ساعتها أنها فعلا أختها. !!، وفتحت عواطف ذراعيها لعفاف قائلة “تعالى .. وإنا من زمان محتاجه ببقالي أخت.!!”.
لم يكن سهلاً على نفس همام القارى أن يرى في عين ابنته عواطف نظرات الاتهام بالضعف والمهانة حيال ما فعله خالها كاظم من رفضه اعطاء أمها نظيره حفها في الميراث إلى رفضه زواج كمال ابنه منها- أي من عواطف –ومعايرته لهم بالفقر في كل مناسبة .!! وتكن الهم والغم من قلب همام، وخصوصاً بعد إحساسه أيضا بقلةالحيلة بعد سفر ابنه الوحيد سالم إلى العراق وانقطاع أخباره منذ ست سنوات .!!، وداخله إحساس قوى بأنه لابد أن يفعل سيئاً، لابد أن يكون له موقفاً .، وفكر جدياً في انجاز ما كان ينوي عليه منذ أن كبرت عواطف .، وها قد آن الآوان لما لابد فيه.!!، وكان همام يملك نصف قدان أرض زراعيه في بلدته “عرب الدوايره” .. ويتركه في حيازة أخيه “الحاج حسبه القاوي “ليزرعه” والآن هو لا يستطيع تحمل نظيره الحزن في عيني عواطف ويريد أن يعين إليها ثقتها واعتزازها بنفسها وأبيها، مأخذ “الحجة “عقد الملكية” – لهذا النصف فدان وذهب إلى الشهر العقاري ليرحو عقدا بالنصف فدان باسم ابنته عواطف، ووقف أمام مأمور الشهر العقاري ليسجل العقد، وطلب منه “المأمور” بطاقته الشخصية ليثبت بياناتها وبتأكد من شخصيته .، وبحث همام في كل جيوبه عن البطاقة فلم يجدها.!!، فتأسف للمأمور وأستاذنه للذهاب إلى المنزل لإحضار البطاقة فوراً .، ولكن المأمور قال له أن يأتي غداً ومعه البطاقة .، وعاد همام القاوي إلى منزله وفي نيمته أن يذهب عداً بالبطاقة لإثبات العقد والعودة به إلى عواطف، حتى لو لم يذهب إلى عمله عند المقاول غداً.!! وحتى لو خصم المقاول أجر هذا اليوم منه !!، وما إن اقترب همام من باب الشقة حتى لاحظ الهرج المرج، وازدحام الجيران في صالة شقته الضيقة وهم يقدمون التهاني إلى نظيره .، وإلى عواطف .!! !! .، ودخل الشقة في ذهول وهو يسأل ماذا حدث.؟! وجاءته الإجابة من نظيره وهي تهلك قائلة بأن عفاف بانتهما قد عادت سالمة بعد ستة عشر عاماً ..!!
واقتربت منه عفاف .. ونظر إليها هو في دهشة، وجلس الرجل مذهولا وهو يتأمل الشبه الكبير يكنها وبين عواطف، وجاءت له نظيره بكيس الحجاب الذي ان قد علقه هو بنفسه في رقبة عفاف بعد أن وضع فيه شهادة ميلادها.!!، واستعاد همام ما حدث بهذه الليلة التي جاءت فيها نظيره من “بير العين” بدون عفاف .، ونظر مدهوشاً إلى ابنته العائدة”- فأحس ناصيتها إحساساً جارفاً جعله يقوم إليها مسرعاً … وقد ترغرغت عيناه بالدموع . .، ليحتضنها في ضمان أبوى لا يعرفه إلا ن حرم من فلذة كبدة ستة عشر عاماً ..!! .. وفجأة – بعد أن خرج الجيران ، وكل من جاء للتهنئة – تذكرت نظيره أنها لم تسأل عفاف عن مصير بخيتة – إذ أن هذا الأمر يخصها جداً .!! وجاءت الرد الذي أراحها – عندما ضرب همام القاوي كفأ بكف متعجباً من غرابة وتصاريف القدر!! حيث قال أنه سمع منذ ساعات فقط أن المرأة الحلبية هذه قد وجدوها أول أمس في جيل “بير العين” وقد أكلتها الضياع.!!، وحتى لم تبق الضباع ففي غير وجهها ورأسها وعظامها .. وملابسها الممزقة.!! واستراحت نظيره لهذا الخبر، كما استراحت أيضا عفاف !! حينما رأت الارتياح على وجه أمها – حيث كان موت بخيتة يعني موت سرها- أي نظيره – مع حين أن ابوالعين .، فلم بعد هناك من يعلم شيئا عن هذا السر سوى حمدان نفسه، وهو بالطبع لن يفضح نفسه.!!.
وفي اليوم التالي قام همام القاوي مبكراً، وأخذ معه بطاقته الشخصية عاقدا النية على إتمام ما بداه أمس م كتابة النصف فدان الذي يملكه باسم عواطف، ولكنه حينما خرج ذاهباً إلى الشهر العقاري أخذ يفكر في ابنته الثانية العائدة “عفاف”!! فهي التي عاشت طوال عمرها المنقضي محرمة مه ومن أمها، ولم تأخذ منه شيئاً .. ولا حتى ضماناً وتربية مثل عواطف .، وسرعان ما قنع بأن قيسم هذا النصف فدان مناصفة بينهن … لكل واحدة منهن ستة قراريط .، وسجل لهن عقداً بذلك.!!، وعاد ليعطي نظيره العقدين لكي تحتفظ بهما لبنيتها- كسند لهن تستندان إليه وقت الحاجة .!!، سمع الأهل “يعرب الدوايره” بعودة “عفاف” ابنة نظيرة وهمام – ، وجاءوا للتهنئة .. إلا كاظم الدويري الذي كان قد فوجئ –مصادفة- بإعلان يأتيه “على يد محضر” بأن هناك جلسة استئناف للحكم للصادر في قضية ميران أخته نظيرة الدويري.!!، ليثبور كاظم تورته العارمة .، ويوقن هذه المرة أن همام القاوي هذا لن يتراجع عنه إلا بالموت .!! فليقتله إذن ويرتاح منه.!! ويقسم كاظم بأغلظ الأيمان أنه سقتل همام القاري .. سيقتله .!! ولم يأخذ كاظم وقتا كبيراً حتى استقر على هذا الرأي ولا يشغله الآن سوى حظة التنفيذ .!! فهو لا يريد بالطبع أن يكون في المواجهة أمام الحكومة .، ولا حتى أمام أهل هامم من آل القاوي تجنباً للثأر.!! فإذا يفعل .؟! لابد من تدبر الأمر أولا.
ذهب كاظم الدويري إلى “العمدة السحيص” … ليدبر له مقابلة مع حمدان أبوالعين .، وما أن قابلة حمدان حتى عرض عليه كاظم أن يقتل له همام القاوي ، بأي طريقه يختارها وبأي ثمن.!!، وثار حمدان وأرغي وأزيد.!! فهو حمدان أبوالعين الفارس الذي يقيم العدل بقوته وينصر الفقراء على الأغنياء والضعفاء على الأقوياء فكتب بكلمة كاظم على أنه قاتل أجير، ولكن كاظم بدهائه ومداهنته أخذ يهدئ حمدان وبسوق له الأسباب التي جعلته يفكر في قتل همام .، وأخذ يذكر حمدان بأن همام هذا هو الذي أبلغ المركز وجاء له بالقوة التي كادت تقبض عليه في موضوع حطف كمال.!! ولولاه لكان هو أي كاظم- على أتم استعداد لدفع الفدية التي قررها حمدان، ولولا أن نظيره قد سبقته لكان هو الذي سيأتي إليه.!! ثم أنه – أي كاظم- هو الذي أبلغ المركز بأنه قد قد استعاد ولده ولا يتهم حمدان بشئ.!! ولولا ذلك لكان البوليس يتربص بحمدان حتى الآن. !! ثم أن نظيره هي الآخرى تريد الخلاص منه لفقره وعجزه
لأنها بصراحة كان لها حمدان” وليس هذا العجوز الغفران هو الذي يرفض طلاقها “طمعاً في ميداتها الذي يطالب به كان ؟؟؟؟؟؟؟؟؟ فهل يستحق همام هذا أي رحمة من حمدان .؟! وجاء رد حمدان في نهاية كلام كاظم حاسماً .. “لا .. لا يا كاظم – همام القاوي ده كان راجل في موضوع ولدك كمال أكثر منك.!! وكان شهم، “وأنا لا يمكن أمد إيدي على واحد شهم وكبير في السن كده.!! “وقولتلك يا كاظم … إن مش حمدان اللى بقتل حد عشان حد.” !! وأسقط في يد كاظم .. ولكنه تغلب على يأسه بأن راح يفكر في أسلوب آخر بسرعة.!! وأسقط في يد كاظم – ولكنه تغلب على يأسه بأن راح يفكر في أسلوب آخر بسرعة.!! ونجح هذه المرة في اقناع حمدان بأنه وأهله “طول عمرم ناس مسالمون ولذا فهو لا يملك الآن سلاحاً كبيراً مثل “المقروطة” وهو لا يملك سوى هذا ” المسدس” المرخص المعروف عند الحكومة .!! ثم يتكون كاظم بلون آخر قائلا بأنه في واقع الأمر وحقيقته لا يريد قتل هماما وإنما يريد تهديده وضربه عند قدميه بسلاح” آل” كبير ليرتدع فقد “ثم قال حرفياً “وبصراحة كما أهو ضعفان وعجوز ويمكن يطلب ساكته ويريحنا، وساعتها ياعم تبقي نظيره حلال عليك”.!! .. ، وأنهى حمدان الموضوع وحسم النقاش بأنه مستعد للوقوف في ظهر كاظم، وإعطاءه “المقرطة” لينفذ بها غرضه في إرهاب ونحو يفه فقد.! متفقون أن يكون ذلك بمثابة مهر نظيرة ليتزوجها حمدان بعد همام.!! وكان كاظم يوافق على الشرط فوراً … لولا أنه أراد أن يراوغه فاشترط عليه أن توافق نظيره !! وكأن حمدان كان متوهماً أن نظيره ستوافق فوراً .. فوافق على كلام كاظم واتفق معه على أن يرافقه هو “وهذا” في الليلة الموعودة للتنفيذ .!! وفي اليوم السابق على الموعد الذي تم الاتفاق عليه .. يخترع كاظم جهلة ماكرة بدخل بها المستشفى بحجة المغص الشديد، وأنه لابد أكل شيئاً مسحوماً .. وبعد أن قاموا بعمل “غسيل معوي” له في المستشفى – أخذ يصرخ بشدة من الألم ولم يجد الأطباء بدا من احتجازه بالمستشفى لعدة أيام تحت الملاحظة .!! وقبل الغروب بالليلة الموعودة يتفق كاظم مع “التومرجي” والخفير على باب المستشفى على أنه يحتاج ضروري وحتماً ولابد من خروجه حالا ليهذب إلى أهل بيته في أمر هام وعاجل وضروري.!! وأسر إليهما بأمر أثار دهشتهما حتى أعطياه عقاراً مما يزيد فحول الرجال مع زوجاتهم .!! وأعطاهما كاظم مبلغاً من المال كان كفيلاً بأن يجعلهما يقولان له “ترجع بألف سلامة يا حاج”!! وخرج كاظم في المستشفى ليلاً، وذهب من فوره إلى أقرب تليفون عمومي .. وأبلغ المباحث بالمركز بأن حمدان أبوالعين سيكون الليلة فرب الفجر في مكان ما بالقرب من سيدي كمال الدين بالبتة ليقتل همام القاوي الذي أبلغ عنه في موضوع خطف كمال ابن كاظم الدويري.!!، وصدق ا لبوليس .، أو النقل أنه احتمل الصدق في هذه المكالمة من مجهول أو فاعل خير !! ، ولابد من عمل اللازمة والاحتياط، وقامت قوة من المباحث بالتربص بالمكان الذي أشار إليه المجهول أو فاعل الخبر بالبند، ؟؟؟؟؟ وإمعانا في الحذر، وخوفاً على حياة همام القاوي قاموا بإبلاغة سراً أنه مقصود هنا .. وإنه لابد أن يذهب متخفياً إلى بلدته “عرب الدوايرة” ليختبي منها بن أهله وأوصلوه متخفياً إلى هناك فعلا في حين كانت القوة مرابطة في البندر بالمكان الذي تم الإبلاغ عنه من المجهور.!! وقرب الفجر .. كان همام القاوي خارجاً من منزل أخيه “حسن الفاوي” للصلاة في جامع القرية .، ومر همام من نفس الطريق أو في نفس الوقت !! الذي كان فيه حمدان أبوالعين ينتظر كاظم الدويري ليعطيه المقروطة ويشجعه على تنفيذ غرضه بتهديد همام حسب الاتفاق .، ولكن أين كاظم.؟! لقد تأخر وفجأة يظهر كاظم أمام حمدان … ويأخذ منه “المقروطة” حسب الاتفاق ويوجهها ناجته همام القاوي ويطلق عليه الرصاص ليقع الرجل مجندلاً . .، ما هذا؟! وأما المفاجأة الأخرى التي أذهلت حمدان وهنا .. فهي أن كاظم قد استدار في الحال على حمدان أبوالعين وضربه في ساقه وصاحبة وهو يصرخ بأعلى صوته وبكل قوته “الحقونا ياناس حمدان أبوالعين قتل همام القاوي”.!! ثم يهرع إلى جوار جثة همام ويلقى “المقروطة” بجواره ويهرب في الظلام.!! وينفرق الناس مزعورون من إمام الجامع، فمن الذي يسمع طلقات رصاص “المقروطة” واسم حمدان أبوالعين .. وبظل ثابتاً في مكانة .!! وكان حنا قد تصرف بسرعة، وحمل حمدان على عاتقه واختفى به وسطر الزراعات الكثيفة العالية . والطريق من الموقع، أما كاظم فظل مختبئاً خلف الجامع ليري الناس وهم يهجمون على حمدان ليمسكو به وهو مصاب في ساقه وليس معه “المقروطة” ولكنه قد خاب ظنه بهم بعد أن اختفى حمدان وحنا، وتسلك كاظم إلى أن وصل إلى السيارة التي كانت تقله من البذور وتنظره خارج البلدة على أول الطريق إلىالبندر ثانية، وأسرعت به إلى المستشفى ليصلها قبل طلوع الشمس، ويدخل بمعرفة البواب والتومرجس- لينام على سريره بالمستشفى وكان شيئا لم يكن.!! وتجمع أهل همام القاوي حول الجثة .. وبسرعة أخفوا “المفروطة” قبل أن يراها الناس ويراها “البوليس” الذي لابد أن يأتي بعد شروق الشمس .!!، وذلك بالطبع لا تثبت التهمه على حمدان فتأخذه الحكومة”. ولا يتمكنون بعدها من أخذ وجاء البوليس والنيابة، وأجرى التحقيق، ولم يقرأ أحداً بأنه رأي حمدان أبوالعين وهو يقتل همام، وإنما سمعوا أحداً يصرخ قائلا بأن حمدان قتل همام .!! وأين الذي قال.!! قال أحدهم بأنه يشتبه في صوت كاظم الدويري بأنه هو الذي كا يصرخ بهذا الكلام. “ولكن أين كاظم؟! إنه يرقد مريضا بالمستشفى “ومقيد في وفاته؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ منذ يومين سابقين وهو ما زال فيها مريضا.!!، وأسقط في يد الحكومة التي حتى لم تستطع العثور على حمدان .. ولا على أي دليل ضده.!! وقيدت الحادثة ضد مجهول.!! إلى أن يتم البحث عن حمدان وحتى … الغائبين- كالأشباح التي لا دليل على وجودها .!!، وخرج كاظم من المستشفى ليسأل عما حدث.!! وهو يبكي بحرقة على صهره وحبيبه همام القارئ.!!
لم تكن نظيره على بساطتها – قبل إلى تصديق ما يقال أمامها في موضوع مقتل زوجها همام على يد حمدان أبوالعين.! بل كان يداخلها شعور خفي بأن هناك سر أخر وراء هذا الموضوع.!!، وكانت عواطف وعفاف على صغر سنهما تشعران بنفس ذلك الشعور الذي يراود أو بما نظيره.! ولكن .. هو في النهاية مجرد إحساس، ولا يوجد لديهم حتى ما يبرر هذا الإحساس .!!، وجاء الأستاذ راغب الدويري من القاهرة مسرعا ومعه ابنه محمود، وابن أخيه كمال كاظم .. بعد أن سمعوا بكارثة قتل همام القاري على يد حمدان .، وقبل ذهابهم إلى عرب ا لدويرة .. ذهبوا إلى نظيره وابنتها – فقد علموا سابقاً بعودة عفاف – في شقتهم بالبندر.-، ولكنهم لم بجدوهن بالشقة.!! فقد كان كاظم – مشكوراً – قد سبقهم إلى أخذ أخته نظيره وابنتهما في منزلة الكبير يعرب الدوايرة، ليكون مطمئناً عليهن بجواره وفي رعايته بعد فضل عائلهم همام.!! وتجمع كل هؤلاء في منزل كاظم .. يتعجبون ويتساءلون ويقلبون الموضوع من جميع جوانبه لكي يصلوا إلى شئ معين يبرر لهم ما حدث.!! … ولم يصلوا إل شئ ..!! .. ولكنها نظيرة العنيدة التي “ترهب أي شيئ في سبيل الوصول إلى هدفها في معرفة الحقيقة .. .، فهي لم تكن تصدق أبداً أن حمدان أبوالعين- الذي تعرفه جيداً – بقتل همام زوجها .. هكذا بدون أسباب مقنعة.!! وخرمت نظيرة أمرها على شيئ معي في نفسها .. .، وتعللت بأنها تريد أن تذهب إلى شقتها بالبندر الإحضار أشياء تلزمها هي وابنتها .، وأنها ستذهب بمفردوها وتعود آخر النهار.!! وخرجت من الدار على أنها ذاهبة إلى البندر ، وكلنها عادت آخذة طريقها إلى “نجع السمابعة” !! وهناك طلبت من العمدة السحيص أن يقابلها بحمدان في أمر ضروري، وتعجب حمدان حينما عرف بأن نظيره تريد مقابلته .. بل تؤجس منها .، ولكنه أيت مسرعاً إليها –رغم إصابة ساقه– ليرى ماذا تريد .، وسألته نظيره لماذا قتل زوجها همام.!!، وأقسم لهم حمدان أنه لم يمد يده على همام القاري وأنه كان يقدر همام شهامته، ثم أن همام كان رجلا عجوزاً وهو _أي حمدان- لم يقف أبداً في وجه رجل مس وضعيف.!! ولم يقف في حياته إلا في وجوه العثماة الأقوياء .، وأنه لم يولن يقتل أحد من أجل أحد .. فهو ليس قاتل أجير .. إنه حمدان أبوالعين الذي يقيم العدل في المنطقة كلها بقوته وسطوته .، وأن بأحدث مجرد خدعة من كاظم خدعة بها هو نفسه حينما أخذ منه “المقروطة” وقتل بها هماما،
حمدان:- والرصاصة دين تشهد يا نظيره … وللايمكن أكون أنا اللي ضربت نفسي في رجلي.!! ، و”المقروطة” بتاعتي اللي لقبوها جنب همام وهو مقتول- يمكن يرضوا أكون أنا أللي رميتها جنبه بعد ما قتلتهُ .. عشان أنهم نفس .. مش كده.؟!!.
نظيره:- (في ذهول) يعني كاظم هوّه اللى عمل كل ده.؟!
وأحس حمدان بأن نظيره مالت إلى تصديقه .. فهدأت نفسه قليلاً .، وتذكر ما قالته له بخيته عن حمل نظيره منه، وأن ابنتها عواطف منه هو نتيجة لقائها معه في حمام “بير العين” . .، وتذكر هذا اللقاء الذي كانت لحظاته تساوي عمره كله ..!! فاقترب من نظيره وقال لها في نبرة مشحونة بالاشتياق.
حمدان:- أنا كنت ناوي انتقم من كاظم.!! لكن قولت لاع … يمكن يطلع راجل ويوفي بوعده … إللى خدمني تمنه مقدم.!!
نظيره:- (بارتباك .. وغضب) .. وعد إنه وتمن إيه.؟! أنا مش لعبه بنيك وبينه .، أنا ديوك لسه غرقانه في دم راجل اللي راح هدرا، ومعايه منه بتين على وش جواز.!!
حمدان:- (وقد تكذر عواطف) يعني جانقعدوا كده يعاد عن بعض طول عمرنا بانظيره؟! خاللي عواطف تعيش وسطينا يا نظيره.!!
نظيره:- (وقد فهمت قصده منذكر عواطف) .. عواطف بت همام القاوي يا حمدان.!! وإوعاك تنخور في كلام تاني … وبلاش فضايح عاد.!! وسيبني في حالي ويوك … وبعدين … اللي رايد ييه زينا يكون.!!
ومنهم حمدان أنا ستفكر في أم زواجهما فيما بعد ، وأن كلام بخيته له عن عواطف صحيح، ولكن ها هي نظيره نتركه دون إجابة شافيه، وفكانت قد حزمت أمرها على شيئ آخر.
ذهب كاظم على رأس مجموعة من أقاربه من آل الدويري إلى أقارب همام من آل القاوي ليقوموا بواجب العزاء .، لكن أقارب همام لم يقبلوا العزاء.!! وقالوا له أنهم لا يحق لهم أخذ العزاء في مام إلا بعد وصول ولده سالم من العراق. !! فهو الذي سيقوم بأخذ العزاء .. بعد أن يأخذ ثأر أبيه من القاتل.!! وأنهم سيقفون وراء ساعة ويساعدونه في أخذ ثأر أبيه مهما كان هذا القاتل .، وتململ كاظم في جلسته وداخله القلق !! فهم لم يحددوا القاتل .، ولم يذكروا اسم حمدان أبواللعب.!!، ولكنه بسرعة تمالك نفسه وقال في ثبات أنه هو أيضا سيقف وراء سالم وأنه مستعد لأن يشتري السلام بنفسه لسالم، وأن همام “نسبيه وصبيه ومحروق عليه أكثر من أي حد.!!، ولكن يقاطعه أحدهم بأنهم ليسوا قلة ولا ضعفاء لينتظروا المساعدة لسالم إبنهم من أي أحد خارج عائلتهم. وأنهم فقط ينتظرون عودة سالم لأنه ابن همام الوحيد . .، وهو صاحب الحق في ثأر أبيه ..!! .. ويسكت كاظم.
ماذا تفعل نظيره ومعها ابنتيها- عواطف وعفاف- بعد فقد زوجها همام القاوي ؟!! هل تظل في منزل أخيها كاظم الذي أكل حقها وحرمها من ميراثها، ورفض تزويج ابنه كمال من ابنتها عواطف . .، وها هو أخيراً يقتل زوجها همام وبلا أي دليل عليه.!!، هل عادت الأيام بنظيره مرة ثانية لتعيش كالخادمة في منزل والدها؟!. إضافة على ذلك أنها الآن معها ابنتيها اللتان في سن الزواج .، وأيضا لم يعد لها- بعد حكم المحكمة الأخير – أي ميراث يسندها كما كان الحال من قبل.! فكيف تعيش هي وابنتيها على هذا الحال.؟!
ولكن أيضا- لا ينفع أن تعيش بمفردها مع ابنتيها – هاتين الفتاتين المتفجرتين بالجمال والأنوثة من سن الزواج- في شقة بالمساكن الشعبية بالبذر بدون عائل.!!، وكانت هذه الهواجس تغريداً تعتمل في نفس عواطف ونفس عفاف .، فماذا تفعل عواطف هنا بعد موت أبيها، وليس لها غير أخ وحيد وليس شقيقها، وحتى قد انقطعت أخباره منذ أن سافر إلى العراق، وأيضا بعد أن تخلى عنها حلمها في الزواج من كمال ابن خالها كاظم، وحلمها في البيت الكبير حيث الخبر والعز والأملاك التي سيرثها.!!، وماذا تفعل عفاف العائدة منذ فترة قصيرة إلى اسرتها، وقد داخلها الشعور بأنها كانت شؤماً عليهم بفقد والدها الذي كان يطير بها فرجأً عند عودتها منذ أيام قليلة .!! ، هل تعود إلى رضية الحلبية” التي ربتها، وتعود إلى حياة “الحلب” ..
وتجارتها وحياتها السابقة.؟! وكل هذا في جانب ، أما الجانب الذي جعل نظيرة أكثر قلقاً فهو معرفتها
بأن حمدان أبوالعين ما زال يضعها في دماغه .. خصوصاً بعد أن علم من “بخيته الحلبية” بأن “عواطف” ابنته منها –أي من نظيره- فقد سألها عن ذلك وصارحها بمعرفته للأمر بلا مواربه!! صحيح هو راوغته ولكن ماذا تفعل لو أنه عاود طلبها فعلا من كاظم ووافق كاظم ببناءاً على اتفاقه السابق معه عند مقتل همام؟!! وماذا لو رفضت هي فاحتدم الأمر حتى تسرب السر – ولو بدون قصد – في موضوع عواطف؟!! يا للورطة.!!
انفردت نظيره بشقيقها الأستاذ راغب . .، ونلقت إليه قلقها وهواجسها –ما عدا موضوع حمدان وعواطف- وأنها لا تريد البقاء في منزل كاظم بعد كل ما حدث، وأنها أيضا لا تستطيع البقاء وبمفردها مع ابنيها البالغتين سن الزواج في شقتها بالبندر بدون عائل .، وأوحت إلى أخيها راغب أنه قد أصبح سندها الوحيد في الحياة .، وباعتباره شقيقها فلابد أن يجد لها الحل … فماذا تفعل.؟! ، ولم يتسرع راغب في إبداء في الحل لها … بل أشار عليها أن تصبر قليلاً حتى يفكر في الأمر … وتدح التدابير على الله.!!.
سافر راغب وابنه محمود ومعهم كمال كاظم إلى القاهرة، وكان عينها لم يتوصل بعد إلى حل لمشكلة نظيرة يناسب ظروفها الجديدة لتعيش مستقرة بابنتيها ولا تشعر بهذه المرارة وهذا الضياع .، وهناك لم يلبث أن هداه تفكيره إلى شيئ قد حان وقته .، فهو يمتلك ميراثاُ قوامه عشرة فدادين يتركهم في حيازة أخيه كاظم .، صحيح أنه يأخذ منه ربعهم .، ولكنه الآن بعد استقراره بالقاهرة يحتاج إلى مبالغ كبيرة ليستقر في حياته الجديدة بأسرته بالإضافة إلى أخته شقيقته نظرة وابنتيها بعد أن فقدت عائلها وميراثها عند كاظم، فلماذا لا يفاتح كاظم في أن يبيع له ولو جزء من هذه الفداءين العشرة.؟! وهل يستطيع كاظم أن يفعل معه مثلما فعل مع نظيره.؟! بالطبع لا .. فالأمر هنا يختلف.!!، وعاد راغب من القاهرة في غضون أيام قليلة من سفره إليها .. بعد أن استقر رأيه على بيع جزء من ميراثه الذي في حيازة كاظم، ولحسن الحظ لم يكن كاظم في حالة تسمح له بالدخول في مشاكل جديدة، وخصوصاً مع أخيه راغب، فاشترى كاظم منه ثلاثة مزادين في مقابل أربعين ألف جنيه للفدان الواحد- في حين كان الفدان في ذلك الوقت وفي هذه الأراضي الممتازة “المروية بالراحة” على جانبي ترعة “الفاروقية” الشرقية .. وقد وصل إلى ضعف ذلك المبلغ.!!، ولكن هكذا كان كاظم … وعليه دفع كاظم لأخيه راغب مبلغ ثمانين ألف جنيه نقداً .، ووعدة بسداد الباقي في أقرب وقت .!!، وعاد راغب مرة ثانية إلى القاهرة ولكنه كان مظفراً هذه المرة حيث كان هذا المبلغ كفيلا بحل معظم مشاكله بما فيها مشكلة إقامة نظيره وابنيها – في ذلك الوقت .، وكان راغب قد أسر إليه أخته نظيره قبل سفره أنه يرى أن الحل الأنسب لها أن تأتي هي وابنتيها لتعيش معه أو في جواره وتحت رعايته في القاهرة .، وليبتعدوا عن هذا الجو المشحون وعن “عرب الدوايره” وعن الجبل وعن الصعيد كله.!! بل كان قد المح إليها في أطراف كلامه أنه ينوي تزويج عواطف بكمال هناك .. بعيداً عن كاظم.!!
كان الأستاذ راغب – منذ أن كان طالبا بالمعهد العالي للخدمة الاجتماعية بالقاهرة- بجلس بالتدريس في هذا المعهد والاستقرار بالقاهرة، ولذا كان دائما ما يمشي في “شارع شبرا” الغريب من المعهد وينظر إلى العمارات ذات الطراز القديم الواسع بأعمدتها الفخمة وشرفاتها المتسعة . .، ويمنى نفسه بالسكن بها، وجاءته الفرصة أثناء تردده على هذه المنطقة عن طريق أحد معارفه – بعد حصوله على الدكتوراه – وأستأجر دور كامل عبارة عن شقيق في دور واحد بعمارة فخمة من الطراز القديم الرأي كان يريده وفي شارع شبرا . .، ودفع في حينها مبلغاً كبيراً لأصحاب العمارة “خلو رجل” – وهكذا – سكن هو في شقة وحصص الشقة الثانية المقابلة له لابنه محمود ليتزوج فيها فيما بعد، وإذن فليأخذ كمال ابن عمه ليسك معه إلى حين . .، وعلى هذا فقد تركز بحث راغب عن سكن لنظيره وابنتيها في هذه المنطقة لكي تكون قريبة منه وتحت رعايته .، ولما كان الإيجارات في هذه المنطقة قد ارتفعت في الآونة الأخيرة فلم يجد بداً من السؤال في منطقة فيكتوريا بشارع “الترعة البولاق”.
ووجد هناك “شقة حجرتين وصالة”، بالمساكن الشعبية “القريبة من الميدان، حيث كان الكثير ممن يسكنون هذه المساكن يقومون بالتنازل عنها أو بيعها بعد تملكها حال انتهاء مدة أقساطها، وبالفعل قام راغب بشراء هذه الشقة وفرشها فرشأ يناسب اخته نظيرة وابنتيها في هذه الظروف، وأرسل إليها خطاباً قرآنه عواطف. يستعجلها في الحضور هي وابنتيها إلى القاهرة.!!.
وبعد الترحيب بهن قام راغب بالاتصالات تليفونياً- بأخيه كاظم وطمأنه على أن نيظره وابنيها عنده هنا في القاهرة ، وليكن مطمئنا .، ولم يعترض كاظم بما فيه الكفاية.!!، بل قال في النهاية أنه سيكون مطمئناً حيث أنها – أي نظيره عند شقيقها الذي سيرعاها بالطبع .، واستقرت عواطف مع أمها واختها عفاف بالقرب من خالها راغب وابنه محمود، وابن خالها كمال كاظم” الذي أصبح يعمل في لمصري شركات الاستثمار هذه، ويعيش مع محمود رغب في شقته .،
-حولت عواطف أوراقها إلى كلية الحقوق جامعة القاهرة لتواصل دراستها عن طريق الانتساب، فقد أصبحت الآن في السنة الثالثة بالكلية، وأيضا أصبحت الظروف ملائمة ومهيأة لها- لمعادوة لقائها مع كمال الذي يحبها .. من جديد.!!
ولكن لم يلبث أن تكشف الحال عن مشكلة جديدة، حيث لم يكن “المعاش” الذي ورثته نظيرة مع ابنيها عواطف وعفاف بعد وفاة عائلهن همام القاوي .. يكفي لمعيشتهن بالقاهرة.!!، على الرغم من الجهة الذي بذلته وبذله معها شقيقها راغب إلى أن انتهت اجراءات صرف هذا “المعاش” .، وكانت نظيرة “عفونة النفس .، ولا تريد أن تثقل على أخيها راغب أكثر مما دفعه في شراء وتأنيث الشقة – حيث كلفه ذلك قرابة أربعة آلاف جنيه. في جنيها- ولكن لم يكن المعاش يكفي حتى لمتطلبات العيش الضرورية هنا – لما فماذا تفعل.؟! وجلست مع ابنتيها بند برن الأمر.
تذكرت عواطف على الفور عملها السابق في محل الأحذية بسوهاج .، وتشاورت مع أمها في أن تبحث عن عمل مشابه في أحد محلات الأحذية طبعا بالقاهرة، ولم لا ؟! فقد أصبحت تخرج دائما … للذهاب إلى الكلية مثلاً .. فلتخرج إلى العمل وقعود كل يوم، وليس من الضروري حتى أن يعلم بذلك خالها راغب أو محمود – أو كمال .!!، وتجرأت عفاف أيضا وعرضت الفكرة التي طالما رأودتها منذ استقرارهم بالقاهرة.!!، فهي التي كانت قد شهد لها جميع من كانوا حولها من البائعات الحلبيات، إلى النجار وأصحاب المحلات الكبيرة في شارع “القيسارية” بسوهاج بمراعتها “وشطارتها” في التجارة .، وكانت عفاف بالطبع تسمع عن سوق التجارة الكبير الرائج في شارع الموسكي بالقاهرة، وناقت نفسها كثيراً للذهاب إلى شارع الموسكي ومعاودة نشاطها في شراء وبيع الأشياء المماثلة كما كانت تشتري وتبيع، ولكنها كانت تخاف من مجردتذكير أمها يمثل هذا.!! ولكن صلهي عواطف – التي هي بالجامعة – تعرض على أمها أن تعمل في محل أحذية لما كانت تعمل في سوهاج .!! فما المانع أن تعرض هي الأخرى رغبتها في العمل بالتجارة التي أحبتها وبوعت فيها. ؟!!
ومن الحاج عواطف وعفاف .. لم تجد نظيره بداً من المواقفة على رأي ابنتيها بعد تحفظ، وإن كان قد أعجبها تفكيرهن الناضج، ولكن بعد أن بالغت في نصحهن وإرشادهن بضرورة الالتزام بالجدية والحرص الشديد في التعامل مع الناس هنا.!! حيث الرخام الشديد الذي جعل الناس لا تعرف ولاتقدر بعضها البعض.!!
أخذت عواطف تبحث في المنطقة والمناطق المجاورة عن محل أحذية من الممكن أن تعمل به .، حتى ساقتها رغبتها في البحث عن عمل إلى “شارع 26 يوليو” بمنطقة وسط البلد بالقاهرة، وهناك استرعى انتباهها محل كبير، ولكنه رغم ضخامته وفخامة واجهته ولافتته الضخمة التي تدل على عراقته، بالإضافة إلى موقعه المتميز على ناصيته الشارع الكبير، ولكنه رغم كل ذلك يكاد يخلو من الزبائن، ومن البضائع أيضا.!!
ونظرت عواطف داخل المحل فوجدت رجلا يقارب السبعين من عمره ولا يكاد يستطيع القيام حتى لتلبية استفسارات الزبائن الذين يقفون خارج المحل – على ندرتهم – يتفرجون على المعروضات القليلة “بالقترينة” الضخمة، رغم أن هؤلاء هم الأقرب إلى جذبهم داخل المحل .، ووجدت عواطف نفسها تدخل المحل وتذهب حيث يجلس الرجل المسن وتبادرة قائلة.
عواطف:- سلامة عليكم يا عم الحاج.
الرجل:- سلامة ورحمة الله – (وهو لهم بالاعتدال) أي خدمة يا بنتي؟!
عواطف:- إيه يا عم .. ما عندكش كده جزم حريمي على قدي غير المعروض في البترينه ده.؟!
الرجل:- والله يا بنتي دا الموجود حاليا .، لكن إن شاء الله بعد يومين كده .. البضاعة الجديدة حاية.!!
عواطف:- خلاص .. أعيدي على حضرتك كمان يومين .. تكون البضاعة جات.
الرجل:- تشرفي يا بنتي أهلا وسهلا .. لكن انتى لغتك كده يعني شكلها صعيدي .. ولا مؤاخذه يعني.؟!!
عواطف:- (وهي تضحك ببراءة) هوانته بتسأل الزباين عن أضلهم وفصلهم .. طب وانتبه عاداسم حضرتك إيه ياعم الحاج؟!
الرجل:- (بشئ من التعجب) أنا يابنتي عمك الحاج سعيد السوهاجي .. أساساً من سوهاج، وكأن محلي ده-أحسن محل في الشارع والمنطقة لكن إه .!! الظروف بقه … والحمد لله.
عواطف: بالجودة ياعم الحاج سعيد-، وإنا كمان بتلك عواطف همام القاوي من سوهاج برضه.!! بلديات يعني .، (ثم وهي ترسم الجدية على وجهها) لكن حضرتك يعين بتشتغل في المحل واكله لوحدك ..؟!
الحاج سعيد:- بالجودة يا عواطف يا بتي .. ( ثم وهو يتهكم ضاحكا) أما أن كان بالشغل لوحدي .. فآوى أنني شايفه الحال يعني .. حاجيب ناس يشتغلوا معايه على إيه بس.؟!!
عواطف:- (وكأنها صدمت- ولكنها ابتلعت الصدمة بسرعة) بالجودة بيك يا عم الحاج سعيد عموماً أنا حاجيلك تاني إن شاء الله بعد يومين كده. !!
الحاج سعيد:- تشرفي يا بنتي- مع ألف سلامة.
وخرجت عواطف من المحل وهي تتعجب من نفسها.!! سبحان الله لقد ارتاحت جداً لهذا الرجل.!!، ولكن لماذا قالت له أنها ستعود إليه بعد يومين وهي ترى رجال وحال المحل.!! وقد صارحها الرجل بأنه لا يحتاج لأحد ليعمل معه.؟! وإذا عادت كيف ستطلب منه أن تعمل عنده وهو لا يجد حتى بضاعته بعرضها أو بيعها.؟! فهي بخبرتها السابقة تعلم أنه ليس هناك بضاعة جديدة آتية بعد يومين … ولا غيره.!!، وإنما هذه عبارة برددها أصحاب المحلات والبائعين للزبائن حينما لا يجدون ما يرون بالمحل.!! ولكي لا تنطقع رجل الزبون .، ويتردد عليه بالسؤال.!!، ووجدت عواطف نفسها تنظر بابنهار إلى واجهة المحل الضخمة وموقعه المتميز، ووجدت أنه من الممكن أن يصبح محلاً رائعاً ورائجاً لو أنه، وجد الاهتمام بالتنظيم والنظافة وإمكانيات جلب البضائع وحسن عرضها .، وحسن عرضها .، وحسن وكيفية التعامل مع الزبائن … وخصوصاً الشباب.!! ، وعادت عواطف إلى البيت، وحكت لأمها نظيره عن تعبها في البحث عن عمل حتى ولت شارع “26 يوليو” . .، وحكت لها عن المحل الكبير الذي يعمل فيه صاحبه العجوز الحاج سعيد السوهاجي بمفرده، وأنها تريد أن تعود إليه مرة ثانية وتعرض عليه أن تعمل معه في هذا المحل وتبذل جهدها وخبرتها في جذب الزبائن، والرزق على الله.!!، وبالفعل تذهب عواطف إلى المحل بعد يومين لتجد الحاج سعيد يجلس داخل المحل على مكتبه الصغير منهمكاً في قراءة المصحف الشريف” .. ولا يهتم حتى بالزبائن الذين يقفون خارج المحل للفرجة على المعروض “بالفترينة” على قلته .! فتدخل عليه قائلة”.
عواطف:- سلامو عليكم ياعم الحاج سعيد .. وصلت البضاعة الجديدة.؟!
الحاج سعيد:- (وهو يرفع وجهه من المصحف)- “صدق الله العظيم” … (وينظر في وجهها) –آه- إنني عواطف الصعيدية اللي جبتي أول ! مبارح . ؟!!
عواطف :- (بضحكة هادئة) إيه –لحقت تنساني يا عم الحاج وللا إيه.؟!
الحاج سعيد:- لا يا بنتي – بس العتب عالنظر يعني.!!
عواطف:- ألف سلامة عليك .. إيهه !! مش يابن عليك كبير قوى يعني ؟!
الحاج سعيد:- (وهو يضحك بانشراح) كل دا ومش بابن ؟! الله يحظك يا عواطف .. (ثم يشيرك على الكرسي) ما تتفضلي واقفه ليه يا بنتي.؟!! (وما أن جلست حتى بادرها قائلا)- والله يا بنتي أنا عاوزك تبصر تأني عالمعروض في التبرينة يمكن تعجبك حاجة .، أنا أصلى عاوز أبيعلك حاجة عشان أكرمك فيها .، وللا حتى خاللي عنك خالص.!!، أصلى مفيش بضاعة جات لسهِّ.!!
عواطف:- (وقد انشغلت بالنظر باهتمام إلى خارج المحل) .. ماش يا عم الحاج .. وأنا برضيه عاوزه أنفعك .. بش مش أنا اللي حاخد.!!
-وتقوم عواطف إلى خارج المحل، وتقف بجوار الرجل الذي وقف ينظر إلى القرينة باهتمام وعينه على الأسعار المكتوبة على المعروض بها، وبجواره زوجته وأولاده الثلاثة .، وبخبرتها عرفت عواطف أنه “زبون يافت” أي أنه زبون من السهل إقناعه بالشراء.!! وبسرعة .. دخلت في حوار مع الرجل زوجته، وبخبرتها كبائعة محترفة سابقا- جذبت الأسرة كلها إلى داخل المحل وباعت لهم خمسة أزواج من الأحذية، ودفع الزبون الثمن راضيا- وخرج من المحل وهو يشعر بأنه أخذ البضاعة التي يرتضيها بثمن معقول جداً.!! ولم يستطع الحاج سعيد – الذي كان يقف صامتا مذهولا – أن يخفي إعجابه بأسلوب عواطف ومقدرتها وخبرتها في “فن البيع”، والمعاملة والإقناع للزبون.!! بلب قال لها أنه لم يبع خمس أزواج من الأحذية مثل ذلك من يومين.!!، وأخذ يشكرها وهو يحاول أن يخفي نبرة الاستغراب والدهشة لهذا الموقف.!!، وأدركت عواطف ذلك منه .. فبادرته قائلة.
عواطف :- ما تشكر نيش يا عم الحاج سعيد .، وأوجب عليه .!!، وهدين أنا أصلى ما قولتلكش إني بياعه محترفة، وإني كنت باشتغل في ملح زي ده في سوهاج.!!
الحاج سعيد:- (وكأنه قد وجد مبرراً لدهشته) .. آ ه . ! وأنا أقول … الإسلوب وامش بتاع حد كده عادي … !! بس لا .. وإنني مش بباعه وبس … وإنني وبياعه وشاطره وزكيه كمان. ما شاء الله عليكي.
عواطف:- (وكأنها وجدت فرصتها سانحة) طب إيه رأيك يا عم الحاج لوا شتغل معا.؟
الحاج سعيد:- (وهو يبسط كفيه تعبيراً عن قلة الحيلة) .. والله يا بنتي ياريت . بس أدى أنني شايفه الحال .. والبضاعة الموجودة يعني و .. والإمكانيات فتساعدش على دفع مرتب ينفع مع واحد زيك كده.!!
عواطف:- (بنبرة شهامة) .. يا عم إيه رأيك ما تشتش هم المرتب.!!، أنا بكفيني خمسه في الميه من تمن البضاعة ألى أبيعها .، ويوم بيوم كمان ياحاج .. ورزقي ورزقك على الله يا عم إيه رأيك .؟!
الحاج سعيد:- (بترحيب بالفكرة) واللهِ يابتي خلاص على خيرت الله، وآوى كمان (وهويعد النقود) الخمسة في الميّه من اللي بتعتبه حالاً.
عواطف:- (وهي ترد بتر الرجل بلطف) لا ياعم الحاج .. خاللي دول هدية المعرفة.!! وخاللينا في الرزق اللي جاي .، وعلى الله التوفيق.
-وجلست عواطف على كرسي بجوار الحاج سعيد – الذي ارتاح لها جداً من .. وعينها على أي “زبون” يقف للفرجه على “الفترينة” ، فتذهب إليه وتلتقطه إلى داخل المحل- إذا وجدت عنده جدية الرغبة من الشراء- وتبيع له ما يريد، بل قد يشتري الزبون ما تريد هي منه أن يشتريه.!!، بعد إقناعه بالجودة ورخصت الثمن .، وكانت في أوقات فراغها من الزبائن تتحدث إلى الحاج سعيد الذي كان يستمع إليها باهتمام. بل وابنها وفي بعض الأوقات .، إلى أن تعرف عليها وعرف عنها ما أرادت أن يعرفه من ظروفها وتطمئن إلهيا تماماً .، وأخذ هو الأخرى يحيك لها عن ظروفه .. وظروف زوجته – الحاجة نادره- التي مرضت بالسكر والضغط – بعد أن سافر ابنهما الوحيد بنبيل إلى أوربا قبل حتى أن تخرج من كليته التي كان طالبا فيها .، حيث لم يعجبه الحال في مصر.!! ولم يعد منذ أربع سنوات .. ولا يعرف عنه سيئا .، ثم تطرق الحاج سعيد إلى حال السوق والتجارة التي تحكم فيها “تجار الجلود” الكبار وأصحاب المصانع الذين أصبحوا يأخذون القروض من البنوك ويدفعون الفوائد الكبيرة، وبالتالي يرتفع ثمن البضاعة، وأصبحوا أيضا يفضلون التعامل “الكاش” – أي بالنقد- بدلا من التعامل الآجل- أي بالكمبيالات- مع أصحاب المحلات .، وهروب اليد العاملة إلى “شركات الانفتاح” وإلى البلاد العربية … و …و .. .. ؟!، حتى لقد فكر الحاج سعيد مراراً في بيع المحل لكل هذه الظروف .، ولكنه فكر في حال ابنه الوحيد نبيل إذا ما عاد من أوربا ولم يجد المحل ولا أي شيئ بسنده في الدنيا … فماذا يفعل.؟!!.
راحت عواطف بعد أن استمعت جيداً إلى الحاج سعيد تطمئنه وتقول له أنها بإذن الله سوف تظل بجانبه وتساعده حتى لو لم تأخذ أي مقابل إلى أن يقف ويتطور المحل ويعود أحسن مما كان .، وفي خلال شهور قليلة أصبحت عواطف بمثابة الابنة البارة المخلصة التي رزق الله بها الحاج سعيد السوهاجي وزوجته الحاجة نادرة .. على كبر.!! فكثيراً ما كانت تأخذ أمها نظيرة وتذهب معها إلى منزل الحاج سعيد لتزور الحاجة نادرة التي كانت تفرج بعواطف جداً … حتى كانت مراراً تقول لها أنها قد ملأت الدنيا عليها من جديد، وأنها – أي الحاجة نادرة- كانت تتمنى لو أن ابنها تعمل هنا- أي بالقاهرة- لكي تخطيها له، فهو لن يجد أصلى ولا أطبيب ولا “أجوع” ولا أشطر منها – أي من عواطف- لكي يتزوجها.!!، وكررت الحاجة نادرة هذه المقولة حتى جعلت عواطف – لكي يتزوجها.!!، وكررت الحاجة نادرة هذه المقولة حتى جعلت عواطف تسرج بفكرها .، وتتمنى هي الأخرى لو أن نبيل هذا يأتي بالفعل.!!، وحتى أنها كانت تنظر كثيراً إلى صورته المعلقة في “الصالة” بالمنزل، وبالمحل أيضا .، وتسرح بفكرها في كلام الحاجة نادرة وتتخيل لو أن هذا الشاب اليافع البالغ حد الفتوة مع الجمال والوسامة والشباكة الظهرة والشارب الكبير والعينين القويتين .. و .. و.!!، ثم أنه الوريث الوحيد لوالده الحاج سعيد الذي وإن كان لا يملك مالاً سائلاً الآن … إلا أنه سيترك له هذا المحل الكبير في منطقة وسط البلد، وهذا المنزل أيضا .. وهما يساويان الكثير جداً في هذه الأيام .، وأين من ذلك كله كمال ابن خالها كاظم الذي طرده أبوه .. وهدوه بحرمانه من الميراث لمجرد أنه طلب الزواج منها.؟!! … ما هذا ؟! … وأفاقت عواطف من خيالها وقالت لنفسها (يخرب عقلك يا عواطف يا انتي سرحتى لغاية فيه؟!، إنني فيه يا للي لشاكي جابه من الصعيد حافيه، ونبيل فين اللي تلقاه هايص مع بنات أوربا ديوك.؟!!)”.
-وأفاقت عواطف إلى نفسها وهي تنظر خارج المحل وتشخص بعينيها على ذلك الشخص الواقف خلف “القرينة” ينفرج على البضاعة-، باللوقعة .!!، إنها لم تعمل حسابها على مثل هذه اللحظة.!!، إنه محمود ابن خالها راغب.!!، ولكنها بسرعة كانت قد قرر في أن تواجه الموقف- فقفزت من مكانها وذهبت إلى حيث يقف محمود خارج المحل وبادرته قائله.
عواطف:- وه – محمود.؟! أهلاوسهلاً … اتفضل يا داو خالي تعالى من جوه … أنا باشتغل هنه.
محمود:- (بدهشه واستغراب شديد)- بتشتغلي هنه …؟! إزاي .. ومن امته الكلام ده.؟! (بصوت مرتفع).!!
ويلاحظ الحاج سعيد –من داخل المحل- حدة الحوار والمناقشة فيهم خارجاً وهو بنادي على عواطف ويسألها عن هذا الذي يحتد معها .. فتقول له.
عواطف:- واياعم الحج .. يبقى الباشمهندس محمود .. ابن خالي راغب اللي حكيتلك عنه – أصله ما يعرفش أني باشتغل معاك.
الحاج سعيد:- أهلا وسهلا .. اتفضل يا بني تعالى .. ما يضحش تتكلموا كده ما الشارع .. انفضل من جوه.!!
ولكن محمود يرفض الدخول إلى المحل قائلا:-
محمود:- لا يعام شكراً (ثم وهو ينظر إلى عواطف شكراً) بس أنا صاروخ لعمتي يا عواطف واشوف إيه الموضوع ده.؟! ما هو مش معقول تشتغلي في محل كده .. ومن غير ما حد يعرف كمان.!!.
ويذهب محمود غاضباً … ويصرح الحاج سعيد لعواطف بأن تذهب وراءه إلى أمها لترى ماذا سيفعل.!!، ولكن عواطف العنيدة تصر على البقاء حتى نهاية وقت العمل بالمحل، وبعد ميعاد إغلاقه تذهب إلى أمها لتجد محمود، وحالها راغب، وكمال كاظم .. يجلسون مع أمها في انتظار عودتها، وفي أعينهم الكثير من الأسئلة، وقرأت بذكائها ما يدور في ذهن خالها راغب فبادرته قائله.
عواطف :- يا خالي أنا ما عملتش حاجة عيب ولا حرام.!!، وإنما كنت باشتغل في محل زي كده في صوهاج.!!، وفي عز ما كان أبويا الله برحمه عايش.!!
الاستاذ راغب:- (باعتراض هادئ.) لكن يا عواطف الوضع هنا يختلف.!! مصر هننا غير الصعيدة، الناس هناك عارفة بعضيها.!!
عواطف:- (بثقة) والله يا خال .. الواحدة اللي واثقة من نفسها . .، وتعرف تحافظ على نفسها كويس- ما يهمها ش الاختلاف بـ ه .، وأنا عندي خبرة كويسه في البيع والأحذية … و . .، وإيه العيب إني استغل خبرتي دي في الحصول علىرزق حلال ودخل كويِّس.؟!!
كمال:- (وهو يخرج من صمته) بس يا عواطف إحناما يرضناش كده . .، وبعدين إحنا خايفين عليكي من البهدلة في المواصلات والزحمة والمعاكسة .. و
عواطف:- (وهي تقاطعه بحده) ياكمال إنته أكثروا حد عارفني كويس . .، دائنة كمان يا باش مهندس محمود .. ليك مدة عايش في مصر وعارف .. إن ما حدش بيقدر يعاكس الواحدة المجتمعة.!! صح وللالأ؟!!
خالها راغب:- (بنبرة هادئة) يا عواطف ما حدش قال حاجة عنك وعن احترامك . .، لكي يا بت اختي انني ما شاء الله عليكي يعني – حبيبه وجميلة … و … وعنين الناس يعني … وبعدين ما نتي فاضلك يا دوب السنة دي وتخلص وتاخدي الليسانس وتشتغلي شغله محترمه.!!
عواطف:- (بعناد) يا خال- وإيه المانع لما اشتغل واساعد في البيت عن دلوك .. .، والحياة هنا غاليه قوى مش زي عندينا كمان.!!
-وتسمع طرق على باب الشقة فتقودم لتفتح .. وتدخل عفاف وفي يدها “كيس- بلاستيك كبير”. مملوء بقطع القماش، تضعه على الكنبه المجاورة وتهرع إلى خالها راغب لتسلم عليه بحفاوة، وتسلم كذلك على محمود وكمال، وترحب بهم.-
أ. راغب:- (وهو يتفس) إيه .؟!!، باين عليكي جايه من السوق .، وجابيه تعالى حاجات كثيرا هه!!، ما شاء الله علي بناتك يا نظيره .. إتأقلمو على مصر بسرعة.!!
نظيره:- (وهي تخرج عن صمتها) .. ربنا يباركلنا فيك يا راغب يا خوى .. برضنا ما لنا شئ سند غيرك .. بعد ربنه .. و .. .
عواطف:- (تخطف الكلام) وعفاف كمان بتشتغل يا خال. !!، وآهي لسه جايه من شغلها في الموسكي.
عفاف: (وهي تلاحظ النظرات إليها ..) وه.!! فيه إيه يامَّه.؟! .. إيه يا جماعة .. فيه اعتراض على شغلي واللا حاجه .؟!
راغب: (وكأنه يعاتب نظيره) .. يا نظيره باختي ليه كده.؟! أنا قصرت معاكم في حاجة .
عفاف:- (وهي تقطاعه بهدوء وأدب جم) بعد إذنك يا خال .، انته عملت اللي ما حدِّش يعملو في الزمن ده.!!
راغب:- يا بتي دا واجب عليّه .. وانتو بنات اختي شقيقي اللي ما ليش شقاقه غيرها.!!
نظيره: (بتأثر شديد) .. ربنا يعلم يا خوى إنته إيه بالنسب لي. !!
كمال:- (وهو يتململ وكأنه تضايق من تجاهل عمته نظيره له) … وه يا عمتي.! يعين أن مليش عازه واصل ؟!. ما نا برضو واو أخوكي … وخطيب عواطف كمان .. وللا نسيتي يا عمتي.؟!!
نظيره:- (وهي تكاد تنتحب ) ما نسيتش يا ولدي .. انته اللي كانَّك نسبت اللي حصل من أبولا أو لما قولت عالحكاية دي.!! احنا يا ولدي ما عوزينشي عداوه مع أبوك أكتر من كده .، و .. (فيقاطعها راغب).
راغب:- ولا عداوة ولا حاجة عاد يا نظيره.!! سببي أنني الموضوع دا على الله ثم علبه أنا .. أنا إن شاء الله حاجوزهم لبعض وفي أقرب فرصة كمان.!!
-ويسود صمت . وينظر كمال بلهفة إلى عواطف .، وتنظر هي الأخرى إليه . .، وكأنهما قد استرجعضين الماضي .، ويفيقان على “نحنحة” محمود وهو بقول ..
محمود:- إيه.؟!! وصلتوا لغين .؟!! عارفين إنكم رايدين بعض .، بس يا عم .. يا للأعلى خيرت الله .. ألف مبروك وحانعتبروها خطوبة من جديد.!!
راغب:- (فكأنه وجد ما يدخل السرور على نظيره) .. والله فكره .. قومي يا نظيره يا للا بللي الشربات .، آدى الجمل وآدى الجمّال .. يا للا بقرو الفاتحة.!!
(وقبل أن تبدأ قراءة الفاتحة تتبرى عواطف وكأنها وجدت فرصتها لتتشرط فقالت . .،
عواطف:- (وهي ترفع سبابتها) بس على شرط يا خالي.!! .. ما حدش يقوللي. بطلي من الشغل. !! ولاحتى بعد الجواز .!! (بحسم) ما شي يا عم كمال.؟!!
(وينظر كمال إلى عمه راغب .. وإلى محمود .، وكأنه يستأذنهم في الموافقة على شرط عواطف هذا .. فيفهمان ذلك .، ويشيران إليه برأسيهما بالموافقة. !!، فينطلق كمال بفرحة شديدة قائلا .. .
كمال :- (وكأنه يهلك) ما شي يا عم خلاص – بس بعد إذن عمي .. لازم كمان نستعجلو كتب الكتاب والدخله، وما حدش يقول عاد بعد ما تخلص الكلية.!1
-وتنظر عواطف إلى كمال وكأنها قد أعجبها تلهفه عليها بهذه الطريقة.!! فتبتسم .. وتقوم”مكسوفة” إلى الداخل بينما يلاحقها محمود بنظراته وهو بطلب منها أن تأتي .. بالشربات .، وينظر راغب إلى شقيقته نظيره فنجدها تضع يدها تحت خدّها سامة كأنها لم تفرع لهذا الموضوع.!! فبقول لها مستفسراً ..
راغب:- (في تساؤل) ما لك يانظيره يا ختي … فيه إيه بس.؟! ياختي ما تعوليش الهم كده من دلوك. ساعتها يحلها ربنه .. خلبها على الله وقولي يا رب.!!
وتنطلق “زعرووة” من عفاف القادمة من الداخل “بصينية الشربات” .. ويقرأ الجميع الفاتحة .، ويتسل الفرح متخفياً إلى .. قلب نظيره.
* * * * *
تعود عواطف إلى عملها في محل “الحاج سعيد السوهاجي” .. الذي يفرح بعودتها، وخصوصاً بعد أن نالت رضا أهلها، وحكت له عن خطوبتها لكمال ابن خالها كاظم … مما زاد اطمئنان الرجل لها .. وعليها.!، وضاعفت هي من جهدها في المحل حتى قاربت البضاعة على النفاذ نهائياً .، وجلست عواطف بجوار المكتب تكلم الحاج سعيد وهي في حيرة ساهمة .. قائلة .،
عواطف :- (في حيره) وبعدين يا عم الحاج.!! والبضاعة خلاص – قربت تخلص .. والتبارين اتكشفت خالص. !! لازم يكون فيه حل وبخيبو بضاعة جديدة.!!
الحاج سعيد :- (بتأثر شديد وحيره ) .. والله ما نا عارف أقولك إيه يا عواطف يا بنتي .. ما حدش راضي بتعامل معانا عالحساب ومش عارف اعمل إيه.!!
عواطف: (بحماس) يا عم الحاج دا الزباين بدأت رجلها تاخد عالمطرح .!!. حانسكتو كده .. ونسيبو المحل فاضي.؟!!
الحاج سعيد:- (بحيرة ويأس) .. إه.!! يدبرها ربنه .. حا عمل إيه. ؟1
-وعقب عودتها آخر اليوم – جلست عواطف تحكي لأمها واختها عفاف- شارحة لهم حال المحل – وحال الحاج سعيد .، وأبدت لهن رغبتها في أن يتقف بجانب هذا الرجل ولا تتركه هكذا !، ولكن عفاف لمحت في عيني أختها عواطف ولسان حالها .. أنها – أي عواطف- تريد أن تستغل هذا الوضع لصالحها .، وترى فيه مصلحتها .. وفرصتها ..! ليكن .، وكانت عواطف قد أدخرت من عملها بنسبة الخمسة بالمائة – مبلغاً، وكانت تعلم أن عفاف أيضا قد أدخرت مبلغا من عملها بالموسكي”، بالإضافة إلى المبلغ الذي تعلم عواطف أن عفاف قد أدتت به من الصعيد “رأس مال” عملها كبائعة “حليبة” مع “الحاجة بخيته” .، وكان مبلغاً كبيراً في وقتها .. حتى أصبح معها الآن ما يزيد على الثلاثة آلاف جنيه.!!، وبسرعة عرضت عواطف على أمها أن تبيع “الكردان الذهبي” “والغوايش” .. فهم يساوون أكثر من ألفين جنيه أيضا في ذلك الوقت . .، أي أنها تستطيع جميع مبلغ خمسة آلاف جنيه، وتستطيع أن تدفع هذا المبلغ لأحد أصحاب المصانع الذي تعرفت عليه أثناء عملها كمقدم للبضاعة .. وتكتب له شيكات أو كمبيالات بالباقي على نفسها بضمان شراكتها في المحل– لو اقنعت الحاج سعيد بذلك.!! لتشارك الحاج سعيد في أرباح هذه البضاعة بعد تصريفها .، وسوف تعرض أختها وأمها عن هذا المبالغ وعليها الزيادة … وفي أقرب وقت ..!!
وعارضت نظيره هذه الفكرة أولا. متمسكة “بمصاغها” الذي خرجت به من الدنيا .. بعد أن جار عليها أخوها كاظم، وأنها تحتفظ بهذا “المصاغ” لحين زواج ابنتيها عفاف وعواطف، فكيف تفرط فيه الآن.؟!! لكن عواطف تغلبت على أمها وشرحتلها كيف أنها ستربح كثيراً من هذا الموضوع .، وأنها ستضاعف لها هذا “الصاغ” ، ورأت نظيره أن عفاف أيضا توافق على رأي عواطف.!! بل أبدت وأبدت استعدادها لوضع المبلغ الذي تملكه هي الأخرى- حصيلة شقاء عمرها الماضي كله- مع عواطف، وفي اليوم التالي ذهبت عواطف إلى المحل واستطاعت اقناع الحاج سعيد بأن تقوم هي بجلب البضاعة بمعرفتها للمحل وأنها ستدفع النصف مقدماً – خمسة آلاف جنيه، وتكتب بالباقي كمبيالات على نفسها .. وبذلك ستأتي للمحل ببضاعة بمبلغ عشرة آلاف، وذلك في نظير أن يكون نصيبها في الأرباح النصف بالتمام والكمال. !! فهي التي ستأتي بالبضاعة الإضافة إلى مجهودها في البيع والإدارة والتسويق و .. و … ويأخذ الحاج سعيد النصف مقابل المحل فقط.!!، ووافق الحاج سعيد على رأي عواطف وكتب لها عقداً بذلك وسجله لها بالشهر العقاري.!! بعد أن كانت عواطف قد ذهبت ومعها أختها عفاف و”بالخمسة آلاف جنيه” إلى أحد أصحاب المصانع وعرضت عليه الموضوع . .، فما كان من الرجل الذي صاحب المصانع إلى أن أقسم أن يعطيها بضاعة بمبلغ “خمسة عشر ألف جنيه” .. حيث قد علم الكثير عنها وعن شطارتها وفصاحتها في البيع و ..و .. .، !! وتوقع له على كمبيالات بمبلغ العشرة آلاف الباقية .، وزيادة في الجدية أطلعته على العقد المبرم بينها وبين الحاج سعيد بشراكتها في أرباح المحل مما زاد ثقة الرجل فيها واطمئنانه لها . .، واطلبت عواطف أن يوافيها الرجل بالبضاعة في خلال شهر على الأكثر .. ريثما. كون قد أعدت المحل وهيأته من جديد.!! ، وذهبت عواطف مع أمها وأختها إلى خالها وأطلعته على الموضوع .. فما كان منه إلا أن أعطاها مبلغ ألفين جنيه – بكل سرور – لتقوم بتغيير وتجديد” ديكورات ” المحل وبعضه أثاثه، ودهان الضارين والواجهه بألوان جذابه، و … و … ،
ووقفت سيارة نقل كبير أمام المحل وأنزلت بضائع جديدة كثيرة، جعلت المحل يعود إلى سائق عصره، وخرج الحاج سعيد بذلك، ووافقها على إقامة حفل افتتاح للمحل من جديد.!! ، حتى تسائل أصحاب المحلات في الشارع الكبير … ماذا حدث.؟!! ودارت عجلة البيع، وأقنعت عواطف أختها عفاف بترك عملها في شارع الموسكي لتأت معها لتساندها في المحل .. فوافقت عفاف واستمعت إليها جيداً وهي تدربها على فن بيع الأحذية، إضافة إلى أن عفاف هي الأخرى بائعة محترفة .، وجلس الحاج سعيد على “خزينة التحصيل” فقط وترك الأمور لعواطف . وأختها عفاف.!! ودارت عجلة الأزدهار بالمحل.
* * * * *
كانت عفاف قد سبقت في البحث عن عمل – بعد أن ا قتنعت أمها .. وصرحت لها هي وعواطف أن تبحث كل منها عن عمل يناسبها .، كانت عفاف قد ذهبت إلى شارع “الموسكي “، وهناك أخذت تتمشى بجوا رالمحلات التي تبيع قطع الأقمشة المزركشة و”الجلاليب الحريمي” المذهبة التي تحبها السائحات اللائي يرتدن هذه المنطقة الأثرية، ويتها فتن على مثل هذه الأشياء والملابس “البيئية” التي يعتبرنها من الأزياء الأثرية للشعب المصري القديم. !!، وتذكرت عفاف أيام أن كانتتذهب إلى “مولد أبا الحجاج الأقصري” في مدينة الأقصر الأتربة في جنوب الصعيد .. ، وكانت قد تعلمت من البائعين والبائعات هناك بعض الكلمات الأجنبية التي يتعامل بها هؤلاء مع الأجانب .، ورأت على ذهنها فكرة جريئة .. فدخلت أحد هذه المحلات التي تسمى “البازارات” واشترت لنفسها. “جلابية” طويلة من هذا النوع المزركش ومعه قطعة من نفس نوع القماش طويلة مثل “الشال” الرجالي .، ودخلت المكان المخصص” بالبازار ” لقياس الملابس وخلعت ملابسها الخارجية وليست هذه “الجلابية”، وبعد أن أطلقت شعرها الأسود الطويل يسترسل على كتفيها – عففت رأسها بقطعة القماش تاركة طرفها الطويل لتلقيه على كتفيها فوق شعرها ..!!، ونظرت … إلى نفسها في المرآة وراحت تلف حول نفسها، ولما كانت عفاف بطبيعتها ممشوقة القوام رائعة الجمال فقد بدت في هذا الزي كأنه ملكة فرعونية ،وخرجت لتقف أمام “البازار” مستغرضة ذلك الزي مما لفت أنظار المارة من الأجانب .. بل ومن المصريات اللائي يتهافتن على مثل هذه الأشياء المغايرة.!!، وتنظر عفاف في أعين السائحات وهي تشير إلى الزي الذي تلبسه قائلة “هاندميد .. إن أبر أيجبت.” .. !! وتنبره السائمة .. فتأخذها عفاف إلى داخل المحل أو “البازار” .. لتشتري لها مثله، ولم تتأفف في أن تحديدها لتأخذ البقشيش من يد “الزبونه” … أو يد صاحب “البازار”
عن هذا العمل .!!، وهكذا .. ظلت عفاف تجتذب كل من تقع عينها عليهاوهي بالزي … حتى تعجب صاحب المحل من هذه الفتاة التي ابتكرت أسلوباً في فن البيع جعلها تبيع في اليوم الواحد أكثر مما يبيعه هو وعماله داخل المحل .، ونادي صاحب المحل على عفاف وسألها عن حكايتها فقالت له أنها بائعة محترفة وكانت “حلبية” تبيع في الأسواق والموالد مثل هذه “الجلاليب” والأقمشة .، وبسرعة تعاقد صاحب المحل معها على نسبة من ثمن كل قطعة تبيعها، وفي غضون أيام أصبحت عفاف محط أنظار البائعين وأصحاب “البازارات ” في شارع الموسكي بأكمله .، وتهافتت عليها العروض من أصحاب هذه المحلات، وعرضوا عليها نسبة أكبر في المبيعات، حتى لم يجد صاحب المحل الأول بداً من أن يخصص لها جانباً بخوارق المحل، وأعطاها “فرش” خاص بها تعرض عليه ما تريد من البضاعة وتبيعها لحسابها ثم نقوم بتوريد ثمن ما تبيعه آخر النهار بعد أن تخصم عمولتها أو هامش ربحها بالحلال .، وارتضت عفاف بذلك .. ورأت فيه حرية لها وبداية حسنة.!!، وأصبحت تعود إلى أمها آخر اليوم ومعها العشرة والاثنى عشر والخمسة عشر جنيها .. في حين كان البائع في أي محل لا يأخذ – في ذلك الوقت – أكثر من مائة جنيه مثلا في الشهر .!!، وشيئا فشيئاً فكرت عفاف واقنعت أمها بأن تأتي لها ببعض هذه الأقمشة و”الجلاليب”- من النوع الرخيص نسبياً – لتبيعها هي – أي نظيره- إلى الجيران والمعارف.!!، وشيئا فشيئاً فكرت عفاف وأقنعت أمها أيضا بأن تتركها لتذهب إلى بورسعيد في يوم عطلة شارع الموسكي، وكانت بورسعيد قد أصبحت منطقةحرة، وتأتي بمثل هذه البضائع بأثمان رخيصة جداً لتبيعها بالقاهرة سواء بمعرفتها أو بمعرفة أمها – ودارت عجلة الأرباح . .، إلى أن حصل موضوع عواطف ومشاركتها في محل الحاج سعيد للأحذية، فحينها طلبت عواطف من عفاف أن تساعدها في المحل فوافقت عفاف ووضعت يدها في يد أختها المحل وتركت شارع الموسكي.
كان كمال بعد إعادة خطبته لعواطف على يدعمه راغب قد زاد في معدل زياراته لها في شقة أمها تارة وفي المحل تارة أخرى، بل كان كثيراً ما يأخذها – بعد إذن عمته نظيره – في يوم العطلة الأسبوعية ويذهبا لقضاء اليوم في نزهة على شاطئ النيل أو في حديقة الحيوان أو في القناطر الخيرية .. وهكذا . .، وكأن هذا الوضع لم يكن مريحا لنظيره أو للاستاذ راغب … مما جعل الأخير بفكر في سرعة إتمام زواج عواطف بكمال في أسرع وقت ممكن، ولماذا التأجيل وهو يري فورة الشباب تجتذب كل منهما إلى حد الخوف عليهما، ولكن كمال لم يكن يملك ما يجهز به مسكنا للزوجة ..!! فما الحل.؟! ،وكان راغب قد تجشم وتكفل بكل تكاليف سكن أخته نظيرة وابنتها منذ فترة بسيطة وهذا لأنها أخته التي لا تملك شيئاً بعد ضياع ميراثها وموت زوجها .، ولكن الوضع مع كمال مختلف ، فهو ابن كاظم الذي ، ومن غير المعقول أن يتجشم هو – أي راغب – بتكاليف زواجه أيضا.!!، وفكر راغب واتفق مع كمال . .، واتصل بكاظم يشكو له من كمال.!! ويحذره من عودته إلى عواطف التي يتقرب إليها هذا بالقاهرة مرة أخرى، وأنه –أي راغب- يريد أن يبعده عنها بأي شكل !!، وأنه قد يفكر أن يشترى لكمال عقد عمل بالكويت في أسرع وقت ليسافر وبنساها .، ولكن هذا الموضوع سيحتاج إلى مبلغ خمسة آلاف حين بخلاف مصروفات الأوراق والسفر وخلافه.!! وأنه كان على استعداد لإعطاء كمال هذا المبلغ لولا أن كمال نفسه رفضه وقال أن والده أولى بدفع هذا المبلغ !!، وسرعان ما انطلت هذه الحيلة على كظم وقام بإرسال حواله بريدية بمبلغ سبعة آلاف جنيه باسم كمال على أقرب مكتب بريد له بالقاهرة ليسافر وليبتعد عن عواطف.!!
واستان كمال المبلغ، وبدأ رحلة البحث عن شقة، وبالمصادفة كانت الشقة المجاورة لشقة نظيرة ” بالمساكن الشعبية بميدان فيكتوريا” قد عرضها صاحبها أو شاغلها للبيع أو التنازل ،وطلب فيها مبلغ ثلاثة آلاف جنيه، وفوراً وحدها كمال فرصة .. فدفع المبلغ للرجل وكتب التنازل باسم “عواطف همام الفاوي” .. وقدم لها هذا العقد كمهر لها .. وعلى هذا … ثم عقد القرآن، وسارع كمال في العمل على تجهيز الشقة بالأثاث وغير ذلك وفي غضون أقل من شهر وهو يجلس بسرعة إتمام الزفاف.
كان سالمة همام القاوي – الذي سافر إلى العراق منذ ما يقرب من سبع سنوات الآن – يراسل والدهكل بضعة شهور ليطمئن على أحواله فيرد عليه والده فوراً ليطمئنه .، ولكن هنا هي قد مرت فترة أكثر من ستة شهور على آخر خطاب أرسله سالم – ولم يقلق الرد عليه من والده همام.!! فلعل المانع خير!! وتوجس سالم فأرسل إلى أحد أقاربهم” بعرب الدويرة”،الذي أرسل إليه يخبره بما حدث لوالده على يد “حمدان أبوالعين”، كما أشبع أيامها.!!، وكذلك بعودة عفاف أخته من أبيه التي عادت بعد ستة عشر عاماً من توهتها.!!، وكذلك سفر نظيرة وابنتيها عواطف وعفاف عند أخيها راغب بالقاهرة لتعيش هناك بعد مقتل زوجها همام وضياع ميراثها عند أختها كاظم.!!
وإذن فقد علم سالم بما حدث .. ولكن كان ذلك بعد مرور أكثر من عام على هذه الأحداث التي أعقبها سفر نظيره بابنيتها للقاهرة.
وكان قد اقترب موعد زفاف كمال وعواطف، والأهل مشغولون بالتجهيز له حينما وصل سالم إلى القاهرة عائداً من العراق تواً. !! وكان من الطبيعي أن يشتاق لرؤية أختيه وأرملة والده نظيره .، وكان يعلم من خطابات والده أن الأستاذ راغب أصبح أستاذا بالمعهد العالي للخدمة الاجتماعية بالقاهرة .، وإذن لابد أن يذهب إليه أولا بالمعهد ليعرف منه عنوان اختيه وأرملة والده .، ولكن الأستاذ راغب قبل أن يعطيه العنوان .. أراد أن يزف إليه خبراً سعيداً فقال له عن تمام عقد قران عواطف أخته وقرب زفافها على كمال كاظم .، وبدلا من أن يفرح سالم لهذا الخبر – فوجئ راغب بأن سالم قد تغير لون وجهه وغضب غضباً شديداً.!! وأقسم أنه لن يحضر لها زفافا ولا فرحاً.!!، إذ كيف يتم عقد قرانها وزفافها في غيبته وهو الأخر الوحيد لها والمسئول عنها بعد وفاة والدهما.؟!! ولمينتظر سالم حتى لكي يفهم من الأستاذ راغب ما حدث أو عن الظروف التي مرت بهن.!! وتركه سالم وعاد غاضباً دون حتى أن يزورهن ليذهب فور وصوله “عرب الدوايرة” إلى الحاج كاظم ليشكو له من كمال ولده الذي عق قانه على أخته عواطف دون أن يعمل حسابا لغيبته .. فهل هذه هي الأصول.؟!
ويثور كاظم .. ويرغي ويزيد ، ويتصل فوراً بأخيه راغب مهدداً بقطع صلته به مدى الحياة .، ويبدي راغب كثيراً من الأعذار، وأن كمال هو الذي بعد أن استلم بنفسه المبلغ الذي أرسله كاظم ليشتري عقد العمل بالكويت – قام بعمل كل ذلك من وراءه ولم يأخذ رأيه. !!، ولكن كاظم لم يقتنع .، وتفتق ذهن الحاجه كوز- زوجته القديمة- عن فكرة أرتها إليه في هذا الخصوص، وعليها أمر كاظم زوجته صفية –أم كمال- أن تذهب فوراً إلى القاهرة قبل إتمام الزواج وتقول لهم هناك أنها كانت قد أرضعت عواطفعلى كمال حينما كانت عواطف طفلة تأتي بها أمها إلى دارهم بعرب الدوايره.!! وبذلك تكون عواطف أخت كمال في الرضاعة ولا يجوز له أن يتزوجها.!! وأقسم كاظم على زوجته صفية “بالطلاق”. إذا لم تذهب وتقول لهم هناك هذا الكلام قبل الزفاف .، وبالفعل ذهبت صفية ونزلت على بيت الأستاذ راغب بالقاهرة، وقالت له .، وقالت بعده لنظيره .. ولجميع الموجودين ما قاله لها كاظم صرفيا .. بأنها كانت قد أرضعت عواطف على كمال.
وبذلك هو محرمة عليه لأنها أخته في الرضاعة.؟؟، ورغم حزن صفيه لاضطرارها الكذب .. إلا أنها قد شعرت بأنها قد ألقت من على كاهلها حملا ثقيلاً بعد أن قالت هذه الغربة حيث كانت مضطرة لأن تكون بارة بقسم زوجهاعليها بالطلاق.!!، وأصبحت الآن في حل من هذا القسم، فقد أقسم عليها أن تأتي إليهم وتقول لهم .. وها قد أنت وقالت، وارتاحت !!، ولكن عواطف العتيدة لم تقتنع بكلام صفيه.!!، فأخذت معها أختها عفاف وذهبت إلى شيخ الجامع القريب منهم لتحكي له وتسأله في هذا الموضوع . .، وأفتى الشيخ بناءاً على حكايتها ببطلان هذا الزواج، وأنه لابد من فسخ العقد فوراً قبل الزفاف.!!، وأنهارت عواطف ، وسقطت مغشيا عليها، وحملوها إلى المستشفى .، وهناك طلب الطبيب أقرب الناس إليها من الموجودين فتقدمت عفاف أختها. فصارحها الطبيب بأن عواطف هذه تعاني من انهيار عصبي شديد .، ولابد من حل المشكلة التي سببت لها هذا الانهيار لكي تتماثل للشفاء ..!!، وكادت عفاف هي الأخرى تنهار .. لولا أنها تماسكت، ودخلت فوراً إلى أختها عواطف لتجلس إلى جوارها وتلاطفها وتسألها مالها.؟!! وما هذا الذي حدث لها.!! وتفاجئ عفاف بأن عواطف تحكى لها أنها كانت تحلم بحلمها القديم الذي كانت ترى فيه خالها كاظم وهو يجرى وراءها ليأخذ منها حذاءها الجديد ويتركها حافية على الرمال الساخنة عند “بير العين” وهي تصرخ ..!!
وخرجت عفاف لتسألها صفية في لهفة ..” ما لها عواطف بعد الشر”.؟! لترد عليها عفاف بأن عواطف قد أصابها انهيار عصبي – كما قال لها الطبيب – بسبب ما قالته هي – أي صفية – عن حكاية ارضاعها .، فهي بذلك قد حرَّمت عليها خطيبها الذي تحبه من صغرها .. كمال.!!
وتأثرت صفية لهذا وبكت .، ولاحظت عفاف بذكائها أن صفية تبدو وكأنها نادمة على ما قالت.!!، واختلت عفاف بصفية واستحلفتها أن تقول لها الحقيقة في موضوع الرضاعة هذا الذي قالته وتسبب في كل هذه المشاكل .، واستبعدت عفاف بزكائها هذا الموضوع.!!، إذ كيف أرضعت صفية عواطف على كمال وهو الذي يكبرها بست سنوات.؟!، وأنها – أي صفية لم تحمل حتى بعد كمال أبداً.!! ولم تكن مرضعا بعد فطامه أبداً، وكان ذلك حتى قبل ولادة عواطف.!! فمتى أرضعت عواطف.؟!!، واستحلفتها أن تقول الحقيقة، وذكرتها بأن الكذب في شبل هذه الأمور افتراء على الله ومعصية كبيرة حسابها عسيرا.!!، انهارت صفية، وأقرت وهي تبكي أمام عفاف بأنها ما قالت هذه الحكاية الكاذبة إلا تنفيذاً ليمين زوجها كاظم الذي حلف عليها بالطلاق أن تقول.!! وأنها تخاف أن تقول الحقيقة ربما يقع عليها بالطلاق أن تقول.!!،ولكن عفاف هدأت من روعها، واقترحت عليها أن تذهب معها إلى أحد المشايخ الفقهاء لسؤاله في هذه الحكاية الجديدة .، وأصرت صفية أن تذهب إلى كل من شيخ مسجد الحسين وشيخ مسجد السيدة زينب “رضي الله عنهما” واصطحبتها عفاف إليهما- وكان أن طمأنها كل من الشيخان بأنها لو أقرت بالحقيقة التي يجب أن تقرب بها في أقرب وقت فإنه لا يقع عليها يمين زوجها بالطلاق، لأنه أقسم عليها أن تقول حكاية الرضاعة، وها هي قد قالتها .، ثم أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق عز وجل، بل ربما يغفر الله لها كذبتها الأولى إذا أقرت بالحقيقة حيث كانت في المرة الأولى مضطرة.!!، أطمأنت صفية وأخذتها عفاف من فورها إلى ا لأستاذ راغب لتحكيها أمامه ما حدث بالتفصيل.
لم يكن الأستاذ راغب –بعد سماعه في المرة الأولى لرأي المشايخ ببطلان عقد القرآن – يستطيع الانتظار، فلم ينتظر حتى تخرج عواطف من المستشفى، وذهب فوراً وأحضر المأذون الذي عقد القرآن وأخذه إلى المستشفى، وهناك طلب المأذون من كمال أن يلقي بكلمة الطلاق ليثبت ذلك في القسيمة ويقوم بإجراءات الطلاق الرسمية. !! على أن يثبت أنه طلقها وهي ما زالت بكراً – حيث لم يدخل بها .!!، ولكن قبل أن ينطق كمال بهذه الكلمة تدخل عليهم عفاف وهي تجرى لاهثة وورائها صفية أم كمال بهذه الكلمة تدخل عليهم عفاف وهي تجرى لاهية وورائها صفية أم كمال صارخة في فرح “استنى يا كمال”..، وينظر الجميع إليها في ذهول!! ماذا حدث؟! وتنهار صفية وتنفجر بالبكار وهي تحكي أمام المأذون وأمام راغب ونظيرة وعواطف كيف أنها كانت مضطرة للكذب في المرة الأولى..، ولكن عفاف في جازاها الله خيرا..، .. وأقرن بالحقيقة كلها.، وها هي تقر أمام الجميع بأنها لم ترضع عواطف أبداً، وانسحب مأذون الطلاق وحمد الله على أن كمال لم ينطق بهذه الكلمة أمامهم.، وقال لهم مبروك .. زواج مبارك إن شاء الله.
وخرجت عواطف من المستشفى متعاقبة، وتم زفافها على كمال بعد أيام قليلة، ولكن كانت صفية في حال يرثى لها خوفاً من زوجها كاظم حينما عادتن إليه لتقسم له أنها قالت ما أراده منها ولكنهم كذبوها.!!، وأنهم يعلمون بالطبع أن كمال أكبر من عواطف بست سنوات وأنها – أي صفية – لم تحمل بعده- فكيف أرضعت عواطف ؟! وأسقط في يد كاظم. !!
مر أسبوع على الأكثر الآن على زفاف كمال وعواطف، وكان من العجيب أن يظهر عليهما الفتور بعد فورة الزفاف ، والاشتياق الذي كان على مر السنين.!!، فها هي عفاف تكاد تنفرد من كمال ولا تكاد تطيقه نفسيا ولا جسدياً.!! واحتار كمال، وظن أن أحداً يريد هدم سعادتهما فعمل لها سحراً.!! وراح يفتش في كل أرجاء الشقة والفرش عن شيئ يدلعلى هذا السحر بالنفور فلم يجد شيئاً.!! إذن ماذا حدث؟! هل أثر على عواطف هذا الانهيار العصبي الذي أصابها قبل الزواج إلى هذا الحد؟!، وسدّ كمال عليها أسبوعاً آخر.، ولكنه لم يطق كثيراً أن يبقى على هذا الحال حتى زهد هو الآخر فيها،!!، وشيئاً فشيئاً.. أخذ كمال بتعلل بأنه لا يستطيع أن يرى زوجته عواطف تعمل في محل الأحذية الذي تشارك في أرباحه بالنصف !! وهو الرجل ولا يملك سوى مرتبه من وظيفته الصغيرة.!! وأخذ يلح من جديد على عمه راغب أن يدبر له مبلغا يشتري به عقداً للعمل بالكويت.!! وزاد الحاجة وإصراره هذه المرة.!!، وتعجب راغب الذي لا يعلم السبب الحقيقي وراء هذا الإلحاح.!!، ولم يكن أحد يعلم بان كمال يعاني من صدمته الكبيرة في عواطف، ولكنه لم يكن يستطيع التصريح بشيئ.!! فماذا يقول.!! ومن يصدق أن عواطف ابنه عمته وحبيبته التي تربى معها يحبها منذ الصغر لا تطيفه زوجاً.؟!!
وكانت تعاف هي الوحيدة التي تعرف ما أصاب عواطف حيث قال لها الطبيب بالمستشفى أن عواطف تعافى من صدمته أعقبها انهيار عصبي حاد، ولابد أنها- أي عواطف- تعاني من عقدة نفسية قديمة ..!! ولم تفهم عفاف في حينها مايعني الطبيب بالعقدة النفسية.. بل ظنت أن الانهيار العصبي كان بسبب ما قالته “صفية” أم كمال عن موضوع الرضاعة وأن عواطف قد انهارت خوفا من حرمانها من كمال الذي تحبه.!!، وتعجبت عفاف من حال كمال الذي بين وعليه الضجر والسأم دائماً.!! وكانت عفاف رقيقة المشاعر وحساسة إلى الدرجة التي جعلتها لا تستطيع السكوت وهي ترى كمال وقد ارتسمت على وجهه النعاسة منذ أن تزوج عواطف.!! وراحت عفاف تتحين الفرص السانحة لكي نسأله. وتحاوره وتداوره حتىعلمت منه أن عواطف تعامله معاملة سيئة للغاية.!!، وأنها لا تطبق النوم بجواره في الفراش من بعد الأسبوع الأول لزفافهما.!!، وأنه رأي كمال- يشك في أن عواطف لم تكن تجبه لشخصه، وأنها كانت تحرص على الزواج منه لكي تنتقم من والده كاظم الذي حمام أمها نظيره من ميراثها.!! بل أصبح يشك بأن هذه هي العقدة النفسية التي سببت لها الانهيار العصبي قبل الزواج.. وليس شيئ آخر.!!.
ووجدت عفاف نفسها تتعاطف مع كمال وتصدقه.!! بل كانت تتعجب كثيراً حينما ينظر إليها كمال وكأنه يعاتبها على أنها سعت إلى اعتراف أمه بالحقيقة حتى يتم الزواج.!! وتعجبت عفاف أكثر وأكثر حينما تذكرت هذه الأفكار التي كانت تتوارد على خاطرها كثيراً منذ أن عرفت كمال وكانت تطردها من ذهنها فوراً لأنه خطيب أختها عواطف التي يحبها.!! ثم من هي حتى تنظر إلى كمال.؟! إنها كانت إلى وقت قريب “بائعة حلبية” في الأسواق لولا الصدفة والظروف التي أعادتها إلى أهل، منذ وقت قريب.!! ولكن وجهت نفسها تكاد تنقطع حزناً على كمال وحاله الأخيرة.!!
فقد كانت ترى فيه “الجوع الطيب” ابن الحلال الهادئ الرزين المؤدب الذي يستحق كل خير .!! ووجدت نفسها في حالة غيظ وحنق شديد من تسلط عواطف وعجز فيها وتصرف في التي لا تخلو من الكبر.!!، ولكنه النصيب.!! ثم لماذا كل هذا الكبر؟! ألأن عواطف هذه أصبحت في السنة النهائية وعلى مشارف الحصول على كلية ا لحقوق؟! فكمال هو الآخر يحمل بكالوريوس “قد الدنيا”.. !! أم لأنها – أي عواطف- قد أصبحت تلك نصف الأرباح في محل الحاج سعيد للأحذية ؟!، فهو الأخرى في النهاية ابن كاظم الدويري الوجيه الثري.!! ثم هل نسيبت عواطف أن شراكتها في المحل كانت بمساعدتها هي حينما أعطيتها رأس مالها كله- الثلاثة آلاف جنيه-، وبمساعدة أمها حين باعت لها وصاغها كله.؟!!، وهكذا وجدت عفاف نفسها تعذر كمال وتتعاطف معه في الحاجة على السفر إلى الكويت. !! لعل هذا السفر يكون مخرجاً له من حالته التي قد تصل به إلى ما لا يحن عقباه.!!
وقررت عفاف أن تساعد كمال في حصوله على المبلغ الذي يريده لشراء عقد العمل بالكويت.، وفعلا طلبت من عواطف مبلغ الثلاثة آلاف جنيه التي كانت قد دفعتهم لهاعند شراكتها في المحل.، وقالت لعواطف أنها لم تتوائم مع هذا العمل وتريد أن تعود إلى عملها، في شارع الموسكي.!! ولم تجد عواطف بداً حيال إلحاح عفاف.. فدبرت لها مبلغ ألفين جينه وأمهلتها بالباقي، وفي سرية تامة أعطت عفاف المبلغ لكمال الذي شكرها على هذا الصنيع، وأكمل باقي ما يلزمه من عمه راغب وحصل على عقد العلم، وسافر إلى الكويت. ولم يكن قد مضى على زواجه من عواطف أكثر من شرين!!، وعادت عفاف إلى شارع الموسكي، وعادت عواطف لتباشر عملها في محل الأحذية بمفردها مع الحاج سعيد، ولم تلح حتى في بقاء أختها معها – حيث جلبت بمعرفتها فتة أخرى تعمل معها بالمحل.!!، وانخرطت عواطف في تجارتها التي ازدهرت وزادت أرباحها، وحصلت على الليسانس.، ويتوسط لها خالها راغب للعمل بالإدارة القانونية لنفس الشركة التي يعمل بها محمود.، ولم يكن قد مضى على زفافها أكثر من تسعة أشهر حتى أنجبت ابنها “عادل” الذي لم يره أبوه كمال الغائب بالكويت، والذي لم يكن قد أرسل حتى الآن عنوانه هناك حتى ليرسلوا له خبر ولادة “عادل” أو صورته.!!، وانشغلت عواطف بابنها ووظيفتها وتجارتها، ولم تعد تفكر حتى في غياب كمال الذي انقطع عنها منذ سفره.!!، وكأنها حتى لم تشعر بفراقه أو الحنين إليه!! وبذلك اتضح لها جلياً أنها لم تكن تحبه حباً حقيقياً كأنثى .!! وإنما كانت منذ الصغر تحب حبه لها وتعلقه بها.!!، فقد كانت دائما تختلف معه في آرائه التي كان هو يبررها على أنها من حسن الخلق.، وفي حين كانت هي تراها ضعفاً وسلبية.!! وقد كانا في فترة خطوبتهما. لا يلقيان على رأي فهي العنيدة إلى حد التسلط والفظاظة، وكان هو طيب القلب حنوناً إلى حد الضعف والسلبية.!!، ولذا اكتشف كل منهما الآخر، وأن حبهما هذا لم يكن إلا تعوداً قد تعود عليه كل منهما تجاه الآخر منذ الصغر.!! ولكن رغم هذا فقد كان لكل منهما مبرراته لحرصه على إتمام الزواج. ولكن في داخله.!! فالنسبة لعواطف كان موقف خالها كاظم الرافضة لزواجها من ابنه دافعاً لها –عناداً- لكي تجتذب كمال إليها ولا تجعهل يفكر في طاعة والده بتركها.!!، فقد اعتبرت زواجها من كمال معركتهات مع خالها أولاً.!!، ولابد أن تنتصر فهيا وتثبت له أنا الفقيرة بنت الفقير همام القاوي.. هي التي يجرى ورائها ابنه ولا بأبه بكلام أبيه حتى لو حرمه من الميراث كما قال.!! ناهيك من أصلها في الأرض والبتي الكبير الذي طالما كانت تقارن بينه وبين شقتهم بالمساكن الشعبية بالبندر بالصعيد.!!، ومعاناتها من هذه المقارنة إلى حد العقدة النفسية التي لازمتها.!!، أما بالنسبة لكمال فكان يرى في عواطف النموج “الجمالي” والثقافي والعائلي الذي كان يتمناه، والذي هو في محيطه وقريب منه، فهي ابنة عمته..، وإن كان لا يرتاح لبعض تصرفاتها وشخصيتها الطاغية.، ولكنه كان دائما ما يتغاضي عن تصرفاتها المستفزة مقتنعاً بأنه بعد الزواج سوف يكون هو رجلها الذي سيقبض على زوحامها ويفرض عليها الالتزام بما يراه في كل تصرفاتها.!!، ثم أنه كان منذ الصغر يجب انتظار هالة وتعلقها به ولعبها معه وتعودها عليه.، ولم يفكر كثيراً ويهتم بما إذا كان ما بينهما هذا حبا حقيقياً بين شاب وفتاة يقبلان على الزواج. أم أنه حباً وجده جاهزاً في طريقه فأمسك به خيفة أن يفلت منه ولا يضمن أن يجد بعد ذلك غيره .!!، والدليل على أن هذا الاجتماعي الأخير هو الأصح. ما كان يحسه في داخله حينما ينظر إلى عفاف بعد عودتها.. وهي العائدة من “توهتها” قريبا ولم يكن بينهما تعود.!! بل كثيراً ما كان يطرد من ذهنه أفكاراً أزواجه بأن ليت عفاف هي التي أحبها قبل أن يجب عواطف.!!، بل ليت عفاف بطباعها وحسن معاملتها وطيبتها.. هي التي كانت موجودة معه من صغرها .. وكانت عواطف هي التي “تاهت”.!!
كان كمال كثيراً ما يفكر في مواقف عفاف معه، ولكنهكان يصر على طرد هذا التفكير من ذهنه حتى لا يتطور.، فهو الآن زوج أختها ولا يحق له مجرد التفكير فيها.. إلا على أنها بأبنة عمته التي يكن لها كل الحب والتقدير كأخت له.!!، وكما كانت عفاف بالضبط تطرد شعورها المماثل نحو كمال زوج أختها.، وكثيراً ما كانت تحاول اقناع نفسها بأنه بمثابة أخيها الغالي.!! وآه حين تذكرت أخيها الغائب الذي سمعت عنه ولم تره حتى الآن.. سالم.!! إنه لا يتعلم هو الآخر كم تعاني عفاف من بعده عنها وعدم سؤاله عليها حتى بعد عودة من العراق وعلمه من الأستاذ وبعقد قرآن عواطف ولابد أنه علم بالطبع- بعودتها.!! وقد يكون قد سافر مرة أخرى إلى العراق دون أن تراه ، فهي لم تكن تعلم، ولا يعلم أحد فمن هم بالقاهرة من الأهل بأن سالم لم يسافر بعد.،
ومازال يعرف بالدوايرة.. يبحث في ثأر أبيه.!!، وهي هو كمال قد ذهب إلى الكويت هو الآخر، وهكذا انشغل قلب عفاف بالغائبين .. ساع وكمال.!!
كان نبيل ابن الحاج سعيد السوهاجي قد قربي وحيداً مدللا..، حتى أنه منذ التحق بكلية الهندسة بجامعة القاهرة لم يكن في ذهنه التعليم من أجل التعليم أو المستقبل.!!، بل كان كل همه أن يعيش حياته مع أمثاله من الطلبة والطالبات ويستمتع بشبابه اللاهي، وكان أكثر ما يشغله هو الحصول من والديه على كل ما يستطيع أخذه منهم من المال حتى ولو من وراء ظهر أبيه المسن.!!، والذي أنجبه على كبر.!!، وانخرط نبيل مع “الشلة” الفاسدة من قرنائه الذين لاهم لهم إلا اللهو والسهر والرحلات اللاهية، وقد كانوا جميعهم من نوع الشباب – من الجنسين- الذي لاهم لهم سوى الظهرو بمظهر الثراء. واللامبالاة، وكأن شيئا لا يعينهم مما يجرى حولهم. !! وفي ذلك الوقت كانت قد بدأت رياح الغرب العاتية تهب على ذلك الجيل حاملة في ثناياها حبوب اللقاح لما يسمى “بالعولمة”..، وتفتحت زهور “الرأسمالية الجديدة” مع كل ما يصاحبها من طنطنات الإعلام “الانفتاحي” وأصبح السؤال الملح على أزهان الشباب هو “كيف تصبح مليونيراً” ، وفي أسرع وقت 10، وأصبح المبدأ لميكافيللي” بأن الغةي تبرر الوسيلة هو المبدأ السائدين الشباب في هذه الفترة.
في هذا الجو وهذه المفاهيم قضى نبيل فترة دراسته التي طالت قبل حتى أن يكمل دراسته بالكلية.، وكان حينها لم يخل بالصفة الثالثة بالكلية حينما تغلق ذهنه بفكرة السفر إلى أوربا أو إلي أمريكا “أرض الأحلام”، وضب الحربات المتاحة للأفراد، والفرص التي تبدو أقرب إلى الثراء السريع.!!، وظل نبيل يفكر في الوسيلة التي يحقق بها حلمه في السفر إلى أوربا…
حتى جاءته الفرصة حينما أعطاه والده مبلغا كبيراً من المال لكي يقوم بإيداعه بالبنك سداداً للكمبيالات التي قارب ميعاد سدادها، والتي كان الحاج سعيد قد حررها علىنفسه ثمنا للبضائع التي يجلبها للمحل.،
ووجد نبيل فرصته سانحة فلم يضيعها، واستولى على المبلغ، ولم يقم بإيداعه بالبنك، وكان قد أعد نفسه وأوراقه لمثل هذه الفرصة.!!، وسافر إلى أوروبا، تاركا والده الذي لم يكن عنده سوى هذا المبلغ ليسدد به ما عليه من الكمبيالات ، مما جعل البنك يرسل الكمبيالات إلى “البروتستو”.. ، فاضطر الحاج سعيد إلى بيع البضائع الموجودة بالمحل.. أو معظمها بأسعار الخسارة لكي يسدد الكمبيالات ولا يقع تحت طائلة القانون وهو في هذه السن.!! ورغم ذلك فقد كان همه الأكبر هو معرفة مصير ابنه الوحيد الذي سرق ماله وهرب ولايدري إلى أين .!! وزاد همه وحزنه أكثر – حينما أرسل إليه نبيل بعد عدة شهور صوراً له مع فتيات أوربا حتى وإ كان كما يقول في خطابه أنه يعمل وناجح في عمله.!!، وأه سيعود قريباً ليعوض والمدد عن المبلغ الذي اضطر لأخذه، وعليه الزيادة.!!
-كانت عواطف كثيراً ما تجلس بجوار مكتب الحاج سعيد بالمحل تحادثه عن أحوال المحل والبضاعة وخلافه، وكان الرجل كثيراً ما يحلو له أن يحكي لها عن ولده نبيل الغائب في أوربا.، ويطلعها على خطاباته وصوره مع فتيات أوروبا.، وكان الرجل دائم الدعاء له بالهداية والعودة إلى مصر في أقرب وقت .!!.. إلى أن كان ذلك اليوم الذي دخل نبيل عليهما فجأة بالمحل.، ليرتمي في أحضان والده الذي كان يغمي عليه من المفاجأة.، ومن فرحته بعودة ابنه الوحيد من الغربة بعد غياب أكثر من أربع سنوات، ووقفت عواطف تنتظر دورها في السلام على نبيل – الذي طالما رأت صورته في المحل، وفي المنزل حينما كانت تزور الحاجة نادرة، وفي صورة التي أرسلها- وهو مع فتيات أوربا، ووجدته في الحقيقة أجمل وأبهي ، وأكثر نضجاً وشباباً متفجراً.!!، وعرفها الحاج لولده على أنها “عواطف” التي تعمل معه في المحل كشريكة بالأرباح وليست كعاملة.، وما أن جلسوا حتى راح الرجال يحكي لولده قصة عواطف منذ أن دخلت عليه المحل لتشتري حذاءاً- إلى أن أصبحت شريكة في المحل بالأرباح، مروراً بزواجها، وحصولها علىكلية الحقوق وعملها كمحاميه بأحدى شركات الاستثمار.. و..و..، ولكن عواطف لم تلمح اهتمامها من نبيل بهذا الكلام.. إلا حينما ذكر الرجل أن زوجها يغيب عنهامنذ أكثر من ثلاث سنوات، فقد لاحظته أثناء ذلك في عينيه لمعة غريبة وبريقا مفاجئاً.!!، وكانت قد أحست بنظرته الفاحصة لها وأحست بدفأ يده.. حينما سلم عليها وضغط على أصابعها ضغطة خفيفة تفهمها النساء.!! ومن لمعة عينيها أيضا فهم نبيل بخبرته أنه في سبيله إلى قصة غرامية جديدة، ولكن بخبرته أيضا- فهم أنها لن تكون سهلة.!!، كما فهمت هي أنها أمام “دونجوان”.!!
أصبح نبيل – وهو الذي لم يكن يميل إلى العمل في محل والده بتاتاً، ولم يأت أو يهتم حتىمنذ صغره أن يأتي إلى المحل – وأصبح بعد ذلك ياـي إلى المحل لك يوم تقريبا.!! حتى تعجب والده وإن أصبح يسره ذلك بالطبع.، بل تعجب نبيل نفسه من نفسه.!! وقال في نفسه .. لماذا كل هذا الاهتمام بتلك “الصعيدية”.. التي علم أنها متزوجة ولها ابن من زوجها الغائب .. يقارب الثلاث سنوات؟!! فهل أحب نبيل – وهو نبيل – هذه الصعيدية”.. عواطف.!! إذن هي الكارثة.!! فهو لم يكن من النوع الذي يقع في حب مثلها.!!، أو حتى في الحب عموماً، فهو الذي يوقع بالنساء في حبه ولا يقع هو فيهن.!! ولكن يبدو أن الموضوع هذه لمرة مختلف.!!
في عودة سريعة إلى قرية “عربة الدوايره”- حيث نجد الحاج كاظم الدويري يجلس على “المصطبة” أمام منزلة المواجه لترعة الفاروقية الشرقية وقد ظهرت عليه علامات الشيخوخة – فهو قد قارب على السبعين من عمره- وقد كان متماسك البنيان إلى أن جرت هذه الأحداث الأخيرة التي أثرت عليه كثيراً.. بعد أن تركه ابنه الوحيد كمال، وخصوصا بعد أن سافر إلى الكويت وانقطعت اخباره منذ أكثر من أربع سنوات الآن.، وبعد هذه الأخبار التي تصله بين الحين والآخر بأن حمدان أبوالعين”، يتربص به وينوي بل أقسم مراراً على قتله.!! وإن كان الناس لا يعلمون لذلك سبباً.. ولكنه هو يعلم السبب، فهو الذي خدعه وأخذ منه “المفروطة” وقتل بها “همام القاوي” .. والصق التهمة به – أي بحمدان- بحبله خبيثه.!، وعليه فقد كان كاظم يعيش في رعب دائم، ولا يذهب إلى مزارعه إلا نادراً، وفي وسط حراسة من أقاربه وتابعيه، وها هو يجلس الآن أمام منزله شارد الذهن حين أتي إليه “عامر” ابن مطاوع الكلاف الذي كان يعمل عنده بإخلاص قبل أن يصاب في ساقه في معركة حمدان أبوالعين مع قوة الشرطة التي ذهبت إليه لتخليص كمال.
عامر:- قره.!! مالك يا عم الحاج قاعدة حدك .. فيه حاجة؟!!
كاظم:- أصلا يا عامر .. تعالى يا ولدي.. قائما خلاص ما بقيش معاي غيرك رجاله في الدار.، وآويك بقيت عوضا عن أبوك مطاوع.
عامر:- وأنا عمري /ا أتأخر عنك يا عم الحاج.. هوّا يعني شغلي في الجمعية الزراعية بالدبلوم ده حايغنيني عنك؟! داحنا عابشين في خيرك لغاية ديوك يا عم الحاج.
كاظم:- (بتواضع مصطنع).. الخبر خبر رنبا يا ولدي.. وأدانته بقيت راجل يعتمد عليك آهه .. بس مش عارف ميتة حاتتجد عن كده..، وتجيبلي الأخبار اللي دايره في البلد زي ما كان أبوك يعمل قبل ما تنتقطع رجله بسبب ا لمخفي “حمدان”.. الله يفحمه وطرح ما هو قاعد.؟!!
عامر:- (ببساطه .. وقد فهم مقصد كاظم).. والله يا عم الحاج يعني.. ما فيش غير أخبار سالم ولد همام القاوي الله برحمته.. عا يقولوات جاي متعافي من الطرق ومعاه قرشين كأنه عاوز يشتري بهم سلاح.. قال إيه عشان يأخذ نار أبوه من “حمدان أبوالعين”.!!
كاظم:- (وقد لمعت عيناه بنشوة مفاجأة.) والله أنا قولت الواد ده حا يطلع راجل.!! طلب يا عامر يا ولدي.. ما تحط إيدك في أيده .. يمكن إنته مكان تفيش غل أبوك الي حمدان قطع رجله ده.؟!!
ويصمت عامر ولا يستطيع التعقيب بعد أن شعر بغصه شديدة في حلقة غيرت ملامح وجهه.!!، ثم راح ينظر بعيداً ليستطلع القادم على الجسر نحوهم، ويقترب القادم ليعرفه عامر فيقول في تعجب.!!
عامر:- وه.!1 باريتنا جنبا سرة حاجة مليحه.!! وادي سالم كأنه جاي علينا آهو يا عم الحاج.؟!
كاظم:- (بارتباك لا يعرف عامر سببه).. وه .. سالم ولدهم القاروي ؟!1 معاه سلاح يا عامر ولا حاجة.؟!
عامر:- وه.!! وحا يشبل سلاح وهو ! جاي على هنه ليه .؟! ما هو جاي يتقمع وكاوي الجلابيه واللاسه وفرحان بنفسه أهوه.!!
-ويدخل سالم عليهم، ويتجاهل عامر ويتجه مباشرة إلى الحاج كاظم قائلا..
سالم :- (بنيره قويه) .. سلام عليكم .. إزيك يعام الحاج كاظم.؟! (ويهم كاظم بالقيام ليسلم فيهم عليه ويمنعه من القيام وهو يقول) .. ولا والله ما نته قايم يا عم الحاج.. وإنازي ولدك رضو.. والقومة ليك ، يرضو يا عم الحاج كاظم.
كاظم:- (وهو ما زال ممسكاين سالم) كيفك ياولدي ؟! حمد الله على سلامتك من العراق.، والعمر ليك فأبوك عاد ياولدي.. (ويقول كاظم جملته الأخيرة وهو يكاد ينتخب.!! )
سالم:- (و هو يجذب يده بأنفه من يد كاظم).. وه.!! كأنك لماتعريني فأبوي قبل ماخد تاره ياعم الحاج كاظم؟!!
كاظم:- (بخبث وحزن مصطنع).. تار إيه بس يا ولدي إللي حانا خده من حمدان أبوالعين ؟!! اللي ما قدريش عليه الحكومة.؟!!
سالم:- (بغضب) واه ياعم كاظم.!! أنا قليل في نظرك وللا إيه ؟!
.. (ثم يسترسل ) … إذا كان هوه حمدان أبوالعين.. أنا برضو سالم همام القاوي .. وبكره تسمع يا عمر كاظم إني طلعتلو الجبل.، وجيبت راصه فـ حجري.. ولقيت بها البلد.. قبل ما آخذ عنها ابوي.!!
كاظم:- (بخبث) والله بابن عليك راجل صح زي ما عايقولوا يا سالم.، … يا ريتو كمال ولدي كان جنبه.. كان وقف دوراك.، وآدي انته شايف أنا كبرت وعجزت كيف يا ولدي.!!
سالم:- يا عم الحاج !! كمال فرداني ما عندكش غيره. ربنا يخليهولك – أنا وراي ناس كثيرة من عليتنا مانته عارف.
كاظم:- (بنشخة.. وكأنه شعر بالاستهانة). خش يا واد ياعامر.. خاللي .. الحاجة تعلملنا شاء .. (ثم وهو ينظر لسالم بخبث) وللاتخش يا سالم تاكولك لقمة جوه.!!
سالم:- لا يا عم .. أنا واكل وشبعان..، (ويدخل عامر إلى الدار) .
كاظم:- (باهتمام) وجلبت سلاح على كده يا سالم وللايسه؟1 .. (ثم يستطرد) أبوك يا ولدي كان حبيبي ونسيبي و.. واجب عليه أساهم في جيب تاره.! ولو عاوز حاجة قوللي يا سالم.!!
سالم:- (بثقة) خليها على الله يا عم الحاج .. مستوره والحمد لله.،
كاظم: (بتعاطف مصطنع) طيب يا ولدي ربنا معاك.، ويقدرك تجبيب تار أبوك.، عاشن تريحه في تربية يا ولدي.!!
سالم:- فاكر يا عام الحاج كاظم لما جيتلك المرة اللي فأنت من باجي أربع سنين كده وكنت زعلان من كمال عشان كتب كتابه على عواطف أختي من غير ما أكون موجود.!! أهو أيامها حبيت أخلص موضوع التار ده. بس ما لقيتش عدل.!! فسافرت الطرق تأتي .. بس المرة دي خلاص عاد …
كاظم:- (بحزن) عرفت يا سالم إنه كمال سافر الكويت بعد جوازه بشهرين يا دوب ومن يومها ما يعيش عنوانه ولا حدش يعرف عنه حاجة ؟!!، وعرفت كمان إن عواطف خلفت منه واد سنه ياجي سنتين ديوك، وابه كمال ما يعرفش عنه حاجة.. شقت النصايب يا سالم يا ولدي.
سالم:- (وهو يزفر بحزوأس) عرفت يا عم الحاج كاظم.. عرفت .!!
ويأتي عامر من الداخل بصينية الشاي، وينهمكون ثلاثتهم في الشرب في صمت.. وكأن كل منهم راح يكفر في حالة.!!
-حزم سالم أمره وذهب بمساعدة وصحبة بعض أقاربه – عن هم في مثل سنه – إلى طريق الجبل الشرقي وهو يحمل سلاحه.!1 وكانت الشمس قد غابت حيما وصل متخفياوسط الزراعات العالية إلى المكان الذي قالوا له عنه أن حمدان غالبا ما يكون مرابضا فيه بعد نزوله من الجبل يسطع الطريق على من تربهم أقدارهم العاثرة لعبور هذا الطريق من الأغنياء الذين يماطلون في دفع الزكاة.!!،وعند مفترق الطرق الذي تتوسطه النمةل الضكر” التي تتفرع من جذعها نخلة أخرى تميل على الطريق كأنها تحذر المارة من وجود حمدان.!!، يقبع سالم وسط الزراعات العالةي حول هذا المكان وقلبه يرجم من الخوف.!! لولال اطمئنانه بعض الشيئ ببعض أقاربه الذين يقبعون هم أيضاعلى بعد منه يراقبون الموقف.!! ولكن حمدان لم يظهر في هذه الليلة .!!، وظل سالم يعاود هو وأقاربه هذا المكان متخفياً .. إلى أن كان ذلك اليوم الذي جاء فيه حمدان ومعه حنا النصراني بعد غروب الشمس إلى هذا المكان، ومن بعيد يحس حمدان بحاسته أو ملاحظته لحكة غريبة بن الزراعات بأن هناك شخص ما بالقرب من مكانه الذي يقبع فيه فيشير إلى حنا الذي يفهم إشارته ويذهب على الفور ليكتشف وجود سالم.!! فيعود ضا إلى حمدان ويخبره بأنه قد رأي شخصاً يجعله سلاحاً.!! ولا بد أن هذا الشخص هو سالم همام القاوي الذي سمعوا من نيته في أخذ ثأر أبيه.!!، ويغضب حمدان وهو يجز على أسنانه غيظاً ،وينذكر ليلة مقتل همام القاوي.، والخدعة التي فعلها فيه كاظم الدويري:
حمدان: وه.!! الواد الغبي ده.. جاي لغاية هنه عشان يأخذ ثار أبوه منى ؟!! إيه – حمدان ما عادش يخوف وللا إيه..؟!
حنا النصراني: (وهو يهدئه) يا حمدان واباين علهي عيل أهوج.. ويلقي ناسه حمه ا للي زامينه على كده.
حمدان: (وهو يفكر) .. وليه منقولش يا حنه… إن كاظم الدويري هوه اللي زاقه .. ويمكن هوه اللي اشترالو السالح كمان.!!
حنا: (إن يتذكر) آه .. كاظم الدويري.!! والله ممكن صح يا حمدان.!!
حمدان:- (فكأنه يفسر وجه نظره بما يؤكد رأيه) يلقاه قال لنفسهُ.. إن لو سالم واقتلني يبقى السراند فن معاي.. ولو أنا اللي قتلته يبقى برضو كاظم ارتاح من سالم.!!، ويبقى كمان تار جديد عندي مع عيلة القاوي اللي عددهم كثير زي ما نية عارف صح ياضه.؟!!
حنا:- ( بإعجاب شديد) وه يا حمدان.. مخك واعر قوى وعا تفكر زين.!!
والله هوّه كده تمام حمدان.
حمدان: خلاص .. يبقى نسيبو سالم يرجع .. بس بعدما نعبر لو لو دماغه .. ويفهم إن كاظم الدويري هو اللي قتل أبوه مش أنا .. بس لازم نعشكوه.. وتأدبوه الأول.!!
حنا:- (بعزم وهمة) قول وإنا انفذ يا ضبع الجبل.
حمدان:- عاوزك تلف من وراه.. وأول ما تسمع طلق النار منى .. وتلقاه اتلخم ومش عارف النار جا ياله منين.. تنزل عليه يا حنة زي الرخ وتكتفه بالشال.. وتسيبهو لي عاد.
ويذهب حنا لتنفيذ ما طلبه حمدان، ويذهب حمدان ليقترب من سالم متخفياً في أعواد الذرة العالية، وانتظر حتى لمح حنا يقترب هو الآخر من سالم من خلفه.، ويطلق حمدان النار حول سالم وعند قدميه.، ويكاد سالم يحن من الرعب والمفاجأة.، ويجرى يمناً ويساراً وهو يمسك بالبندقية التي أقي بها، ولكنه سرعان ما فقد السيطرة على أعصابه فوقعت البندقية من يده وراح يتخبط في الظلام وهو يصرح (أنا في عرضك يا عم حمدان).!!، ويهجم عليه حنا من الخلف مثل الرخ كما أمره حمدان، وبسرعة يقوم حنا بتكتيفه من ذراعيه بشال عمامته خلف ظهره، ثم يدفعه للأمام فيقع ساعة على وجهه .. فيقوم حنان بسرعة فائقة بتكتيف قدميه بالحبل الذي لا يفارق وسطه وهو يقول
حنا:- جاي للأسد في عرينه برجليك يا سالم يا ولد همام.؟!! .. اتفو (ويتفل بجواره على الأرض).. عموماً أنا كان غرضي أقتلك عشان جرأتك أي.، بس حمدان أمرني أكتفك بس وأسببك حيّ.. لغاية ما ياجي هوّه.. ويقتلك بنفسُه.!!
سالم:- (وقد تمكن من الخوف).. أنا فعرضك يا عم رضهه .. ما تخيلهوش يقتلني!! (يقترب حمدان على مهل.. ويقترب من سالم وينظر إليه بتمكن قائلاً..).
حمدان:- (بصوت مخيف) انته سالم ولد همام القاوي يا واد.؟!!
سالم: (وهو يتلعثم من الخوف) أيوه- أنا سالم يا عم جيران .!!
حمدان:- إيه -؟! قالولك طبعاً إني أنا اللي قتلت أبوك.. وجاي تأخذ تاره.؟!!
سالم:- (وهو يكاد ينتحب) أيوه قالولي كده .. بس خلافه،. فـعرضك يا عم حمدان.!!
حمدان:- (وهو ينظر لسالم نظرة الأسد للفريسة) يا واد خليك راجل أمال.!! ما هيه.!! اللي جاي لغاية هذه عشان يأخذ نار أبوه من حمدان أبوالعين .. لازم يكون راحل صح – .. وإيه رأيك عشان الحكاية وي بس.. أنا حاسيبك ترجع.. بس بشرط.!!
سالم:- (وهو يحاول الاعتدال بظهره على الأرض فلا يستطيع .. فينهار ويستلم لوضعه).. شرط إيه.. قول يا عم حمدان.. أنا في عرضك.!!
حمدان:- (وكأنه رق لحال سالم) أنا يا واد انته مش عاوز منك غير إنك تصدقني في اللي حاقولهولك.!! تقدر تصدقني يا سالم.؟!!
سالم: (باستغراب) وه.؟!! أصدقك.؟!!! أصدقك في إيه يا عم حمدان؟!! ، (ثم يسترسل وهو يكاد يبكي ) انته عموماً معروف عنك إنك ما عا تكديش واصل، وحا تكدب عليه ليه.؟!! اللي عا يكدب دا يكون عايخاف.، وانته حمدان أبوالعين. ضيع الجبل اللي ما عا يخافش من حد ولا أي حاجة واصل.. و ..
حمدان:- وهو يقاطعه).. وفرت عليه كتر الكلام يا سالم.!! عارف أن عاوزك يصدقني فـ إيه. ؟! كلمة واحده ورد غطاها.. عاوزك تعرف إن مش إنا للي قتلت أبوك يا سالم يا ولدي.!!
سالم:- (بدهشه شديدة) واه.!! أمالك مين.؟! (باستغراب) إه .؟!! طب والناس اللي شافوك لما قتلته ورميت المقروطة بتاعتك جنبه كمان .. (ثم يصرخ بهستريا) واه يا بوي .. وي حاجة تجنن .!!
حمدان:- (بثبات وثقة) .. كلمة واحدة حاقولهالك وانته حر .!!، إللي قتل أبوك بعد ما خد “المفروطه منىوضحك عليه.!! هو كاظم الدويري يا ولدي!! (وأخذ حمدان يحكي لسالم ما حدث باختصار، وكيف ضحك عليه كاظم).
سالم:- (في ذهول) وآآه.!! لا إله إلا الله.، عم كاظم هو اللي !! ليه؟! (ثم كان تذكر شيئاً) إه.!! عشان يعني حكاية القضية بتاعة الورث.و.، والانتخابات.. و. (ويضرب رأسه في جزع النخلة وراءه).. ويصرخ في هيستريا ) .. واه بابوي.. . وينظر حمدن إلى هذا الواقف عن قرب في آس .. وقد تيقن من أن سالم يصدقه .. حتى رق لحاله قائلاً..
حمدان:- فكه ياصنه..، يا للا يا واد قوم روح ما طرح ما جيت.
-ويذهب حمدان، ويقوم حى يفك قيود سالم، ويتركه بعد أن أخذ منه سلاحه، ويختفي الجميع في الظلام.، ويعود سالم – ويترئ النفس والأعصاب – إلى “عرب الدوايرة”، ولم يكن الصبح تعرفه ضياءه على القرية حين دخل إلى البيت أقاربه دون أن يدري به أحد ونام بلا حراك !!، وف يا لضحى يصحو ليحد أمامه بعض أقاربه ممن كانوا معه هناك وهم يسألونه عمام حدث.!! ويثور سالم في وجوههم صارخاً..
سالم :- (صارخاً) سيبتوني وحدي للضبع يا جبنه.؟!!
فيقول أحدهم :- (مستنكراً) وه.!! ما أضلمه كانت كحل يا داد عمي.!! وأضافه عارفين ضرب النار جاي علينا منين.؟!!
سالم:- (بثبات) عموماً الحمد لله.، وآهو حمدان كان طلع برئ من دم أبوي.
أحد أقاربه:- (بدهشه) وه.!! برئ؟! أقال من اللي عملها.؟! طب والناس. الل شافوه.؟! والمفروطه بتاعته؟!!
سالم:- (في تعجب) عارفيه مين اللي عملها – وقدر يلعبه يضحك على حمدان.. وكمان خلاه ياجي معاه ليلتها.. ويأخذ منه المقروطة عشان يقتل بيها أبوي ويرميها جنبه ؟!! (فينظر له الجميع باهتمام ودهشه.. فيكمل) كاظم الدويري !!
وينظر أقارب سالم بعضهم إلى بعض في دهشة مرددين “كاظم الدويري ” لا وحكى سالم ما قاله له حمدان الذي لا يخاف ولا يكذب كما يعلم الجميع .، وكيف أن كاظم قد غرر بحمدان حينما أوغر صدره على أبيه همام الفاوي وأفهمه أنه لا يريد قتله ولكن تخويفه فقط، وأن هذا العجوز الغفران ربما يموت بعد ذلك من أثر هذه “الحقبة” ويطلق نظيره غضبا عنه … وساعتها ستكون نظيره من نصيب حمدان الذي كان يريدها وتقدم لحظتها من قبل.!!، وعلى هذا ذهب حمدان مع كاظم وأعطاه المقروطة.، ولكن كاظم بحكرة غدر قتل همام وضرب حمدان في ساقه،.. ورمى المقروطة بجوار جثة همام لتثبت التهمة على حمدان.!!
(فقال أحد أقارب سالم متعجباً متهكما).. يا سلام.!! يعني الحب يخلى حمدان ضبع الجبل الشرقي كلا يعمل كده.. ويوقع نفسه في المصيبة دي مع كاظم؟!!
سالم :- (في غضب) بلا شئ عاد الكلام اللي علوش عازه ده.، اللي عاتتكمل عليها دي تبقى أرملة أبوي وأم أختي عواطف (ثم في تأثر) وأختي عفاف اللي رجعت من توهيتها.، ولسه ما شوفتهاش.!!
-وأيقن الجميع أن كاظم الدويري لابد أنه هو القاتل الحقيقي لهمام..، وعليه لابد أن يأخذ سالم ثأئر أبيه من كاظم.، وهنا أشار بعضهم على سالم بآلا يقتل كاظم.!! فهو قد أصبح رجلا عجوزاً- “كباره-” مهشماً وقد شبع من الدنيا، والمفروض أو الأنكى أن يقوم سالم يقتل ابنه كمال.!! فمنها يأخذ سالم ثأر أبيه، ومنها يحرق قلب أبيه كاظم عليه فيموت بحسرته .!!، وبذلك يكون سالم وكأنه قد أخذ رأسين برأس أبيه.!!، ولكن أين هو كمال كاظم.؟!!
-كان سالم بعد عودته مباشرة من العراق ومقابلته للأستاذ راغب قد علم – كما قلنا- بعقد قرآن كمال كاظم على أخته عواطف بالقاهرة، وكان غبه ساعتها وهاذ الأخرى حتى أن سافر من فوره إلى البلد – عرب الدويره- دون أن يزورها أو حتى يعرف سكنها هي وعفاف – التي كان قد علم بعودتها من رسائل أقاربه-، ولكنه في خضم إنشغاله بموضوع ثأر أبيه، والأحداث التي مرت به طوال هذه المدة لم يتطرق إلى علمه شيئ مما حدث هناك بالقاهرة.!! سافر سالم إلى القاهرة، وفي نيته هذه المرة أن يعرف أخبار كمال- فقد يكون قد عاد من الكويت دون أن يعلم والده !!، وإن لم يكن عاد فليسأل عن أخباره، ولم يحد سالم أمامه سوى الأستاذ راغب يسأله عن مكان كمال ضن من سأل عنهم- ، وكانت المفاجأة لسالم بأنهم. هباء بالقاهرة أيضا. ومنذ سفر كمال إلى الكويت بعد زفافه على عواطف بأقل من شهرين لا يعرفون عنه شيئاً- فهو حتى لم يرسل لهم عنوانه هناك – حتى الآن.!!
وعاد سالم أدراجه إلى عرب الدوايره – وحتى دون أن يذهب ليرى أختيه وأرملة أبيه نظيره ، رغم أنه أخذ عنوانهم من الاستاذ راغب!! واختار سالم – ماذا يقول لأهله الذين ينتظرون عودته بالخبر اليقين عن كمال كاظم.؟! وأشاروا عليه بقتل كاظم.، ولكنه – أي سالم – أصر على مثل كمال، وأزال عنهم دهشتهم من كلامه هذا – حينما قال لهم بثقة وثبات.
سالم:- ما هو أنا كده كده .. رايح العراق الأسبوع الجاري..، ومن ا لعراق حاقدر اخشى عالكويت.، وهناك المصريين معروفين ، ومعرفة مطارحهم، وإن شاء الله حافضل أسال لغاية ما استبدل على كمال. واعتر فيه.، وآخدتاري منه هناك.!!
أحد أقاربه :- وايه الفايدة لما تقتله هناك؟! لأحدها يعرف .. ولا حد حايصدق أنك قتلته.!!
سالم:- (باقتناع) صح .!!، والله كلاما صح يابوالعم.، طب إيه رأيكم إني كمان حاطول بالي عليه لغاية ما يأخذ الإجازة.. وأنزل معاه .. واجيبه هنا في عرب الدوايره ” بأي طريقة .. واقتله قدامكم هنه؟!
معظم أقاربه: (بامتناع) آهو كده.. هوادا الكلام الصح.!!.
عاد سالم إلى العراق ، وفي نيته هذه ا لمرة أن يهرب منها إلى الكويت في اقرب فرصة كما يفعل بعض المصريين عادة – حينما تضيق بهم سبل الحياة في أقرب فرصة كما يفعل بعض المصريين عادة – حينما تضيق بهم سبل الحياة والعمل بالعراق -0 حيث كانوا يتحايلون وتتفتق أذهانهم عن الكثير من الأساليب الغير شرعية للدخول إلى الكويت عن طريق البصرة مثلا.!!،
ومن هذه الأساليب أنهم كانوا يركبون أو بالأحرى يختبئون داخل سيارات نقل المياه ذات “الفناطيس” الكبيرة أو “الخلاطات” الكبيرة – على ما في ذلك من خطورة كبيرة على حياتهم-، وعند نقاط المراقبة بالطريق من البصرة إلى الكويت كان هؤلاء “المخاطرون” يختبؤن داخلها بطريقة ما.!! حتى أنه قيل بعد ذلك أن رجال الشرطة في نقاط المراقبة على هذا الطريق كانوا يقومون بتفتيش هذه الخلاطات ويأمرون سائقيها بتشغيل ماكينة “الخلاطة” حتى يضمنون أن أحداً من هؤلاء المجازفين لا يختبئ بداخلها.!!
وضاقت الحال بسالم في العراق، وكان قد مضى عليه أكثر من سنة بدون عمل ثابت.، كما ضاقت بالكثير من المصريين في ذلك الوقت بعد أن أصبحت العراق بكل إمكاناتها وخيراتها منهكة من جراء حربها الطويلة مع إيران.، بل كان في ذلك الوقت قد بدأت ظاهراً تحرش أمريكا والغرب بها، وأنها مها بحيازة وصناعة أسلحة الدمار الشامل.!!.. وكان لابد من إتمام ذلك السيناريوا مع العراق ، حيث لا يجب – من وجهه نظر الغرب- أن تقوم لدولة من دول الشرق العربي الإسلامي المتخلف قائمة.!! خصوصاً . إذا كانت هذه الدولة من الممكن لها أن تناوئ إسرائيل.!!
وبدأ سالم يعد نفسه للهروب من العراق إلى الكويت في أقرب فرصة،وساتقل بالفعل – في مجازفة غير محسوبة- احدى سيارات النقل- سالفة الذكر – التي تعود من البصرة إلى الكويت فارغة.، وعند نقطة الحدود. اختفى سالم عن أعين المراقبين والشرطة، لقبع داخل الفنطاس تاركا فتحته من أعلى مفتوحة قليلاً لتدخل له الهواء.!!،
وصل سالم إلى الكويت، وأخذ بتسكع سائلا عن الأماكن التي يتجمع فيها المصريين هناك، وخصوصاً الصعايدة منهم.!!، وأستدل أخيراً على بعضهم بمنطقة “خيطان” .. وحكى لهم عن حاجته الملحة إلى العمل، والتي جعلته يهرب من العراق إلى الكويت في فنطاس” طالبا للزرق.، وساعدوه بالإقامة معهم، وسادوه في البحث عن عمل.!!، ولكن كان هذا كله بطريق غير شرعي أيضا – حيث لم يكن معه أوراق ولا :”تبزاً” .. ولا حتى جواز سفر مثبنأ فيه وطول سالم إلى الكويت.!!،ولكن على أية حال فقد كان هذا الوضع هو حال الكثير من المصريين في الكويت آنذاك!!، واستمر الحال بسالم قرابة الستة شهور وهو يعمل في الخفاء ، وبعيداً عن أعين الشرطة، وبالأعمال اليدوية المرهقة بأحد المخازن التابعة “لجميعة السلع الغذائية”، والتي يستنكف الكويتيون عن القيام بها، أو حتى المصريون الذين يعملون بصورة دائمة وشرعية.!!، إلى أن تقابل سالم مع أحد المصريين – من تتشابه ظروف حياتهم المعيشية هناك – وكان يدعى الشرقاوي لأنه مصري من الشرقية” .، تعرف سالم على هذا الشرقاوي” وحكى له عن قريبه كمال كاظم ” من الصعيد، الذي يبحث عنه منذ وصوله الكويت.، وبالصدفة تبين أن الرجل الشرقاوي هذا يعرف كمال، وقال لسالم أنه كان يعمل معه قبل أن يدخل كمال السجن.!!، وذهل سالم.!! السجن؟!! وما الذي أدخل كمال كاظم السجن.؟!، فحكى له الشرقاوي أن كمال كاظم كان يعمل محاسبا بإحدى جمعيات السلع الغذائية، وسرق من عهدته مبلغاً كبيراً من إيراد الجمعية ، وعلم كمال بأن أحد العاملين بالجمعية. وكان هنادي الجنسية – هو الذي سرق منه المبلغ- فلما اتهمه كمال علنا بالسرقة أنكر الهندي وضرب كمال” بالبوكس” في وجهه.!! فقام كمال بضربه أيضا، ولكن الرج لتجاوز في استفزاز كمال حتى أمسك كمال” كفة الميزان” الحديد التي وجدها أمامه في هذه اللحظة وألقى بها على الهندي الذي تفادها لتصطدم كفة الميزان الحديد بوجه الرجل الكويتي الواقف بينهم – وكان عضو مجلس إدارة الجمعية – لتسبب له- عاهة مستديمة في وجهه.؟! وحكم علىكمال كاظم فيها بسبع سنوات سجن بالكويت ، وكان ذلك مع الرأفة حيث كان كمال في حالة دفاع عن النفس مع ذلك الهندي الذي سرق منه المبلغ.!!،
سالم:- (في ذهول..)، يآآه .!! وم ميتة الكلام ده.؟!!
الشرقاوي: داليه حوالي ثلاث سنوات دلوك، يعني فاضل عليه كمان أربع سنين في السجن.!!
فتح الشرطي الكويتي باب الغرفة التي يقبع فيها كمال
-فتح الشرطي الكويتي باب الغرفة التي يقبع فيها كمال داخل السجن قائلا – (إيش اتسوي لحالك مقرفص؟!، قوم – قوم كاأنه واحد مصري صعيدي زيك يريد يزورك .. قوم)!!
ويستغرب كمال ولا يكاد يصدق .!! فمن الذي يريد زيارته من المصريين الصعايدة بالكويت.؟! وهوالذي لم يكن قد مضى عليه أكثر من ستة أو سبعة شهور بالكويت عندما حدثت معه هذه الواقعة، ولك يكن قد تعرف على أحد من المصريين الصعايدة بالدرحجة التي تجعل أ؛دهم يغمر بزيارته في السجن ويعرض نفسه للحظر؟!!، وخرج كمال في ذهول وذهب مع الشرطي الكويتي ليفاجئ بسالم أمامه.!! وصرخ كمال بـ( سآآلم . !! !! ) وارتمىكمال كاظم الدويري في حضن سالم همام القاوي.. وراح يجهش بالبكاء . !!
وأفاق كمال من دهشة اللقاء – ليسأل سالم بدهشة أكبر. .
كمال: وه يا سالم أنتبه مش كنت في العراق؟! عرفت كيف أن يجيت الكويت .. وأن ياتحبست .. وأني … (فيقاطعه سالم)
سالم:- بالراحة على نفسك وعليه يا كمال يا خوي.. أن احاحكيلك .. بس بـلوك عايزك تعرف إنك يقالك ضهر هنا في الكويت، ومتعولش هم حاجة واصل.!! لغاية ما ربنا يفك سجنك.
كمال:-(بحزن وهم تقبل) حاتستناني كثير قوي يا سالم.. وأنا لسه فاضللي ياجي أربع سنين ثاني.!!
سالم:- (بمواساة) عارف ياوادعمي.، (ثم بفرح مصطنع)… وعارف كمان إنك بقيت نسيبي جوز أختي عواطف..، وللأفاكرني ما عرفشي
كمال:- (بدهشة) واه..!! كأنك نزلت البلد وعرفت كل حاجه ؟! .. (بتوجس) .. عرفت كل حاجة يا سالم .؟!
سالم:- (بهم وحزن) آآه.، نزلت البلد وعرفت كثير يا كمال.. عرفت حكاية قتل أبوي وأنا في الغربة يا كمال.. بيد حمدان أبوالعين.!! ورحت مصر بعد كده غسان ازور اختي عواطف وأختى عفاف اللي رجعت من توهتها” وما كنتش لسه شوفتها.!!
كمال:- (بدهشة وفرح) وآآه .!! وعاملين إيه كلهم يا سالم.؟!
سالم: – بخير كلهم ويسلموا عليك، بس أنا ما قابلتش غير عمك راغب وعرفت منه إنك سافرت الكويت بعد ما تجوزت بشهرين كده.!! وإن عواطف مشاركة في محل جزم في مصر.. و، وعرفت كثير يا كمال.!!
كمال :- (وقد غلبه البكاء) .. الله يرحمك يا عم همام.، كان يعزني زي ولده تمام وأنا كنت أحبه قوي .. زي أبوي وأكثر والله يا سالم.!!
سالم:- (بهم تقبل) عموما يا كمال.. خليها على ا لله .. وربك يسويها من عنده .!!
كمال:- (في تأثر) .. أكثر من ثلاث سنين دلوك يا سالم..معرفش حاجة عن مرتي اللي ما قعدتش معاها غير شهرين بالكثير بعد الجواز.، لكن انته كنت عندم وشفتهم آخر مرة ميتة ياسالم.؟!
سالم:- والله يا كمال أنا زورتهم قبل ما أسافر على العراق بياجي شهر كده.. يعني من حوالي سنة ونصف بـلوك.!!
يدخل عليهم الشرطي الكويتي متجهاً ممتعضاً من طول جلستهم وكلامهم.. قائلا..
الشرطي:- يا أخيى دبر بالك الله وهوّه أنكم قاعدين في السجن مش عا القهوة في بلدكم.. إيش ؟! ما حتحلص حوا ديتكم هادي اليوم.؟!
كمال:- (في رجاء)معلش.. خمس دقايق كمان الله يكرمك. ويغلق الشرطي عليهم الباب ليواصلا الحديث.
سالم:- تصدق يا كمال نسيت أقولك إني عملك راغب يومها قاللي إن عواطف كانت حامل كنها ..، بس مش متأكد والله.!! (وكأن سالم أخفى حقيقة ولادة عواطف ليتأكد من أن كمال لم راسلهم وأنه فعلا لا يعرف شيئاً.
كمال:- (بأسف) ليه ما عرفتش يا سالم؟! وير لو كانت أيامها حامل يبقي زمان اللي ولدته عنده أكثر من سنتين دلوك.. آه من الغربة يا سالم.
سالم:- (باستغراب) لكن انته ما بعتش جوابات ليه بعد ما جيت الكويت تقولهم على عنوانك عشان يبعتولك ويقولولك على كل حاجة .؟!!
كمال:- (بخزن) هوّه أنا كنت لسه استقربت في الشغل ولا في السكن والحمد لله أني ما كنتش بعتلهم جوابات ولا ينله.!!
سالم:- (باستغراب) وه.!! ليه.. مش عايزهم يطمنو عليك.؟!
كمال:- كان ممن يكتبو لي على عنواني هنه .. حد من اللي يعرفوني هنه يرد عليهم.. ويقولهم على حكاية السجن.، وقبض فضيحة.!!
سالم: (بانزعاج) يعني اننه ناوي تسيبهم كده ما يعرفوش عنك حاجة..
كمال: اوعاك يا سالم حتى بعد ما ترجع تقولهم على حاجة.، أنا عندي يفتكر إني مست.، ولا يعرفوش إني مسجون هنه.!!
الم:- وه .. ليه كده يا كمال.؟! يا راجل شد حيلك كده.. وما حدش عارف بكره فيه إيه.. مش يمكن ربك يفرجها من عنده.؟!!
كمال:- (بضعف) ونعمه بالله يا سالم يا خوي .. ( ثم وكأنه تذكر شيئاً) لكن قوللي يا سالم .. انته لما تشتغل هنه وللا إيه ظروفك .؟!
سالم:- آهي مستورة يا كمال.. ما تشغلش بالك انته .. اسبيلك فلوس في “الكنتين” لاحسن تحتاج حاجة كده وللاكده.
كمال:- لا .. المسجون هنه عا يجيبو له كل حاجة.!!
سالم:- (وهو يهم واقفا) .. طيب .. يا للا عاد سلامو عليكم (ويتعانقان.، ويذهب كمال إلى غرفته بالسجن.. ويذهب سالم إلى حال سبيله.!!)
في طريق عودته من زيارة كمال بالسجن راح سالم يتعجب من أحوال الدنيا العجيبة.!!، أهذا هو كمال كاظم الدويري .؟!! أهذا هو ابن العز الذي حارب والده الدنيا كلها من أجل أن يترك له ثروة لا تقل عن خمسين فداناً من أجود الأراضي المزروعة بخلاف الأملاك الأخرى، والعز والجاه الموروث.؟! أهذا هو الذي عاشت “عرب الدوايره”.. والقرى المجاورة لها أفراحاً لسبع ليالي متتالية ربحت فيه العجول والخراف فرحا بولادته.؟!! ، لقد جاءه وهو يعلم أنه بالسجن.، ولكنه لم يكن يتخيل أنه أصبح ضعيفاً مسكيناً محطماً إلى هذه الدرجة.!!، وهكذا شعر سالم أن مهمته في قتل كمال التي وعد بها أهله، والتي جاء إلى الكويت تقريبا من أجلها.. أصبحت أثقل على نفسه من جيل “الشيخ سماعين”.!!
عاد سالم إلى عمله الذي كان قد تحصل عليه في واحدة من “جمعيات السلع الغذائية” المنتشرة بالكويت، وكان عمله بالمخازن التابعة لهذه الجمعية “حمالا” لنقل الأجولة والبراميل والكرانين وخلافه من مكان إلى مكان داخل المخازن لإعدادها وترتيبها وتححيلها على سيارات (الوينت) التي تنقلها إلى منافذ البيع للجمهور، ولذا فقد كان هذا العمل مناسباً لمن في مثل حالة سالم من المصريين الذين يعملون بدون عقد عمل، وبالتالي لا يستطيعون استخراج “تصريح الإقامة”، ولذا فهم معرضون دائما للقبض عليهم وترحيلهم إلى بلادهم على أحسن الأحوال.!!،
وكان الكاتب الذي يقوم بالعمل الكتابي في هدء المخازن- استخراج إذون الصرف وأذون الدخول من وإلى المخازن – مصري أيضا، ولكنه كان قد قدم إلى الكويت بعقد عمل، ومعه “تصريح الإقامة”، وبحمل مؤهلا تجارياً متوسطاً، ولم يمتص سالم وقتا طويلا حتى تآلف مع “حمدي الهواري” كاتب المخازن الذي كان هو الآخر صعيدياً – من قنا.
حمدي الهواري:- يا سالم.، وآآه يا سآآلم. يا خو غارفي الفقري ده.؟!! (ويأتي سالم مهر ولا من الدخل وفي فمه شيئاً يرضعه.).
سالم::- أيوه.. أيوه ياستاذ حمدي.. أنا جاي آهوه (وهو يحاول يلع)
حمدي:- يا خي فينك.؟! ليك يا جي ساعة غاطس جوه.. عاتعمل إيه؟!
سالم:- معلشك ياستاذ حمدي.. أصلى كنت عاكل لقمة كده..
حمدي:- يووه.!! كل شويه ألقاك ضانن في ركن وعاناكل.!! إيه في بطنك سفيفه؟!!
سالم:- وه. !! مانته عارف شغله الشيك والحط دي عانجوع بابوالخال.!!
حمدي:- (بمداعبة) وعاناكل إيه على كده؟! تلقاك جايبلك فرخة مشويه .. ومش عايزني أشوفك .. ما نته بابن عليك “نين”.!!
سالم: وه.. وه..!، الله يسامحك يااستاذ حمدي.. فرخة ؟!! ، طب دانا يومبني اللي يمادح بها طول اليوم.. يا دوبك تجيب فرخه.!!
حمدي:- (ضاحكا) أملك عاتاكل إيه يا قزين.؟!! ادعى تكون جايب معاك “بش”.
سالم:- وآه.. فينه عاد “المش” والبصل لا خضر تباع البلد.؟!! مش أحسن من البودرة المعجونة اللي عاتقولوا عليها جنيه بيضا هنه؟!، لكن آهه.. الحمد لله .. المهم الواحد في الآخر يروح البلد وهوه محو شكه قرشينملاح كده.. يقضي بينهم مصلحة.!!
حمدي:- طب بالك ياخو خلص.. عشان عايزك ترص شكاير الرز دول بالعدد وتجهزهم عشان تحملهم “عالونيت” اللي جاي يا خدهم عاعنفذ، ولماتخلص حاقولك على حاجة مليحة يا “معدل” .. حا بشرك بيها.!!
سالم:- (وهو يستعد لعمل ما طلب فيه) ماشي حاجة.. يا مسهل .. باكش بس تكون الحاجة دي مليحه صح.، ويجعل على إيدك الخير.،
حمدي:- يا للابس خلص واعملك همه كده..، نخلصوا شغلنا وبعدين يخكو.، (ويتركه حمدي ويذهب ناحية المكتب لعمل “إذن الصرف” للبضاعة الخارجة، ويجتهد سالم لإنهاء ما طلبه من الكاتب حمدي، ويأتي الونيت، ويقوم سالم بتحميله بالأرز المطلوب بالعدد، ويعود ليجلس قريبا من حمدي.. الذي بادره.).
حمدي:- الله يديك العافية يا سالم.، اوعى تقوللي إنك جوعت تاني.؟!
سالم:- (ضاحكا) الله يعافيك.. ربنا يبارك فيك ياستاذ حمدي ويزيدك من الخير.. و..
حمدي:- (مقاطعا) شوف يا سيدي.، انته عارف طبعاً إن شغلتنا دي.. أهم حاجة فيها الأمانة والإخلاص في الشغل.، وانته بصراحة آويلك أكثر من شت شهور ماش معاي زين وعاوز تأكل عيش، فإنا يا عم كلمتلك مدير المخازن العمومي في الجمعية – عشان يعملك عقد عمل.. إيه رأيك.؟!!
سالم:- (يفرح وابنهار) وه.!! رأي إيه عاد ؟!! دنا بعد كده أبقى خدامك .. واللي تقول عليه يمشي على رقبتي ياستاذ حمدي.. ربنا يخليك .. و .
حمدي:- (وهو يشير بيده مقاطعاً) ياخي قولتلك مينه مرة بطل كلام الشحاتين ده.!! عيب عليك.. داحنا أخوات..!!
سالم:- (بامتثال) .. ربنا يديم المعروف يابو البلديات.
حمدي:- (باسترسال) .. طبعاً انته عارف إن العقد داعشان يمشى هنه لازم يتوثق من سفارة الكويت في مصر.، فإنا حاجيبهولك.. تأخده وتروح مصر تؤثقه..، وتكمل باقي أوراقك هناك، وتاجي من مصر بعد كده.. عالكويت على طول.،
سالم:- لازم أرجع مصر عشان أوثق العقدي وارجع عالكويت تاني.؟!
حمدي:- طبعا لازم، غسان تخشى الكويت بطريق رسمي، وتقدر “تدق”. إقامه، ومحدش بيقاله عندك حاجة.، ومتبقاش خايف كده.!!
سالم:- طب وحا قدر أسافر مصر من هنه طوالي دلوك وللآآ..
حمدي:- (مقاطعاً) لاطبعا.. زي ما دخلت الكويت من العراق “سرقة”.. لازم برضه ترجع العراق بنفس الطريقة.، وتروح من العراق على مصر.. “بالجواز” يناعك.، ويتجي بعد كده بالعقد “وةالفيز” من مصر عالكويت طوالي.. فهمت ؟!!
سالم:- (بامتثال) طيب..، وميته حاتجيبلي العقد وا يا واوتحي الله يخليك؟!!
حمدي:- جهز حالك انته بس في ظرف يومين، واعتبر العقد جاهز.، مش معاك فلوس تؤديك وتجيبك.؟!
سالم:- (بهمه) أيوه الحمد لله.، وإنا إن شاء الله في اليومين دول يا رب، أقدر أزور قريبي كمال كاظم اللي في السجن ده، ومن كده انفق مع جرار “بفنطاس” أتأوي فيه لحد البصره، وربنا يسهل.
حمدي:- (بتعجب) والله يا سالم .. أنا برضه صعبان عليه كمال اللي عاتحليلي عنه ده.!! والولا الحكاية اللي حصلت معاه دي .. كان بقي مدير فرع في الجمعية اللي كان عايشتغل فيها دلوك.!! انته مش عاتقول أنه واخد بكاريوس تجارة.؟!!
سالم:- أيوه أمال إيه.، وأخدكليه تجازه عاليه، وأبوه من كبارات البلد وأغني واحد فهيا، غير شي بس حصلت شوية تمكننه كده خلته ساب البلد ومش في العند فابوه.!!
حمدي: (يتأثر) إيبه.. كل واحد ياخد نصيبه عاد.، بس عاقولك إيه.. سبيك عاد من مشوار زيارة كمال في السجن المره أي – مفيش وقت تدور ولك على واسطة تجيبلك تصريح زي المرة اللي فاتتي.!!
-واقتنع سالم بكلام حمدي الهواري، وذهب ليبحث ويتفق مع سائق سيارة نقل “فنطاس” أو “خلاطه”.. ليندس داخلها في الطريق من الكويت إلى العراق.، وعاد إلى حمدي الذي كان بارأ بوعده وأعطاه العقد و”الفيزا” ليأخذهما سالم ويصل بهما إلى البصرة، ومنها إلى بغداد، ومنها إلى القاهرة.،
_____ وفي القاهرة نزول سالم بإحدى اللوكاندات المتواضعة بشارع “كلوت بك”.. إلى أن أنهي جميع الإجراءات والأوراق المطلوبة للسفر إلى الكويت والعمل بها بشكل رسمي، وقام بحجز تذكرة الطائرة، وأكد على ميعادها قبل السفر بيومين، وإذا به يأخذه الحنين لرؤية أخته عواطف .، وأمها نظيره أرملة والده، ثم أخنه عفاف التي سمع أنها عادت من “توهنا”.. بعد ستة عشر عاماً..!!، ولم يرها حتى الآن.،!! فذهب في ذلك اليوم إلى منزل الأستاذ راغب – الذي كان قد عرفه منذ المرة السابقة – ليأخذ منه عنوان أختيه وأرملة والده.، حيث لم يكن قد ذهب إليهم في المرة السابقة، بل لم يكن قد رأي عواطف ولا نظيره منذ أن سافر إلى العراق لأول مرة قبل مقتل والده همام، ناهيك عن “عفاف” التي لم يكن قد رآها منذ أن كانت طفله عمرها سنتين.!!
وقف سالم أمام باب “الشقة”- التي وصفها له الأستاذ راغب – وكأنه يجه لا تطاوعه ليطرق الباب.!!، ومرت عليه لحظات لا يدري إن كانت طويلة أم قصيده.، ولكنه طرق الباب.. لتفتح له نظيره.. أرملة والده التي كانت قد قاربت على الستين من عمرها.، وما أن عرفته بعد أن تأملت فيه كثيراً .. حتى فتحت له ذراعيها وهي تصرخ..
نظيره:- سآآلم. !! (تأخذه بالأحضان وكأنه أمه فعلا) عاش من شافك يا ولدي .. إزيك يا سالم وازي حالك.؟! (ثم وهب تبكي بحرقه).. هانت عليك العشرة بعد أبوك ياسالم. ؟ كده يرضو – يا ولدي ؟!. وأنا مر بياك يا سالم.!!
سالم:- وهو يدخل ويلقي نفسه على الكنبه بجوار الباب، ويضع كفيه على وجهه ويبكي انتخاب وحرقه.) أبويا اتقتل وأنا في الغربة يا مرت أبوي.. أبويا اتقتل وأنا في الغربة.. آآه يا بوي، (وتأتي عواطف من الداخل)
عواطف: سالم.!! (وهي تنتحب) سيبتني بعد أبونا ما مات يا سالم.؟! ليك أكثر من ثلاث سنين دلوك من يوم ما جيت مصر ..، وما قابلت خالي راغب، ومهانش عليك يتجس تشوفني لا تحضر فرحي ياخوي..؟!!، وأنا اللي ما بفاليش غيرك في الدنيا دلوك يا خوي.!!
سالم:- (بعتاب وتفريع مصحوب بالانتخاب) ما نا رجعت يا عواطف لقيتك خدتي أمك وهجيتي م البلد وجبتي على مصر.، رجعت من الغربة ما لقيتش حد.!! لابويا ولا مرت أبويا ولا أختي.، ولما عرضت مطرحك هنه وجبيت اجيلك.. انفا جئت إنك كابنه كتابك على كمال من غير ما عرف .. كأني ما ليش عازه معاكي ياعواطف.!! آه بابوي.
نظيره:0 (بنيره عطف) بس يا ولدي ما تعملش في نفسك كده.، العمر ليك مك وهجيتي من البدل وجأمأمك
يا ولدي..، وآهو يرضو سابق راجل، واللي خلق ما ماتش يا سالم.،
سالم:- (بحرقة شديدة) وآه يا مرت أبوي !! كأنك مش عارفة أبوي مات كيف عاد.؟!!
نظيره:- (وهي تأخذ عواطف في حضنتها وتبكيان بحرقه).. عارفه يا ولدي.. مقدر ومكتوب عالجين يا سالم..
سالم:- (وهو يقف فجأة .. وينظر بعيداً عنهم)- آه- مقدر ومكتوب.!! (ثم يرد بحرقه).. مقدر ومكتوب عالجين يا خلق.. لكن..
طول ما فيه تار.. الخلفة دايره فـ حجر طاجن.
لوطفيت النار.. جا يفضل جوف الرماد ساخن.!!
- وذهلت عواطف، وقامت نظيره باكية لتدخل إلى المطبخ، – عوطف : (بلهفة وهلع).. أدعاك يكون معنى كلامك إنك ناوي عالتار يا سالم .؟!!
سالم:- (وهو يجلس ويحاول الهدوء).. آآه.، مش وقته ولا أوانه الكلام وايابت أبوي .!!، واللي في الغيب يعلمهُ ربنه.
(ويدخل عليهم قادماً من الحجرة طفل يتعثر – حيث لم تثبت بعد قدماه في المش فيسند نفسه على الكنبة التي يجلسون عليها وهو يبكي .. إلى أن وصل إلى أمه عواطف لترفعه وتأخذه في حضنها .. قائلة.
عواطف:- ما سألتنيش مين وا يا سالم.؟!
سالم:- عارف ياختي.!! (ثم يهم ويأخذ منها الطفل ويضمه إلى صدره ويقبله) دا ولدك عادل من كمال .. مش كده؟!
عواطف: (باستغراب) إه. !! داته سائل وعارف قبل ما تيجي عاد.!!
سالم: ما نا أصلى عدبت عالأستاذ راغب عشان بصراحة نسبت علوانكم اللي قا للي عليه المرة اللي فاتت وقا للي على كل حاجه.!! ، (ثم بتأثر) والله كان نفس أحضر فرحك يا عواطف، وأشوف عفاف اللي سمعت إنها رجعت وأنا ما كنتش شوفتها.
-من يوم ما ناهت وهي عمرها سنتين.!! أمال هيه فين صح.؟!!
-تدخل عليهم نظيره- وكانت قد كفكفت دموعها وغلست وجهها، وكأنها قد تغيرت سحنتها للأحسن!!، وتبدوا كأنها أنهمكت في تحضير الغذاء.، ثم تتجه ناحية الرايو لتفتحه قائلة.
نظيره:- اسكت يا سالم.. أختك عفاف بقت شابه زي القمر، بس عاطيه شبه لابوها- الله يرحمه – أكثر من عواطف.!! وفيها ملامح منك والنبي يا سالم.!!
عواطف:- (وهي تكلم سالم) آهي أمي كده.. من يوم مارجعت عفاف وهيّه شايف ها أحلى واحده في الدنيا.. وبتحبها أكثر مني كمان. !!
نظيره: (ضاحكه) والنبي يا سالم آديك قاعد وحاتشوفها لما تاجي.. هيه عاتاجي من شغلها قرب لامغرب كده.، (ثم تسترسل وهي منهمكة في تحضير الغذاء). وكمال سافر بعد الدخله كده بشهرين ثلاثة على طول.!!
عواطف:- (بتأثر وآهو من يومها ياخوي- ليه ياجي ثلاث سنين لاجس ولا خبز!!.
سالم:- (بتنهيده) إه.!! الغايب حجته معاه ياختي.، لكن قوليلي.. هيه عفاف عاتشتغل إيه؟!، إنني طبعا خالصتي الكلية وأتوظفتي و..( فجأة يسكت الرايو .. ليعود المذيع قائلاً 0 (هنا القاهرة.. إليكم هذا النبأ الهاما.، – وصلت المحادثات بين الأطراف العربية المعنية برأب الصدع بالعلاقات بين الشقيقين العربيتين العراق الشقيق والكويت الشقيق إلى طريق مسدود.!! ولم تستطع هذه الأطراف تحجيم المشكلة أو تحديد الخلافات التي تفاقمت فجأة بينهما !! هنا القاهرة .)
-ويطرق سالم إلى الأرض.. سارحا في سفره إلى الكويت الذي يعلق عليه كل آماله.. بينما تنظر إليه عواطف باستغراب قائله.
عواطف:- وه؟!! ما هم طول عمرهم مش عارفين يتفقوا على حاجة.!!
سالم:- (بنبرة مهمومة) .. مش عارف ليه حاسس إن فيه حاجة كبيرة حاتصل بنياتهم المرة دي يا عواطف.، (وهو يتحسس الفيزا والعقد بجيبه) وايبقي فقر ذكر عاد.!!
نظيره: (وهي تقترب وتجر الترابيزة لتقربها أمام سالم لتضع الطعام عليها) .. يا ولدى خليها على الله.، سمعاك عاتسأل عواطف عالشغل.، معرفتش إنها خدت الشهاه الكبيرة، واشتغلت بيها شويه كده في الشركة اللي عايشتغل فيها محمود وادخالها راغب.، وبعدين سابتها وفتحت مكتب في شقتها وبقيت محاميه قد الدنيا.، أما عفاف.. فاهيه عاتبيع وتشتري في الموسكي زي الفل.، والحمد لله ما ناقصناشي غير نطمنو عليكم انته وكمال يا ولدي.
كمال:- (بعد أن سرح بذهنه في عبارة نطيره الأخيرة – انته وكمال يا ولدي – وكأنه خاف أن تلاحظ ذلك عليه عواطف فنسأله عن سبب سرحانه فقال بسرعه)
-وأمّال إيه صح حكاية محل الأحذية اللي عاتشتغلي فيه يا عواطف..؟!!
عواطف:- (بزهو) لآآ.، أنا مش باشتغل في الأرباح، وليه مكتب محاماه في شقتي اللي قبال شقة أم دي.. انته ما خدتش بالك من اليافطه.
و(فجأة بطرق الباب فتقطع عواطف كلامها وتذهب لتفتح ثم تقول مهللة.).
عواطف:- أهلا يا محمود.. اتفضل.
محمود راغب: (وهو يدخل) سلامو عليكم (ثم ينظر ناحيته سالم ويتجه باليه) .. إزيك يا سالم (ويقوم سالم ليسلم عليه فيأخذه محمود بالأحضان قائلا.).. عامل إيه يا سالم؟! حمد لله عالسلامه .. وإنا لسه عارف من أبويا إنك جيت.. وقلت آجي أسلم عليك.، (ثم وهو يضحك) وكمان قولت أكيد عواطف وعمتي عامليلك غدا هايل.، وأنا حماتي بتحبني (يتجه لعمته نظيره) مش كده يا عمتي.؟!
سالم:- (وهو ينظر لمحمود باستغراب) أهلا وسهلا يا أستاذ محمود.. اتفضل.
نظيره: (وهي تتصنع الضحك لتغطي على موقف محمود وكلامه).. انته كده على طول يا محمود يا واد أخوي.؟! دايما تهلل وتحب تهز وكده.؟! اقعد اتغدي معانا .. ما هو طبعا حماتك عاتحب .. وبتهاكمان، (وهي تقصد زوجته)
محمود:- (وهي ينظر إلى عواطف وكأنه يرمي الكلام لها لتفهم شيئا ما ..) لآ .. بتها عاد.. الله وأعلم.!!
-ولم يسترح سالم إلى هذات الحوار، وخصوصاً كلام محمود الأخيرة ونظرته لعواطف.!!، ويجد نفسه –لا شعورياً- ينظر إلى الطفل عادل ابن كمال وعواطف.!!، ويجد نفسه -لا شعوريا أيضا- ينظر إلى نظيره ويسرح في كلامها عنه وعن كمال.!! ويقول في نفسه- آه لو تعرف ما ينوي عليه هو لكمال؟! ، ثم ينظر إلى أخته عواطف التي تخيل له أنها ستصبح أرملة عندما يصل هو إلى كمال وينفذ غرضه في الثأر .!!، آآه !! ومحمود كمان واحكايته إيه؟!! ،وحتى بعد أن وضعت نظيره الطعام على “الترابيزة” أمامه.، وجلس محمود بجواره، وأخذ الجميع يأكلون.. لم يكن سالم يهتم بالأكل قدر اهتمامه بالنظر إلى عواطف تارة، وإلى الطفل عادل المسكين تارة أخرى، ثم يروي سره هذين البنيت.،
يا حزن من جده قتل جده..، ومن خاله حايقتل أبوه.!!
وإيه ذنبه يعيش وحده..، ولو أهله يتم ربوه.!!
ثم يفيق سالم إلى نفسه وينظر إلى عواطف فيجدها هي الأخرى تنظر إليه باستغراب وتعجب لسرحانه واستغرامه في التفكير .. فهو لا يكاد يأكل.!!، حتى ظن أنها كانت تسمعه وهو يكلم نفسه عاقاله آنفا.!!، ويحاول سالم الخروج بسرعة من هذه الدائرة فيقول مبادراً.
سالم:- (فجأه) طب يا جماعه .. أنا لازم أمشى دلوك عشان بكره مسافر إن شاء الله عالكويت.. وعاوز الحق أدبر حالي.
عواطف:- (باستغراب).. يووه.!! يعني جاي يا سالم بعد الغيبه دي كلها.. عشان يسلم علينا وتمشي.؟!،وانته حتى ما قولتلناش أي حاجة عن أخبارك؟! ولا نعرفو حتى إنك رايح الكويت.!!
نظيره:- (نتهلف) طب يا ولدي ما دمت رابح الكويت.. ما تبقى تسأل عن كمال.. وباريت تقدر تعترفيه.. وتسطمنا عليه بجواب حتى.؟!!
سالم:0 (وهو يقف متوجهاإلى الحوض ليغسل يديه، ويأخذ الفوطه من يد عواطف قائلا) .. ضروري طبعا حادور عليه.، وحالاميه إن شاء الله وابعتلكم جواب أطمنكم.. ما نا خلاص حفظت عنواكم..!!
محمود :- (وهو يقف لغسل يديه أيضا.) والله يا ربت ياسالم تعتر فيه.!!
(ويندهش سالم.. فيواصل محمود..) وتحاول تقولوه إنه بصراحه جبله.!! أبوه جبلة.!! حد يرضو بسبب مرته اللي زي .. عواطف دي .!!،
(وهو ينظر لعواطف نظره لا يستريح لها سالم).. ويختفى السنين دي كلها.؟!
ثم يتذكر كلاماً آخراً .. فيسترسل..
.. والفقر ليه ناس.. عايتخيل في سكينه !!
لوماتت الناس.. حايروح لخلفتهه.!!
وهكذا كان حال سالم طوال الرحل من القاهرة إلى الكويت.. !!،
-*-*-*-*-
أصبح سالم يعمل بمخازن “الجمعية” مع”حمدي الهواري” بصفة رسمية ويحمل “إقامة” وجواز سفر موثق، مما جعله يتحرك داخل الكويت بسهولة، وأصبح يستطيع زيارة كمال بالسجن كلما أتيحت له الفرصة خلال السنوات الثلاث التي قضاها يعمل بجد واجتهاد حتى يحقق حلمه في تكوين الثروة التي يستطيع أن يعود بها إلى بلده في “عرب الدوايره”، وهناك سببني بيتا “بالمسح” ويشتري سيارة” نصف نقل” “كالونيت” “الذي يعمل عليه هنا، ولكن بسرعان ما يتذكر غرضه ووعده لأهله في أخذ ثأره من كمال هناك في عرب الدوايره.!!
لم يكن سالم مستقراً طوال هذه السنوات الثلاث في سكن دائم مستقر، بل كان يتنقل من سكن إلى آخر حسب الحالة من حيث “رخص الإيجار”، وكان “حمدان الهواري”- كاتب المخازن بالجمعية- يشفق عليه ويتعاطف معه “كيادباب” ، بالإضافة إلى إعجابه بإخلاصه في العمل ورجولته وشهامته مع قريبه “كمال”.. الذي يصر سالم على زيارته كل شهر تقريباً بالسجن.!! تعرف “حمدي الهواري” على “محمود كمال”- 30 سنة – الذي كان يعمل هو الآخر في جمعية خيطان الجديدة”، وهو مصري من “روض الفرج”، وأبلغه محمود كمال هذا أنه يسكن في سكن قريب من هنا- أي من مخازن الجمعية التي يعمل بها حمدي وسالم – ولكن هذا السكن المشترك به ثلاث غرف كل غرفة يسكن بها –المفروض- ثلاث أفراد.!!، فهناك غرفة من الثلاث يسكنها ثلاث “مالييزيين”- من “ماليزيا” – ويسكن هو بمفرده في غرفة حتى الآن ويبحث عن اثنين مصريين يسكنان معه.، أما الغرفة الثالثة فيستقل بها شخصان يقولان أنهما فلسطينيان، ولا يريدان أحداً معهما.!!،
ويشرح “حمدي الهواري” هذاالموضوع لسالم فيكاد يطير به فرحاً.. حيث فهم أن حمدي يريده أن يسكن مع محمود كمال في هذه الغرفة.، ولكنه سرعان ما أطرق ساهما.. ثم وكأنه قد تعجل سائلا حمدي قائلا.
سالم:- بس محمود اللي ما تقول عليه دي .. عايقول إنه عاوز اثنين تاني معاه.. عشان يبقو ثلاثة في الغرفة.؟!!
حمدي:- (وهو يداعبه)- أقولك على حاجة بس ما تزعلش.!!
سالم: (بدهش) وه !! هيه فيها حاجة تزعل.؟!
حمدي:- أصلى أنا اللي نادي أسيب سكني.. واسكن معاكم في الغرفة دي.
سالم:- (بفرح) يا راجل.؟! صح ياستاذ حمدي ؟!! ياألف مرحب.. دي حاتبقي صحبه زينه وعشرة مليحه قوي إن شاء الله.
حمدي:- أصلى مش مرتاح في الغرفة اللي أنا فيهادلوك.. ساكني\ن معاي ثلاثة غيري .. يعني أربعة في غرفة يا راجل !! وكمان بعيده عن مكان شغلنا قوي.
سالم:- (يفرح ياريت نستكو مع بعض ياستاذ حمدي.. وإنا أخدمك بعنيه .. (ثم يستدرك ) طب والتنين الفلسطينيين دول.. واخدين غرفة وحدهم ليه.؟! تلقاهم شغالين شغلانات مليحه.، وعاياخذوا مرتبات كبيرة. آه.. ما هم ليهم ميزه في كل حته هنه!!
حمدي: طبعا ما هما الكويتيين عايتعاطفو معاهم.!!، أما الثلاثة التانيين “الماليزيين” فادول مالهمش دعوة بحد.. عايشين في حالهم.. وما يحبوش يختلطوا مع حد!!
-*-*-*-
استقر الثلاثة المصريون- حمدي الهواري، ومحمود كمال، وسالم همام- بغرفتهم في السكن الجديدة، واتفقوا على عمل “ميزان الاعتدال (الترجمة” شمترك بينهم – هو أن يدفع كل منهم مبلغا متساوياً مع الآخرين يصغونه مع أحدهم بالتناوب لماجهة المصروفات داخل الغرفة مثل الأكل والشرب، والإيجار وخلافه، وتماشيا مع أصول الجيزة التي يعول عليها المصريون كثيراً، إضافة إلى الأخوة العربية – فقد كانوا كثيراً ما يدعون الفلسطينيين جاسروا بو إياد إلى عرفتهم ويقومون معهم بواجب الضيافة والأخوة العربية والحيرة علي أحسن ما يكون.، ومن خلال التعارف والمناقشات فإلى جاسروا بوا إياد أنهما فلسطينيان بالأصل ولكنهما الآن عراقيان بالجنسية .!!، وأنهما قد حصلا على الجنسية العراقية بعد هجرتهما من فلسطين مع اسرتيهما منذ زمن، وأنهما جاءا إلى الكويت الآن ليعملا بها بعد أن ضاق الرزق في العراق الذي أنهكته الحرب الإيرانية، وأنهما هربا من بطش صدام حسين الذي ضيق على كل الفلسطينيين الخناق ليكونوا تابعين لحزب البعث العراقي.!!، واستغرب المصريون الثلاثة من كلام جاسر وأبو إياد عن صدام حسين.!!، وهو الرئيس العراقي والقائد الملهم والزعيم الذي لاهم له ولا قضية إلا محاربة إسرائيل- على حد زعمه- من أجل فلسطين والقدس.، حتى قال أنه حارب إيران من أجل تحرير فلسطين !!..،
ومازال يقف في وجه أمريكا والغرب ويحارب طوحين الهواء.!!، ويستنزف الأموال من جميع دول النفط العربية المجاورة لإنشاء الجيش العربي العراقي الذي قبل عنه أن اصبح القوة الرابعة في العالم .!! !!..، وأيضا من أجل فلسطين.!! فكيف يقول هؤلاء الفلسطينيين عنه ذلك الكلام.؟!!
أخذ سالم همام وحمدي الهواري يتنبهان، ويتعجبان من غرابة تحركات جاسر ,وأبو إياد، ويلاحظان أنهما يختفيان كثيراً ثم يعودان فيغلقا عليهما باب عرفتهما ولا يخرجان منها إلى نادراً.!! فهل هذه هي الأصول.؟! ولكنهما – أي جاسر وأبوإياد – لم يردا هذه الاستضافة على الأقل.!! ، فهل هما يستكبران على المصريين مثلاً؟!!، وأخذ حب الاستطلاع يحذب سالم وحمدي إلى مراقبتهما.، فلاحظا أن جاسر وأبو إياد هذان لا يخرجان إلى الصلاة يوم الجمعة حتى .. كعامة المسلمين وعاداتهم.!!
بل كانا يذهبان مبكرا جداً في ذلك اليوم – كما قيل لهم- إلى سوق “الحراج” !! ولكنهما كانا يأخذان يوم السبت من كل أسبوع أجازة لا يخرجان فيها من غرفتهما، ويقومان داخل الغرفة بحركات غربية هي أقرب إلى طقوس العبادة.، رغم أن حمدي وسالم لم يفهما شيئاً من هذه الطقوس.!! وكان أن عاد سالم يوم السبت الماضي مبكراً من عمله – وأغلب الظن أنه تعمد ذلك – فوجد جاسر وأبوايا ويجلسان داخل غرفتهما ويغلقان الباب عليهما، ويصدر عنهما أصوات كأنها تراتيل يهوديه، وإن كان سالم لا يفهم بالطبع شيئا منها. !!، فاقترب ودق عليهما بالباب، فلما فتح جاسر وفوضي بسالم أمامه بادر إلى خلع الطاقية الصغيرة السوداء التي لا تكاد تغطي أم رأسه.!!، ونظر إلى أبوا إياد بسرعة ليخلع هو الآخر طاقيته المماثلة التي كان يضعها على أم رأسه.. وارتبكا.!! واستغرب سالم من هذا واندهش.، ولكن جاسر لم يتركه على اندهاشه كثيراً، حيث قد إليه ….؟؟؟ ؟؟؟؟ إليه يده بسرعة لصافحه ويجذبه إلى داخل الغرفة في تؤدد وترحيب.
جاسر:- أهلا وسهلا.. اتفضل ضي سالم.
أبو إياد:- (وهو ينهض الاستقبال سالم) اين حلال خي سالم.. كنا حالا عاند يرو بالتافيكن!!، بدنا نعزموكن في غرفتنا.. مثل ما أكرمتونا إيش يناسبكن؟! اليوم وللاعذا.؟!
ولاحظ سالم أن جاسروا أبو إياد يتبادلان النظرات الغربية والمريبة على إثر كلمة عرب.!! حتى داخله الشك ، وقبل أن يفيق من دهشته سمع صوت “صفاره” متقطعة بصدر من مكان ما بالغرفة.!!، ولاحظ أيضا ارتباك جاسر وأبوإياد على إثر “الصفارة المتقطعة، وازد اندهاش سالم من هذه الحركات والأصوات العشوائية التي قام بها جاسر وأبوإياد، وكأنها مقصودة.. للشوشرة على صوت الصفارة.!!، وأخذ جاسر بين سالم بسرعة وبصفة ليخرجا من الغرفة.!!، وبحجة أن أبوإياد قد جاء ميعاد نومه.، وأن هذا هو صوت المنبه” الذي يقوم بضبطه على هذا الميعاد بالضبط.!!.
ذهب سالم إلى الجمعية وجلس – في وقت فراغ- إلى حمدي الهواري ليحكي له ما حدث من جاسر وأبوإياد. ، فتوجس حمدي، ووقع في نفسه أن جاسر وأبوإياد هذان ورائهما سر كبير.!!، وبعدها بأيام قليله.. وبعد انتهاء الدواحة اليومي ذهب حمدي وسالم إلى السكن ليفاجئا بأن الشرطة تملأ المكان.!! وما أن اقتربا حتى رأيا غرفة جاسر وأبو إياد وتعج بالشرطة الكويتية يعيثون فهيا بحثا عن أي شيئ .. وكل شيئ.!! ثم .. ها هما جاسروا أبو إياد يخرجان منها مقبوض عليهما.!! أيكون هذا الجهاز هو الذي صدرت عنه أصوات “الصفارة المنقطعة” التي سمعها سالم منذ أيام.!! وتعجب حمدي وهو يتساءل .!! فلو كان ظنه صحيحاً لكان هذا جهاز لا سلكي مما يستعمله الجواسيس.!! يا للمصيبة .!! جواسيس.!! !! وارتجف حمدي لمجرد أن واناه هذا الخاطر، وأمسك بين سالم همام، وما إن أرادا أن يتراجعا للوراء حتى وجد اشرطبين كويتيين يمسكان بهما.!!، ويأخذانهما أيضا إلى المحضر.!!، ولكن في عربة أخرى غير التي وطمع فيها جاسر وأبوإياد.!!
وهناك – في المخفر- وجدا الثلاثة الماليزيين أيضا ومعهم محمود كمال. !!، وراح الجميع يسأل .. ماذا حدث؟! ، وأني جاسر وأبو إياد؟! ولم يجدوا إجابة لأي سؤال.!!، حتى بدأ التحقيق، وعلم الجميع من خلاله أن جاسر وأبوإياد هذان لم يكونا فلسطينيين.!! بل كانا عراقي الجنسية ولكنهما يهوديان إسرائيليان في الأصل.!!، يجيدان اللغة العربية ، وتابعان لجهاز المخابرات الإسرائيلية ، ويعملان ضمن منظمة تابعة “للموساد الإسرائيلي هدفها الاتصال بصدام حسين عبر قنواته البعثية المضللة وإيهامه بأن الشعب الكويتي كله.. بل والشعب العربي كله يتضامن معه ويشجعه على مواقفه ضد الأمريكان .!!، وأن الشعب الكويتي والشعب العربي يتمني اليوم الذي يرى فيه الكويت كجزء لا يتجزاً من العراق.!! ، وأن الكويت هذه في حد ذاتها لم تكن إلا قطعة من أرض العراق.!!، ولكن الاستعمار هو الذي أعطاها للأسرة الحاكمة الكويتية.!! وأن على صدام – الزعيم الملهم- أن يضم هذه القطعة الغالية إلى العراق الأم.!!، وتم ضبط الكثير من المشغولات والرسائل التي تقول مثل هذا الكلام – عبر أجهزة “اللاسلكي”، وعبر قنوات صدام البعثية لتقول له ذلك وأكثر .!!، .. وكانت هذه الرسائل التي يبثها هؤلاء الجواسيس – ويقولون أنها نبض الشارع الكويتي بل والعرب آنذاك.!!- تهدف إلى بث روح المغامرة – وقد فعلت – عند زعيمهم الملهم صدام ليقوم بضم الكويت بثرواتها المتراكمة التي يحتاجها في إنشاء الجيش العربي القادر على سحق إسرائيل وإلقائها في البحر.!!
وكأن الوقت لم يسعف الكويتيين ، فقد تأخر بهم إلى أن قاموا بضبط هذه العملية التجسيسة الكبيرة والخطيرة.!!، فلم تحصن سوى أيام معددة على سام وحمدي ومحمود كمال بالمخفر تحت التحقيق الكويتي..، حتى فوجئوا بجمع من العساكر المدججين بالسلاح وهم يقتحمون المخفر!!، ويطلقون الرصاص في كل اتجاه.!!، وبعد قليل يقتحمون عليهم الغرفة المحتجزين بها .. ليقول أحدهم.. “هل هنا مصريون.. أو أي جنسيات أخرى غير كويتية؟! ليقول حمدي الهواري بلهفة” نحن الثلاثة ماليزيين”.. وفوجئ المتحتزين بأن العساكر المدججين بالسلاح يطلقون سراحهم .!! وبالدهشتهم وحيرتهم – حينما خرجوا ليروا أن عساكر وضباط المخفر الكويتين متقبوض عليهم.!! ما هذا ؟! وإذن من هؤلاء الذين أخرجوهم؟! وأخذوا الكويتين وتركوا المخفر خاليا ضربا.!! وخرج مدي وسالم ومحمود كمال من المخفر وهم في دهشة عظيمة من أمرهم.!!، وزاو من دهشتهم وحيرتهم أن هيئة وسحنة هؤلاء المدججين بالسلاح الذين أخرجوهم ليست كويتية .!!، إنهم يشبهون العراقيين!!.
ونظر المصريون الثلاثة – بعد أن خرجوا إلى الشارع- ليروات أن المحال كلها مغلفة !! وأن معظم المتواجدين بالشارع عساكر في مثل هيئة العساكر الذي أخرجوهم من المخفر.!!، ولا وجود للكويتين.. اللهم إلا أفراداً هنا وهناك يجرون ويختبؤن .!! ، ولا وجود للكويتيين.. اللهم إلا أفراداً هنا وهناك يجرون ويختبؤن.!!، ماذا حدث؟!!، ونظر المصريون بعضهم إلى بعض.. إلى أين يذهبون ؟!!، وتمر بهم سيارةنقل جنود عليها جهاز مكبر للصوت يقول في نبرة آمرة “أن النخبة الوطنية العسكرية الكويتية الشرفاء.. قد قاموا بالاستيلاء على الحكم وانتزاع السلطة من النظام الدكتاتوري للأسرة الحاكمة التي أهدرت ثروات البلاد.، وأن الثورة الكويتية البيضاء ستقيم الحكم الجمهوري الديموقرطي، وأنها ستبقض علبى كل من يمت للأسرة الحاكمة من آل الصباح بصلة.، أو كل من يعارض هذه الثورة المباركة، وقد استتب الأمر للثوار.. ولا سبيل للتراجع.!!
وراح المصريون الثلاثة يضربون كفا بكف وهم يسلكون طريقهم متخفيين- إلى سكنهم ، مذهولون لا يكادون ينطقون أوحتى يفهمون شيئا.. ، ووجدوا غرفتهم مفتوحة مبعثرة رأساً على عقب، كما وجدوا عرفة جاسر وأبو إياد مغلقة وعليها شريطة مثبت “بالشجع الأحمر”، !!، ويضرب سالم بيده على جبهته ضربة مفاجئة .. ويتراجع إلى الوراء وهو يقول “أخ”.!!، وينظر إليه حمدي الهواري ومحمود كمال متسائلين؟!، فيقول سالم وهو لا يكاد ويصدق نفسه وعيثيه .. أنه رأي بعينيه هاتان.. جاسر وأبو إياد ضمن القوة التي أخرجتهم من المخفر.!! فيرده حمدي الهواري ساخراً..
حمدي:- ياخي انته كأنك مخك ضرب من اللي شوفته النهارده.!!، هما مش قالولنا في المخفر إنهم كانوا جواسيس.. وراجو ورا الشمش؟!
سالم:- يا خي عاقولك شايفهم بعيني دي .!! همي صح كانوا لا بسببين عساكر.. وشكلهم ذي العراقين.. !! لكن والله العظيم همه.!!
محمود كمال:- يعني همس كانوا كويتيين.. وبيضحكو علينه؟!!
سالم:- لاع .. همه مشك كويتيين ، وهمه يعني العساكر اللي في الشوارع دول كويتيين؟! دول يا عراقيين يا فلسطينيين.!!
حمدي: (بسخرية) يا إسرائيليين ولا بسين عراقيين .. بوهه.. حد عارف إيه للي حاصل .. دي هيصه.!!
- ونظر سالم إلى ركام حاجاتهم بالغرفة .، ووسط هذا الركام وحد الراديو الصغير ملقي على الأرض فالتقطه وفتحه وأدار مؤشره إلى أن نطق.!! “هنا الكويت المباركة.. هذا مقر قدارة الثورة الكويتية البيضاء.، وإليكم هذا البيان الهمام..، “لقد أجمع قادة الثورة الكويتية المباركة البيضاء على ضرورة الانضمام فوراً إلى الوطن الأم بالعراق الزاهر الكبير.، فبعد أن استتب الامر للثوار الشرفاء، وقاموا خلال الأيام القليلة الماضية بمطاردة فلول الأسرة الحاكمة البائدة وأتباعهم.، قرر هؤلاء الثوار من أيديهم وعرض رغبتهم الصادقة في الوحدة الكاملة مع العراق الأم. وأنهم ليهيبون بالقائد البطل والزعيم الملهم “صدام حسين”.. قائد العراق الكبير والعروبة كلها .. أن يتكرم ويقبل إقليم الكويت بأرضه وشعبه وثرواته كجرير لا يتجزأ من العراق الأم.، وأن القادة الشرفاء للثورة الكويتية البيضاء ينتظرون الآن على أمر من الجمر قرار الزعيم الملهم بقبول عرضهم.، وأن قبول الزعيم الملهم للوحدة الكاملة معناه أنهم سيتنازلون له طواعية.. وفوراً .. عن كل الأمور.. وكل السلطة.، هنا الكويت الجديدة – هنا مقر قيادة الثورة الكويتية البيضاء المباركة. “تان تان تآآن”.
وعاش المصريون الثلاثة- حمدي الهواري وسالم همام ومحمود كمال أياما بالغة القسوة وليالي شديدة السواد.، كما كان ذلك حال بقية المصريين – وكل الجنسيات الأخرى- من العاملين بالكويت آنذاك.، فهم لا يجدون عملا بعد أن أغلقت الجمعيات، ولا يجدون طعاماً ولا شراباً، ولا محال مفتوحة ولا مأوي غير أطلال السكن الذي أصبح خراباً لا يصلح إلا للجرزان والقطط والكلام الضالة.، حيث انقطعت عنه – كسائر والمباني وأصبحت الحياة الآدمية فيها شبه مستحيلة.، ولكن أين يذهبون.؟!
وماذا يفعلون ؟! أنهم لا يملكون أي شيئ من المال اللازم حتى للهرب مثل الكويتيين الذين أخذوا يتسللون منها بسياراتهم الفارهة.. تاركين ورائهم قصورهم وامتعتهم.!!، وماذا يصنع هؤلاء الغرباء البؤساء قد فقدوا حتى معظم أوراق هويتهم، وجوازات سفرهم التي ضاعت ضم ما ضاع في السكن خلال الهجوم المباغت والتفتيش العشوائى لغرفتهم وهاهم الآن يتسحبون من مكان إلى آخر دون وجهة معينة أو بارقة أمل تبدو فى الأفق.!، وبين الحين والحين… لا ينقذهم من العساكر المنتشرين بالطرقات إلا كلمة تخرج من أفواههم مذعورة “إحنا مصريين” – جايين ناكلو عيش- ملناش دعوة بحاجة.!! لينظر إليهم هؤلاء العساكر بازدراء وسخافة… ويتركونهم وهم يضحكون من مناظرهم الرثة وحالهم البائس.!!، وبينما هم هائمون على وجوههم لا يعرفون لهم وجهة… فإذا بهم يتقابلون مع مجموعة أخرى من المصريين… يبدو عليهم الجوع والضياع، عيونهم زائغة وملابسهم رثة ممزقة.، وينظر فيهم سالم لحظة.، ويتفحص وجوههم واحداً تلو الآخر.. ليصرخ فجأة كمال ل ل.!!، وينظر كمال فى ذهول الى وجه ذلك الذى يصرخ باسمه ليتبين انه سالم همام القاوى.!! ويغمض كمال عينيه ويبلع ريقه بصعوبة..، ويتهدج صوته حتى كان اقرب إلى النحيب وهو يقول.. سااااالم.!!.
كانت عواطف – كما قلنا سابقاً- قد التقت بنبيل ابن الحاج سعيد السوهاجى بعد عودته الأولى من أوربا، حين التقى بها فى المحل وعرفه عليها والده على أنها شريكة فى أرباح المحل وليست عاملة فيه.، وأنها أيضا تعمل كمحامية فى الإدارة القانونية لإحدى شركات الاستثمار.،وأعجب بها نبيل وحاول أن يستميلها إليه، خصوصاً بعد أن عرف ظروف غياب زوجها كمال عنها لما يقرب من ثلاث سنوات آنذاك.، ولما كان نبيل آنذاك أيضا عائداً من رحلة فشل بأوربا ولم يكن معه من المال ما يساعده على الظهور أمامها بالشكل الذى يلفت نظرها، وأيضاً كان والده الحاج سعيد قد أفلس تقريباً،ويعيش هو وزوجته – ام نبيل – على أرباح المحل التى تشاركه فيها عواطف.، وهكذا.. لم يجد نبيل سبيلاً لأخذ أية أموال من أبيه ولا من أمه بالطبع.، وهكذا ايضاً لم يجد بداً من التفكير مرة أخرى فى السفر، ولكن هذه المرة كانت نظرته قد اتجهت إلى أمريكا – بلاد الأحلام – التى يحتاج السفر إليها مبلغاً كبيراً بالنسبة لظروفه.، ولم يجد أمامه سوى عواطف.!! فزاد لذلك اهتمامه بها وتقربه إليها، وهى التى كانت – فى ذلك الوقت – فى أوج شبابها وجمالها، وكانت ايضاً قد ملت من طول انتظارها لزوجها الغائب كمال، وكانت قد مالت بطبيعتها وطبيعة عملها إلى حياة المدنية الراقية – حتى أنها كانت كثيراً ما تهفو نفسها إلى حياة الحرية الشخصية !!، وكان نبيل بخبرته فى هذا المجال يلمس كل هذه الأحاسيس التى تعانى منها عواطف،وساعده هذا الفهم على استخدام ما عنده من الأسلحة الرجولية الخاصة به فى مهاجمة قلبها الذى لم يكن – لظروفها- محصناً تماماً ضد هذا الهجوم.!!، وبدأت عواطف تشعر بالراحة لهذه المهاجمة، بل شعرت – فى بعض المرات – بالميل نحوه!! ولكنها كانت حريصة على عدم إبداء هذا الميل حتى لا يطمع فيها أكثر.!! ولكنها أيضا – صدقته حينما قال لها أنه يشعر بأنه قد تغير كثيراً منذ أن عرفها. !!، وأنه لا بد أن يعمل على بناء نفسه ومستقبله مثلها – إن لم يكن من أجلها.!!، وأنه لهذه الأسباب لا بد له من السفر مرة أخرى – وإلى أمريكا هذه المرة – فهناك سيجد المجال أوسع بالنسبة له.، ووجدت عواطف نفسها تميل إلى تصديقه، فساعدته إلى أن جهز كل ما يلزمه من الأوراق اللازمة للسفر إلى أمريكاً، وحجزت له تذكرة الطائرة، واستبدلت له بعض الدولارات ليضعها فى جيبه كمصروفات شخصية… ريثما يستقر هناك.!!، وودعته بالمطار بنفسها، وطلبت منه أن يراسلها شخصياً لتطمئن عليه وعلى أحواله..، وبعد أقل من شهرين أرسل لها نبيل يقول أنه قد استقر فى عمل مناسب له جداً مع أحد الأمريكيين من أصل مصرى فى مكتبة الهندسى..، وأنه مصمم هذه المرة على النجاح لأنها هى التى ساعدته، وأنها صاحبة الفضل فى إصلاح شأنه كله.!!، ولم تتعجب عواطف من نفسها .. حينما فرحت جداً بهذه الرسالة.!!.
—
ولم تكن عواطف – وهى الطموحة بطبيعتها- قانعة بوظيفتها بالإدارة القانونية بالشركة التى التحقت بها بعد حصولها على الليسانس، ولا بالشراكة التى قامت بها مع الحاج سعيد فى محل الأحذية.!!، وفكرت فوجدت أنها لم تحقق بعد حلمها الذى دخلت من أجله كلية الحقوق، فهى ما زالت مقيدة بالوظيفة، ولم تحقق طموحها فى أن تصبح محامية كبيرة يتردد اسمها فى جنبات المحاكم.!!، ولكنها بعد أن أعادت التفكير قالت لنفسها… وما المانع.!! لماذا لا تترك الوظيفة وتعمل بالمحاماة.!! فهى الآن تملك شقة باسمها، ومعها دخلها من شراكتها فى أرباح المحل.، فلماذا لا تفكر فى ترك الوظيفة وتتفرغ للمحاماة وهى مطمئنة إلى أن دخلها الآخر تستطيع الاعتماد عليه حتى لو لم يكن دخلها من المحاماة كبيراً فى البداية.؟!..، وأقدمت بجرأة على هذه الخطوة فقدمت استقالتها من الشركة، ونقلت أثاث شقتها إلى شقة أمها نظيرة المجاورة، وجهزت شقتها كمكتب للمحاماة، وحصلت على “كارنيه” نقابة المحامين، ورفعت على شباك شقتها على الشارع لافتة كبيرة باسمها.. “عواطف همام المحامية”.
ولما كانت عواطف على صلة لا بأس بها بمعظم عملاء الشركة التى كانت تعمل بها ، بل والشركات الأخرى المماثلة التى اتصلت بها أثناء عملها، فقد استغلت هذه الصلات فى توسيع دائرة معارفها الشخصية، وفى الحصول على قضايا كثيرة من هذه الشركات وهؤلاء العملاء.، كما كانت أيضا على صلة طيبة بالكثير من أصحاب مصانع الأحذية وتجار الجلود والمصنوعات الجلدية عموماً من خلال معاملاتها وعملها وإدارتها لمحل أحذية الحاج سعيد، فقد استغلت أيضا هذه الصلات فى الحصول على العديد من قضاياهم الكثيرة خصوصاً فيما ينشأ بينهم من المعاملات التجارية.، واكتسبت عواطف خبرة تبعتها شهرة كبيرة لها فى هذا المجال.، ووجدت أنها فى حاجة إلى وكيل محامى”، ثم إلى سكرتيره تنظم لها مواعيدها وأعمالها. !! وشيئاً فشيئاً ..، وفى غضون أو أقل من ثلاث سنوات وجدت “عواطف همام المحامية” أن اسمها أصبح اكبر من أن يوضع على لافتة بشباك شقة صغيرة بالمساكن الشعبية.!، وأقدمت ايضاً بجرأة على الخطوة التالية..، باعت شقتها بالمساكن ووضعت حصيلة البيع على ما كان قد تراكم معها من وظيفتها السابقة، وشراكتها فى أرباح المحل، ثم عملها أخيرا كمحامية ناجحة لثلاث سنوات بلا هوادة، وأخذت شقة كبيرة فاخرة بالإيجار فى عمارة كبيرة على ناصية شارع “شبرا” الرئيسى ورفعت عليها لافتة كبيرة ملفتة للنظر عن بعد “عواطف همام المحامية”، وأيضاً بعدها …وجدت أن معيشتها مع أمها وأختها عفاف فى شقة أمها الأخرى بالمساكن الشعبية لم تعد مناسبة، فقامت بعمل فاصل أو “كرفان” خشبى داخل شقتها الجديدة ذات الأربع غرف، فصلت به غرفة وجزءاً من “الصالة” الكبيرة والمنافع.،وخصصت الثلاث غرف الباقية وباقى “الصالة” كمكتب محاماة..، جهزته بأحدث الديكورات والأثاث الفاخر، خصصت غرفة لمكتبها الخاص، وغرفة للوكيل والسكرتارية، وغرفة لمحامين مبتدئن.. قد تحتاج إليهم!!، حصلت أيضا على سيارة صغيرة بالتقسيط. لزوم الوجاهة والتنقلات بين المحاكم والمصالح.، وهكذا.. اكتسبت عواطف شهرة واسعة لشخصها ووصفتها كمحامية ناجحة، ولكنها أيضا لم تنس يوماً أن تمر على محل الأحذية – والحاج سعيد بشارع “26 يوليو”..، وتطلع على فواتير البضاعة الواردة والمبيعات، وتحاسب العمال والبائعين على كل كبيرة وصغيرة.!!،
ولم يطل الأمد – بعد ذلك – كثيراً بالحاج سعيد السوهاجى صاحب المحل حتى توفى إلى رحمة الله.، وذهبت عواطف بصحبة أمها وأختها عفاف إلى أرملته الحاجة “نادرة”، ووقفت بجانبها فى مأتم العزاء وكأنها أقرب الأقارب للمرحوم !!، ولم تمر فترة كبيرة بعد الوفاة حتى ذهبت عواطف إلى “الحاجة نادرة” وفاتحتها فى أن تتلقى أو تشترى هى – اى عواطف – نصيب الحاج سعيد – رحمة الله – فى المحل.!!، ولكن صدمها رفض “الحاجة نادرة” للبيع … مكتفية بالشراكة إلى أن يعود ابنها نبيل من أمريكا ليتصرف فى ميراثه فى محل والده بمعرفته.، ورغم ذلك قامت عواطف بتجديد المحل، واتخمته بالبضائع الحديثة الغالية.!!.. حتى اصبح من أكبر وأفخم المحلات بالشارع التجارى الكبير، وانهالت عليها الأرباح من المحاماة ومن المحل، وأدخلت ابنها “عادل” فى حضانة راقية ملحقة بمدارس “الفرنسيسكان”.!!، وأصبحت بذلك عضوا فى “مجلس أولياء الأمور” لهذه المدارس الراقية التى يدخلها أبناء الوسط الراقى.!!،وكان ذلك أيضا سبباً آخراً من أسباب دخولها إلى هذا الوسط وتوثيق صلاتها برجال الأعمال الكبار فى “عصر الانفتاح”، وساعدها شكلها وجمالها وشخصيتها المصممة على الوصول إلى الهدف المنشود الذى طالما راود أحلامها.، ولكنها فى وسط ذلك كله، وعلى الرغم من كل ذلك كانت دائماً ما تشعر بأن شيئاًمهماً ينقصها.!!
ـــــ
لم يكن “نبيل” بن الحاج سعيد السوهاجى قد وجد فرصته – كما كان يقول فى رسائله إلى عواطف – ولم يحقق شيئاً من أحلامه التى ذهب من أجلها إلى أمريكا – بلاد الأحلام – وقرر العودة نهائياً هذه المرة ليرث محل والده وتجارته ، وها قد عاد ليجد أمامه عواطف، ورغم السنوات الثلاث أو أكثر التى قضاها فى “بلاد الأحلام”.. والحرية الشخصية الغير مقيدة بتقاليد معينة كالتى نعرفها فى مجتمعنا.. فقد عاد لينبهر مرة أخرى بشخصية وجمال عواطف، بل زاد جمالها وبريقها فى عينيه كثيراً هذه المرة لما حققته من شهرة ونجاح خلال سنوات غيابه فى امريكا دون أن يحقق شيئاً يذكر.!! زاد إعجابه أو تعجبه من قوة إرادتها حينما علم أنها ما زالت على وفائها لزوجها الغائب عنها منذ ما يقرب من ست سنوات الآن.!!،ن فذاد اهتمامه بها.. وأصبح وجوده بالمحل يومياً فى ميعاد تواجدها اليومى أيضا شيئا ًمهما للغاية له.!!، وبدأ نبيل معها بعبارات المجاملة التى اكتسبت فى بدايتها شيئاً من البرود الغربى، وشيئاً فشيئاً.. أخذت عباراته معها تكتسب شيئاً من السخونة.. ثم الإيضاح، فالإفصاح نحو الميل العاطفى.!! ثم شيئاً من المراودة التى كانت عواطف ترفضها فوراً.. وبشدة.!!، ولكن نبيل كان قد قرر أن يجهز كل أسلحته وخبرته التى اكتسبها فى “بلاد الأحلام”… والذى كان يظن أن وسامته ورجولته الجسمانية البادية عليه، وملابسة الأنيقة الفاخرة وطلاقة لسانة وجرأته… هى فى حد ذاتها أسلحة لا تقاوم – خصوصاً مع مثل هذه التى طال غياب زوجها عنها – حينما قرر أن يهاجم قلبها من جديد.!!، ولكنه – وكأن سنوات بقاؤه فى أمريكا قد أنسته عامل الصبر فى معاملة النساء الشرقيات – سرعان ما تبرم من تسويف عواطف..، ويئس من كثرة صدودها..!! وطالبها بعد فترة قصيرة بانتهاء الوضع القائم بينهما بالشراكة فى أرباح المحل.!!، قائلاً بأن المحل فى الأصل محل والده، وأنه لم يعد فى حاجة لإدارتها بعد عودته.، ورفضت عواطف ترك المحل رفضاً نهائياً وباتاً.، فقام نبيل برفع قضية عليها يطالبها بفسخ العقد المبرم بينها وبين والده – الذى توفى – بشراكتها فى أرباح المحل، فهى ليست شريكة أصيلة فى المحل ذاته.، وهنا أخذت عواطف تهادنه وتساومه وتحاول إثناءه عن غرضه.. حتى طمع فيها مرة أخرى.!!، بل أخذ هو يساومها ويراودها عن نفسها.. حتى عرض عليها أن تطلب الطلاق من زوجها الغائب لأكثر من ست سنوات.. ليتزوجها.، ورفضت عواطف أيضاً !!، مما جعل نبيل يشتاط غيظاً وحنقا، ويزداد إصراراً على النيل من هذه العنيدة.. بأى ثمن.!!
كانت عواطف قد توسعت فى تجارتها بالمحل، وكثرت معاملاتها مع التجار وأصحاب المصانع بالأجل لثقتهم فيها..، وعلم نبيل من دفاتر المحل أن عواطف مدينة لبعض التجار – بموجب شيكات موقعة منها – بمبالغ قاربت العشرين ألف جنيه.، ولما كان نبيل قد وصلت عداوته لعواطف مبلغها، وصمم على النيل منها بأى طريقة، فسرعان ما تفتق زهنه الشيطانى عن فكرة خبيثة.،
ذهب نبيل إلى عواطف فى مكتبها معلناً أسفه ورجوعه إلى الحق معها.!! ، وأنه قد لف الدنيا فلم يجد مثلها فى نبل أخلاقها، وحفاظها على شرفها وإخلاصها لزوجها الغائب.!!، وأنه مستعد فوراً للتنازل عن قضية طردها من المحل، بل انه فكر في ترك المحل لتديره هى وحدها، فهى الأقدر والأجدر والأكثر خبرة منه بالطبع.!!، وأنه قرر أن يفتح مكتباً للمقاولات.!!، ولكن لكى يتحقق له ذلك لابد من الذهاب مرة أخرى إلى أمريكا ليصفى أعمال مع المكتب الهندسى الذى كان يعمل به، ثم يبيع مسكنه هناك، الذى لم يتمكن من بيعه قبل حضوره من هناك هذه المرة.!! ولذلك فهو يحتاج لمبلغ لا يقل عن عشرين ألف جنيه.!! وبعدها سيأتى ومعه ماله الذى يمكنه من العمل هنا… بما يرضى الله.!!
واقتنعت عواطف بكلام نبيل – أو لنقل أنها بلعت الطعم أو ابتلعته غصباً عنها -، واضطرت – فى سبيل تدبير المبلغ لنبيل – إلى بيع معظم البضاعة الموجودة بالمحل إلى تجار الجملة بسعر “محروق”.. أى أقل من سعر التكلفة.. وقامت بعد جهد بتدبير مبلغ العشرين ألف جنيه الذى لم يكن سهلاً فى حينها.، وأبلغت نبيل بأنها جاهزة لاعطاءه المبلغ.، ولكن بعد أن يتنازل عن قضية طردها من المحل.، ووافق نبيل وذهب معها بالفعل إلى المحكمة وتنازل عن القضية، وأقر بأحقيتها فى إدارة المحل وشراكتها فى الإرباح، وقبض منها العشرين ألف جنيه.!!
فى طريق عودتهما من المحكمة أخذ نبيل يصف لعواطف شعوره ناحيتها بالاحترام الشديد، والحب المفعم بالتقدير.!!،وأنه كان يتمنى من خالص قلبه لو أنه قابلها فى ظروف أحسن من هذه الظروف، أو أنها لم تكن متزوجة من ابن خالها… هذا الذى لا يستحقها ولا يقدر هذه النعمة التى بين يديه.!! بدليل أنه استطاع الابتعاد عنها، ولم تعد تعرف عنه شيئاً منذ ست سنوات.!!، وبدأت نبرة عواطف تلين فى كلامها معه.، وشعر نبيل بأن بوادر الود قد عادت لتتواصل بينهما من جديد.، ولكنه كان قد أضمر لها الشر، وصمم هذه المرة على الانتقام منها بلا رحمة.!!، وطرأت على ذهنه فكرة خبيثة أخرى.، فضرب بكفه – أثناء كلامه هذا معها – على جبهته قائلاً “أخ”.!! وكأنه قد تذكر شيئاً مهماً للغاية.. ما كان له أن ينساه.!، وقال بكل براءة أنه كان سينسى أن “يعزمها” على حضور حفل عيد ميلاده الذى سيحل بعد أسبوع.. قبل سفره، وألح عليها أن تحضر ذلك الحفل الذى سيقيمه فى فندق صغير قبل سفره بيومين إلى أمريكاً.، ليعود بعد ذلك بماله وثمن مسكنه الذى صنعه من كده وعرقه طوال السنوات الثلاث التى قضاها هناك…، بعد أن ساعدته هى وأعطته ثمن التذكرة وودعته بنفسها … فى المرة السابقة !.
واستجابت عواطف ووعدته بأن تحضر حفل عيد ميلاده حينما يحل بعد أسبوع من الآن.، ولكن عليه أن يذكرها مرة أخرى – ولو بالتليفون – قبلها بليلة.!!، وتركها نبيل وهو يشعر بأنه قد أنجز جزءاً كبيراً فى خطته معها.، وذهب من فوره لتنفيذ باقى الخطة.
كانت عواطف بعدما حدث فى ليلة عيد ميلاد نبيل، وبعد سفره إلى أمريكا قد عادت إلى ممارسة نشاطها الاجتماعى الذى تقدمت فيه بخطوات سريعة بجانب عملها كمحامية، فقد أغلقت المحل إلى حين.. حيث كانت قد باعت معظم البضاعة فيه “بثمن محروق” كما قلنا لتدبر مبلغ العشرين ألف جنيه لنبيل، وكانت قد أصبحت من سيدات المجتمع، وأصبحت تعرف فى المجتمعات – خصوصاً فى جمعيات المرأة – على أنها المدافعة القوية عن كيان الأسرة.!!، فهى المطالبة القوية بحقوق المرأة، وفى الوقت نفسه كانت تطالب أيضاً بالمحافظة على حقوق الرجل.!! فكان من رأيها أن المرأة لابد أن تحصل على حقوقها فى المجتمع من حيث اختيارها للرجل وحرية العمل والتعليم وممارسة دورها كعنصر أساسى وفاعل فى الحياة.، ولكن بما لا يتعارض مع كونها أنثى، ولا يتعارض مع حقوق الرجل فى بيته إذ أننا فى مجتمع لا يتخلى عن شرقيته، وراحت تطالب المرأة علناً بأن تكون فى بيتها ملكاً خالصاً لزوجها.!! بحيث تجعله يشعر بأنه السيد للأسرة كلها، وكان لرأيها هذا صدى كبيراً فى الوسط النسائى، كما كان فى الوسط الرجالى أيضاً!!، وهكذا استضافتها البرامج التليفزيونية المهتمه بمثل هذه القضايا، وجمعيات المرأة، والبرامج الدينية التى تدافع عن حقوق الرجل فى القوامة على المرأة، وهكذا .. حتى طلب منها بعض المهتمين المنبهرين بآرائها وشخصيتها أن ترشح نفسها فى الانتخابات لعضوية المجالس الشعبية المحلية بالقاهرة عن الحى.!!، وبالفعل طمعت نفسها إلى الترشيح لولا أنها تذكرت أنها لم تكن قد وصلت إلى السن القانونية لهذا الترشيح.!!، وقالت – فى ذلك اليوم – لمن يجلسون عندها بالمكتب من أهل الحى أنها ستقوم بترشيح نفسها – إن شاء الله – ولكن بالدورة القادمة.. حينما تكون قد أوفت السن القانونية.!!، وأثناء انهماكها فى هذا الحديث مع مؤيديها من أهل الحى الذين تستضيفهم فى مكتبها يدخل عليها وكيل مكتبها وهو مقفهر الوجه بادى الحزن.، فتسأله عواطف عما يريد.؟! حيث ظهر عليه أن هناك شيئاً لا يحتمل التأجيل.، ونظر الوكيل إلى الموجودين معها فى حرج، ولكنه قام يأخذ قلم وورقة صغيرة من على المكتب..، وكتب فيها ما ملخصه أنه كن اليوم فى محكمة جنوب القاهرة وأثناء “دردشة” مع أحد أصدقائه من وكلاء المحامين.. قال له صديقه هذا .. أن الأستاذة عواطف عليها حكم غيابى فى قضية شيكات بدون رصيد فى محكمة طنطا.!! فكيف لم تتصرف الأستاذة فى هذا الموضوع قبل أن يصدر عليها الحكم.؟!! وذهلت عواطف “ما هذا”؟!!”، ولاحظ الموجودون انشغالها عنهم فقاموا يستأذنون بالانصراف فأذنت لهم وهى على ذهولها.. لا تدرى… بل لا تصدق ما يقوله وكيل مكتبها.!! إذ أن كل التجار الذين تتعامل معهم بكل الصدق والجدية،.. ينتظرون حتى تذهب هى إليهم وتسدد ما عليها دون حاجة إلى رفع أية قضايا عليها.، ورفعت سماعة التليفون وحادثت واحداً منهم فكانت الطامة التى كادت أن تقصم ظهرها.، حينما علمت منه أن نبيل ابن “سعيد السوهاجى” هو الذى جاء إليه وسدد له الشيكات بدلا منها وأخذها منه “بعد تظهيرها له”، .. وعلمت بعد ذلك أن نبيل فعل مثل ذلك مع بقية أصحاب الشيكات.!!، وإذن فنبيل هو الذى رفع هذه القضايا بعد أن أخذ منها مبلغ العشرين ألف حينها، وجعلها فى سبيل ذلك تبيع البضاعة التى فى المحل، ثم أنه اختفى بعد ليلة عيد ميلاده “المشئومة”.. وظنت أنه سافر إلى أمريكاً بعدها مباشرة منذ ما يقرب من شهرين الآن.!!
كان نبيل قد ذهب – ومعه العشرين ألف جنيه – إلى أصحاب الشيكات التى تدين بها عواطف، وقال لهم أنه سيقوم بدفع قيمة هذه الشيكات بدلا من عواطف شريكته فى المحل!!، على أن يقوم أصحاب هذه الشيكات “بتظهيرها”.. – أى بالتوقيع عليها من الخلف بما يفيد نقل أحقية المطالبة إلى نبيل – ولسؤ حظ عواطف كانت هذه الشيكات قد حل أوقات ميعاد سدادها… ولكن ثقة أصحاب هذه الشيكات وصلتهم القوية والوثيقة بعواطف جعلت عواطف تطمئن إلى أنهم لن يطالبونها قبل أن تذهب هى إليهم وتسدد لهم قيمتها كالمعتاد فى كل تعاملاتها معهم.!!، بل كانت مطمئنة إلى أنهم سمهلونها.. إلى أن يأتى نبيل من أمريكا بأمواله كما وعدها.!! ولكن نبيل الذى كان قد صمم على الانتقام منها قد ذهب بالشيكات إلى البنك، وحصل منه علي ما يفيد أن هذه الشيكات بدون رصيد، ثم ذهب بها إلى المحكمة ورفع ضد عواطف قضية “إصدار شيكات بدون رصيد”..، وأنذرت المحكمة عواطف على عنوانها المكتوب بالدعوى.، ولكن – بطريقة أو بأخرى – لم يصل الإنذار إليها رغم أنها المحامية المعروفة والمعروف عنوانها ومكتبها!!، وفى الوقت الذى كان نبيل قد جهز فيه أوراقه للسفر إلى أمريكا.. كانت المحكمة قد حكمت غيابياً على عواطف وهى لا تدرى شيئاً عن ذلك كله.!!
ذهبت عواطف – بعد علمها بالموضوع من وكيل مكتبها – إلى المحكمة لتفاجئ بما هو أنكى وما لم يكن فى الحسبان.!!، فقد طلبت الاطلاع على القضية “وحيثيات الحكم” فوجدت توقيع أمها “نظيرة محمود الدويرى” على محضر استلام الإعلان الذى أرسلته المحكمة “على يد محضر” .. على عنوانها القديم فى شقة المساكن الشعبية قبل أن يصبح لها مسكنها الخاص فى شقة مكتبها.!!َ، وقامت عواطف على الفور بالطعن فى الحكم الصادر غيابيا
ً ضدها..، وقالت فى مذكرتها للمعارضة فى ذلك الحكم أن هذه الشيكات نتيجة معاملات تجارية، وأنها فى مضمونها ليست إلا كمبيالات، حيث لها تاريخ استحقاق.. أى أن لها أجل معين للسداد، وأن قانون الشيكات جعل الشيك أداة وفاء بالدين حال تقديمه، أما إذا كان الشيك يحمل تاريخاً للاستحقاق – أى السداد – فإنه يصبح فى هذه الحالة بمثابة كمبيالة.!!، ولا يحاكم جنائياً ، ولكن يحول فى حالة عدم السداد إلى القضاء المدنى – بعد عمل البروتستو عليه.!!، وعليه تطلب البراءة فى الحكم الصادر عليها غيابياً، كما أنها تستنكر ما جاء فى طريقة الإعلان بميعاد الجلسة، حيث أنها محامية معروفة ولها مكتبها المعروف عنوانه.!!، ولذا فهى تطعن فى وسيلة إعلانها وتدفع بتعمد عدم وصول الإعلان إليها بما يثبت عدم حسن النية لدى المدعى، كما أن والدتها التى وقعت على استلام الإعلان لم تكن تعرف القراءة والكتابة، وقد تزوجت بشهادة “ساقط قيد”!!، وقدمت ضمن مستنداتها صورة من شهادة “ساقط قيد” التى تعنى أن والدتها “نظيرة محمود الدويرى” لم يستخرج لها شهادة ميلاد ولم تدخل المدارس من أساسه طول عمرها.!!
وعادت عواطف إلى مكتبها فى ذلك اليوم وهى متفائلة بان مذكرتها التى قدمتها للمعارضة فى الحكم كانت قوية.، وأنها لا شك تنتظر الحكم بإلغاء الحكم الصادر ضدها فى هذا الشأن.، وتحويل الشيكات – بعد إثبات أنها بمثابة مجرد كمبيالات – إلى القضاء المدنى، والذى سوف تتابعه وتطلب أجل للسداد .. وهكذا.. إلى أن تتمكن من سدادها، وينتهى الآمر.!!
فوجئت عواطف وهى تدخل مكتبها بوجود محمود ابن خالها راغب فى انتظارها .!!، فبادرته قائلة.
عواطف: (بترحيب) أهلاً يا أستاذ محمود… إزيك.!!، معلش أتأخرت فى المحكمة.. انته ليك بدرى هنه.!!.
محمود: (باقتضاب) أهلا يا ست عواطف.. (ثم بنبرة تهكم) أهلا يا أستاذة.!! أنا ليه أكثر من ساعة منتظرك.
عواطف: (باستغرب) الله.!! إيه يا محمود… مالك كده.؟!!
محمود: (باندفاع) بصراحة يا عواطف حالك كده ما يتسكتشى عليه.!!
عواطف: يووه.!! حال إيه بس.؟! قصدك على قضية الشيكات يعنى.؟!! لا أطمئن .. أنا عملت معارضة .. وإن شاء الله براءة.
محمود: (بغضب واستنكار) .. طب وحكاية الصور اللى حضرتك متصوراها مع سى زفت نبيل بتاعك ده.؟! هيه كمان براءة.؟!
عواطف: (بدهشة واستنكار) صور.؟! نبيل بتا.. انته بتقول إيه؟!!
محمود: (باشمئزاز وغضب شديد) مش عارفه صور إيه.؟! (ثم وهو يضرب بيده على المكتب ويكاد ينفجر غضباً وحنقاً) صورك مع نبيل فى بيته يا هانم.. اللى داير يهدد بيها إنه حايفضحك بيها فى كل حتة.!!!
عواطف: (وقد أخذتها الدهشة وهى تحاول الوقوف متحاملة على حرف المكتب). صورى.؟!! معاه.؟!! انته بتقول إيه يا مجنون انته وهوه.؟!! أنا اتصورت مع الزفت دا فى بيته ؟!! ولاف أى حته.؟!! وبعدين هوه.. من يوم ما رجع من أمريكا بعد موت المرحوم أبوه.. وإحنا مختلفين مع بعض… و …
محمود: (وهو يقاطعها باستهانة وقرف).. بيقول إنك روحتيله بيته عشان تساوميه على حكاية المحل.. وتأخذى منه الشيكات اللى عليكى.. فى مقابل يعنى… الواحد مش قادر يقولها.!!
عواطف: (بانفعال ودون تحسب) … أخرس.!! أنا اشرف من الشرف.، .. (ثم بتراجع وانكسار) مانته عارف يا محمود!! أنا بس روحت أقابل أمه الحاجة نادرة.. عشان اتفاهم معاها يعنى… تقنع ابنها الزفت نبيل ده.. إنه يبعد عنى وما يطاردنيش.!!.
محمود: (بتهكم).. هيه.؟! وقالتلك إيه الست امه .؟! وللا تحبى أكملك أنا .؟!!، طبعاً ما لقيتيهاش.!!، ولاقيتيه هوه لوحده فى الشقة، واتهجم عليكى وصورك وانتى… مش كده.؟!!
عواطف: (وكأنها مأخوذة بدهشة شديدة) آه… هوه اتهجم عليه – ، بس كيف صورنى يعنى.؟! وأنا حتى ساعتها ضربته بكعب الجزمة على رأسه.و….
محمود: (يقاطعها بلهفة) أمال الصور اللى معاه دى وانتى معاه عالسرير فى حضــ.. يووه. (وهو يضرب جهته ببطن يده) دى حاجة تجننن.!!
عواطف : (بدهشة شديدة) معاه.؟! عالسرير.؟!! يانهار اسود.؟!! (تضرب جبهتها وكأنها تذكرت شيئاً) ياما داهيه يكون صورنى وأنا… )
وتضرب عواطف كفا بكف وهى تدور حول نفسها فى حيرة ودون وعى ولا تدرى ما ذا تقول. (فقد تذكرت الآن شيئاً فظيعاً مما حدث بينهما يوم أن ذهبت إلى نبيل لحضور حفل عيد ميلاده فى منزلهم مع والدته “الحاجة نادرة”)..، حيث كان نبيل قد اتصل بها تليفونيا قائلاً أنه كان ينوى عمل عيد ميلاده فى أحد الفنادق كما قال لها..، ولكن والدته الحاجة قد شعرت بتعب مفاجئ ولا تستطيع الخروج من المنزل، وهو لا يستطيع الاحتفال بعيد ميلاده بدونها.!!، ولذا قرر أن يقيم الحفل معها فى شقتها، وأنه يتمنى أن تحضر هى – أى عواطف – هذا الحفل مع والدته.، وقد كان يتمنى أن يكون الحفل فى الفندق لكى يقوم بما يليق بها وبمكانتها.!!. ولكن للأسف فهو لا يستطيع أن يحتفل بعيدا عن والدته التى ليس له سواها فى الدنيا.!! ولابد أن يدخل عليها السرور قبل سفره إلى أمريكاً.!! ، وأنه يأسف لهذه الظروف المفاجأة.!! .. ، وكان نبيل يعلم بالطبع أن ما قاله لا يدعو للأسف.!! بل على العكس سيكون أدعى لاطمئنان عواطف ومبادتها بالذهاب لحضور حفل ميلاده فى حضور والدته التى تعتز بها وتقدرها كثيراً..!!.. وقد كان.، وذهبت عواطف يومها إلى شقة والدة نبيل وهى مطمئنة.، ووجدت نبيل فى استقبالها.. وطمأنها وهى تدخل إلى “الصالة”… بأن والدته فى غرفتها وسوف يذهب ليخبرها بحضور أول ضيف فى الحف.. وأهم ضيف.!!، ولكن نبيل عاد يحمل “صينية” عليها مشروباً عادياً.. وهو يقول أن والدته غلبها النوم وهى فى الحجرة ولكنه أيقظها.!!، وأنها (هية كده.. تنام بسرعة.. وتصحى بسرعة.!!) وأنها حالاً ستغير ملابسها وتأتى، وقدم نبيل المشروب لعواطف.. التى تناولته باطمئنان وشربته شاكرة.. وهو يقول ليها “العفو” …، وذهب ليستعجل والدته للحضور حتى لا تجلس عواطف بمفردها..، إذ لم يأت أحد غيرها للحفل حتى الآن..!! ، ولكن نبيل غاب داخل الغرفة حتى بدأت عواطف تشعر بالملل، وهاهو عاد.. ولكن ليقول أن والدته متعبة جداً.، وأنها تريد من عواطف أن تأتيها داخل غرفتها… فدخلت عواطف إلى الغرفة منزعجة لتعب الحاجة نادرة.!!، ولكنها … تنظر يميناً ويساراً وعلى السرير فلا تجد أحداً،.!!، وتنظر خلفها.. فتجد نبيل وقد دخل وراءها وأغلق الباب واتكئ عيه بظهره من الداخل، وفهمت عواطف ما يريده نبيل من نظراته إليها وهو يبلع ريقه بصعوبة، ولكن كأن المفاجأة قد عقدت لسانها فلم تنطق.!! وخيم الذهول على تفكيرها .!، وقبل أن تأخذ فرصتها حتى فى العودة إلى صوابها.. يهاجمها نبيل فجأة ممسكا بذراعيها فتحاول التخلص منه.، فيجثو على ركبتيه متصنعاً البكاء عند قدميها، ولكنه فجأة ايضاً يمسك بكلتا يديه “الجونلة” التى تستر نصف عواطف الأسفل ويجذبها لأسفل جذبة قوية وفجأه.!!، وكانت “الجونلة” بها فتحة كبيرة عند الوسط مغلقة “بسوستة”، فتنفلت “السوستة”.. لتنزل الجونلة على الأرض عند قدمى عواطف لتقف شبه عارية فى نصفها الأسفل، وكانت عواطف رائعة القوام فى بضاضة وبياض، مما جعل نبيل ينبهر بمنظرها وهى على هذا الحال.، ووسط ذهولها المطبق والدهشة التى خيمت عليها وهى تنظر إلى تصرفات نبيل المفاجأة.. راحت عواطف وكأنها أخذت ضربة قوية على رأسها أفقدتها توازنها.، وعاودها الانهيار العصبى الذى تعانى منه أحياناً فى مثل هذا الموقف الصعب.، وها هى قد شعرت بالدماء وهى تصعد فوارة إلى رأسها حاملة إليها هلاوسها القديمة.!! وراحت تهذئ وكأنه قد عاودها حلمها القديم الذى كانت تجرى فيه حافية لاهثة على الرمال الساخنة، حينما كان خالها كاظم يجرى وراءها ليأخذ منها حذاءها الجديد.، ليتركها حافية مثل أبيها همام … الحافى..!! ولا يدرى أحد إذا كانت عواطف فى هذه اللحظات قد شعرت بنبيل حينما أحاط نصفها الأسفل العارى بذراعية فى نهم ولهفة، ثم وهو يرفعها قليلاً ليطرحها على ظهرها على جانب السرير؟!! فقد زادت فى رأسها الهلاوس، وأخذت تهزي وهو تقول آه… وبضعف وخذلان من أثر الحلم اللاهث فى رأسها ثم من أثر المخدر الذى كان نبيل قد وضعه فى المشروب الذى قدمه إليها آنفها.. ولكنها – لاشعورياً – راحت تدفع نبيل عنها، وتنأى بوجهها عن أنفاسه اللاهثة، وتمسك بيديه وهو يفك أزرار “البلوزة”.. ليعبث يصدرها الفائر.!!، ولكنها كانت كلما ازدادت الهلاوس فى رأسها ، وازدادت محاولات هروبها – فى الحلم – وهى تجرى على الرمال الساخنة.. زادت مقاومتها ضعفاً على ضعفها – لتزداد رغبة نبيل اشتعالاً، … لتهيج بواعثه وفورته من جديد..!!. حتى إذا ما انتهى من إثبات رجولته وفحولته التى كانت عواطف تتجاهلها فى صحوتها.!!، ارتمى الي جوارها على السرير يتصبب عرقاً.!! ولم تدر عواطف كم مر عليها من الوقت قبل أن تفيق إلى نفسها، وتعود من انهيارها العصبى الذى غيبها عن الوعى فجأة.، وتنظر حولها لتجد نفسها ملقاة على ظهرها شبه عارية بجوار نبيل.!!، وصرخت صرخة كادت تخترق جدران الحجرة، قائلة آ آ ه.!! ولكنها هذه المرة آه قوية ارتجف لها قلب نبيل الذى كان يتلذذ بها منذ لحظات.!! ولم تدر أيضا كيف رفعت ساقها العارية إلا من الحذاء، وسحبت منها فردة حذائها ذات “الكعب” الكبير المدبب، وانهالت بها على رأس ووجه نبيل الملقى على ظهره بجوارها فراح يصرخ وهو يغطى وجهه ورأسه بكفيه، فى حين قامت عواطف بسرعة ولملمت نفسها وقفلت أزرار “بلوزتها” وعقفت “جونلتها” على وسطها، ولما هالها منظر الدماء التى سالت بغزارة وراء أذن نبيل – فقد كان كعب حذائها به قطعة من الحديد.!! – لبست حذائها بسرعة.، والتقطت شنطة يدها .. وهربت وهى متعبة فى ذهولها وهلعها.!!
…. مرت هذه الأحداث على ذهن عواطف كأنها شريط سينمائى خاطف حيث مازال محمود ابن خالها راغب واقفا معها فى مكتبها.. ينتظر ردها على موضوع الصور..!!.
أفاقت عواطف من تذكرها لهذه اللحظات الحرجة مع نبيل، وانتبهت إلى صوت محمود وهو يسألها بسخرية لاذعة.
محمود: إيه.؟! روحتى فين.؟! أنا هنه… مش سمعانى.؟!!
عواطف: (فى زهول) هه .؟!! (ثم وهى تكلم نفسها) يبقى الأرجح إنه الزفت نبيل دا كان حاطط “كاميرا” فى مكان معين فى الاوضه ومستعد للحظة دى.. وزابطها عشان تلقط المناظر دى من ساعة ما … وقعت عالسرير.!! يادى النصيبة!!، تبقى وقعه سوده لو كان فيهم منظر وأنا رافعه رجلى عشان اسحب الجزمة من رجلى وأضربه على رأسه..؟!!
وما كادت عواطف تكمل جملتها الأخيرة حتى دخلت عليها “سكرتيرتها” قائلة بأن هناك شخص لا تعرفه قد أتى حالاً وترك لها هذا الظرف”.، وتناولها المظروف لتفتحه عواطف باستغراب.!!، لتجد بين يديها مجموعة من الصور “الفوتوغرافية لها مع نبيل (وإن كان لا يظهر وجهه.!!) – على السرير، وكأنهما فى وضع … ملتهب.!!
أخذت عواطف تصرخ بهستيرية وهى تمزق الصور قائلة (الكلب الجبان .. والله لأقتله.. والله لأقتله.،) ورغم محاولات محمود لتهدئتها… إلا أنها تمادت فى عنادها وأمسكت التليفون وطلبت منزل والدته “الحاجة نادرة”.. وبلا مقدمات أو تفاهم صرخت فيها (قولى لابنك الكلب الجبان.. إنى حاقتله… والله لاقتله.).!!
كان نبيل بعد حصوله على الشيكات التى تدين بها عواطف للتجار، وحصوله على رفض البنك لهذه الشيكات لأنها بدون رصيد!! – قد أحكم خطته للانتقام من عواطف فأخذ والدته وذهب بها عند خالته شقيقة والدته فى طنطا، وهناك رفع على عواطف قضية بأحد الشيكات، ثم ترك والدته عند شقيقتها ريما يعود إلى القاهرة ليكمل باقى خطة الانتقام، حيث اتصل بعواطف وجاءته فى شقة والدته وحدث ما حدث.، وبعد أن أفاق نبيل من الضربة التى تلقاها على رأسه بكعب حذاء عواطف.. ذهب إلى طنطا وأحضر والدته إلى شقتها بالقاهرة، وفى غضون أسابيع قليلة كان قد حصل على حكم غيابى ضد عواطف “إصدار شيكات بدون رصيد”..، وكان قد أخرج الصور التى التقطتها “الكاميرا” له مع عواطف، وانتقى منها بعض المشاهد التى يظهر فيها وجه عواطف ولا يظهر فيها وجهه هو، وأرفق هذه المجموعة من الصور الفاضحة مع خطاب غير موقع . (إلى نقابة المحامين..، وأرفق بالخطاب أيضاً صورة من حكم المحكمة على عواطف لإصدار شيكات بدون رصيد، وقال فى خطابه غير الموقع “إن هذه الصور لعواطف همام المحامية.. مع أحد عشاقها فى غيبة زوجها الغائب عنها منذ ست سنوات.، وأنها بذلك – بالإضافة إلى الحكم عليها فى قضية إصدار شيكات بدون رصيد – تكون غير أمينة على قضايا ومصالح موكليها، وطالب النقابة بإعمال قانون مزاولة المهنة بإيقافها عن العمل بهذه المهنة الشريفة السامية التى تتطلب أن يكون من يزاولها شريقاً منزها عن “السقوط” فى مثل هذه الرذائل.!!”.
وتشكلت لجنة من النقابة لفحص الشكوى، وتحققت من صدور الحكم فعلاً من المحكمة.، وتحققت أيضا من أن هذه الصور ليست “مفبركة”.. واو مركبة مثلا.. وإنما هى صور حقيقة بغض النظر عن الظروف التى أخذت فيها.!!، وعلى هذا أخذت اللجنة قراراً بإيقاف عواطف عن مزاولة مهنة المحاماة لحن النظر فى ثبوت إدانتها … لمنعها نهائياً من مزاولة هذه المهنة السامية.!!
وجاء هذا القرار بالإيقاف قاصما لظهر عواطف.، وتساقطت آمالها أمام عينيها وتهاوت طموحاتها، وانزوت فى حجرتها، ولم تجد أمامها فى ذلك الوقت إلا أن تقع فى عرض محمود ابن خالها بان لا يتكلم مع اى احد – خصوصاً خالها راغب – فى هذا الموضوع إلى أن تظهر الحقيقة.!!.، ولكن كيف ستستطيع إظهار الحقيقة وهى لا تقوى حتى على مجرد التكفير فيما يجب عليها أن تفعله ، وماذا تستطيع أن تفعل.؟! فهى حتى لو تنازلت لنبيل عن المحل وحصلت منه على الشيكات وحصلت على البراءة فى قضيتها بعد الطعن فى الحكم السابق.. فماذا تفعل فى فضيحة الصور الفاضحة المخلة التى وصلت إلى النقابة وسمع عنها معظم زملاء المهنة وكثير منهم الشامتون.!! ياللفضيحة.!! ماذا تفعل؟! هل قتل نبيل فعلاً.؟! أم تقوم بفع قضية تشهير صده لعلها تستطيع إثبات عدم صدق وواقعية هذه الصور.؟،ولكنها بذلك تكون كمن يقول لمن لم يسمع أن يسمع ويعرف ويبت.!! ولكن أيضا.. إذا سكنت فالسكوت معناه الإقرار بما حدث.
وإذن فلترفع قضية التشهير ضد نبل وليكن ما يكون. !! ولكن … أين نبيل؟ إنه كان قد سافر –منذ أيام فقط – إلى أمريكا – أرض الأحلام.، ولا ينوى هذه المرة أن يعود أو يفيق من أحلامه هناك.. إلا على على عالم جديد هنا فى مصر.
ـــ
كان نظيره – على حالها – تعيش فى شقتها المتواضعة مع ابنتها عفاف.، ولم تذهب مع عواطف فى شقتها ومكتبها الجديد.، ولم تكن عفاف موجودة مع امها حينما جاء شخص يقول انه محضر من المحكمة، ويريد تسليم السيدة “عواطف همام القاوى” إعلان من المحكمة، فأخذته نظيرة وهى تقول له إنها أم عواطف- وهى التى ربتها وعلمتها. وأنها – من عينها – سوف توصل لها هذا الخطاب الذى جاءها من المحكمة. !! (أمال أيه.؟. ما هى محامية كبيرة- ولازم طبعا المحكمة تبعتلها جوابات.!!،..، وطلب منها المحضران توقع باسمها بالاستلام فوقعت وهى فخورة بأنها تعرف وتستطيع أن توقع باسمها فهى ليست جاهلة.!!، ووضعت الخطاب (الإعلان) فى مكان ما ونسيت أن تذهب به إلى عواطف، والآن تسألها عواطف عن شيئ كهذا ، فتقول فى براءة . نظيره “يووه”.!! الواحد مخه حايشيل إيه وللا إيه يابتى. ؟! والنبى يا بتى من يوم الراجل بتاع المحكمة ما جابلى الجواب دا ليكى. ومضاتى عيه وانا نسيته هنه.!! (وتمد يدها تحت فرش “الكنبه” لتبحث عنه.!!).
عواطف (بأسى) لكن دانا عمرى ما شوفتك بتكتبى اسمك يا ماما.!!.
نظيرة:- وه يا بتى..!! مانا اتعلمت اكتب اسمى.. حتى من قبل ما اتجوز ابوبكى ..!! وكان خالك راغب يخلينى أفسر كلام الجورنال كل يوم جمعه.”
عواطف: (بأسى) يادى النصيبة!! طب ممكن لو سألوكى فى المحكمة تقولى إنك ما تعرفيش .. ولا ماحنيتبشى على حاجة ليه.؟”"
نظيره: (باستغراب) وه . “أقول كيف معرفش وانا اعرف يا بتى؟” وبعدين مانا زمان مضيت على قسيمة جوازى من ابوكى الله يرحمه.، وقدام القاضى كمان، يعنى لو جابو القسيمة ولقيونى ماضيه.. أطلع كدابه فى المحكمة يا بتى.؟”
عواطف:- (وهى تحاول ان تكون هادئة).. يامه “إنتى فاكرة قضية الورث بتاعك عند خالى كاظم.؟! آهى ضاعت عليكى بسب ورقه بصميتلوه عليها زى كه.. من غير ما تكونى عارفه فيها إيه.”.
نظيره: – (فى عتاب) يا بتى مش قولتلك قبل كده انه خالك جابها لى وقاللى إن لازم أبصم عليها عشان يطلعلى شهادة التسنين.، وكانت فاضيه خالص وقاللى إن القاضى بعدين حيملاها بمعرفته.”.
عواطف:- (وهى تضرب كفا بكف) آ÷و كتب عليها مبايعة بالخمس فدادين ولهفهم منك..” بحكم المحمة.” وبعدين فيكى يامه بس.؟”.
نظيره:- (يبأس) عاد الله يسامحه. (ثم تستدرك) لكن ليه اللى انتى فيه دا كله يا بتى.؟، عشان حكاية التشيح اللى راح منك يعنى وللا إيه.؟”
عواطف:-(بحزن ويأس) ترشيح إيه بس يامه؟، أنا عشان ورثك إللى ضاع. والمحل اللى ممكن يضيع منى… والمكتب والمحاماة… وكل حاجة يامه.”. حاقولك إيه بس.. اسكتى والنبى وسيبينى فى حالى.”.
وتقوم عواطف من جوار امها باكية.، فتقوم نظيرة ورائها متلهفة ملتعاعة لذلك الهم والحزن والبأس الذى رأته فى وجه الغاليه عواطف.” وترجوها أن تقول لها عن السبب، وأن تقول لها عن أشى شيئ ممكن أن تفعله من أجلها، حتى لو كان فيه حياتها.” فتقول لها عواطف:
عواطف:-(بعاطفه).. بعد الشر عليكى يامه.، انا بس عايزاكى لو طلبوكى فى المحكمه تقولى إن متعرفيش تكتبى ولا تقرى.. وإنك ما حصلش إنك مضيتى على حاجة من المحكمه ليه واصل.”
نظيره: (بلهفه) ولو قولت كده ما يجراش ليكى حاجه يا بتى.؟، حاضر.. من عينى يا عواطف… أقول يا بتى.”.
عواطف: (باستلام) آهى.. حاجه استأنف بيها الحكم الغيابى ده وخلاص.”
نظيره: (بحنان) ربنا يزيح عنك الوحش كله يا عواطف… قومى يا بتى.. شوفى حالك وخلليها على الله، وللا أقولك ؟، خليكى اتغدى معانا النهارده.، اختك عفاف زمانها جايه.. وعاملين سمك النهارده.”
عواطف: (بنبرة ضيق) سمك إيه وبتاع…ماهى عفاف دى كمان….”
نظيره: (باستغراب) إيه الكلام دا يا عواطف.؟ ما لها اختك عفاف يا بتى.؟!
عواطف: (بنرفزه) مش عارفه مالها.؟! فرحانه بيها يعنى وبشغلها بياعه فى الموسكى .. وناسيه هيه أخت مين دلؤك.؟!
نظيره: (باستكنار) وه.!! عاتقولى إيه يا عواطف.. إنتى نفسك كبرت على أختك عفاف وللا إيه .؟! لاع… ما تقوليش كده يا بتى.!!
عواطف: (باستدراك) لا يامه… ما فيش كبر ولا حاجه… بس أصلها عفاف يعنى … (وتقطم الكلام حيث طرقات على باب الشقة.، فتشير إليها أمها لتسكت لان عفاف لابد هى التى على الباب. … وتدخل عفاف مهللة لرؤية أختها عواطف، وتضع على المكتبة كيس المشتروات، وتهم عليها وتأخذها بالأحضان قائلة.
عفاف: (بفرح) أهلاً بالست المحامية.. مرتين اروحلك المكتب وما القاكيش.!! عملتى إيه فى قضية الشيكات دى.؟!!.
عواطف: آهو… كلفت واحد محامى زميلى يتابعها.،راح طلب أجل للسداد..! والمحكمة أجلتها شهر ونصف للسداد.!!.
عفاف: (وهى تهون عليها) ولا يهمك … بكره يعدلها ربنا.. المهم… إنتى لازم حاتتغدى معانا النهارده.، أمك عاملالنا سمك طازه.
عواطف: (وهى تمسك بطنها).. والله يا عفاف أنا مش عارفه مالى.. مليش نفس كده للأكل. ونفى غامه عليه.. وبيجينى مغص كده من أمبارح.!!.
عفاف: (بلا مبالاه) ياختى ما تشغليش بالك.!! شويه برد فى المعده.. حابقى اكترلك الليمون فى السمك.، (ويأتى صوت أمها نظيره من الداخل)
نظيره: (وهتى نادى) … يا عفاف.، حطى جورنان عالطربيزه.. وقريبيها على أختك عواطف وحطى عليها العيش.. انأ جايه بالسمك آهوه.
وتفعل عفاف كما قالت أمها..،ويأتى السمك.،وينهمك الجميع فى الأكل وهم يتجاذبون الحديث فى شتى المواضيع.، وفجأه.. تشعر عواطف بغثيان شديد.!!، وتقوم إلى الحوض لتغسل يديها من الأكل.، ولكنها راحت “تتبوع” بالقيئ.!! وتنشغل عليها امها فتذهب إليها فى “الحمام” لتجدها فى حالة تعب وغثيان.، وتكاد تقع من “الدوخه”، فتسندها وتصرخ.. (الحقى يا عفاف.. أختك عواطف حايغمى عليها..) وتسرع عفاف لتجد عواطف وقد سقطت من بين يدى أمها فى حالة إغماء شديد.!!، وتهرع فوراً إلى اقرب تليفون تطلب الإسعاف.، وتأتى الإسعاف لتأخذ عواطف إلى أقرب مستشفى، وهناك – بعد الكشف عليها – يخرج الطبيب قائلاً لعفاف التى كانت ترافقها.. فى حين كانت امها نظيره “تولول” بعيداً عنهما.. “مبروك… المدام حامل فى 45 يوم”!!..،وتنزل كلمات الطبيب على رأس عفاف كالصاعقة.!!، ولا تدرى ماذا تقول.!!، ماذا تقول لأمها.؟! وماذا تقول فى عواطف التى يتباهون بها جميعاً.؟! إنها متزوجة حقا – ولكن زوجها غائب عنها منذ ست سنوات”.!! فمن أين لها هذا الحمل.؟! يادى النصيبة.. يادى الفضيحة. ياساتر يا رب.،…وأفاقت عواطف إلى نفسها،وأخذتها عفاف وأمها إلى شقتها وباتوا ليلتهم معها.،ولكن لم تنم إلا نظيرة التى لم تكن قد علمت بشيئ مما قاله الطبيب عن حمل عواطف.!!، أما عفاف فقد سهرت مع أختها الجريحة… يتدبران الأمر فى همس وتكتم.!!
لم تجد عواطف بداً من أن تحكى لأختها عفاف عما حدث معها ليلة أن ذهبت إلى نبيل فى شقة والدته “الحاجة نادرة”..، وكيف خدعها … وحدث منه ما حدث.!، ولكنها راحت تقسم بأنها كان فى حالة انهيار عصبى وغيبويه كاملة.. ولم تشعر بما فعل.ّّ، وهكذا.. ونزولاً على رأى عفاف التى أخذتها فى اليوم التالى وذهبت معها إلى أم “المدعوق” نبيل.، وحكت عواطف الحكاية للحاجة نادرة مما فعله ابنها معها بالتفصيل.!! منذ أن بدأ فى مطاردتها ومعاكستها ومراودتها.. إلى موضوع الشيكات – إلى العشرين ألف جنيه التى أخذها منها ليلة عيد ميلاده التى خدعها بها – وحدث فيها ما حدث.!!، وكانت نتيجة ذلك أنها قد تدمرت حياتها… وها هى الآن قد أصبحت حاملاً منه!! فما العمل.؟!! ولم تجد “الحاجة نادرة” حيلة إلا إنها راحت تدعو على ابنها الغائب الغائب دعاءاً مراً وغاضباً .. وماذا تملك غير ذلك.؟!!، ولكنها تذكرت أنه كان قد ترك لها قبل سفره… هذه المرة رقم تليفون المكتب الهندسى الذى يعمل به هناك.. فى أمريكا.”، وطلبته على التليفون – من السنترال – وجاءت المكالمة بعد فترة كانت عواطف فيها على وشك الانهيار مرة أخرى، وكلمها نبيل.. وبعد أن سمع منها قال لها فى برود. (ولا يهمك يا عواطف..) اطلبى الطلاق من جوزك غيابى عن طريق المحكمة.. لأنه غايب عنك أكثر من ست سنين.!!، وأنا ليكى عليه.. أول ما تحكملك المحكمه بالطلاق.. آ<ر واتجوزك على طول.!!.. ويبقى كده مفيش مشاكل.!!،بس وحياتك إبقى ادفعيلى العشرين ألف – قيمة الشيكات – فى خزينة المحكمة بإسمى.!!، عشان تاخدى براءه كمانمنقضية الشيكات بدون رصيد، وأنا مستعد آجى اتجوزك على طول.!!).
…. وتركت عفاف سماعة التليفون من يدها فى يأس وذهول.، وتحاملت على أختها عفاف وهن يخرجن من عند أم نبيل فى حالة يرثى لها..، وحكت لأختها ما قاله ليها “المدعوق نبيل”.. فى التليفون.!!، وما الحل يا عفاف.؟!!
عفاف: إه.!! الأمر لله… نبات نار تصبح رماد ياختى.. ربك يساويها.!!
عواطف: (بنبرة مقهوره) طب إيه رأيك .. أنا فعلاً بافكر ارفع قضية تطليق من كمال.!! بس مش عشان اتجوز “المدعوق نبيل”.. لا .. عشان كمال والله .. ما يستاهلش الفضيحة دى.!!.. (وتبكى بحرقة).
عفاف: (وكأنها تفكر بجدية) طب وحكاية قضية الشيكات دى – حاتجيبى العشرين ألف منين عشان تدفعيها .. وفى خلال شهر ونصف.؟!
عواطف: (بحيرة ويأس) مش عارفه ياختى أعمل إيه.؟!! نبيل دمرنى من كل ناحية.!! وبعدين لو قدرنا على الفلوس .. حاعمل إيه فى الحمل ده.؟! وحتى لو المحكمة حكمتلى بالتطليق، ما هى الحكايه حتاخذ وقت .. يكون الحمل ظهر.!!
عفاف: (وقد كانت تفكر.. حتى لمعت عينها بفكرة).. إسمعى يا عواطف… إحنا ما قدامناش غير المجازفة.!! أنا حاخدك يومين كده عالصعيد.!!
عواطف: (بخوف شديد) الصعيد.؟! البلد يعنى.؟! قصدك أهلنا يدبحونى.. ويخلصونى … ويخلصوا منى يعنى .. وللا إيه.؟!
عفاف (بثقة) لا .. ما حدش إن شاء الله حايفرف حاجه.!!، أنا حاروح معاكى على اساس إن إحنا حانبيعوا النص فدان اللى كان أبونا الله يرحمه كتبهولنا.. عشان ندفعو فلوس القضية بتاعة الشيكات يعنى.!!
عواطف: (وقد لمعت امامها بارقة امل) والله فكره.!! لو قدرنا نبيعوا الأرض دى يبقى حلينا مشكلة الشيكا.!!،(ثم تتراجع بعاطفه).. لكن إنتى ذنبك إيه يا عفاف يضيع عليكى نصيبك.. مانتى ليكى نصها.!!
عفاف: (ننبل) ياختى سيبك من حكاية نصيبى ونصيبك دى.. إحنا اخوات ونصيبنا مربوط فى بعضه.!!، لكن أنا كما قصدى من السفر للصعيد حاجة تانيه يعنى حنضرب عصفورين بحجر واحد كمان أن شاء الله..!!
عواطف: (بمسكنه) إنتى ربنا بعتك ليه ضهر وسند يا عفاف!!،قولى ياختى.
عفاف: (بجديه).. عندك استعداد تتحملى.. وتخلصى من الحمل ده.. بطريقتنا.؟!
عواطف: (بدهشه) طريقتكم.؟! هو انتو ليكم طريقة لوحدكم فى الإجهاض يعنى.؟!!
عفاف: (بثقه) أيوه لينا.، إنتى بس اتوكلى على الله وسيبى الحكاية دى على الله ثم عليه.. (بس المهم ناخدو الورقات بتوع الأرض من أمنا.. ونقوللها أننا راحين الصعيد نبيعوها عشان ندفعو فلوس الشيكات فى المحكمة لاحسن إنتى تتحبسى يعنى.!!، وهيه حتقدر الموقف… وتوافق إن شاء الله.
عواطف: (باستسلام) والله يا عفاف ياختى.. أنا حاسيب نفسى ليكى..!!.
… أنا واثقة فيكى وفى تفكيرك.!!، واعملى اللى تقدرى عليه ياختى.!!
وفى الصباح الباكر – وكانت عفاف قد اخذت أوراق ملكية الأرض من أمها – وتأخذ عفاف بيد عواطف وتذهبان إلى محطة قطار الصعيد، وتقوم بحجز تذكرتين إلى جرجا..!! وتنتدهش عواطف … لماذا جرجا.؟!! … ،فتجيبها عفاف قائلة..
عفاف: ما حنا حانروحو جرجا الأول..!!، وبعدين حتعرفى كل حاجه.!! وتنزل عفاف وعواطف جرجا ..، وتستقلان سيارة “بالنفر” إلى إحدى القرى التابعة “لمركز جرجا”، وتدق عفاف بيدها على باب قديم لمنزل قديم هناك .. لتخرج لها امرأة تقارب الستين من عمرها .. وتنظر المرأة فى عفاف .. وتدقق النظر..!! وفجأة تهم عليها وتأخذها بالأحضان وهى تصرخ.. “نعيمه”.!!
كانت المرأة التى ذهبت إليها عفاف منذ أن اختطفتها “بخيته” وأعطتها لابنتها “رضيه” هذه لتربيها مع عيالها.. وأسمتها “نعيمه بت بير العين”. !! وكانت عواطف غارفة فى دهشتها.!! وإذن هذه هى الدار التى نشأت فيها “نعيمه”… قبل أن تصبح عفاف.!!
ولم تضع عفاف وقتا فى الضيافه.، فبعد أن عرفت “رضيه” على عواطف – راحت تحكى قصتها هى أولا “لرضية” منذ أن تركتها.. وكيف أنها تعرفت على أختها هذه –أى عواطف- فى محل الأحذية فى سوهاج بالصدفة.، ثم كيف رآها حمدان فى سوق بير العين وأراد أن يتزوجها، وأحضر جدتها بخيته ليخطبها منها.!! وعندما سمعتها وهى تحكى لحمدان – عن أصلها.، وأنها “عفاف بنت همام القاوى ونظيره الدويرى.. هربت وذهبت إلى أهلها… إلخ.”، ثم قالت “ودى عواطف اختى يا خالتى “رضيه” وعندها مشكلة وحلها عندك إنتى إن شاء الله”.، وانتحت عفاف “برضية” جانباً.. بعيداً عن عواطف لتحكى لها عن سرها.. وما تريد أن تفعله معها..، ثم قالت بمسكنه.. “بس بحق العيش والملح… والربايه اللى اتربتها عندك يا خالتى “رضية” لتحافظى عالسر ده.، وأحنا وقعنا فى عرضك تخليكى معانا.. تروحى معانا بير العين.. عشان نعملولها عملية “سقوط” – (أى إجهاض) “بسلاعه” من “النخلة المبروكة”.!!، وربنا يستر علينا وعليكى.، وأنا عارفه إنك عملتيها العملية دى قبل كده… وإيدك فيها الشفه.!!، وعشان كده جيالك من مصر مخصوص قاصدين ربنا وقاصدينك.، وما نقدروش نأمنو لحد غيرك يعملها.!!، وأديكى شايفاها المسكينه… صغيره فى السن وضعيفه كيف.؟!”.
وكأن “رضية الحلبية” قد اهتزت من كلام عفاف، وتأثرت بشدة.!!، ولكنها أظهرت خوفها الشديد من هذه العملية… وقالت فى تردد.!!
رضيه: بس يا نعيمه يا بتى .. يوه .. يا عفاف وللا إيه .. يقطعن.!!.. حكاية السقوط بالسلاعه دى خطر قوةى… ولو حصل حاجة لا قدر الله… حنروحو كلنا فى داهيه.!! وبعدين حنروحو وحدينا كيف.؟! مشر لازم حد يكون معانا من هناك.. يحرسنا يعنى – لاحسن كده ولا كده.!!
عفاف: (بثقه) يا خالتى إن شاء الله مش حايحصل غير كل خير.!!، وإن كان على إنه لازم حد يحرسنا من هناك.. إحنا ممكن فروحو “لحمدان أبو العين” نوفعو فى عرضه يبعت معانا حد من طرفه يحرسنا لغاية ما نخلصو الحكاية دى.!!
رضية: (بنشخه وعتاب) ؤه.!! “أنا أروح لحمدان أبو العين.؟! بعدما ساب أمى “بخيته” تأكلها الضباع فى الجبل.!! وما عرفناش حتى ناخذو جثتها ندفنوها.؟!! ليه.؟!!
عفاف: (بانزعاج وحزن مصطنع) يالهوتى..!! يالهوتى ياجدتى.!! كيف حصل كده لجدتى بخيتة.؟! (وقد خبأت وجهها فى كفيها وراحت تنتحب) يالهوتى ياجدتى.!! – ثم صمتت عفاف، وراحت تمسح فى عينيها – كأنها كانت تبكى بحرقة.!! رغم أنها كانت تعلم بذلك يوم عودتها إلى أمها وأبيها. !! عندما سمعت بذلك من أبيها “همام” وهو يحكى ما سمعه عن موت “بخيتة الحلبية”.!!، وأفاقت عفاف قائلة.
عفاف: (بحزن واستسلام) الأمر لله… الله يرحمك يا جدتى بختية.!! (ثم تسترسل..) لكن … إيه رأيك يا خالتى رضية.؟! إحنا نروحو بير العين… وإذا كان على حمدان أنا اللى حاقوللوه.!!، وأخليه يبعث معانا حد من طرفه.!! وحاقول عليك إنك “الداية” اللى جاية معانا تعمل العملية.، بس والنبى عاوزين منك خلاقات كده نلبسوهم كأننا – أنا وعواطف يعنى- منكم يعنى عشان ماحدش يعرفنا..!! مانتى عارفه قرايبنا فى “عرب الدوايره”.. لو دريو بينا – وباللى حصل – حايجرا لنا يه.؟!!.
رضية: (بتسليم).. خلاص يابتى.. بكره الصبح نروحو… واللى من الله يكون.!!
عفاف: (بسرعة) له.!!، ما نقدروش نبيتو ليلة تانية.!!، واحنا لينا من امبارح فى القطر، وبعدين وإحنا لسه فى الضحى.. نروحو دلوك والنبى عشان على الظهر كده نكونو هناك.. وعلى المغرب بالكتير نرجعو بالسلامة ونبقو بعد كده نبيتو عندك.. حتى تكون عواطف راقت من العملية.!! – ونزولاً على رغبة عفاف – قامت “رضية الحلبية” وأحضرت لهما ملابس وطرح سوداء، لبسناها حتى أصبحتا وكأنهن من الحلب فعلاً.!!، وهكذا.. ذهبن كلاً منهن إلى بير العين، وكان اليوم الأربعاء – أى لم يكن يوم سوق ولا زوار فى بير العين – وعرجن – كرأى عفاف – إلى “منضرة الحيص” مباشرة.، وطلبن مقابلة “حمدان”.. وجاء حمدان يفاجئ بأن التى تنتظره هى “نعيمة”… التى كانت قد هربت منه، ومن نفس المكان فى هذه “المنضرة”.. منذ ما يقرب من ثمانى سنوات.!!.
كشفت عفاف “لحمدان أبو العين” عن شخصيتها .. وقالت له بجرأة “أيوه.. أنا اللى كنت نعيمة اللى هربت منك..!! بس أنا دلوك “عفاف” بت همام القاوى.. ونظيرة الدويرى.، وزى ما قالتلك الحاجة بخيته الله يرحمها تمام..، وآدى البطاقة.. وآدى شهادة الميلاد اللى لقيتها عندها.. وكانت مخبياها منى…!! .. ثم فجأة تشير إلى عواطف قائلة “والأستاذة دى عواطف أختى.. بت همام ونظيرة برضو..!! بقيت محامية كبيرة فى مصر دلوك.،!! واهتز حمدان من داخله لسماع ذلك.، ولكنه تحكم فى نفسه ولم يتكلم .!! فقد عرف إذن أن نعيمة – أو عفاف هذه – لم تسمع يومها بقية الحكاية، ولم تعرف ان عواطف هذه ابنته من أمها نظيرة.!! – الحمد لله .. حليم ستار يا رب.!!-،
وأفاق حمدان من ذهوله وشروده ليستمع إلى عفاف وهى تقول – “بس يا عينى المسكينة وقعت فى المحظور غصب عنها والنبى يا ضبع الجبل.!! وجوزها غايب عنها بقاله سنين.، وعايزه تخلص من الحمل الحرام اللى فى بطنها ده.، وربك حليم ستار.!! وملقيناش حيلتنا .. غير الفارس الشهم “حمدان أبو العين”.. يحرسنا ويحمينا لغاية ما تروحو “حمام بير العين”.. نعملولها عملية سقوط “بسلاعة من النخلة المبروكة”.،!!.
وشعر حمدان كأن “جبل العين” ينهار فوق رأسه.، فهذه إذن هى ابنته – سفاحاً – نتيجة فعلته مع نظيرة الدويرى فى “حمام بير العين” !! وياللزمن الغريب القاسى ، فها هى ابنته هذه تأتى إليه وهى “حامل سفاحاً أيضاً.!! يساعدها فى التخلص من حملها – وهى لا تعلم أنه أباها.!!، ونظر حمدان أبو العين إلى عواطف وكانت الدموع قد فارت فى عينيه.!! حتى تعجبت عفاف ، وتعجبت عواطف التى لم تكن تعرفه قبل ذلك.!!، وراح حمدان فى ذهوله ، حيث ماذا يفعل الآن.؟! إنه لا يستطيع حتى أن يأخذ ابنته فى أحضانه.!!، ولا يستطيع حتى أن يقتلها ليغسل عارها..!، فلو قتلها سنكشف المستور، وتعم الفضيحة ، وهو لا يريد الفضيحة على الأقل بالنسبة لنظيرة التى كان وما يزال يعشقها.!، وأفاق حمدان على صوت عفاف وهى تقول له…
عفاف: قولت إيه يا ضبع الجبل.. واقعين فى عرضك..، وروح المسكينة دى فى إيدك .. وأنت أو الشهامة يا فارس بين العين.
حمدان: (يتأثر) والله يا عفاف يا بتى.. ربنا اسمه الستار.، وأنا مش حابعت معاكم حد.. وأنا حاروح معاكم بنفسى أنا وحنا.. وافضل معاكم لغاية ما تخلصو الحكاية دى زى مانتو عايزين.!! وياللاعاد عشان العصر أهو خلاص.. وللا تبيتو وتروحو بكره بدرى.. لأحسن العملية تطول.. والضلمة تضلم عليكم.؟!!
عفاف: لا … الوقت لسه بدرى.، بس عايزين حد يطلع النخلة المبروكة يجيبلنا منها “سلاعة” طويلة ومتينه – (حوالى 20سم)- وإحنا جايبين معانا القطن والشاش والمطهر – صبغة يود، وميكروكروم و.. كل حاجة.!!،
-ودخلت عواطف – وبجوارها عفاف ممسكة بذراعها.. ورضية الحلبية “الداية”..، فى حين وقف حمدان وحنا بعيداً عند النخلة، حتى تنتهى عملية “السقوط”.!!، ونامت عواطف على ظهرها فوق المصطبة التى بداخل “رواق الحمام” بجوار “حوض الحريم”، وطلبت منها “رضية” ان ترفع فخذيها لأعلى مع ثنى الركبتين، وأمسكت عفاف ركبتى أختها بحرص شديد وتمكن.!! وأغمضت عواطف عينيها، وأسلمت أمرها لله.!! وراحت “الداية” رضية تدخل “السلاعة” فى .. داخل عواطف.. حتى وصلت إلى الرحم.!! ومرة واحدة مفاجأة .. تضغط “الداية” ضغطة قوية، “بالسلاعة” داخل الرحم!!.. لتندفع الدماء بغزارة من رحم عواطف.، وتخرج المرأة “السلاعة” قليلاً.. لتعاود دفعها بقوة.. لتصرخ عواطف صرخة مدوية تردد صداها فى الجبل، حتى لتكاد تنزعج منها الضباع فى سكناتها..!! وينخلع لها قلب حمدان أبو العين.!! الواقف خارج الحمام يحاول أن يوارى دموعه عن حنا النصرانى بجواره.!!، وتمسك “الداية” رضية بإحدى ركبتى عواطف، وتمسك عفاف بالركبة الأخرى.. وتقول “الداية” إصرخى يا عواطف.!!، وتقول عفاف أيضاً.. إصرخى يا عواطف، تصرخ عواطف بكل ما لديها من قوة.. حتى نفلت منها أو من رحمها – قطعة صغيرة من اللحم المهترئ – مخضبة بالدماء، وتكون قطعة اللحم هذه هى الجنين الذى لم يكن قد تخلق بعد..!! وبسرعة تقوم المرأة “الداية” بسكب زجاجة “السبرتو الأبيض”، و”وصبغة اليود” على قطعة كبيرة من القطن والشاش، وتدسها بين فخذى عواطف.. التى راحت تنفجر صارخة من الألم الفظيع.!! وتخرج عفاف من “حمام الحريم”.. وتذهب إلى حيث يقف “حمدان أبو العين” فتأخذه بعيدا عن حنا.. وتقول له بتأثر وامتنان.
عفاف: متشكرين يا ضبع الجبل.. ربنا يبارك فيك ويجعلك سند لكل من كان فى كربه.، (ثم تستطرد) بس المسكينة دى مش حاتقدر تمشى على رجليها دلوك.. ولا تقدر تركب ركوبة حتى..!! عايزين عربية “كار” تنام على ضهرها فيها.. لغاية المنضرة ترتاح شوية كده لغاية ما نشوفولها “طرومبيل” يودينا سوهاج.، وبعدين .. (فيقاطعها حمدان بحدة).
حمدان: وبعدين إيه يا بتى.؟!! إنتى فاكرانى حاسبيها تمشى وهيه كده.؟! (ثم وهو يشير إلى حنا) روح يا حنا هات عربية كار حالاً.،
وراحت عفاف تتعجب من غرابة “حمدان أبو العين”.. وما يبدو عليه من الحزن والخوف الشديد على عواطف التى لم يرها إلا اليوم.!!، وتسأله عن ذلك فلم يستطع الإجابة.!! بل راح يبكى بكاءاً مرا لم تعرف له عفاف سبباً إلا طيبة قلب “ضبع الجبل حمدان”.!! وزاد من تعجبها.. أو إعجابها ذلك الرجل الطيب القلب، حينما راح حمدان ينظر إلى “حمام بير العين” ويقول :
.. جواك غزاله يا بير العين.. عيانه.
حلوه وصغيره.. كورقة خص.. دبلانه.
غدر بيها جبان، وكان من حقه جبانه.!!
وراحت عفاف تقلب كفيها فى عجب،!!، وتمصمص شفيها فى تعجب.!! حينما راح حمدان ينظر إلى الحمام.. ويسترسل قائلاً فى حزن شديد.
جواك غزاله يابير العين وهمها همى.!!
لو دم فاسد نزل منها.. تمكسى كمى..
حاقول للبير .. أنا المحقوق.. يابر زمى.،
دانا أبو العين.. وكانو دمها… دمى.!!
-وخرجت عواطف من الحمام مستندة على “الداية” رضية، وأختها عفاف.. وهى فى غاية الإعياء.، وجاء “حنا النصرانى” بعربة “الكارو” لتنطرح عليها عواطف على ظهرها وتجلس بجوارها كل من عفاف و “الداية” .. ممسكتان بركبتيها حتى لا تضمهما على الجرح.!!، وأقسم حمدان أن يستضيف عواطف وأختها عفاف إلى أن تتعافى، وركبهن ليذهب بهن “حنا” إلى المنضرة، ويذهب هو – أى حمدان – إلى طبيب الوحدة الصحية بنجع السمايعه ليقول له “عندينا واحدة رجلها اتعورت ونزفت دم كثير.. وعايزينلها حاجة تخلى الجرح دا يلم بسرعة.!!” فأعطاها الطبيب “مضاد حيوى” سرع المفعول..!!، وأخذ حمدان يهتم بنفسه برعاية عواطف وتغذيتها.. حتى تعافت، وأثناء فترة الضيافة كانت عفاف قد حكت “لحمدان” بقية حكاية عواطف فى موضوع الشيكات بدون رصيد، وحكم المحكمة عليها، وأنها تريد ان تذهب لتبيع لها النصف فدان الذى تملكانه لسداد مبلغ العشرين ألف جنيه فى المحكمة فوراً. قبل ميعاد مهلة السداد!!،
فى صباح اليوم التالى يأتى طعام الإفطار لعواطف .. ومها عفاف بالطبع، ويأتى حمدان ليقترب من عواطف ويضع أمامها “الزبدية”.. وهى آنية من الفخار – المليئة باللبن الطازج المغلى والمحلى بعسل النحل.، وزوج من “الفراخ” البلدى “بالمرقة” الساخنة.، ويضع حمدان يده على رأس عواطف فى حنان واضح .. ويقول لها..
حمدان: كلى يا بتى.. إنتى محتاجه غذه.، وسيبى الأمر لله.!!
عواطف: (بحزن عميق).. بلاش السؤال دا يا بتى.!! واحنا بشر.. والنبى آدم ضعيف مهما كان … والأمر لله وحده.!!
عفاف: (وكأنها تريد أن تطمئن عواطف).. عمك “حمدان أبو العين” ياعواطف ضبع الجبل.. وحامى الحمى.، وأحنا ضيوفه ، وهو أبو الكرم.!!
ويذهب حمدان،.. ويأتى إليهن مرة ثانية بعدما يقرب من الساعتين.!! ومعه هذه المرة – “لغة”.. أو كيس من القماش ملفوفا على بعضه، وينتحى بعفاف جانباً.. ويسلمها اللفة قائلاً..
حمدان: خدى يا عفاف يا بتى.. أدى العشرين ألف جنيه… إديهم لعواطف خليها تدفعهم فى المحكمة وتطلع براءه من قضية الشيكات اللى عاتقولى عليها ذى.!!، وآدى تلفون العمدة السميعى”.. لو احتاجتو أى حاجة .. تكلمونى فيه على طول.!!، ومش قادر أقولكم سلمولى على أمكم نظيرة يا بتى..!!، والأمر لله وحدة.!!
عفاف: وه يا بتى.. خدى الفلوس دى وخليها تدفع ديونها عاقولك.!! وما تتعبنيش يا بتى.. أنا عاوز أكفر عن ذنوب وحاجات كتير عملتها ما تحرمنيش من الثواب.. والتفكير عن ذنوبى عاد.!!
وتأخذ عفاف المبلغ وهى فى غاية الدهشة ..!! خصوصاً وهى تنظر إلى عينى حمدان وقد فارتا بالدموع.!!
ويأتى “حنا النصرانى” قائلاً.. الطرومبيل واقف بره يا ضبع الجبل. خليته دخل لغاية هنه بالعافية.!!، وخرج حمدان ووراءه عفاف وعواطف وراءهما “رضية”، وأخذ حمدان يوصى ويؤكد على السائق بأن يبقى معهن ويذهب بهن إلى حيث يقلن له.!!، ووقف حمدان يودعهم إلى أن انطلق بهن الطرومبيل، وتنزل عواطف وعفاف أمام محطة القطار بسوهاج، وتكمل رضية “بالطرومبيل” الى جرجا..،
وتحكى عفاف لامها نظيرة – بالاتفاق مع عواطف – أنها لم تجد أحداً يشترى منهن نصف الفدان، الذى يزرعه ابن عم والدها “حسين القاوى”، وهو رجل فقير ولا يملك أن يشتريه.، ولم تذهب بالطبع إلى خالهما كاظم فهى لا تريده حتى أن يعرف ما جرى لعواطف فيشمت فيها.!!، وأمام الحاجة الملحة، فقد اضطرا للذهاب إلى حمدان أبو العين.!! الذى رفض شراء النصف فدان، ولكنه قام مشكوراً – بعد سماع حكاية عواطف عن قضية الشيكات- بإعطائها مبلغ العشرين ألف دون أن يأخذ أوراق ملكية الأرض.!!، حيث قال أنه سبق وأن أخذ كثيراً من كاظم خالها.، وقال أيضاً أن هذا المبلغ قد يكون جزء من نصيب نظيرة عند كاظم فى ميراثها الذى ابتلعه.!!، وصدقت نظيره ما قالته عفاف، وأيدتها عواطف، وحيث كانت نظيرة تعلم تماما .. مدى شهامة حمدان.. وكرمه الزائد عن الحد.!!
بعد عدة أيام كانت عواطف قد تعافت تماماً، وذهبت إلى المحكمة وأودعت المبلغ فى خزينتها، وبذلك أخذت انقضاء دعوى للسداد.، وبعدها كسبت أيضا قضية التشهير التى أنت قد رفعتها ضد نبيل، بعد أن أثبتت سوء النية بقصد التشهير فى موضوع الصور.!!، وعلى ذلك ألغت نقابة المحامين قرار إيقافها عن مزاولة المهنة، وقامت “الحاجة نادرة” – والدة نبيل – بإعطاء عواطف – كتعويض لها – توكيلاً رسمياً عاماً.. بإدارة المحل كله، ولكن .. من أين لها الأموال التى تدير بها المحل بعد أن أصبح خالياً من البضائع.،!! حتى اضطرت أن تغلق المحل، وتتركه مغلقاً إلى حين.!!، وركزت فى عملها كمحامية وكأنها تبدأ مشوارها من جديد.!!،
لم تعد عواطف – رغم مرور وقت كبير على انقشاع هذه العواصف من حولها – راضية عن نفسها، ولم تشعر بالسعادة يوماً بعد ذلك، وكأن شيئاً بداخلها قد انكسر ولا سبيل لإصلاحه.!!، فهى تشعر دائماً بمرارة أنها لم تستطيع الحفاظ على حق وشرف زوجها الغائب كمال فى غيبته.!!، وأنها لم تعد تستحق أن تحمل اسمه وشرفه رغم طول غيبته.، ثم أنها – من ناحية أخرى – لا تستطيع أن تظل هكذا.. بدون زوج .. إلى نهاية العمر.!! فهى لا تعرف عنه شيئاً حتى الآن.!!، وتخاف على نفسها من أشياء كثيرة فى غيبة الزوج.!!، وكان هذا هو المعلن أمام عفاف التى عارضتها فى هذه الفكرة حينما قامت عواطف برفع دعوى تطليق من زوجها الغائب عنها لأكثر من ست سنوات.!!، وقبل صدور حكم التطليق بعدة أيام – تتواتر الأخبار عن قدوم العديد من المصريين العائدين هرباً من العراق والكويت بعد فترة طويلة من غيابهم، وإذن لعل الزوج الغائب كما يكون من بين هؤلاء العائدين.، وعلى ذلك قامت عواطف بسحب طلبها من المحكمة برجاء عاد كمال ويتمسك بها.!!، حيث كان من حق الزوج – إذا أثبت حضوره وتمسكه بزوجته قبل صدور حكم التطليق – أن يرفض هذا الطلاق.،.. ولم يكن أحداً يعلم بان هناك شخص آخر ينتظر طلاق عواطف بفارغ الصبر!!، إنه محمود راغب.. ابن خالها الذى كان دائماً ما يظهر عليه الميل نحوها.. من خلال كلامه وتصرفاته معها.!!، والذى كاد يجن عليها حينما عرف موضوع الصور مع نبيل.، ولكنه لم يكن فى وضع يسمح له بالتصريح بهذا الميل – كما كان يسميه تخفيفا من كلمة الحب!!- وقد كانت زوجته وأم أولاده هى الوحيدة التى تشعر بهذا الحب بحاستها كامرأة.!! وحتى كانت المشاكل بينهما – إسقاطاً على هذا الموضوع – قد وصلت إلى طريق مسدود.!!، حتى تركت له المنزل وأخذت أولادها .. وطلبت الطلاق.!!، وكانت مشاعر محمود قد زادت تجاه عواطف بعد أن طالت غيبة كما.!! وأصبح من حقها طلب الطلاق.، ولكن عواطف كانت قد استردت بعض أنفاسها بعد عودتها – جريحة النفس والجسد من العملية التى أجرتها فى “حمام بير العين”.!!، وفكرت ولكنها حينما ذهبت إلى المحكمة لطلب الطلاق لم يكن فى ذهنها محمود.!! ولكن محمود فهم العكس تماماً..ز مما زاد تعلقه بها وأصبح بعد الأيام لصدور حكم التطليق.!!، ولكن جاءت الأخبار الأخيرة بقرب عودة المصريين من الكويت والعراق مخيبة لآماله.!!.
ـــــ
فى عودة إلى “عرب الدوايرة” – وهى المنشأ الاصلى لمعظم أبطال قصتنا-، والتى كانت وكأن الزمن قد توقف بها انتظاراً لعودة “سالم همام القاوى”..، “وكما كاظم الدويرى”.. طرفى الثأر الذى مضى عليه الآن أكثر من عشر سنوات.!!، إلا من بعض الأمور مثل أن كاظم الدويرى قد أصبح شيخاً عجوزاً تجاوز الخامسة والسبعين من عمره.، وقد أثر فيه بل هده طول غياب ولده الوحيد كمال الذى لم يعد يعرف عنه شيئاً منذ سفره إلى الخليج بعد زواجه على غير رغبته هذه الزيجة المشئومة – من وجهة نظره – من عواطف بنت نظيره وهمام!!، وأيضاً كبرت صفية وانكسرت نفسها لذات السبب.، أما الحاجة كوثر فقد كان حالها الاسوء .. حيث لم يكن لديها حتى من تنتظر عودته.. فكانت كمن يعد أيامه فى الحياة بلا أمل فى شيئ.!!
كان الحاج كاظم – فى ذلك اليوم – يجلس على المصطبة المفروشة بالحصيرة “العبدانى” أمام داره حينما جاءه عامر – ابن مطاوع الكلاف – لاهثا مهرولا .. ليقول له أن سالم همام القاوى قد عاد من الخليج منذ الأمس، وأنه يقول أن كمال كاظم كان معه هناك وأنه بخير وقد عاد معه أيضا..، وأنهم كانوا معاً فى رحلة العودة، ولكن كمال بقى بالقاهرة ليذهب إلى زوجته وولده الذى سمع عنه ولم يره.، حيث سافر منذ سبع سنوات وكانت أمه عواطف حاملاً فيه.!،
فرع الرجل حتى شعر بان العافية قد دبت فى أوصاله من جديد، وقام من توه ليذهب إلى سالم يستطلع الخبر ويسأل ويتأكد مما قاله عامر، ولكن عامر رفض أن يذهب معه أو حتى يساعده فى القيام من مكانه ليأخذ أحداً غيره.!! وذهل كاظم.!! كيف يتجرأ ابن الكلاف الذى يعيش هو وأهله من خيره على هذا ؟!! وراح يشتم ويسب فى عامر حتى اضطر عامر أن يصرح له بالشيئ الذى لم يكن يرغب أن يقوله مما سمع عن سالم همام.!!، قال عامر وهو يكاد ينتحب أن سالم قد جمع أهله فى البلد. وأقسم أمامهم أنه كان باراً بثأر والده همام القاوى.، وأنه ما ذهب إلى الكويت أساسا إلا من أجل أن يأتى بكمال كاظم إلى هنا، ولكن الأحداث الأخيرة من حرب الخليج، وظروف كمال – الذى كان فى السجن هناك منذ سبع سنوات – هى التى أخرت عودتهم.!!، ولكن ها هو قد آن الأوان ، وجاء كمال.. ولا يبقى إلا أن يأتى كمال من القاهرة إلى هنا فى “عرب الدوايرة” ليأخذ سالم ثأر أبيه “همام” هنا أمامهم.، كما وعدهم قبل أن يسافر إلى الخليج.!!، ويقعد كاظم.. أو يهبط فى مكانه ذاهلاً حائراً مندهشاً..!! فما علاقة كمال ولده بثأر همام القاوى.؟! ألم يعتقد الجميع أن “حمدان أبو العين” هو الذى قتل “همام”.؟! إذن ما الجديد الذى غير هذا الاعتقاد عند سالم وأهله ووجه نظرهم إلى ولده كمال.؟، وراح الرجل يقلب فكره فى توجس من أن يكون سالم قد عرف الحقيقة.!! لكن الحقيقة لا يعرفها أحد غير “حمدان أبو العين” ..، و”وحنا النصرانى”- الذين كانا معه – أى مع كاظم – حينما قتل همام.!! فهل يعقل أن يكون سالم قد عرف الحقيقة من “حمدان” أو “حنا” .؟!! وكيف.؟! ومتى.؟!.، لقد ذهب سالم وأهله إلى “حمدان أبو العين” فى الجبل وحاولوا قتله لأخذ ثأر “همام القاوى” حينما كان سالم هنا بالمرة السابقة، وقالوا يومها أن “حمدان أبو العين” هرب منهم إلى الجبل ولم يتمكنوا منه،!!، وأهم قد أجلوا ثأرهم لحين عودة سالم من الخليج فى المرة القادمة.!! فما الذى غير موقفهم ووجههم إليه – أى إلى كاظم – وإلى ولده الوحيد كمال.؟!!
أوعز الحاج كاظم إلى عامل وحثه على أن “يشمسم” على الأخبار فى هذا الموضوع بكل ما يستطيع، ويأتيه بالخبر اليقين عن الشخص الذى يريد سالم أن يأخذ منه ثأر أبيه.؟!، وأنه – أى كاظم – مستعد لدفع أية مبالغ تلزم عامر أو غيره للحصول على هذا الخبر اليقين.!!، وأصبح هذا الموضوع فعلاً هو الشغل الشاغل لعامر الحاج كاظم لعدة أيام دون التوصل لكم قاطع.!!، ويقوم كاظم بالاتصال بأخيه راغب “تليفونيا” ليقول له انه لا يريد أن يعود كمال إلى “عرب الدوايرة” هذه الأيام بتاتاً.، وليبق بالقاهرة ولا يعود لخطورة الموقف عليه هنا.!! ، ولكن راغب يخبره فى التليفون أن كمال سافر اليوم من هنا إلى “عرب الدوايرة” وقد ركب القطار منذ ساعات.، وهو الآن فى طريقه إليكم.!!.
ظن كمال أن الاستقبال الباهت الذى قابله به أبوه كاظم هو من قبيل غضبه منه لزواجه من عواطف مثلا دون رغبته.!! ولذا راح يتأسف لوالده الذى لم يكن فى ذهنه شيئاً من هذا .. فقد انشغل كاظم حتى عن ما كان يحكيه له كمال عن العزاب والشقاء الذى لاقاه فى الكويت، وأن ذلك قد يكون لغضبه عليه ، ولذا يرجوه أن يسامحه ويرضى عنه.
!!، وحكى كمال لوالده عن رحلة العودة التى رافق فيها سالم همام الذى كان له خير رفيق، وخير صديق طوال فترة تواجدهما بالكويت.!! وأن سالم هذا رجل بمعنى الكلمة، فنعم الأخ ونعم الرجولة.!!… إلخ.
وفى هذه الأثناء يدخل عليهم عامر ليتنحى بالحاج كاظم جانباً.. ويسر إليه بأنه قد توصل إلى الخبر اليقين بأن سالم همام يعد العدة حالياً ليأخذ ثأر أبيه … من كمال.!!، وأن سالم وأهله قد صرحوا أخيرا بأن “حمدان أبو العين” هو الذى كشف لهم السر وقال أن كاظم الدويرى هو الذى قتل همام القاوى بعد أن لعب لعبته على حمدان وجاء به إلى “عرب الدوايره” ليأخذ منه بندقيته “المقروطة”، ويقتل بها همام ويلصق التهمة بحمدان.!!، وأن سالم وأهله يصدقون “حمدان أبو العين” الذى لا يكذب أبداً لأنه لا يخاف من أحد.!! بل إن سالم كان قد علم بذلك منذ المرة السابقة حينما ذهب ليقتل “حمدان” ، ولما عرف منه الحقيقة.. ذهب خصيصاً إلى العراق ومنها إلى الكويت ليأتى بكمال ويقتله هنا أمام أهله!! ، وأنهم رفضوا اخذ ثأرهم من كاظم نفسه لأنه عجوز ، و لأنه سيموت حتماً من الحزن على ولده.. بعد أن يقتل هنا أمام عينيه.!!
وكاد كمال يجن لسماع هذا الكلام.!! “سالم”.؟!، كيف.؟!! لقد كان له نعم الأخ والصديق طوال فترة بقائهما بالكويت.!!، وأثناء ترحيلهم إلى البصرة، ورحلة العودة التى تزاملوا فيها بالصدفة مع بعض الإخوة من الكويتيين الهاربين من الكويت فى نفس الطريق ورافقوهم إلى أن وصلوا إلى القاهرة.!! “سالم”.؟!!.. كيف يصدق.؟!.. ولكنها كانت الحقيقة.!! فأهل سالم كانوا يصرون على أخذ الثأر من كمال.. كما كان اتفاقهم مع سالم من قبل، وهم يطالبونه الآن بإلحاح.، حيث أن دم أبيه “همام” ما زال فى رقبته ولن يبرد فى تربته إلا بأخذ الثأر من كمال، وحرق قلب أبيه كاظم عليه .! وتدور أحداث الترقب والمطاردة من سالم لكمال.ن وتفشل محاولة سالم الأولى فى قتل كمال.!!، وهكذا… لم يجد كمال بداً من التسحب ليلاً… والهرب بحياته إلى القاهرة مرة ثانية.!!، ولم يجد ملازاً هناك إلا عمته نظيرة… بعد أن علم من محمود راغب.. أن عواطف زوجته كانت قد رفعت عليه – إلى على كمال – دعوى تطليق لغيابه عنها.!! ولكنها سحبت دعوتها قبل عودته بأيام.. عندما سمعت بقرب قدوم المصريين من الخارج.
راح كمال يحكى آلامه وأحزانه التى لا تريد أن تنتهى لعمته نظيره، وابنه عمته “عفاف”.!! فها قد عاد بعد رحلة عذابه بالكويت لسبع سنوات ليجد أمامه تهدياً بالقتل فى “عرب الدوايره”. فى ثأر لا ذنب له فيه.. ومن أعز الناس وأخلصهم معه.. سالم.!! ويأتى إلى القاهرة ليجد زوجته إلى أحبها طول عمره عواطف .. أم ابنه “عادل”.. قد رفعت عليه دعوى تطليق فى غيابه.!! فأين يذهب .؟!! لقد كره حياته، وشعر أنه لا يريده أحد.، ولا يخاف عليه أحد.!!، ولم يكن كما يعرف أن هناك قلباً يكاد ينفطر لسماعه هذا الكلام.!! إنه قلب “عفاف”.. أبنه عمته وأخت زوجته عواطف التى تطلب منه الطلاق بالمحكمة.!!، ولكن عواطف هى الأخرى لم تنسى أنها مازالت زوجته.، وأم ابنه “عادل”.. وأنه كما الذى عاشت معه أحلى أيام طفولتها وصباها.!!،
وتحمست عواطف -المحامية- عند سماعها لموضوع الثأر الذى ينوى عليه سالم.، وعقد جلسة فى منزل خالها راغب مع كمال، ومحمود راغب وأختها عفاف بالإضافة إلى أمهما نظيرة وخالها راغب.، واقتنع الجميع برأى الأستاذة المحامية حينما عرضت أن تأخذ أمها وأختها عفاف.. ليذهبن إلى سالم فى “عرب الدوايرة”.. ويقمن بإقناعه بأن يعفو عن كمال.. فى مقابل أن يتقدم كمال إلى سالم .. بكفته على يديه طالباً منه العفو.!! وقام سالم باستقبال أخته عفاف، وأخته عواطف.. الأستاذة المحامية.. التى راح بتباهى بها أمام أهله هنا فى عرب الدوايره.، فهى التى كانت قد رشحت نفسها فى الانتخابات فى مصر.!!، ولم تستطع عواطف أن تكذب أخاها أمام أهله.، بل عاشت دور الشخصية المهمة أمامهم رغم انكسارها من الأحداث التى مرت بها مؤخراً.،
شرحت عواطف لأخيها سالم هدفها الاساسى من الزيارة.!!، وقالت عفاف لأخيها سالم.. أن عواطف وإن كانت تخاف على كمال زوجها.. إلا أنها هى – أى عفاف- ليس لها فى الدنيا غير أخيها سالم.!!، فكيف سيكون حالها إذا قتل كمال وذهب سالم إلى السجن.؟!، وكثرت المحاورات والمداورات بين عواطف وعفاف من جهة، وبين سالم وأهله من جهة أخرى.،
وفى النهاية استطاعت عواطف المحامية، وعفاف الصادقة فى مشاعرها من إقناع سالم وأهله من قبول تقديم الكفن من كمال.، ولكن … كان الموضوع أكثر صعوبة من ذلك.!! ومن ناحية من يقوم بتقديم كفنه.. حيث أن هذا الموضوع .. هو بمثابة عار كبير لا يرضاه الكثيرون من الذين يعاندون.، ويتعنتون فيه.!!، ولكن عواطف وعفاف تعهدتا بإقناع كمال بذلك.!!، وبذلك يكون سالم قد أخذ حقه وعفى بمحض إرادته عن كمال، وأن ذلك سيكون أمام البلدة كلها، وبحضور الحكومة وعلى رأسها مدير الأمن ومأمور المركز.، بل قد يأتى المحافظ شخصياً.، وهكذا استطاع عواطف ومعها عفاف أن تؤثرا على سالم، وعلى أهله المتشردين حتى قبلوا هذا الأمر وارتضوه على مضض.!!
أخذت عواطف أخيها سالم ومجموعة من أهله وذهبت بهم إلى مأمور المركز لكى تطلعه على ما تم الاتفاق عليه، وفى الحقيقة كان لعواطف غرض آخر.. هو أن يكون ذلك بمثابة إقرار منهم أمام المأمور بأنهم قد قبلوا هذا الصلح.!!، ورحب المأمور بهذا الأمر، وقام بإبلاغ السيد مدير الأمن الذى رحب أيضاً بالفكرة، وقام بدوره بإبلاغ السيد المحافظ.. الذى أبدى استعداده لحضور هذا الصلح بنفسه.،
اتصلت عواطف، وعفاف أيضا – بكمال.. الذى سارع بقبول هذا الأمر، وقام بالاتصال بوالده من القاهرة يبلغه بأنه قادم لإتمام الصلح الذى تم الاتفاق عليه.، ولكن الرجل الذى بلغ من العمر عتياً.. ثار فى وجه ولده وأرغى وأزبد وهدده إذا فعل ذلك أن يقوم هو بقتله أمام الجميع.!!، وأنه أهون عليه أن يراه قتيلاً … من أن يراه فى هذا الموقف الذليل.. وهو يقدم كفنه لسالم.. ابن همام القاوى.، “حتى لو انطبقت السماء على الأرض”.!!!، ولكن كمال كان قد اقتنع بهذا الحل، والذى لا يجد أمامه غيره.!!، وخصوصا بعد أن كانت عواطف قد أبلغت السلطات والجهات الرسمية.، وتم تحديد ميعاداً لإتمامه.!!.
وعاد كمال من القاهرة.، وأول ما فعله أن اصطحب عمته نظيره.. التى كانت بالطبع ومنذ قدومها مع ابنتيها عواطف وعفاف من القاهرة – تقيم فى منزل كاظم – فهو منزل والدها أساسا- فى حين كانت عواطف وعفاف قد ذهبتا بالطبع إلى منزل أخيهما “سالم”.!!، اصطحب كمال عمته نظيرة وذهب بها إلى منزل سالم همام القاوى.!!، وكان قد أرسل بالطبع إلى سالم من يخبره بزيارة كمال مسبقاً.!!، وكان قد أرسل بالطبع إلى سالم من يخبره بزيارة كمال مسبقا.!!، ورحب سالم باستقبال كمال فى بيته.. خصوصاً وأن معه أرملة والده – نظيره – أم أختيه عواطف وعفاف، والتى لها فضل التربية عليه منذ طفولته.،وإن كانت الأصول تفرض على سالم استقبال من يأتى إلى بيته حتى لو كان بنيهم ثأر.!! فهذه نقرة وتلك نقرة أخرى.!!،
ثار كاظم الدويرى على ولده لهذه الخطورة أيضا، وأقسم أنه سيتبرأ منه إذا أتم الصلح مع سالم بتقديم الكفن، ولكن كمال الذى زاق الأمرين من عنجيهة والده أصر على إتمام الصلح، وكانت خطورة ذهابه مع عمته نظيرة إلى سالم فى بيته مقدمة لهذا الصلح، رغم أن كمال صرح أمام الجميع هناك بأنه لم يرضى بهذا الصلح على هذه الطريقة خوفاً على حياته .. بقدر ما يريد أن يكون بهذا قد وضع أساسا ومثلاً يحتذى به لحقن الدماء بين الأهل.!!، وأبلغ سالم وعواطف وعفاف وكل آل القاوى أنه لن يأبه بتهديد والده، وأنه عازم على تنفيذ الصلح ومرتض به.
تم عمل سرادق كبير فى “الوسعاية” أو “السهراية”.. التى أمام الجامع الكبير فى “عرب الدوايره”، وكانت هذه البقعة – بالصدفة – هى التى كانت قد شهدت واقعة مقتل “همام القاوى” على يد كاظم الدويرى.!!، وبالمقروطة التى أخذها من “حمدان أبو العين” بالخديعة.!!، وحضر المسئولون من المراكز والمحافظة، وأخذ المشايخ وذوى الرأى والكلمة ولجنة المصالحات بالمركز يلقون بكلماتهم الدينية والاجتماعية الإصلاحية فى هذه المناسبة.، مبينين حرمة الدم، وكبيرة الكبائر بقتل النفس التى حرم الله إلا بالحق.، وعن طريق ولى الأمر إذا كان القصاص.!! وأن موضوع الثأر هذا من أكبر الكبائر التى تغضب الله… و… و…، وجاءت اللحظة التى يتقدم فيها كمال حاملاً كفنه على يديه ليقدمه إلى سالم.. فى إشارة إلى أنه يطلب منه العفو.، وأنه – أى سالم – يكون بهذا قد أخذ حقه فى ثأر أبيه وعفى وتنازل عنه بمحض إرادته.، وإلا فهذا هو الكفن – أى كفن كمال – بين يديه.!!، وآه لو يتذكر أو يستوعب القاتلون مرارة انتظار الأخذ بالثأر.. أو ذلك تقديم الكفن وطلب العفو.. فى مثل هذه اللحظة.!!
وتقدم كمال حاملاً كفنه على يديه .. وسط دقات القلوب التى علت، والعيون التى تعلقت، والانفاس التى احتبست ثم تلاحقت لاهثة فى انتظار اللحظة التى ينطق فيها كمال فى مواجهة سالم قائلاً.
كمال: (بصوت متحشرج.. ولكن بتصميم).. أنا مديون لك بعمرى اللى جاى كله يا سالم لو عفيت عنى.!!، ولو مش قادر تعفى عنى.. أدى كفنى بين أيديك.!!
وتسمر سالم فى مكانه وراح يحملق فى كمال تارة وفى الحاضرين تارة أخرى.!، وبدأ وكأنه تائه .. أو كأنه سيتخذ قراراً آخراً – غير الذى تم الاتفاق عليه.!!، وطالت اللحظة.، وعاد سالم لينظر فى عينى كمال الواقف أمامه لا يكاد يستطيع أن يبلغ ريقه.!!، وفجأة .. ترفرف الدموع فى عينيهما.. وبلا شعور يندفع سالم ليأخذ كمال بين ذراعيه ويحتضنه كأنه كان يشتاق إليه منذ سنوات عديدة.!! واجهت كمال … فأجهش معه سالم فى البكاء. !! ولكن سرعان ما اعتدل سالم فى شهامة ونبل.. قائلاً أمام هذا الحشد من الأهل والبلد كلها والحكومة والمسئولين بالمحافظة.، “وأنا عفيت عنك يا كمال ياخوى.، والأعمار بيد الله وحده.. روح يا كمال يا ولد كاظم الدويرى.. إحنا خالصين.. ومليش عندك تار.”.
ويهتف الجميع الله أكبر ألف مبروك يا كمال.. ألف مبروك يا سالم الحمد لله الحمد لله.. وقف الحاضرون من أهل القرية، ويقف المأمور والمسئولون الحاضرون بما فيهم مدير الأمن والمحافظ شخصياً.. يهنئون سالم وكمال.. على إتمام الصلح، ويقرأون الفاتحة على أنهم شهود على ذلك.،
ولكن كأن الشر قد ألقى قطعة من ذيله لتتحرك وسط هذا الجمع.، وتفسد عليه فرحة الصلح.. لان الصلح خير… والشر لا يرضى بذلك طبعاً.!! ففى هذه اللحظات الحاسمة تنشق الأرض عن هذا الرجل الطاعن فى السن الذى لا يكاد يرى .. او يسمع .. بعدما بلغ من العمر عتياً حتى هرم انحنى ظهره، إنه كاظم الدويرى – والد كمال – جاء بعنجهيته القديمة صارخاً.. (متقدمش كفنك يا كمال.!!.. الموت أشرفلك من العار طول عمرك.. ) يا ولدى .!! متقدمش كفنك يا كمال.، انته مليكش ذهب يا ولدى .. أنا اللى قتلت همام القاوى بإيدى دى.!!، واللى عاوز ياخذ تاره.. ياجى يأخذ تاره منى أنا.!!، وأخذ كاظم يطلق الرصاص عشوائياً من بندقيته التى لا تكاد يقدر على حملها.!! ثم يصيح قائلاً.. (الراجع صح ياجى يأخذ تارة منى) ويطلق الرصاص.!!.
وإذن كان كاظم يملك بندقيه.!!، فلماذا كذب على “حمدان أبو العين” وقال أنه لا يملك الا مسدساً مرخصاً”… ولا يستطيع استخدامه بالطبع لأنه مرخص وسنكشف أمره.!! وضحك على حمدان حتى أتى معه وأعطاه المقروطة.. إلا إذا كان ذلك مخططا ومقصودا منه ليلصق التهمة بحمدان.؟!، ويحاول كاظم أن يطلع “التبة” العالية خلف “الوسعاية” المقام فيها السرادق.. ليطلق النار من أعلى فيكون فوق رؤوس الحاضرين جميعاً.!!، – وهو لا يكاد يرى- ويهب سالم ليجرى عليه..، ولكن كاظم كان قد أطلق رصاصة نحونه لتمرق من جوار أذنه.. فيتوقف، فيطلق ظاظم رصاصة ثانية وهو فاقد التركيز، وتمرق الرصاصة.. ولكن هذه المرة لتخترق صدر ولده كمال.!!، وتصرخ عفاف صرحة مدوية.!! “كماااااال.!!” ويسمعها كاظم فيعرف أنه قد يكون أصاب ولده.. فيكاد يجن ويطلق الرصاص على الموجودين بلا تمييز وكأنه قد أصابته هيستريا.. وتصرخ صفية وتصرخ نظيره .. (اللتان جاءتا وراء كاظم يحاولان منعه).!!، ويهب سالم مرة أخرى.. ولكنه هذه المرة يتسحب لينزوى خلف الجموع .. بالسرادق ، .. ويتحسب فى غفلة من الجميع، وبأقصى ما يستطيع من السرعة والتخفى يصل إلى “التبة” من الخلف، ويصعد خلف كاظم، ويقترب منه ويهجم عليه من الخلف فجأة ويدفعه دفعة قوية ليقع كاظم على وجهه وتقع البندقية من يده على بعد خطوة منه، ويحكم فارق السن والعافية كان سالم أسرع لالتقاطها، ويسحب سالم أجزاء البندقية ويوجهها إلى صدر كاظم الدويرى.. ناوياً هذه المرة على قتله.!!، وفجأة.. يأتى من بعيد طلق نارى .. يتبعه صوت جهورى قوى. وإن كان لرجل قارب الشيخوخة والهرم!!، ولكنه كان صوتا يعرفه الجميع من أهل المنطقة..، إنه صوت “حمدان أبو العين”.!!، الذى أخذ ينادى على سالم بأعلى صوته (لا .. إيدك يا واد.!!، عنك انته يابوهما.!!، عنك انته ياسالم ياولدى.. أنا اللى لازم اقتل كاظم … “طاخ”.،.!!، وتخترق الرصاصة من البندقية “المقروطة” قلب كاظم الدويرى.. ليموت فى الحال.!!، ووسط ذهول الحاضرين وصيحاتهم.، وصراخ صفية ونظيرة.، وكانت الشرطة قد استعدت “الإسعاف” فوراً لنقل كمال إلى المستشفى المركزى بالبندر لإنقاذه.، ولكن المشهد ما زال ملتهباً، والأنفاس ما زالت لاهثة متلاحقة.، والكل ينظر نحو حمدان أبو العين الذى ظهر فجأة كأن الأرض قد انشقت عنه.، والذى – رغم كبر سنه- فقد أصاب كاظم فى مقتل من بعيد.!!، ولكن المأمور… الذى وقف مشدوهاً ينظر إلى حمدان كبقية الناس كان ينظر وفى ذهنه شيئ آخر.!!، لم تكن وقفته ولا نظرته لحمدان فى ذهول وإعجاب مصحوب بالدهشة كبقية الحاضرين.، بل كان ينظر إليه بتركيز شديد.!!.. حتى عادت له الذكرى لأكثر من عشرين عاماً إلى الوراء.!!، فقد كان مأمور المركز هذا .. هو نفس الضابط الذى اقتاد القوة التى ذهبت لتقبض على “حمدان أبو العين” و “حنا النصرانى”.. بعد الإبلاغ عن خطف كمال كاظم.!! ولكنه يومها.. لم تمكنه طبيعة المنطقة والمسالك الجبلية، والزراعات المتناثرة هنا وهناك بسفح الجبل.. من القبض عليهما.، وتذكر المأمور الترقية التى كانت قد ضاعت منه بسبب هذه الواقعة.، وتذكر تهكم حمدان عليه بعد أن “فرغ مسدسه” الميرى من الرصاص.!!، وها هى الفرصة قد حانت أمامه مرة أخرى… فها هو حمدان، يقف من خلفه ايضا “حنا” يحمى ظهره.!!، وها هو حمدان قاطع الطريق، والقاتل الشقى طريد العدالة.. يقتل كاظم جهاً نهاراً أمام الحكوم.!، وينسى الضابط رتبته الكبيرة التى وصل إليها..، وينسى كل شيئ أمام الواجب.، فيتسحب – شاهرا طبنجته الميرى من جنبه – وينسحب من خلف الجموع الذاهلة، لينطلق كالفهد الذى شاهد فريسة عن بعد.!!، وأخذ الضابط – المأمور – يجرى ناحية التبة العالية الأخرى التى يقف فوفها حمدان وحنا، ويلتف حولها.. حتى يصل إلى خلف حمدان، ويواصل الضابط الكبير المشى بحذر والتخفى.. حتى وصل إلى قطعة بارزة من الصخر على بعد خطوات خلف حمدان الذى لم يضع فى حسباه أن هناك من يجرؤ على الاقتراب منه.!! وفى هذه اللحظات بالذات وهو يمسك ببندقيته “المقروطة”.. وخلفه حنا النصرانى.!!، .. ولكن الضابط الكبير المتمرس كان قد أخذ فى حسبانه ساتراً بينهما .. وصوب طبنجته نحو حمدان.. ونادى عليه (سلم نفسك يا حمدان.!!، .. وأطلق فى نفس اللحظة رصاصة بين قدمى حمدان، وأخرى بين قدمى “حنا النصرانى”.. ، واستدار حمدان أبو العين .. ليواجه الضابط وهو يزأر كالأسد الجريح.!! ونظر إلى الضابط نظرة طويلة ثاقبة.!! فلما تأكد منه قال فى تعجب وتهكم … (وه.!! هو انته يا حضرة الزابط.؟!.. فاكرنى يا بيه من عشرين سنة دلوك..؟! – طاخ..!!) ويطلق حمدان طلقة ماكرة ليتفاداها الضابط بأعجوبة خلف الحجر الكبير الذى اتخذه ساتراً..، ويضغط الضابط على زناد طبنجته فى غيط.. لتخرج الرصاصة مخترقة كتف “حمدان أبو العين”.، ليصرخ حمدان آاااه.!!.. أول مرة يطيش نشانك يا حمدان.!! عليه العوض”.!!، ويتبعها الضابط بطلقة أخرى بين قدمى حمدان.. فيتعثر حمدان وتقع منه بندقيته.!!، ورصاصة اخرى بين قدمى “حنا النصرانى” الذى كان قد اختبئ خلف ظهر حمدان وهو يصرخ… “حمداااان”.!! ليرد عليه حمدان (اضرب ياحنه.. ما تخليش نهاية حمدان أبو العين تبقى كده يا حنه.!! اضرب الزابط يا حنه قبل ما يخلص علينا أحنا التنين.، اضرب يا حنه.).،
وهنا .. جاءت اللحظة الفارقة… التى طالما جاءت كهاجس على ذهن حمدان.. “فها هو “حنا النصرانى” الذى لازمه كظله أكثر من خمسة وعشرين سنة.، ولم يخالف له امراً طوال هذه المدة.، تبرق عيناه فى عينى حمدان.. وهو يدفعه بسرعة لينبطحا على الأرض سوياً.!! ويظن حمدان أن حنا يأخذ وضع الاستعداد ليطلق الرصاص على الضابط.، ولكن حنا كان قد وضع فوهة البندقية فى جنب حمدان وهو منبطح بجواره.. ونظر إلى حمدان فى مكر.. قائلاً.. (فاكر تريزا يا حمدان.؟!!)، وكان الضابط المختبئ خلف الحجر الكبير الذى اتخذ منه ساتراً .. ينظر إليهما باستغراب.!! وظن للحظة أن حنا يحاول إقناع حمدان بالتسليم.!!، فانتظر ما تسفر عنه “وشوشاتهم” غير المفهومة.!!، ولكن طلقاً نارياً مكتوما .. يتبعه طلق آخر كانا قد استقرا فى جنب “حمدان أبو العين”.. من بندقية “حنا النصرانى” الراقد بجواره.. يعاتبه فى تريزا.!! ويقف حنا صارخاً.. “أنا اللى قتلت حمدان.. أنا اللى قتلت ضبع الشرق كله…!) وكأنه قد اصابه مس من الجنون .. حين راح يصرح بهستيرية وهو يفرغ باقى رصاص بندقيته بين فخذى حمدان أبو العين قائلاً (خذ يا حمدان.. وابقى سلملى على ترزيا فى جهنم.!! ها ها هااااااا.. ها ها هاااااا.!!).، وفجأة كان حنا قد أفاق إلى نفسه فراح يبكى وهو يهوى على صدر حمدان.!! ويقول (آآآآه.. وبعدين يا حمدان.؟! مانا برضو ماليس عيش بعدك يا ضبع الجبل.!!، ويضع حنا فوهة بندقيته تحت ذقنه.!!، ويضغط على الزناد.. لتخرج الرصاصات الباقية فيها مخترقة حلق حنا إلى رأسه.. ليرتمى قتيلاً.. فوق صدر “حمدان أبو العين”.!!.
ويعود الضابط الكبير إلى مكانه فى سرادق الصلح، بعد أن أشار إلى المسئولين المتواجدين، وألى “قوات الأمن” التى كان مدير الأمن قد استدعاها فوراً.. وأحاطت المكان .. بان كل شيئ قد انتهى.، وليهدأ الجميع.
وأسدل الستار على حياة اثنين من أكثر الشخصيات التى تواترت عنها الحكايات.. ما بين الكثير من الشماتة على هذه النهاية، وبين القليل من الأسى على شهامة ورجولة “حمدان أبو العين”.!!، ولكنهما على أية حال .. كانا فى نظر القانون والحكومة وكثير ممن اكتوى بنارهما.. من اعتى المجرمين الذين ادخلوا الرعب فى قلوب الآمنين من أهل المنطقة كلها لسنوات طويلة.!!،
وكأن الفرحة العامة.. والخاصة.. بموت “حمدان” و “حنا”.. قد أنست الحاضرين ما حدث لسالم وكمال.، حيث القى سالم بندقية كاظم بجوار جثته بعد أن قتله حمدان أبو العين أمام الجميع.، وهرع سالم إلى أختيه عفاف وعواطف، وكانت معهن أمهما نظيرة..، ثم صفية أم كمال.. وقد أحطن جميعهن بكمال وهم يصرخون..، ولم يذهب احد لرؤية جثة كاظم إلا واحدة.!!، وتعجب سالم من عفاف التى احتضنت كمال من الخلف، وقد امتقع وجهها، وكأن قلبها ينخلغ من مكانه خوفاً عليه فلا تقوى حتى على الصراخ.!! فصحيح أنه ابن خالها..، وزوج أختها عواطف، ولكن… ألم تكن عواطف هى الأحق بذلك.؟!! وبسرعة قام سالم بمعاونة راجل الإسعاف فى حمل كمال وإدخاله إلى السيارة التى وصلت تواً.، وكانت هناك سيارة أخرى قد جاءت لتحمل جثة كاظم..، وجثتى “حمدان وحنا”، ولكن إلى المشرحة.!!
وأما المرأة التى كانت أكثر من احترق قلبها على كاظم الدويرى.. فهى الحاجة كوثر.. وزوجته الأولى.، وابنه عمه التى كانت رغم زواجه من غيها ، ورغم كل الظروف التى مرت بها.. باقية على عهده وحبه.!!، توكأت الحاجة كوثر على عكازها إلى أن وصلت على مقربة من التبة العالية التى كان يقف فوقها “حمدان وحنا”.. وتعلقت برجال الإسعاف والأمن وهم ينقلون جثتيهما، وخلعت حذاءها.، وانهالت به ضرباً فى جثة حمدان مرة، وجثة حنا مرة !! حتى منعها من ذلك أفراد الشرطة.. وأبعدوها عن المكان كله.!!.
“المشهد الأخير”
فى صالة الانتظار بالمستشفى المركزى بالبندر.، يأتى التومرجى متفحصاً الجالسين والواقفين قائلاً..
التومرجى: (وكأنه سيصدر أمراً).. مين فيكم سالم؟! (فينهض سالم بسرعة .. قائلاً)
سالم: أيوه.، أنا سالم.. خير ياباش ترمجى.؟! (ويتجاهله التومرجى قائلاً).
التومرجى: ومين عفاف.؟! (فتنهض عفاف مسرعة متلهفة – قائلة)
عفاف: أيوه .. أنا هوه.، فيه أيه يا عم الله يكرمك.؟! (يتهلل وجه التومرجى قائلاً)
التومرجى: الحلاوة.!! حلاوة السلامة.؟!! (فيقول له سالم بلهفة)
سالم: يا عم حاديلك اللى انته عاوزه.، بس قوللى أيه الحكاية.؟!
التومرجى: ألف مبروك (متهلللا).. المصاب اللى فى “العناية المركزة” من أمبارح خلاص فاق من البنج..، والعملية نجحت والحمد لله.،.. وأول حاجة نطق بيها بعدما فاق. “عادل”.. “عفاف”.. “سالم”.!! .. فين بقى الحلاوة ياسى سالم، .. وياست عفا.؟!
ويدس سالم فى يد التومرجى ورقة مالية كبيرة..، ثم يهرول خلف عفاف وعواطف، حيث كانتا قد أسرعتنا إلى غرفة “العناية المركزة”.. ، وهاهم يشيرون لكمال من بعيد – خلف النافذة الزجاجية – فيشير كمال إليهم بإشارة خفيفة من يده، وابتسامه عريضة.!! وسالت الدموع لتروى خدود “عفاف” التى كانت وكأنها قد شققها جفاف الأحداث المتلاحقة فى الأيام الماضية.!!، ولاحظ ذلك الطبيب المشرف فقال لهم أن يتركوه اليوم.، وغدا!.، ثم بعد عد .. سيستطيعون أن يجلسوا معه ويطمئنون عليه كما يريدون.،.
تذهب “صفية” ومعها نظيرة وابنتيها عواطف وعفاف بصحبة سالم إلى المستشفى لرؤية “كمال”.، وهاهم – فى صالة الانتظار بالمستشفى يتقابلون مع الأستاذ راغب وابنه محمود أيضا، ولكن المشرفون بالمستشفى – اشفاقا على كمال – يقولون لهذا الجمع.، “ما ينفعش المجموعة دى كلها.. تدخل على المريض مرة واحدة كده.!! لو سمحتو ممكن تقسموا نفسكم على مرتين” ، فتدخل “صفية” – أم كمال – ومعها عواطف وعفاف، وسالم.!!، ويبقى فى الانتظار نظيرة، والأستاذ راغب وولده محمود.
بمجرد الدخول تندفع “صفية” ووراءها عواطف ليحتضنا كمال بعاطفة جياشة، وتقولان بما يشبه الانتحاب “الحمد لله على سلامتك يا كمال”.، وودت “عفاف” لو أنها تستطيع أن تفعل مثلهن، ولكن ذلك لا يليق.!! واكتفت عفاف بان اقتربت ومالت على كمال واضعة يدها اليمنى على كتفه ، متكأة بيديها اليسرى على حافة السرير..، وبنظرة حانية وصوت ينطق بالعاطفة الصادقة قالت “الحمد لله .. ربنا نجاك.. وجبر خاطر اللى مجنانينك وعاوزين لضفرك.، ومستنيين تقوملهم بالسلامة”.!! وتنظر إلى عواطف فتجدها منتبهة لكلامها.. فتستدرك عفاف .. “أمك المسكينة دى .. ومرتك وولدك.، وكل اللى بيحبوك.”.!!
ويشكرهم كمال فى ود وعرفان، ثم ينظر إلى عواطف.. ثم إلى عفاف.. ويقول فى صوت هادئ عميق.
كمال: أنا نفسى أقولكم على حاجة كده يا بنات عمتى.
عواطف: قول يا خويه على كل اللى فى نفسك.. عنينا ليك.!!
عفاف: (وهى تؤمن على كلام عواطف).. قول يابو عادل…،
كمال: (يسترسل).. انتو عارفين يا بنات عمتى إنى ماليش اخوات.، .. صح ليه عم وولاد عم.. وقرايب فى البلد.، بس أنا نفسى.. يبقالى أخ.، ويكون فى جدعنة وشهامة ورجولة سالم أخوكم.!! .. إيه رأيكم لو يعنى تخلوه يعاهدنى قدامكم…، وقدام ربنا.. إنه يفضل أخويه طول العمر.؟!! (وهو ينظر إلى سالم).. إيه رأيك ياسالم.؟!!
سالم: (بعاطفة جياشة وهو يقاوم الدموع فى عينيه).. ربنا عالم.. وشاهد إنى أخول على طول يا كمال.، وانته عارف اللى فى قلبى من ناحيتك.. ومن زمان يا خوى.!!!
كمال: (بعاطفة جادة) شاهدة يا عفاف.، شاهدة يا عواطف.؟! .. وفى سرور تبادر عواطف فتأخذ يد كمال ويد سالم، وتضع يدها .. عليهما، وتضع عفاف يدها على أيديهم، وتقولان فى عبارة واحدة… (شاهدين…، والفاتحة على كده.”… ويقرأون جميعاً .. الفاتحة”…”، ولا الضالين … آمين.”".. صدق الله العظيم.
وقبل أن تفلت عواطف يدها.. يتمسك بها كمال قائلاً..
كمال: وفيه حاجة تانيه نفسى فيها برضو يا عواطف..!! (فتفهم عواطف شيئاً ما فى نفسها.. فتقول.)
عواطف: (بمداعبة) يووه.!! دانته نفسك أتفتحت على حاجات كثير بقى.!! انته طمعت وللا إيه.؟! (يضحك سالم وعواطف.، وتبتسم عفاف … من اجل الموقف.!!،. (وتسترسل عواطف).. حاجة إيه تانى…؟!! عموماً.. برضو قول.. وأنا عنيه ليك يابوعادل.
كمال: (بجدية.، وكأنه يصدم تفكيرها).. عمتى نظيره يا عواطف انتى وعفاف .. عاوزها تسامح ابوى الله يرحمه.!!، وحا رجعلها ورثها بالكامل.. وعليه حته كمان.!! أنا عارف إنها أتظلمت ، وأنه حقها عند ابوى.. ولازم يرجعلها.. بس تسامح ابوى يا عواطف.. عشان خاطرى..!!
صفية: (وكأنها تؤمن على كلام كمال) أيوه.. روحى يا عواطف هاتى أمك من بره.، دى نظيره غاليه قوى .. دى هيه اللى مربية كمال أكثر منى.!! وتذهب عواطف مسرعة إلى خارج الحجرة.. لتعود بأمها نظيره ..بعد أن أسرت عليها بما قاله كما.، وما أن دخلت نظيره الحجرة حتى انفلتت من عواطف ، وهرعت إلى كمال تسبقها لهفتها، لتحتضنه بعاطفة الأمومة الصادقة وهى تقول..
نظيرة: حمد لله على سلامتك يا كمال يا ولدى (تكفكف دموعها).. ربنا يتمم شفاك وتقوملنا بالسلامة،.. أما أبوك الله يرحمه.. فأنا مسامحاه من غير حاجة يا ولدى.. دا اخوى برضو.. (وتبكى بحرقة.).
كمال (بنبرة رجاء).. سامحيه يا عمتى من قلبك.، وساميحنى انا كمان…، إنتى اتظلمتى كتير.!!، بس انتى برضك جبل.!!، وحاتحملينا كلنا..!! (ثم ينظر إلى عواطف نظرة ساهمة غريبة.. فتقول له عواطف)
عواطف: (باستغراب مصحوب بالدلع) إيه يا خويه مالك.؟!! فيه إيه.؟! أول مرة تشوفنى وللا إيه؟!! (وتضحك… وتنظر للباقين ليضحكو.. فيقاطعهم كمال.!!).
كمال: (بنبرة جادة.) هوه محمود واد خالك راغب هنا يا عواطف.؟!!
عواطف: (باستغراب) يوه.!! أيوه قاعد مع عمك راغب.. منتظرين يدخلوا بعدينا يتطمئنوا عليك.!! ليه .؟!!
كمال: (وهو ينظر لسالم بجدية).. لو سمحت يا سالم.. خلاص كده.!! أنا مش عاوز حد يتعطل عشانى اكثر من كده.!! يا ريت يا عواطف كما تروح معاه.!! يمكن طريقهم واحد.!!،
عواطف: (باستغراب) مش فاهمه.. تقصد إيه يا كمال.؟!
سالم: (باستغراب أيضا).. إيه يا كمال.؟! انته فيه حاجة فى دماغك .. مش قادر تقولها وللا إيه.؟!
كمال: (بحدة) .. مفيش حاجة.!! هيه فاهمه قصدى.!! (ويدير وجهه للناحية الأخرى عنهم.!!).
وتفهم عواطف قصد كمال.، إنه إذن علم بموضوع قضية الطلاب..، واعتقد أنها قد رفعتها عليه فى غيابه لكى تتزوج محمود.!!، ولكن .!! ألم يعلم بأنها سحبت دعوى التطليق من المحكمة قبل الحكم؟!!، ولمجرد أن تواترت الأخبار عن قرب قدوم المصريين الغائبين بالخليج بسبب الحرب؟ !! وإذن هى مازالت زوجته!! فلماذا يتكلم هكذا.؟!! (وتغصبت على نفسها لتداعبه قائلة)
عواطف: أنا يا خويه طريقى عارفاه وحدى… وآهو قدامى.!!
كمال: (بحزم) لا ياعواطف.!! (ثم ينظر إليها مسترسلاً) إنتى يا بت عمتى خلاص.. بقيتى مصراوية.. بهرتك أضواء القاهرة.، وأنا بصراحة ناوى اعيش هنه اراعى ارضى وحالى ومالى.!!
عواطف: (بلهفة، واعتراض).. يعنى إيه يا كمال؟! عاوزنى اسيب حالى ومالى ومكتبى وشهرتى واسمى الله عملته بعرقى وجهدى..، وآجى اعيش معاك هيه.؟!! فـ “عرب الدوايره”.؟!! ما تتكلم يا سالم يا خوى.؟! شايف كمال بيقول إيه.؟!
سالم: (ويبدو كأنه لا يفهم قصد كمال) والله يا عواطف أنا شايف إن كما…. (فيقاطعه كمال بسرعة).
كمال: (بحزم) لو سمحت يا سالم يا خوى.!!! (ثم يتجه لعواطف..) لا ياعواطف.!! (وينظر لها بعمق.. تلتقى عيناه فى عينيها.) وتطول النظرة كأن كل منهما يقرأ ما بداخل الآخر فى صمت.!!، وينتظر الجميع من كمال.. ما بعدلا .. !! .. لكنه يصمت ساراحاً فى عواطف.!! حتى تعجب الحاضرون، وظن سالم – لطيبته – أن كمال ينظر إلى عواطف نظرة رجل يشتاق إلى زوجته بعد طول غياب.!!، فيميل على كمال – (مداعباً.!!).. وهو يقول ضاحكاً.
سالم: (وهو يشير بيده) إيــ.. يه.؟! انته نسيت قوام كده إنها خلاص .. ما تجوزلكش.!!
وينظر كمال كما تنظر عواطف باندهاش.. إلى سالم .. !! فكأنه قد نطق بما كانا يفكران فيه بنظراتهما الصامتة.!!، ويلاحظ سالم.. إندهاش كمال.. فيحاول شرح مداعبته قائلاً..
سالم: إنته يا راجل مش لسه قارئ فاتحة إنك اخوى.؟!! طيب..، وهيه كمان اختى..، يبقى ماتجوزلكش.. وللا إيه.؟!!
ويتضاحك الجميع، ويبتسم كمال مجاملة لسالم.!!، وتضرب عفاف بيدها على كتف سالم وهى تخبئ وجهها بين كفيها خجلاً.!!، ولكن كانت هناك من لم يحرك لها ذلك الحوار ساكناً.!! إنها عفاف.. التى تقف على الجانب الآخر من السرير بجوار أمها نظيرة… متأملة ما يحدث أمامها فى عجب من أمر أختها عواطف التى سرعان ما نسيت أو تناست ما حدث لها.. أو حدث منها.. فى غياب كمال.!!، وأرادت عفاف أن تنأى بنفسها عن هذا الجور – مخافة أن يظهر عليها الضيق.- فتسحبت ناحية الباب لتخرج من الحجرة حيث شعرت أن دورها قد انتهى.!!، ولكن كمال الذى كان يراقبها من حين لآخر – تنيه إلى تسحبها ناحية الباب وفهم ما بها، فنادى عليها بسرعة قائلاً “عفاف”.!!..، وتركت عفاف مقبض الباب وعادت إليه مسرعة
عفاف: (فى غير تلهف).. أيوه يا بوعادل.؟! (وكانت قد شعرت بترقرق الدموع فى عينيها .. فنظرت بعيداً.!!)
كمال: رايحه فيه ياعفاف.؟!
عفاف: (وكأن شيئاً لا يعنيها).. رايحه أقف مع خالى راغب بره .. لغاية ما تخلص كلامك مع مرتك – وسالم.!!.
كمال: (باستدراك).. وه.؟!! هوه عمى راغب لسه بره هوه ومحمود؟! سايبين العزا وجايين كل شويه هنا ليه.؟! مش كفايه أنا … اتكتب عليه ما حضرش دفنه ابوى.. ولا آ×د عزاه.؟!!.
نظيره: (بتأثر) وه يا كمال يا ولدى.. ما تعملش فى نفسك كده.، ودا امر الله، والحمد لله سابك راجل، وحاتسد وتمد بعديه أن شاء الله.!!
كمال: (فى نبرة عميقة).. طب ممكن يا عفاف.. بعدما تنادمى عمى ومحمود من بره.. تاخدى عمتى نظيره وتروحو عالبيت الكبير عند بنا .. تاخدو حاجتها.. اللى تلزمها قوى يعنى.. وتروحو عند سالم.. فى بيت القاوى.؟!!
نظيره: (بشيئ من الغضب والمعاتبه) وه.؟! ليه كده يا ولدى.. البيت الكبير دا بيت ابوى برضو.. ما قدرش اسيبه دلوك.!!.
سالم: (فى شهامة ونخوه) وه يا مرت ابوى.!! دانا سالم اللى انتى مربياه، ودى عفاف اختى.!!، أنا أولى بيكم من اى حد.!! وبيتى هوه بيتها، وبيت عفاف بيتك.. يبقى بيتك..و…
كمال: (وهو يقاطعه) حيلك يا عم سالم.!! دول همه يومين … تلاته كده.. لغايه ما اطلع من المستشفى ويخلص العزا… وأشوف حارتب امورى كيف.، وبصراحه كمان عشان فيه حاجة كده فى دماغى.. حاتعرفها فى وقتها.!! بس المهم دلوك.. حسب الاوصول يعنى.. تخللى عفاف وأمها عندك.. فى بيتك.!!
سالم: (بشهامة) على رأسى من فوق .. وفى عنيه من جوه.. دى اختى.!!
كمال: (بترضيه) خلاص يا عفاف.؟!! خلاص يا عمتى.؟!!.. والنبى خدونى على كد عقلى دلوك.. ماشى.؟!!
عفاف: (وقد أحست بان كمال له غرض ما فى ذك).. خلاص يا بو عادل.. ماشى يا خويه.، وامى حاتروح معايه عند سالم.. ما هو بيت اخوى .. وولدها اللى مربياه.، ياللا بينا يامه.
وتخرج عفاف ونظيرة، ويدخل الأستاذ راغب ومحمود، فيحاول كمال أن يعتدل قليلاً حيث مضطجعاً..، وهو يضع يده على لفة الشاش والقطن الكبير على الجانب الأيمن من صدره..، فيهرع إليه عمه راغب ويهرع إليه محمود.. ويمنعانه من التحرك.
راغب: أوعى تتحرك يا كمال..، لتكون الحركة مش كويسه عليك يا ولدى.!! وألف ألف سلامه عليك، والعمر الطويل ليك يا ولدى والأمر لله. (ويكفكف دموعه).
محمود: حمد لله على سلامتك يا كمال.. عامل إيه دولك يا واد عمى.؟!
كمال: الحمد لله.. الحمد لله على كل حال. (ثم يستدرك) والله يا عمى أنا كان فيه حاجة كده جوايه تعبانى.!! ونفسى بصراحة أطلعها فى وجودكم كلكم.!!
ويبدو القلق على وجه عواطف، وكأنها قد أحست فى كلام كمال بشيئ لا يريحها.!!
ونظر إليه عمه راغب ومحود وسالم باهتمام.. انتظاراً لما سيقول كمال.
راغب: قول يا ولدى.. إيه اللى تاعبك.؟! إحنا سامعينك.
كمال: انته يا عمى عوضاً عن أبوى، ومحمود أخوى.، وآدى سالم كمان عاهدنى أنه حيكون أخوى.، يبقى تسمعونى وتفهمونى زين.!! (يومئ الجميع بالموافقة فيسترسل كمال..) أنا لماجيت من الخليج أنا وسالم، وعرفت إن عواطف رفعت عليه دعوى تطليق عشان يمنابى.. ودا من حقها.. مانا كمان طولت قوى.!!، صحيح أنه كان غصب عنى.. لكن وهيه كمال ذنبها إيه.؟!.
سالم: دى كانت أيام الله لا يرجعها.. بس خلاص عاد … الحمد لله.
كمال: (وهو يقاطعه) خلينى أكمل كلامى عاد يا سالم (وينصت الجميع فيسترسل) لما رجعنا – وكان على يدك ياسالم – إيدورا.. وإيدقدام، وكأن السنين اللى قضيناها هناك دى راحت من عمرنا.!!، قلت فى عقل بالى.، وعواطف ذنبها إيه.؟! دانا مفروض أعوضها عن السنين اللى راحت من عمرها.!! ما لقيتش عندى حاجه أعوضها بيها غير إنى أديها الحاجة اللى كانت رناها بيه من غير فايده.!! وهيه حريتها منى يا سالم.!! فاروحت على طول عالمحكمة.. وطلقتها طلاق “بائن” يعنى نهائى ملوش رجعه.، ويمكن ورقه طلاقها زمانها راجلتها على عنوان مكتبها فى مصر.!!
(ويحملق الجميع فى كمال بدهشة شديدة..!! فيقول كمال وكأنه يبرر موقفه .. وهو ينظر إلى عواطف.. كأنها أخروه).
كمال: قولت اسبيها لمكتبها ومستقبلها وأسمها اللى عملته بشقاها وتعبها زى ما عاتقول.!! واسيبها تشق طريقها مع اللى حيكون إن شاء الله أحسن منى معاها. (وهو ينظر خلسة إلى محمود). وتضع عواطف كفيها على وجهها..، وتهرع ناحية الباب لتخرج.. وقبل أن تفتح الباب ينادى عليها كمال بشدة.!!.
كمال: (يعمق وحزم) عواطف.، استنى يا بت عمتى.. إنتى طالق.. طالق .. طالق بالتلاتة، وحرمانه عليه “كظهر أمى”.، ودا لمصلحتنا إحنا الاثنين، !!، وأنتى عارف دا كويس.!!
وتخرج عواطف مندفعة إلى خارج الحجرة باكية من الموقف.!!، فى حين عقدت الدهشة السنة الحاضرين.!!، فهم لا يعلمون إلا موضوع قضية التطليق، ولكنهم بالطبع ما كانو يعلمون شيئاً عن طبيعة العلاقة بين عواطف وكمال بعد الزواج، حيث كانت علاقتهما قد وصلت إلى حد النفور، بل كان هذا النفور أهم أسباب سفر كمال إلى الخليج بعد الزواج بفترة قصيرة.!!
سالم: (وهو يخرج عن صحته باستغراب) إيه ده.؟! ليه كده يا كمال.؟!!
كمال: ما كانش فيه فايدة غير كده يا سالم.. كده أحسن ليها وليه ياخوى … عواطف خلاص.. حبت مصر وعيشة مصر وناس مصر، والمحاماه والمستقبل اللهى بتقول عليه هناك.، دانا بصراحة ما ينعفش اسيب حالى ومالى هثه واروح اعيش معاها فى مصر.!!، وعاوزك كمان تساعدنى وتخليك معايه ىف حكايه ثانيه كده يا سالم.!!
سالم: (باستغراب) طب وعادل.؟! ولدك فيها.!!
كمال: ما هو دا دورك عاد يا سالم.!! ماتخليهاش تعاند وتقول آخذ الواد معاى.، وانته عارف الواد مصيره لابوه.!! ودا عنده ياجى تمان سنين دولولك.
سالم: (باستغراب) بس انته عاتحرجنى قوى كده يا كمال.!! دى اختى برضو … والله مانا عارف أقولك إيه ياخى.!!.
كمال: تقول الحمد لله على كل حال، ورسبت لغاية كده.!!، واحنا برضو اخوات ونسايب.!!، وخصوصاً إن اللى انا شايف إنها تنفع معاى عندك برضو ياسالم.
سالم: (بدهشة).. عندى برضو.!! مش فاهم تقصد إيه.؟!
كمال: (بثقة) لا أبداً.. أنت فاهم كل حاجة.!!، وأظنك دلوك عفت ليه أنا طلبت من عفاف وعمتى إنهم يقعدو عندك اليومين دول.؟!!
سالم: وه.!!، قصدك يعنى.. ناخد عفاف بدل عواطف.؟!
كمال: ما سمهاش بدل عواطف يا سالم .، (بثقة).. عفاف هيه اللى كانت تنفع معاى من الأول يا سالم.!! وانأ لما طلبت إنها تروح هيه وعمتى عندك كان عشان لما آجى أقول عليها.. آجى أخطبها منك.. وهيه عندك فى بيتك يا سالم.!!، وقبل ما عمى يسافر.. عاوز منك ومنها كلمة الله يرضى عليك
سالم: وه.!! وينفع تطلق مرتك وتتجوز أختها.؟! فى الشرع يعنى.؟،
كمال: أمال أنا طلقت عواطف طلاق “بائن” ملوش رجعه ليه.؟! م اهو عشان أتجوز أختها.. ودا طبعا جائز.
سالم: (بشئ من الحيرة) عموماً الكلام ده مش وقته دلوك…، لما تطلع من المستشفى كده بالسلامة نبقو نشوفو الحكاية دى.
راغب: (وقد خرج عن صمته أخيرا)… والله يا كمال يابنى.. رغم إنى يعنى زعلان على عواطف.!!، لكن بصراحة قرارك دا كان صح.!! وانته فعلاً محتاج دلوك لواحدة فى جدعنه وشطارة “عفاف” (ثم يستدلاك) لكن المهم دلوك صحتك، وإحنا بقالنا كتير بنتكلموا… لأحسن دا يكون مش كويس عليك.؟! ياللا بينا ياجماعه نمشو دلوك.. والله فيه الخير يقدمه ربنا.. ياللا….
ما بعد المشهد الأخير
يخرج كمال من المستشفى، وكانت عواطف – بعد أن أقنعها سالم – قد تركت ابنها “عادل” فى بيت أبيه “الدار الكبير لال الدويرى”..، وذهبت بمفردها إلى القاهرة.، وبعد أن استقر الحال بكمال قام باصطحاب عمه راغب ووالدته صفيه، وذهب إلى منزل سالم همام القاوى، حيث خطب “عفاف” من أخيها وأمها نظيره.، كانت عفاف تنظر إلى كمال بفرح شديد – رغم محاولتها إخفاء ذلك الفرح نظراً للظروف الأخيرة – وهو يضع كلتا يديه فى يدى اخيها سالم، وتحرك قلبها قبل لسانها وهى تقرأ معهم الفاتحة – كانت عواطف قد تركت شقتها الفخمة فى شارع شبرا، حيث لم تعد تستطيع تحمل إيجارها الكبير ونفقاتها بعد الظروف التى مرت بها.، مما اضطرها للعودة إلى شقتها القديمة بالمساكن الشعبية بجوار شقة والدتها.، وراحت عواطف – بعد عودتها من “عرب الدوايره” – تتأمل ما آل إليه حالها.، فها هى وكأنها عند نقطة البداية حينما كانت تتخذ من هذه الشقة الحقيرة مسكناً… ومكتباً للمحاماة.!! ولم تمض أيام كثيرة.. حتى شعرت عواطف بالضيق الشديد، ولم تجد بداً من الاتصال بأمها نظيرة “تليفونيا” تستنجد بها.. وتستحلفها أن تعود إليها فى أسرع وقت ولا تتركها بمفردها هكذا فى القاهرة.!! وكاد قلب نظيرة ينفظر على ابنتها عواطف.، وسارعت بالسفر إليها لتكون بجانبها فى هذه الظروف، وما أن استقر الحال الجديد بعواطف حتى شعرت بالحنين إلى “المحل” الذى كانت قد أغلقته بعد الظروف التى جاءت عليها فى الفترة الماضية.، وهكذا وجدت نفسها تذهب إلى شارع “26 يوليو”.. وأخذت تنظر من بعيد.. وتتحسر على “المحل الذى كان زاخراً… وأغلق بسبب الصراعات بينها وبين “نبيل” الذى شق قلبها نصفين، وكاد يدمر حياتها قبل أن يختفى نهائياً فى “بلاد الأحلام”.!!،.. اقتربت عواطف من المحل ساهمة.. ووضعت يدها على الباب فى تحسر.، واخرجت المفاتيح من جيبها وفتحت القفل الخارجى.. وحاولت رفع الباب “الصاج” الكبير.. ولكنه كان وكأنه قد عاند معها هو الآخر.!! فلم تستطع رفعه بسهولة كما كان.، ونظرت حولها.. فوجدت رجلاً رث الثياب.. تبدو عليه .. فى وجهه وهيأته.. علامات البؤس.، فنادت عليه ليساعدها فى رفع الباب.. ووضعت يدها فى جيبها لتوحى إليه أنها ستعطيه شيئاً مقابل مساعدته لها.. واقترب الرجل فى صمت، ومال على الباب “الصاج الكبير ليرفعه مرة واحدة لأعلى.. وبقوة.، ووجدت عواطف نفسها تنظر عليه باستغراب.!!، وينظر الرجل إليها ويطيل النظر.!! وكأنه يريد أن يقول لها شيئاً.، وتأملته بدهشة ، وكادت تصرح..!! ولكنها.. لم تدر لخطتها إن كانت صرختها هذه كانت تعبيراً عن الفرح .؟!! أم … من الخوف والفزع وهى تقول… نبيل.؟!!.
تمت بحمد الله
(1) عادة ما يطلق هذا الاسم علي المنطقة الواقعة ما بين جنوب محافظة سوهاج وشمال محافظة قنا من ناحية الجبل الشرقي ؛ وذلك نظرا لانعزال هذه المنطقة وصعوبة وندرة وسائل المواصلات إليها .
(2) ” الشبة ” هي أنثي الجاموس التي لم تحمل بعد .
(3) ” الحلزونة ” ( بفتح الحاء واللام التي تليها ) تشبه الأتوبيس من الطراز القديم ، أو عربات النقل القديمة من حيث البروز أو المقدمة الأمامية التي فيها الموتور ؛ والاختلاف فقط في السقف الخشبي الذي يغطيها ، والكراسي الخشبية المثبتة علي جانبيها من الداخل ، ولها صوت وضخضخة في مشيتها كأن عجلاتها أيضا خشبية .
(4) ” القوصرة ” عبارة عن فتحة نصف دائرية علي البوابة أو الباب الرئيسي للدار أو المنزل الريفي الكبير ، و تغطي بأسياخ أو أشكال من حديد ” الكريتال ” المطوّع علي شكل رسومات قديمة .
(5) يقال هنا أن كثيرا من البسطاء قد نصحوا الحاجة كوثر والحاج كاظم بقطع هذا الغصن الجاف لأنه نذير عدم الإنجاب .!! وان ” قرينة ” الحاجة كوثر التي تغار منها لابد أنها تقف علي هذا الغصن وتنظر إليها وهي مع الحاج كاظم في السرير.!!فلا يحدث الحمل .! ولكن كاظم كان يهزأ بهم .
(6) هو السرير ذو الأعمدة الأربعة النحاسية.. المنقوشة و المزخرفة ، يعقفها سقف من الدانتيل المنقوش تتدلي منه الستائر الحريرية علي جوانب الأعمدة فلا يدخل إليه الناموس .!
([7] ) وهو الجلباب الطويل حتي أخمص القدمين ، أحيانا يكون ضيقا عند الخصر ، ولا يختلف في طراز تفصيله إلا في نوع القماش والزركشات التي يوَشي بها حسب الثراء والوجاهة الاجتماعية للمرأة هناك .
([8] ) يوضع الحليب في ” قربة ” صغيرة معقوفة من الجانبين وتظل المرأة تهزه أو ” تخضه ” بانتظام إلي أن تفصل الماء عن الزبد ، ثم يقدح الزبد ليصنع منه السمن البلدي .
([9] ) الحد الادني لسن الزواج للفتاة في زمنهم ..!
([10] ) تواترت الحكايات الغريبة عن هذه البئر التي يتجدد ماؤها العذب البارد في قلب الجبل منذ أزمان بعيده مضت.!! فمن قائل بأنها انفجرت تلقائيا من قلب الصخر دون أن يحفرها إنسان.!! إلي قائل بأنها حفرت بأيدي الأولياء الصالحين الذين كانوا يأتون إلي ” الشيخ سماعين ” مثل الولي الصالح ” الشيخ شيخون ” الذي يعتقد أهالي المنطقة أن آثار قدمه هي التي ما زالت محفورة في الصخرة التي بجوار البئر إلي يومنا هذا .!! إلي قائل بأنها كانت نتوءا بالجبل وامتلأت أيام طوفان نوح عليه السلام .!! إلي قائل بان ” الفراعين ” هم الذين حفروها ..!! لكن الغريب في الأمر فعلا أن البئر في منطقة صخرية اعلي بكثير من مستوي سطح الحد الادني لسن الزواج للفتاة في زمنهم ..!
([10] ) تواترت الحكايات الغريبة عن هذه البئر التي يتجدد ماؤها العذب البارد في قلب الجبل منذ أزمان بعيده مضت.!! فمن قائل بأنها انفجرت تلقائيا من قلب الصخر دون أن يحفرها إنسان.!! إلي قائل بأنها حفرت بأيدي الأولياء الصالحين الذين كانوا يأتون إلي ” الشيخ سماعين ” مثل الولي الصالح ” الشيخ شيخون ” الذي يعتقد أهالي المنطقة أن آثار قدمه هي التي ما زالت محفورة في الصخرة التي بجوار البئر إلي يومنا هذا .!! إلي قائل بأنها كانت نتوءا بالجبل وامتلأت أيام طوفان نوح عليه السلام .!! إلي قائل بان ” الفراعين ” هم الذين حفروها ..!! لكن الغريب في الأمر فعلا أن البئر في منطقة صخرية اعلي بكثير من مستوي سطح الماء في هذه المنطقة سواء النيل أو خلافه، وهي ليست عميقة لتقول أنها من المياه الجوفية.!! رغم أن المياه الجوفية قلما يستمر عطاؤها كل هذه الأزمان الطويلة.!! فمن أين جاء هذا الماء العذب البارد في قلب الصخر في جبل بير العين ؟! الله اعلم.
([11] ) كان عم زغلول ــ تومرجي الوحدة الصحية في ” عرب الدوايره ” يعلم حقيقة هذه ” الحقن ” التي يستدعونه ليعطيها للحاجة كوثر في ” الوريد ” فهي حقن الإخصاب التي دائما ما يوصي بها الدكتور ” فارس ” طبيب أمراض النساء والتوليد بالبندر .!! وعلي هذا يمكن القول بان آل الدويري وحدهم هم الذين كانوا يعتقدون بان هذا الأمر سر لا يعلمه غيرهم .!!
([12] ) تزيد الناس في هذه المنطقة في نقل الروايات عن الأفراح التي أقامها كاظم :ـ الدويري عند ولادة ولده البكري كمال : حتي قيل انه أقام سبع ليال أفراح .. كان يذبح في كل ليلة منها عجل جاموسي كبير ؛ ويقوم بتوزيعه بنفسه علي أهل عرب الدوايره .. في حين أن الجميع كان يعلم بخله وطمعه.. فهو الذي يمنع زواج أخته نظيرة حتي الآن خوفا علي خروج ميراثها من يده ..!! ، ومنهم من قال بأنه ذبح عجلا واحدا في ليلة السابع للمولود.، وعندما قامت زوجته صفية أم المولود ” كمال “.. يأخذ بعض اللحم من العجل وإعطاءه لزوجة أبيها وإخوتها لأنهم فقراء .. وأولي من الغريب .. ثار كاظم في وجهها .. واخذ اللحم من يدها .. وهو يضن به علي أهل زوجته .
([13] ) لم يكن احد من الذين عايشو نظيرة في فترة وجودها في منزل أبيها قبل زواجها يقول بأنها كانت لئيمة وقد تكون هذه الهواجس التي دخلت إلي قلب كوثر من ناحيتها كانت من تصاريف القدر حيث كانت هذه الهواجس سببا في تحمس كوثر في دفع كاظم دفعا إلي تزويج نظيرة فكان الأمر في النهاية في صالح نظيرة التي كانت تعرف بالذكاء والفطرية وخفة الدم ولكنها لم تكن أبدا لئيمة
([14] ) كان الموظف الصغير في احد الدواوين الحكومية دائما ما يمسك بالقلم الكوبيه في يده وهو يعمل فإذا تكلم أو انصرف إلي شئ غير الكتابة تجده يضع هذا القلم علي اذنه فيقال لهذا الموظف أبو قلم في ودنه
([15] ) كان رأي الكثير من أهل عرب الدوايرة أن مطاوع هذا كانت تأتيه إعانة دائمة من حمدان أبو العين حينما يوزع الزكاة علي الفقراء ـ في الخفاء ـ وانه لابد هو الذي ابلغ حمدان بعدد البهائم التي كان كاظم قد اشتراها من السوق قبل سرقتها بليلة واحدة، وان مطاوع هذا كان لئيما.. ويتقول علي مخدومه كاظم في كثير من الأحوال .. من خلف ظهره .!!
([16] ) كان الكثير من أهل المنطقة يقولون أن الحاج عبدالموجود السميعي هذا .. هو الذي كان يساند حمدان أبو العين ويستفيد من وراء أعماله التي يقوم بها من اخذ الزكاه من الأغنياء بالقوة.، بل هناك من يقول إن العمدة السميعي هذا أيضا ـ ومن ناحية أخري ـ يتصل بالحكومة ويخبرها عن تصرفات حمدان ما عدا موضوع فرض الزكاه ـ ولكن بتبرير من عنده لكل أعماله ..!! ويتعهد للمركز بأنه سوف يقوم بتسليم حمدان إلي المركز .. في حالة ما إذا ثبتت عليه أي تهمة.. ولكن من ذا الذي سيشكو حمدان عند الحكومة .؟! ولذا لم يكن هناك أي دليل علي ضلوع حمدان في أي مشكله .!! وأما الظاهر الذي يعلمه حمدان .. فهو تشجيع العمدة عبدالموجود السميعي لكل تصرفاته التي يقوم بها لدرجة انه كان أول من يدفع له الزكاة.!! وان كان في الخفاء ياخذ أضعافها من وراء حمدان .!! وكان كثيرا من الأهالي يعرفون ذلك .. ولكن من الذي يستطع أن يشي بالعمدة السميعي عند حمدان .؟!
([17] ) كان لبعض الأهالي رأيهم في اسم المقروطة ـ حيث كان قد انتشر ـ في فترة سابقة علي هذه الفترة ـ اقتناء البندقية ” الخرطوش ” ذات الماسورة الطويلة نسبيا .. واعتاد أهل الليل وقطاع الطرق علي ” قص “جزء من ماسورة هذه البندقية ليسهل حملها داخل ملابسهم الواسعة الطويلة..!! وأيضا قد يكون لتخفيض صوت إطلاقها الصارخ.. ولذا عرف هذا النوع ” بالمقروطة ” ..!! .. فلما ظهرت البندقية الآلية الصغيرة أو القصيرة بالنسبة للخرطوش.. أطلق عليها أيضا اسم المقروطة أيضا في هذه المناطق البدائية .
([18] ) كان كاظم الدويري يعتقد أن أحدا لن يعلم بما حدث من سرقة البهائم من منزله بمعرفة حمدان ابوالعين .. ولذا لم يتحدث مع أي احد فيما حدث .!! ولكن كثيرا من الأهالي كان قد تكلم مع مطاوع الكلاف الخصوصي عنده .. وعرفوا منه ما حدث..!! وبعد أن عرف مطاوع باقي القصة من رفاعي الخفير طرف العمدة السميعي .!!
([19] )هناك من لا يؤيد بعض ما روته نظيره عن لقاءها بحمدان لاول مرة من حيث دقة التفاصيل .!! ووجهة نظرهم ان نظيره لم تكن بالجمال الاثر الذي يتيه به حمدان إلي هذه الدرجة وخصوصا انه كان ايامها ما يزال متزوجا .، ثم ان حمدان بطبيعته الخشنة ومزاجه الحاد من الصعب ان يهيم بامراة هكذا ويقول فيها الشعر او الزجل ، ثم انه حينما كان يجوب الاسواق والبلاد بشومته ليلعب العصا مع العتاه ويبارز الاقوياء .، ولم يعرف عنه ابدا انه كان يجالس الشعراء او الزجالين القوالين .!! فمن اين هبط عليه ذلك الزجل الذي ارتجله فورا اثناء لقاؤه لاول مرة بنظيره .؟!! ومن راي هؤلاء ان ما حكته نظيره عن لقاءها الاول بحمدان فيه تزييد .، وان الزجل كان من خيال من تواترت علي السنتهم القصة كلها وتناقلوها جيلا بعد جيل .!!
([20] ) هناك شكوك في النوايا الحقيقية التي دفعت صفيه لتقوم بدورها هذا . حتي اتمت زواج همام القاوي من نظيره ، حيث قيل انها كانت ـ في مراهقتها ـ تحب همام فعلا .، وان محاولتها الناجحة في زواجه من نظيره انما كانت محاولة لتقريبه اليها هي او تقربها هي اليه .!!، ولكن قد يكون في اللاشعور .. ولا تدري هي نفسها بذلك .!! ولكن الغريب كان موقف كوثر التي كانت تعلم هذه القصة بل عايشتها مع صفيه اثناء زمالتها لها بالثانوي ، بل قد كانت كوثر تعلم ان صفيه كانت تحب همام إلي درجة الاندفاع ، وانها هي التي كانت تمنعها من ذلك الاندفاع .!! فهل تناست كوثر كل هذا .؟! وتجاهلته من اجل ازاحة نظيره من وجهها من المنزل .، ام انها تدخر مواجهتها لصفيه بهذا الموضوع للمستقبل فلربما احتاجت اليه في موقف ادق .، لكن من الواضح ان شخصية كوثر ليس بهذا القدر من الذكاء .!!
([21] ) كان موضوع ” حجاب التوهة ” ينتشر في فترة سابقة علي هذه الفترة التي ولدت فيها عفاف ، ولكن فرحة همام القاوي بها .. جعلته يفعل ذلك رغم علمه بان هذه الاشياء اصبحت قديمة ومضحكة .!!
([22] ) كان اهل هذه المنطقة النائية الموغلة في التصحر والانغلاق ـ الناشئ عن صعوبة المواصلات اليها ، وبالتالي صعوبة وصول اسباب المدنية ـ دائما ما يعتقدون في الخرافات وتنتشر بينهم الحكايات المتواترة عن السر الباتع للشيخ سمعان الذي يقبع ضريحه في بطن السفح المتصل مباشرة بهذا الجبل .، وعن البئر التي تفجرت بالقرب منه ليشرب منها ويتداوي كل من يزور الشيخ والتي سميت ” بير العين ” ..، واحيانا كان يطلق عليها ” بير الفطامه ” وقد تكون هذه التسمية جاءت لكثرة ما كان ينمو حولها من نبات الصبار .. الذي يعتقد انه يشفي كثيرا من الامراض .، ومن الواضح ان من اهم استخدامات هذا النبات في هذه المنطقة ما كان ياخذ من النبات من السائل الشديد المرارة فيدهن به ثدي المرضع .. فاذا ما لعقه الطفل عاف ثدي امه .. وسهل فطامه .!!
([23] )كان هذا السبيل يتكون من حوض كبير يقرب طوله من ثلاثة امتار وعرضه المتر تقريبا ويرتفع عن الارض بحاجزه الذي يقل قليلا عن المتر ..، لتشرب منه الدواب والحيوانات وبجواره مبني اخر مرتفع مربع الشكل مسقوف من اعلي في داخله حوض مبلط بالحجر الابيض وله فتحات ثلاث من الجنب بجانب كل فتحه منها ” كوز ” ليتناول به الزوار الماء من داخل الحوض ..، اما ” الحمام ” فكان عبارة عن حجرتين صغيرتين علي كل واحده منهما باب خشبي صغير .، وبداخل كل حجرة حوض من الحجر الابيض يشبه ” البانيو ” ..وبجواره ” دلو ” صغير او ” جردل ” لاهالة الماء دفعة واحدة علي جسم المستحم فتحصل له هذه القشعريرة .. التي هي بداية الشفاء .!! ، وقد خصصت احدي هاتين الحجرتين لحمام الرجال .، والاخر لحمام النساء ، ولكن حمام النساء كان يتميز بان له جزءا اخر يتبعه من الخلف هو عبارة عن فناء غير مسقوف وفيه مصطبة قد تكون لتجلس عليها النساء المستحمات لتجفيف ملابسهن في الشمس .!! حيث ان النساء هنا يقمن بالاستحمام بملابسهن الداخلية .، ولا تخلع المراة هنا ملابسها الداخلية ولا حتي امام النساء مثيلاتهن طالما هن خارج منازلهن .!! ولم يكن لهذا الفناء باب من الخارج .. بل كان بابه من الداخل يفتح علي الحمام فقط ، ومحاط بحوائط اعلي من الحمام نفسه .!
([24] ) ما زال البئر وضريح الشيخ باقيان إلي يومنا هذا .. ولكن الحمام بجناحه الحريمي والرجالي قد تهدم واصبح اثرا بعد عين .، ولا يعلم احد اين ذهبت احجاره النادرة .؟!!
([25] ) كذلك تواترت الحكايات عن النخلة المبروكة التي “لها ثلاث رؤوس ” .، والتي تقف كالحارس علي ضريح الشيخ وعلي البئر ، وهي ايضا لها سر .!!، فقد تعود ” زوار الشيخ ” وبير العين .. ان ياخذوا قطعا من جريد هذه النخلة ويقطعونها قطعا صغيرة اقل من حجم الاصبع الصغيره .، فكانت القطعة الواحدة فيها .. لو ربطت بخيط في عنق الطفل بعد طهارته او فطامه .. لكانت ” المشهرة ” التي تمنع عن الطفل الحسد .!! ، بل الاكثر غرابة ما تواتر عن الوقت الذي يجب ان يتواجد فيه الزوار .. في صباح الاثنين وصباح الجمعة من كل اسبوع .!! وهذا .. لان الشيخ ـ كما قيل ـ يخرج من ضريحه ليلة الاثنين والجمعة .، ويتوضا من البئر .، ويصلي عند النخلة المبروكة ، وبين النخلة والبئر كان هناك مبني السبيل .. وفيه ” حمام بير العين ” وهذا .. من يستحم .. او تستحم فيه .. يستطيع ان يدعوا بما شاء .، والمهم صدق النية في الدعاء .!! وصدق الاعتقاد في السبيل .!!
([26] )ما زال هناك ـممن عايشوا بداية حياة حمدان او الذين تناقلوها ـ من يقول بان حمدان في نشاته كان طفلا هزيلا بليدا .. وصبيا محتقرا من زملاؤه ومدرسوه لانعزاله وجبنه ، وان اقرانه كانوا يوسعونه ضربا حينما يلعب معهم ، ولذا كان يهرب من المدرسة الابتدائية ، ثم ياخذه اخوه ويذهب به الي المدرسة ويرغمه علي البقاء بها .. وهو لا يعلم ان حمدان لا يريد المدرسة خوفا من اقرانه الذين يضربونه ولا يجعلونه يلعب معهم لانه ضعيف وجبان .!! وزاد الطين بله .. حينما اتهمه احدهم بانه سرق منه ” دواية الحبر ” ووجدوها في ” خريطة ” حمدان فاوسعه المدرس ضربا بالعصا علي هذه السرقة .!! ولكن حمدان لم يكن يجرؤ ان يحكي لاخوته عن كل هذا .، فماذا حدث له بعد ان وصل الي سن الثالثة او الرابعة عشر من عمره ، وترك المدرسة واصبح يهتم بصيد الظراظير بالنبله .. و كيف اصبح حمدان ابو العين الذي يتندر الناس بقوته وشجاعته وحرفته في العصا .. والنشان
([27] ) لم تكن ” الحاجة بخيته الحلبيه ” حاجة ولا يحزنون .، بل كان حقدها الطبقي الشديد علي كل النساء الشريفات العفيفات وميلها للايقاع بهن .، انما يرجع إلي ماضيها الشائن ، فقد كانت في ما يبدو في شبابها اقرب إلي الساقطات .، فلما كبرت وشاخت .. اضافت إلي اسمها كلمة ” الحاجة ” لتضفي علي نفسها شيئا من الاحترام الذي تفتقده .